هنا النمسا

 

من نحن

 

 

حكاية مقال

في إطار سلسلة مقالات من "خزانة الذاكرة" التي نشر أولها في 19 يناير الماضي، والتي كنت أنوي مواصلة كتابة عدد منها عن شخصيات نمساوية أتيحت لي فرص الاقتراب منها والتواصل معها، إلا أن الأحداث الأخيرة التي وقعت في مصر وشغلت المصريين في الوطن وخارجه، بل وشعوب العالم أجمع ومعهم كل الحكومات في الشرق والغرب، جعلتني أقلب في أوراقي القديمة لأجد ضالتي في مقال كتبته في يونيو 1984 تعليقا على أول وربما آخر انتخابات "حرة" شهدتها مصر في نصف القرن المنصرم، تلك الانتخابات التي أجريت في 29 مايو 1984 وأسفرت آنذاك عن تمثيل معقول للإخوان المسلمين تحت عباءة حزب الوفد، ثم تحالفوا بعد ذلك مع حزب العمل في عهد رئيسه الراحل إبراهيم شكري، قبل أن تعود الانتخابات المصرية إلى النظام الفردي بدلا من القائمة النسبية.

كنت مع زملاء لي من الدارسين المصريين في فيينا قد أنشأنا اتحادا للدارسين المصريين في النمسا، وأصدرنا مجلة شهرية للاتحاد أسميناها "صوت الدارسين"، وكان المكتب الثقافي المصري خلف مبنى جامعة فيينا العريقة مقر الاتحاد، لكننا أردنا أن نكون مستقلين عن إدارة المكتب آنذاك، حيث كان يديره شخص لا يتورع عن محاولة التدخل في شئون الاتحاد وتوجيهه إلى حيث يريد، لكننا كنا له بالمرصاد، فاقترحت على الزميلين  سعيد درويش رئيس الاتحاد ونائبه أشرف سليمان أن أتفاوض مع مسئولين ببنك "كريديت أنشتالت" على إمدادنا بالورق اللازم لأعداد المجلة الشهرية وكذلك تصوير المقالات وإخراج المجلة في صورتها النهائية داخل البنك، مع وضع إعلان للبنك على الغلاف الخارجي للبنك. وقد حدث.

في ذلك الوقت كان المكتب الثقافي يتلقى الجرائد والمجلات المصرية المختلفة وكان للدارسين حق الحصول على نسخ منها، لكن جرائد المعارضة المصرية لم تكن ضمن ما ترسله الحكومة إلى السفارات المصرية ومكاتبها الفنية في الخارج، فتقدمت بطلب للسيد مدير المكتب الثقافي برجاء مخاطبة المسئولين في وزارة التعليم العالي لإرسال عدد من نسخ صحف أحزاب المعارضة وكانت آنذاك الوفد والأهالي والشعب والأحرار، مادمنا نحصل على صحيفة مايو التي يصدرها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، كي تكتمل الصورة أمامنا في الغربة، لكن سيادته رفض طلبي قائلا إنه يمثل حكومة الحزب الوطني، فكان ردي أنه يمثل المكتب الثقافي المصري، أي الدولة المصرية وليست حكومة الحزب الوطني، وتأزم الأمر لعدم استجابته لطلبنا.

كتبت في العدد التالي من المجلة قصة قصيرة جدا أسميتها "حدوتة قبل النوم" بطلها شخص لا يقدر على التفرقة بين الظّل والظلام، فما كان من مدير المكتب آنذاك أن استدعاني للتحقيق معي حول قصدي من القصة، وعن أي أشخاص من المسئولين في مصر أكتب، فقلت له بكل برود: "عن كل من على رأسه بطحة" كما يقول المثل الشعبي المصري القديم. اشتاط الرجل غضبا واتصل في وجودي بالسفارة المصرية وطلب التحدث مع سعادة السفير فكان له ما أراد، فأخبره بأنه يشكو حسن بارود للسفير، فما كان من الرجل إلا أن طلب منه أن يتوجه إلى السفارة في اليوم التالي لبحث الأمر مع حسن بارود أيضا.

