هنا النمسا

 

من نحن

 

 (4)

الصراع على

منصب المدير العام

لوكالة الطاقة الذرية

 

قرأت اليوم على عدد من المواقع الإلكترونية خبر اختيار الدكتور محمد البرادعي ـ بالإجماع - رئيسا لحزب الدستور المصري الوليد، فحرك هذا الخبر ما استقرّ في ذاكرتي عن البرادعي الذي عرفته منذ قدومه إلى فيينا والتحاق ابنته ليلى ونجله مصطفى بمدرسة فيينا الدولية وتلقيهما دروس اللغة العربية والدين في الفصول التي نظمناها أنا وزميلي محمود قاسم لتعليم اللغة والدين الإسلامي بعد انتهاء اليوم الدراسي العادي، ثم التحاق زوجته الفاضلة السيدة عايدة الكاشف بعد ذلك بسنوات للتدريس بروضة الأطفال بالمدرسة، وتتابعت في ذاكرتي بعض المواقف المتعلقة بانتخاب البرادعي مديرا عاما للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقررت على الفور أن أدون ما احتفظت به ذاكرتي عن حدث وجدت نفسي دون قصد وبلا ترتيب مسبق، أحد أطرافه.

مساء أحد أيام بداية صيف سنة 1997 جاءني جاري الماليزي ليخبرني أنه يريد التحدث معي في أمر مهم يتعلق بمصر، فدعوته للدخول حيث بادرني بقوله: "أعلم أنك على علاقة طيبة بالدكتور الفقي.." ـ سفير مصر آنذاك لدى النمسا ومندوبها الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا ـ ".. لأن الرجل كلما رآني في مبنى الأمم المتحدة بادرني بالتحية وطلب مني إبلاغك سلامه وتحياته، باعتباري جارا لك منذ التقيته أول مرة هنا قبل نحو عام من الآن خلال زيارته لك. لذلك لدي رسالة شخصية للدكتور الفقي أرجو أن تنقلها إليه في أقرب وقت ممكن"!

لم ينتظر عبد العزيز رجا الملحق العلمي في سفارة ماليزيا والمسئول عن علاقة بلاده بالوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي استأجر بيتي في صيف 1995 ليقيم فيه مع أسرته الصغيرة ردي على ما قاله، إذ واصل كلامه قائلا: "تعلم أن مصر رشحت الدكتور محمد شاكر لمنصب مدي عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد قام الرجل بجولة في عدد من عواصم الدول الأعضاء في مجلس محافظي الوكالة كانت كوالامبور إحداها للترويج لنفسه كمرشح لهذا المنصب الرفيع، ونحن ندرك قيمة الدكتور شاكر كدبلوماسي وكخبير بشئون العلاقات الدولية، خاصة في المجال النووي، لكنني أؤكد لك الآن أن الرجل لن يفوز بهذا المنصب ـ للأسف - ببساطة لأن الإدارة الأمريكية ترفضه"!

عند هذا الحد وجدت نفسي مضطرا للتدخل في الحديث فقلت لجاري الماليزي: "الدكتور شاكر كان سفيرا لمصر لدى النمسا لمدة عام أو يزيد قليلا، وقد شرفت بالتعرف عليه شخصيا، وهو رجل أكثر من ممتاز على كل المستويات، وقد كان أيضا سفيرا مصر لدى المملكة المتحدة لسنوات طويلة، وله خبرة راسخة في مجالات القانون الدولي والعلاقات الدولية بصفة عامة، ويقال أنه كان بمثابة المرجعية القانونية في الأمور الدولية لعدد من سفراء الدول الكبرى إبان فترة خدمته القصيرة في فيينا، فلماذا ترفضه أمريكا؟!"

"لكل هذه الأسباب التي ذكرتها"، كان هذا هو الرد المقتضب لمحدثي الماليزي، ثم أردف: "الإدارة الأمريكية ترى أن الدكتور شاكر ـ المتقاعد - شخص لا يمكن التنبؤ بأسلوبه في إدارة الوكالة، لأنه يريد أن يختم حياته المهنية بهذا المنصب الدولي المؤثر، وقد يتخذ مواقف تتعارض أو تتناقض مع السياسة الأمريكية داخل الوكالة، ومن ثم لن تقدر الحكومة الأمريكية على تحديد مساره"!!!

