هنا النمسا

 

من نحن

 

 

 

القمر ورغيف العيش

 

في مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من شهر يوليو 2021 تحلّ الذكرى الحادية والخمسون لهبوط أول إنسان على سطح القمر، كحدث غير مسبوق في تاريخ البشرية.

في ذلك التاريخ 21 يوليو 1969 كنت على مسافة أيام قليلة من بلوغي سن الخامسة عشرة، وكنت قد أنهيت في شهر يونيو من نفس السنة مرحلة التعليم الإعدادي وعلى مشارف الالتحاق بمدرسة كفر شكر الثانوية العامة المشتركة، التي كانت قد فتحت قبل عام واحد أبواب فصولها للبنين والبنات، حيث كانت المدرسة الجديدة الوحيدة في مركز كفر شكر والقرى المحيطة، بعد أن كان التعليم الثانوي العام متاحاً فقط في بنها عاصمة محافظة القليوبية.

في ذلك الوقت لم تكن الكهرباء قد دخلت القرى بعد، وكانت شوارع قريتنا تضاء في الليالي غير القمرية منذ أوائل ستينات القرن الماضي بلمبات الكيروسين داخل فوانيس زجاجية مثبتة على جدران البيوت الريفية، كانت في القرية مدرسة ابتدائية وحيدة في شرق القرية، أما المدرسة الإعدادية فكانت في كفر شكر على بعد 5 ـ 6 كيلومترات، كما كان بالقرية مسجدان؛ أحدهما الجامع الرئيسي الكبير في غرب القرية وآخر صغير في شرقها؛ وكانت الصحف اليومية والمذياع وسيلتي التواصل الإعلامي مع شئون مصر والعالم؛ أما التلفزيون فكان حديث العهد وقد اقتنى مركز شباب القرية "النادي" الذي أنشئ في سنة 1965 بعد ذلك بسنة الجهاز الوحيد في القرية وكان يعمل ببطارية جافة ولسويعات محدودة مساء أيام الخميس والجمعة حيث نشرة أخبار الساعة التاسعة يعقبها فيلم السهرة أو في المناسبات الوطنية التي يلقي فيها الرئيس جمال عبد الناصر خطبه، وكذلك في نهار أيام الجمعة لمشاهدة مباريات كرة القدم التي تنقل على الهواء مباشرة، وربما حفلات السيدة أم كلثوم وحفلات عيد الربيع، وبالطبع كل هذا يتوقف على مدى كفاءة البطارية!

كانت المصاطب في الأمسيات الصيفية والليالي القمرية بمثابة المنتديات الأهلية التلقائية التي يتحاور الناس، في شرق القرية وغربها، خلالها حول شؤون حياتهم اليومية بالإضافة إلى ما تقتضيه الأمور أحيانا من أحاديث الغيبة والنميمة، قد حاولت استرجاع ذاكرتي لحصر أكبر عدد ممكن من مصاطب القرية آنذاك، إلا أن هذا المقام لا يتناسب مع ذكرها لأنها لا تعني سوى تاريخ تطور القرية خلال العقود الستة الماضية حيث اختفت المصاطب، وجرى هدم كل البيوت التقليدية وبناء كتل خراسانية كعمائر وأبراج لتفقد القرية هويتها وتتحول إلى تجمع ممسوخ لا هو بالمدينة الحديثة، ولا بالقرية كما كانت منذ قرون!

لذلك فسأحتفظ بقائمة مصاطب القرية في الستينيات لأهل القرية، أما هنا فسأشير إلى بعضها فقط.

من أشهر مصاطب ذلك الزمان مصطبة عائلة رضوان، وبالطبع لم تكن المصاطب داخل الحيز العمراني وحدها أماكن تجمع أهل القرية الذين كانت أغلبيتهم من الفلاحين فقد انتشرت مصاطب أخرى حول السواقي التي كانت تظلها أشجار الجميز والتوت والصفصاف الضخمة وحول "المصليات" المنتشرة على جانبي الترعة.

بالإضافة إلى المصاطب على كثرتها كانت هناك تجمعات تعقد في بيوت بعض أثرياء القرية خاصة في ديواني عائلتي فروح وسعد، وكذلك في مضيفتين كبيرتين؛ إحداهما في شرق القرية والأخرى في غربها حيث كانت تقام فيهما المآتم وسهرات رمضان والاحتفالات بعيدي الفطر والأضحى حيث يتجمع كبار العائلات المؤسسة بالمضيفتين لتناول وجبة الإفطار الجماعي التي مازلت أتذكر عشرات المرات التي شاركت فيها مع أبي وأقاربي في هذه المناسبات.

بجانب ذلك كانت المساحات أمام بعض محلات البقالين والخياطين والحلاقين من الأماكن المحببة لعدد كبير من أهل القرية للتسامر. 

نعم، كانت المصاطب وأماكن التجمعات الأخرى في القرية طوال قرون عديدة بمثابة مجالس أهلية لحل المشاكل الأسرية وخلافات الجيرة وكذلك كشبكة للتواصل الاجتماعي المباشر حيث تنتقل أخبار القرية من شرقها لغربها وشمالها لجنوبها خلال سويعات قليلة.