في الموعد المحدد توجهت إلى مبنى السفارة في الحي التاسع عشر وكان عبارة عن فيلا صغيرة، حيث وجدت الدكتور مدير المكتب قد سبقني إلى مكتب السفير طاهر شاش - له مني كل تقدير وتحية-  فرحب بي السفير ودعاني للجلوس أمام مكتبه وجهها لوجه مع مدير المكتب، وبادرني الرجل بإبداء إعجابه بالقصة القصيرة المنشورة في المجلة، ووجه حديثه لمدير المكتب الثقافي قائلا: "لا أجد في القصة شيئا مشينا، ثم إن من حق حسن بارود وغيره أن يكتبوا ما يشاءون، كما أن من حقهم أيضا الحصول على جرائد المعارضة التي تطبع وتباع في شوارع مصر"! فأسقط في يد الرجل وامتعض وجهه وامتقع لونه، وغادرنا مكتب السفير.

لسوء حظ مدير المكتب فقد كان العدد التالي لهذا اللقاء هو العدد الذي نشرت فيه المقال المعروض الآن على القراء، وكان كما ذكرت عن انتخابات برلمان 1984، الذي حرص مدير المكتب الثقافي على قراءته قبل توزيع نسخ المجلة على الدارسين، فقرر نزع المقال من النسخ قبل توزيعها؛ أولا لأنني أعدت التذكير بعدم حصولنا على جرائد المعارضة، وثانيا لأنني طالبت بالفصل بين رئاسة حزب سياسي ورئاسة الجمهورية، وثالثا لأنني طالبت أيضا بتعديل الدستور والاتفاق على صيغة حكم الدولة المصرية.

كان رد فعل أعضاء مجلس إدارة الاتحاد بسيطا، حيث قمنا بتوزيع نسخة منفصلة من المقال مع كل نسخة للمجلة.

في شهر أغسطس من نفس العام شاركت في أول مؤتمر للمصريين في الخارج مع زملاء وأصدقاء من فيينا وجراتس، وهناك التقيت بشاب وفتاة مصريين، كان الشاب حديث التخرج من كلية الحقوق ويدعى أيمن نور، أما الفتاة فكان اسمها حنان البدري على ما أعتقد.

حاول أيمن نور إقناعي بالانضمام لحزب الوفد، بل وفتح فرع للحزب في فيينا، فرفضت شاكرا الانضمام على حزب يدعي الليبرالية ويتحالف مع الإخوان المسلمين، وأطلعته على المقال إيّاه، ليطلع على رأيي في هذا التحالف. أبدى أيمن نور إعجابه بالمقال، وأصرّ على أخذ نسخة منه، فقمت بتصويرها له، ووعدني بنشر المقال في صحيفة كان يصدرها هو وحنان البدري تعبر عن شباب الوفد، وأخبرني أن العدد القادم من الصحيفة - وكان بعد أيام قليلة - سيتضمن مقالي.

بعد أيام قليلة كنت في طريقي لزيارة أصدقاء لي في إحدى قرى محافظة المنيا، فتوجهت إلى موقع أحد بائعي الصحف بمحطة "باب الحديد" حيث سأستقل القطار المتوجه إلى المنيا، واشتريت عددا من نسخ صحيفة شباب الوفد، وفتحت إحدى النسخ لأجد مقالي منشورا بنفس عنوانه، لكن مضمونه تغير؛ فقد حذف السيد أيمن نور كل ما كتبت عن تحالف الوفد والإخوان واكتفى بالإبقاء على ما تضمنه المقال من عرض أو نقد يخص الأحزاب الأخرى.

أليس من العجيب أن يتصرف أيمن نور الليبرالي بنفس أسلوب مدير المكتب الثقافي في فيينا في 1984؟! أوليس ومن العجيب أيضا أن تلجأ الحكومة المصرية السابقة إلى قطع الإنترنت والاتصالات عبر الهواتف المحمولة عقب مظاهرات الخامس والعشرين من يناير 2011 ؟

والآن أتركك أيها القارئ العزيز لتقرأ مقال "أول الغيث قطرة" الذي طالبت فيه كما طالب غيري منذ نحو 27 عاما بإصلاحات تضع مصر على طريق الديمقراطية السليمة، وقد كنت متفائلا بمستقبل أفضل تستحقه مصر والمصريون، والآن فقد زادت جرعة تفاؤلي بفضل شباب مصر الذي لم أنس ذكره في مقالي الذي بين يديك، والذي أعدت كتابته بحذافيره كما نشر أول مرة في يونيو 1984.