سألت: "وكيف علمت هذا؟!"، فأجابني: "كان سفير الولايات المتحدة للعلاقات متعددة الأطراف ـ بمنظمات الأمم المتحدة - في زيارة لسفيرنا وشاركت في المقابلة بحكم منصبي كمسئول عن ملف الوكالة في بعثة ماليزيا لدى الأمم المتحدة، وكان ما ذكرته لك الآن ما قاله السفير الأمريكي لسفير بلادي، بل إنه سعى لإقناعه بعدم التصويت لصالح الدكتور محمد شاكر، وأضاف السفير الأمريكي أنه التقى عددا من سفراء الدول الأعضاء بمجلس المحافظين وسيواصل جهوده لنفس الغرض وهو الحيلولة دون انتخاب الدكتور شاكر"!

سألت: "وهل تعتقد أن أمريكا ستنجح في مسعاها؟"، فرد في ثقة: "بكل تأكيد، خاصة وأنها تطرح بديلا مصريا"، فاستغربت لذلك الرد، لكنه لم يمهلني لمزيد من الاستفسارات، وأتبع: "إنهم يطرحون محمد البرادعي ويؤكدون ثقتهم في قدرتهم على إنجاحه، لأن المدير العام القادم للوكالة مفترض أن يكون من إفريقيا، وأنهم يرون أن استبدال مصري بآخر لن يتعارض مع رغبة الدول الإفريقية في تأييد مرشح أفريقي". عند هذا الحد من الحديث أردت أن أعرف أكثر، فسألته: "ولماذا البرادعي وليس شاكر؟" فأجاب: "الأمريكان يرون أن الدكتور شاكر ـ في هذه المرحلة العمرية - لا كبير له، أي أنه كالحصان العجوز الذي قد يجمح في أي وقت ويصطدم بالأمريكان، في حين أن محمد البرادعي يأتي من داخل الوكالة وهو أكثر دراية بالعمل داخلها، ثم إنه مازال في منتصف الطريق الوظيفي، وقد يسهل التعامل معه، أو قل إن شئت ترويضه، لأنه في الغالب قد يطمح في رئاسة الوكالة لفترة ولاية ثانية"!

مرت لحظات من الصمت قطعها جاري بقوله: "أرجوك، أبلغ الدكتور الفقي، أنه قد يكون من الحكمة أن تعيد الحكومة المصرية النظر في مسألة ترشيح الدكتور شاكر، لأنه ببساطة لن يفوز بهذا المنصب، ومن المؤكد أن تعرقل أمريكا انتخابه، كما فعلت العام الماضي مع بطرس غالي وحالت دون انتخابه أمينا عاما للأمم المتحدة لدورة ثانية، أو ربما كان من الأوجه أن ينسحب الدكتور شاكر من السباق، إذا وجدت مصر حرجا في سحبها ترشيحه، وعموما سيبقى المنصب لمصر، بدلا من أن تخسره في حالة الإصرار على شاكر"!

بعد انصراف جاري، قمت مباشرة بالاتصال بالسفارة المصرية وطلبت التحدث مع  سعادة السفير، فجاء صوت الدكتور الفقي مرحبا ومستفسرا عن أحوالي وأحوال أسرتي وهكذا فعلت، ثم رويت على سمعه ما علمته من جاري الماليزي بينما السفير يصغي لكلامي دون أن يقاطعني حتى انتهيت من مهمتي التي كلفني بها عبد العزيز رجا، ثم فهمت من رد الدكتور مصطفى الفقي أن السفير الأمريكي حاول معه أيضا ولكن ربما بأسلوب مختلف، وأنه أبلغ القاهرة بمضمون المقابلة، وأن رد القاهرة حتى الآن رافض للاستجابة للرغبة الأمريكية، لكنه أضاف أنه سيبرق إلى القاهرة بما سمعه مني.