نعم لقد كانت مصطبة آل رضوان منبراً سياسياً بامتياز شهدت كل صيف حوارات ومناقشات كثيرة شارك فيها سياسيون ومفكرون ومثقفون من أبناء القرية مثل الدكتور أبو زيد رضوان وأخوته رضوان ونعيم وعبد العظيم والسيد وكلهم أبناء عمي وابن عمتي الدكتور عبد الباسط رضوان، وغيرهم من الأقارب مثل الأستاذ عبد الوهاب خضير وأحياناً الأساتذة صلاح وعبد الدايم وعبد الرازق جعفر، وحدث أكثر من مرة أن كان الأستاذ خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ومجلس الأمة آنذاك الضيف الأبرز في تلك الجلسات الدسمة التي كان أغلب المشاركين فيها من اليساريين وقليل من الشيوعيين؛ وكم من مرة حضرت بعض الجلسات كمستمع جيد لما يدور من مناقشات وحوارات في السياسة الداخلية والخارجية لمصر والعالم العربي وإسرائيل وقطبي العالم في ذلك الوقت؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وبالطبع كانت مواقف ذلك الجمع من المتناقشين منحازة انحيازاً كاملا لسياسة الاتحاد السوفيتي تجاه القضايا العالمية وخاصة أزمة الشرق الأوسط، نظراً لمواقف الولايات المتحدة الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل صراحة قبيل وبعد حرب يونيو "حزيران" سنة 1967 التي أسفرت عن هزيمة منكرة للجيوش العربية.  

مساء يوم 20 من يوليو 1969 بث التلفزيون المصري لقطات لسفينة الفضاء الأمريكية "أبولو 11" على سطح القمر، وانتظرنا خروج رواد الفضاء من الكبسولة دون جدوى، حتى أن بعض الحاضرين علّق بأن الأمريكان ربما نسوا مفتاح الكبسولة على الأرض!

في فجر يوم 21 خرج "رائدا الفضاء" من الكبسولة وشاهدنا على شاشة تلفاز "النادي" في نشرات الأخبار شبحين يتقافزان على صخور القمر وكنا بين مندهش ومستغرب لهذا الحدث، بينما كان بعض الفلاحين المتواجدين يرددون أن هذا بالتأكيد ـ إن كان حقيقيا ـ من علامات قيام الساعة!

بعد صلاة عصر اليوم التالي للهبوط على سطح القمر تجمّع عدد من فلاّحي القرية على "مصطبة" عائلة رضوان التي كانت تظللها تكعيبة عنب وتظللها شجرة توت عتيقة، وشاء حظي أن أكون بصحبة أبي ضمن المتواجدين من الأقارب الذين لا يكاد يمرّ يوم دون أن يلتقوا في هذا المكان الذي كان بمثابة منصتهم المفضلة للتسامر والتناقش حول شئون الناس في القرية ومصر والعالم.

بالطبع كان خبر الهبوط على سطح القمر هو محور حديث المجتمعين الذين لن أذكر أسماءهم لأنهم رحلوا جميعاً عن عالم الأحياء، حيث بادر أحدهم بطرح سؤال على الجالسين بقوله: "سمعتوا إن أمريكا طلعت القمر ونزّلت امبارح اثنين عليه"؟! فضحك الجمع ساخرين من الحدث، لينبري أحدهم بالإجابة قائلا: "العملية كلها كدب في كدب، وإن كان المتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل! شوفوا يا جماعة، بيقولوا سفينة وطلعت في السما، وسفينة إيه دي إللي تمشي في الهوا من غير ميّه، وبعدين تنزل إزاي على قمر قد رغيف العيش"!

أقنعت إجابة الرجل الحاضرين الذين عبروا عن إعجابهم بضحكات ساخرة، فأردف أحدهم الذي كان قد حضر دورة تثقيف سياسي للفلاحين اليساريين بأن "الكدب مالوش رجلين" وأن الاتحاد السوفيتي سيثبت كذب الدعاية الإمبريالية، لأن العقل لا يمكن أن يصدق مثل هذه الخرافات!!!

اتّجه أحد الحاضرين نحوي وسألني عن رأيي في الموضوع، والواقع أن المنطق الفطري الذي تضمنته رؤية الرجل للحدث أعجبني، فابتسمت وأجبته بما علمته من تعليقات المحللين المصريين المتخصصين في التلفزيون المصري ومحطات الإذاعة الأجنبية كهيئة الإذاعة البريطانية وصوت أمريكا ومونت كارلو التي أفردت مساحات واسعة للتعليق على هذا الحدث التاريخي "بأن سفينة الفضاء ليست في حاجة إلى مياه لتبحر في "الجو" بل يحملها صاروخ يستطيع العلماء التحكم في مساره وسرعته من قاعدة أرضية وأن هذه السفينة مجرد كبسولة صغيرة بحجم أي سيارة، كما أن القمر الذي يبدو لنا من الأرض كرغيف خبز صغير أكبر من ذلك بكثير، وضربت مثلاً بالطائرة التي تبدو لنا صغيرة كحجم طائر الحدأة التي تحلق على ارتفاعات شاهقة، وأضفت أن الاتحاد السوفيتي كان له السبق في غزو الفضاء إلا أن أمريكا تمكنت من تحقيق سبق تاريخي بإنزال أول إنسان على سطح القمر، ومن المتوقع أن تتنافس الدولتان في هذا المجال أيضا".

لم يرق هذا القول لبعض الحاضرين فصمتوا لوهلة ثم علق أحدهم بقوله: "لو كلام حسن صح يبقى فعلاً يوم القيامة قرب ودي أكيد من علامات الساعة، وربنا يلطف بعباده!"

 ...........................................................

 حسن بارود- فيينا في 21 يوليو 2020

 

 
 
  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

برونوـ  كرايسكي

(2)

أول الغيث قطرة

(3)

منحة يا ريس

كيرششليجر

(4)

الصراع على منصب المدير العام

لوكالة الطاقة

(5)

ليلة وفاة الزعيم

(6)

النساء والكراسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7

حسن بارود

من خزانة الذاكرة

صفحته