أول الغيث قطرة

فيينا في يونيو 1984

 

تابعت باهتمام بالغ مسيرة التجربة الديمقراطية الشابة في الوطن الحبيب. وبالغم من حرماننا من قراءة جرائد وصحف الأحزاب المعارضة، ربما لغرض في نفس يعقوب الذي مازال يعيش في الماضي الأليم؛ ماضي الأسوار الحديدية المفروضة على الأنفس، لا أعاد الله تلك الأيام على أرض الكنانة الحبيبة؛ إلا أنني وغيري ممن تابعوا أحداث الانتخابات الأخيرة نستطيع الآن تنفس الصعداء لانتهاء المرحلة الأولى من المشوار الطويل على خير، رغم بعض الحوادث المأسوف لها التي وقعت أثناء الحملة الانتخابية، ثم في يوم الانتخابات نفسه.

ورغما عن ضآلة نسبة المشاركة الجماهيرية في إبداء الرأي، وهي تتراوح في أحسن الأحوال بين الربع والثلث من مجموع من لهم الحق في التصويت؛ حيث أن عدد من لهم الحق في التصويت بحكم السّن يزيد فعلا عن العشرين مليونا، حوت جداول الانتخابات 13 مليونا، هم مجموع من سجلوا أسماءهم، بينما شارك 43% فقط من مجموع المقيدين، وليس من مجموع من كان لهم الحق في التصويت بحكم السّن (20 مليونا).

أي أن النسبة الفعلية لمن أدلوا بأصواتهم مقارنين بمن كان عليهم أن يدلوا بأصواتهم لا تتعدى بحال من الأحوال 25- 30%. ومع ذلك فقد تمت الانتخابات في جو ندر عهدنا به على حد ما قرأنا وسمعنا.

كذلك، فإن النتيجة النهائية قد توضّح بعض ظلال الحياة السياسية المصرية في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب. وسأحاول هنا تناول المسألة بشيء من التحليل الموضوعي والموجز، وذلك لقلة ما بين يدي من معلومات من مختلف الأطراف.

والذي لا شك فيه أن تجربة مصر الديمقراطية ستحظى باهتمام الكثيرين من المهتمين والمتخصصين بتحليل الرأي العام والظواهر السياسية والاجتماعية على حد سواء.

أما أنا فربما استعطت استنتاج بعض الأمور أوجزها في النقاط التالية:

·        أن طبيعة الإنسان المصري المعاصر تميل في المرحلة الأخيرة إلى الحذر وإساءة الظن، وعدم منح الثقة بسهولة ويسر، وكل هذا نتيجة حتمية للظروف التي عانى منها الشعب طويلا.

·        أنه والأمر كذلك فإن الشعب فيما يبدو تبنّى فلسفة الحذر التي يجسدها القول السائد بأن عصفورا في اليد خير من عشرة على الشجرة، وما تعرفه خير مما لا تعرفه. نعم فالشعب يحذر المغامرة لكنه لم يفتقد روحها ودوافعها.

·        أن فرصة الحزب الوطني الحاكم كانت كبيرة منذ البداية ليفوز بالأغلبية المطلقة؛ فهو الحزب الذي حقق بعض الإنجازات ـ رغم اختلاف المعارضة على تقييمها - وهذا أمر متوقع من أحزاب تعارض ـ وستعارض - كل شيء، وبالذات في مجال المرافق الحيوية والأمن الغذائي. ثم إنه الحزب الذي أعلن رئيسه تمسكه وحزبه بالمسيرة الديمقراطية، رغم تورط الحزب نفسه بشكل ما في أحداث سبتمبر الأسود سنة 1981، وما تلاها من مأساة.

·        لذلك فإن مهمة الحزب الوطني بالذات قد أضحت أصعب من أي وقت مضى؛ إذ عليه أن يثبت لنفسه قبل معارضيه وجوده كتنظيم حزبي حقيقي له مبادئه وتقاليده الحزبية، ولا يعتمد فقط على شخصية ومكانة رئيسه الفريدة بين جماهير الشعب؛ فالأشخاص متغيرون، أما البقاء والثبات فللمبادئ فقط.

·        أن نتيجة انتخابات التاسع والعشرين من مايو 1984 قد أتت بثلاثة أحزاب إلى البرلمان المصري الثاني عشر، وليس حزبين اثنين فقط كما يبدو للكثيرين، فقد فاز الحزب الوطني بالأغلبية المطلقة، ودخل معه البرلمان حزبان تآلفا مؤقتا في حزب واحد قد أطلق عليه أنا اسما استوحيته من الواقع السياسي الراهن أرى أنه يناسب طبيعة هذا التحالف أو التآلف وهو " حزب الوفخوان".