الغريب أنه لم تمض ساعة واحدة على المكالمة الهاتفية مع السفير المصري حتى جاءني اتصال آخر من صديق مصري علم من مصدر ما أن السفير الأمريكي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقى سفير إحدى الدول العربية المؤثرة في فيينا لنفس الغرض، وأن مضمون اللقاء لم يختلف كثيرا عما دار مع السفير الماليزي، فعاودت الاتصال بالدكتور الفقي وأضفت ما عرفته إلى ما سبق أن ذكرته في المكالمة الأولى.

مضت أيام قليلة وكنا على ما أعتقد في شهر يونيو 1997 حين دخلت عليّ سكرتيرة المدرسة الدولية الفصل الذي أدرس فيه لاهثة تحمل ورقة صغيرة في يدها مدون عليها جملة مقتضبة: "اتصل فورا بالسفير المصري على هذا الرقم..."، وتحت كلمة فوري وعاجل أكثر من خط.

لم يكن يفصلني عن انتهائي من درسي الذي سبق استراحة الظهيرة مباشرة سوى دقائق قليلة، فبادرت بالاتصال على ذلك الرقم، فعلمت من الدبلوماسي المصري الذي رد على الهاتف أنه رقم مكتب خصص للوفد المصري بالوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء مقابلات مع الوفود الأخرى قبيل عملية التصويت على المرشحين لمنصب مدير عام الوكالة، وسألني إن كنت أرغب في التحدث إلى سعادة السفير - إذ كان هو الذي حاول الاتصال بي في المدرسة الدولية وترك لي الرسالة المقتضبة - ثم جاءني صوت السفير الفقي جادا وحاسما وقال لي: "أريدك أن تخبر الدكتور محمد شاكر بما قاله لك كل من الأخ رجا الماليزي وصديقك المصري قبل عدة أيام"، ففهمت المقصود، وجاءني صوت الدكتور شاكر محييا ومستفسرا عن الأحوال، ثم وجدته يخبرني أنه يريد أن يسمع منّي ما رواه له الدكتور مصطفى نقلا عني، فقصصت عليه في خمس دقائق كل ما سمعته من الطرفين بالحرف الواحد، ثم سادت لحظة من الصمت جاءني بعدها صوت الرجل خافتا وهو يشكرني ويقول: "ربنا يسهّل ويعمل ما فيه الخير"!

تابعت في وسائل الإعلام النمساوية نتائج عمليات التصويت وإخفاق الدكتور شاكر ـ مرشح مصر - في الحصول على النصاب المؤهل للفوز بالمنصب الرفيع، وإصرار مصر على عدم ترشيح محمد البرادعي ـ المصري ـ للمنصب، الأمر الذي سبب استياءً داخل دول المجموعة الأفريقية، ومن ثم دارت مناقشات مع السفير المصري الذي أيد – شخصيا - ترشيح البرادعي، في ضوء غياب ترشيح رسمي من مصر، وأخبر زملاءه من السفراء الأفارقة والعرب أن مصر ستصوت لصالح البرادعي لكنها لن ترشحه رسميا، فأقدم سفير السودان آنذاك المرحوم "أحمد عبد الحليم" الذي كان يعتبر نفسه مصريا، وتربطه بالسفير الفقي وكل المصريين والعرب علاقات حميمة لدرجة أنه كان لا يروق لمخاطبته بلقب سعادة السفير بقدر ارتياحه لسماع "عم أحمد" - بالتنسيق مع نظيره التونسي في ذلك الوقت للحصول على تأييد المجموعة الأفريقية للبرادعي. وقد كان، ليفوز مصري لم ترشحه حكومة بلاده بمنصب مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو أمر لا شك ترك غصة في حلق البرادعي استمرت لسنوات......!

 

حسن بارود- فيينا

في 3 سبتمبر 2012             

 

 

    

 

  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

برونوـ  كرايسكي

(2)

أول الغيث قطرة

 

(3)

منحة يا ريس كيرششليجر!

 

 

 

 

 

 

 

 

صفحته

.......................

hassanbaroud@hotmail.com