هنا النمسا

 

من نحن

 

 (3)

منحة يا ريّس

كيرششليجر!

 

ذات مساء أحد أيام شهر أكتوبر سنة 1976 توجهت لزيارة صديق لي كان يعمل بائعا للجرائد في محطة "الشوتنتور Schottentor" لأقضي معه آخر نصف ساعة يقفها في منتصف المسافة بين سلمي الصعود والهبوط بالمحطة ناحية الحي الأول حيث يفصل شارع الرينج في هذا الموضع بين الحيين التاسع والأول.

أنهى أحمد نبيل وردية العمل في الحادية عشر مساء وعاونته في لملمة ما تبقى من صحف ومجلات، واتجهنا لمقهى لويبولد المواجه لبنك "كريديت أنشتالت" حيث كان أحمد يقضي ساعات كل ليلة بالمقهى يتناول خلالها عشاءه وعددا من فناجين القهوة، ويصر كل مرة على دفع ثمن مشروبات كل من يجالسه من أصدقاء ومعارف، وهكذا كان يفعل معي كل مرة أجالسه في المقهى.

سألني أحمد عن موعد إجراء امتحان القبول بمعهد الترجمة في جامعة فيينا، حيث كان يشترط اجتياز امتحان القبول بنجاح قبل السماح للطالب ـ وكنت أنا في هذه الحالة الطالب المعني بالسؤال ـ بالالتحاق بالمعهد كطالب منتظم.

أجبته أن أمامي نحو أربعة أسابيع، لكني أفكر في عدم دخول الامتحان، نظرا لعدم ثقتي في قدرتي على اجتياز امتحان في ثلاث لغات كلها أجنبية هي الألمانية والانجليزية والفرنسية وأنا لا أملك من الوقت ما يكفي للإعداد الجيد للامتحان، إذ كنت أقضي يومي مهرولا في شوارع فيينا أوزع الإعلانات لشركة "فايبرا" أصعد وأهبط طوال اليوم المئات وربما الآلاف من درجات السلالم في بيوت وعمارات أحياء فيينا المختلفة، لأعود نهاية كل يوم عمل منهكا غير قادر على التركيز في قراءة أو ترجمة نصوص أدبية وعلمية بلغات أجنبية ثلاثة.

أبدى أحمد تفهمه لظروفي، لكنه سألني: "لماذا لا تجرب الكتابة لرئيس النمسا "Kirchschlaeger Rudolf رودولف كيرششليجر" (1915- 2000) ترجوه إعطاءك منحة مؤقتة حتى تعبر على الأقل هذه المرحلة الحرجة؟

أبديت توجسي من جدوى الكتابة لرئيس الجمهورية (1974- 1986)، وهل فعلا سيرد على رسالتي، ناهيك عن الاستجابة لرجاء طالب مصري يسعى لاجتياز مجرد امتحان من أول مرة يؤديه فيها!

شجعني أحمد على الكتابة مؤكدا أنني لن أخسر سوى قيمة طابع البريد، فقد طلب من النادل ـ وكان يعرفه جيدا أن يأتي لنا بورقة ومظروف، وأخذت أكتب رسالة قصيرة للرئيس النمساوي جاء فيها:

"حضرة المحترم السيد الرئيس الاتحادي د. كيرششليجر!

أنا طالب مصري اسمي حسن بارود مسجل بمعهد الترجمة بجامعة فيينا كطالب غير منتظم لحين اجتيازي بنجاح امتحان القبول الذي سيجرى في شهر نوفمبر المقبل. ونظرا لصعوبة الامتحان في ثلاثة لغات كلها ليس من بينها لغة الأم "العربية"، حيث أضطر للعمل ستة أيام في الأسبوع لتدبير نفقات المعيشة، فإنني أتوجه لكم بطلب تدبير منحة مؤقتة لي تعينني على التفرغ للإعداد للامتحان، ولكم مني كل شكر وتقدير واحترام"!

قرأت على أحمد ما كتبته، ثم ناولته للنادل النمساوي لمراجعة لغة الرسالة وتصويب ما قد يكون بها من أخطاء، فأعادها الأخير إليّ مبتسما قائلا: " الرسالة صحيحة، وأرجو أن تخبرني بردّ الرئيس ـ إذا ردّ عليك"!

صباح اليوم التالي اشتريت طابع بريد ولصقته على المظروف المعنون باسم السيد رئيس الجمهورية شخصيا، وأسقطته في أحد صناديق البريد المنتشرة في شوارع فيينا!

بعد أسبوع تقريبا فتحت صندوق بريدي في مدخل البيت الذي كنت أقطنه في الحي العاشر، لأجد رسالة باسمي وعنواني مكتوب على مظروفها "الرئيس الاتحادي"!

هرولت إلى حيث أسكن وفتحت باب الشقة والتقطت سكينا فتحت بها الرسالة لأجد ورقة مكتوبة بالآلة الكاتبة تقول كلماتها:

" السيد بارود المحترم!

تلقيت رسالتك التي ترجوني فيها تدبير منحة مؤقتة لإعانتك على الاستعداد لدخول امتحان القبول بمعهد الترجمة بجامعة فيينا في نوفمبر المقبل، ويؤسفني أن أخبرك بأنه ليس من صلاحياتي كرئيس للجمهورية إعطاء منح دراسية أو إعانات مالية، لكنني أرفق مع هذه الرسالة قائمة بكل الجهات النمساوية التي تمنح مساعدات مالية للطلبة، وربما حاولت الاتصال بالمكتب الثقافي المصري ومقره في نفس شارع معهد الترجمة الذي ستدخل فيه الامتحان، لمساعدتك  ونظرا لضيق الوقت وحاجتك الماسة لتخصيص أكبر قدر من وقتك للإعداد للامتحان، أرجو أن تقبل مني هذا المبلغ المتواضع (500 شلن نمساوي)، لإعانتك على اجتياز الفترة القصيرة التي تسبق موعد امتحانك"!

مع وافر الاحترام، الرئيس الاتحادي- د. رودولف كيرششليجر- توقيع"

تساقطت الدموع من عيني، وأخذت أعيد قراءة كلمات الرئيس وأنا لا أصدق ما أقرأ، ولسان حالي يهتف:"يا إلهي! رئيس النمسا يرد على رسالتي ويعتذر عن عدم قدرته على تدبير منحة، ويكلف مساعديه بإعداد قائمة بالجهات المانحة، ويتبرع لي بخمسمائة شلن من جيبه الخاص! ما أروع هذا الرجل، وما أروع إنسانيته"! وها هو يذكرني بوجود مكتب ثقافي مصري على بعد خطوات من معهد دراستي، دون أن يدري أن المكتب المصري لا ولن يساعد أمثالي!"

لم أنتظر موعد ذهابي لزيارة أحمد نبيل في موقع عمله قبل ساعة من انتهاء ورديته الليلية، بل اتجهت إلى حيث أردت قبل وصوله بقليل، ليلقاني بابتسامة وقد رآني أتهلل من السعادة فسألني عن سر ابتسامتي، فناولته رسالة الرئيس ومنحته النقدية، لألمح الدموع في عينيه، ثم قال: "والله إنسان بجد"!، ثم سألني: "وماذا أنت فاعل الآن؟" فأجبته: "سأدخل الامتحان وسأنجح بإذن الله، وسأبعث بردي على رسالة الرئيس بعد نجاحي وليس قبله!"

طلب مني أحمد أن أتوجه إلى المقهى حيث النادل" فرانز" لأطلعه على رسالة الرئيس، وأطلب منه عشاء على حساب أحمد، لكني رفضت شاكرا، مبديا رغبتي في البقاء معه حتى انتهاء فترة عمله بعد ست ساعات كاملة، وتوجهنا بعد ذلك إلى فرانز لنحتفل بمنحة الرئيس كيرششليجر!

بعد ثلاثة أسابيع وضعت صورة من شهادة نجاحي في امتحان القبول بمعهد الترجمة في فيينا وقرار إدارة الجامعة قبولي طالبا منتظما في مظروف مع ردي على رسالة الرئيس لأشكره على إنسانيته وتحفيزي على النجاح!

ومنذ ذلك اليوم تواصلت مراسلاتنا إلى أن التقيته شخصيا بعد أن ترك منصبه في حفل استقبال بمنظمة الأوبك وكانت زوجته في صحبته فتقدمت إليه وعرفته بنفسي ورويت له حكاية المنحة النقدية، فابتسم الرجل وقال: "يا ه يا سيد بارود، معذرة لأنني لا أتذكر واقعة المنحة النقدية الشخصية، لكثرة ما تضمنته ردودي على رسائل المواطنين من منح نقدية"!

    

 

  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

برونوـ  كرايسكي

(2)

أول الغيث قطرة

 

 

 

 

 

 

 

 

صفحته

.......................

hassanbaroud@hotmail.com