·        والكلمة كما يرى القارئ الفاضل ليس لها معنى. لذلك فإن الشهور وربما الأسابيع القليلة القادمة ـ على حد اعتقادي - ستشهد حتما انقساما حادا بين صفوف "الوفخوان"، يتمخض في النهاية عن حزبين معارضين، لتعود للوفد "داله"، وللإخوان "همزتهم". وربما تدخل القضاء لحسم الأمر، أو يتم إعلان حزب آخر.

·        إن على أحزاب المعارضة الأخرى خارج البرلمان التريث في استيعاب دروس التجربة الأخيرة، وألا ترجع أسباب إخفاقها هذه المرة فقط إلى سياسة الحزب الوطني أو إلى اتفاقية كامب ديفيد، بل عليها أن تبحث عن الأخطاء بين صفوفها وتنقية قياداتها من راكبي كل موجة ومن أشخاص كل العصور، وأن تنقطع على وضع برامج عملية ترتبط بواقع الوطن، كذلك يجب أن يبتعد النقد عن المهاترات اللفظية والتجريح، وأن يتّسم بالموضوعية والاحترام.

·        إن التجربة الأخيرة قد أثبتت ضرورة إعادة النظر في قانون الانتخابات، بل إنها أثبتت كذلك أن التغيير يجب أن يشمل الدستور الدائم للدولة، وبالتحديد شكل وعلاقة رئيس الجمهورية برئيس الحكومة؛ فإما أن نأخذ بالنظام الأمريكي أو الفرنسي مثلا حيث السلطة شبه المطلقة لرئيس الجمهورية فهو الذي يختار رئيس الحكومة ووزراءها، وهو المسئول أمام الشعب والبرلمان عن سياساتها، أو نأخذ بالنظام الألماني أو الإيطالي أو حتى النمساوي؛ حيث رئيس الحكومة هو رجل الحزب الحاكم، أما رئيس الجمهورية فهو فوق كل الأحزاب، وهو في هذه الحالة رئيس كل الشعب؛ أما النظام المصري الحالي فيمثل تناقضا حقيقيا، إذ كيف يمكن لرئيس الجمهورية الحزبي أن يكون فعلا فوق كل الأحزاب، خصوصا إذا حدث وفاز بالأغلبية حزب آخر غير حزب رئيس الجمهورية؟ لذلك يجب أن يراعى عند تعديل الدستور تحديد مسئولية وسلطات رئيسي الجمهورية والوزراء عن أعمال وسياسة الدولة.

·        إن حرمان المواطنين المصريين المغتربين في شتى بقاع المعمورة من حقهم في تأدية واجبهم الوطني أمر مؤسف حقا؛ إذ كيف نفسّر حرص الحكومة على مدخرات المغتربين وتحويلاتهم الدولارية، في الوقت الذي تحرمهم فيه من الإدلاء بأصواتهم في انتخابات تتقرر على ضوء نتائجها مصائر البلاد والعباد لسنوات طويلة، بينما هم مغيّبون!

·        أخيرا وهذا أهم ما في الأمر‘ فإن للشباب دورا هاما عليه أن يعي أبعاده ليحّسن أداءه، وهذا لا يعني على الإطلاق الاستغناء عن دور الآباء والشيوخ من أبناء مصر العزيزة، بل على العكس تماما، فالحياة كشجرة تتعاقب عليها الفصول؛ تورق في الربيع وتحيى في الصيف ثم تتساقط أوراقها في الخريف، لتخلد إلى الراحة في فصل الشتاء، لتعيد بعد ذلك كرتها من جديد.

·        لذلك، فإن للشباب فصلين على الأقل من فصول السنة؛ فصل الميلاد والتعلّم، وفصل ممارسة الحياة. أما تلك الأوراق التي تسقط أو تتساقط خلال فصلي الخريف والشتاء فإنها تسقط لتقبّل الأرض شاكرة، ثم لتفنى فيها متحللة، لتصير غذاء للشجرة هي في حاجة إليه لاستمرارها واستمرار عطائها على مرّ الأجيال.

·        والآن ما أكثر حاجتنا وما أحوجنا إلى حوار بيننا يقوم على الاحترام المتبادل؛ فمصر مقبلة على واحدة من أهم واخطر مراحلها التاريخية، وواجب المصريين - كل المصريين - أن يضعوا مصلحة الوطن فوق المصالح الذاتية البحتة؛ فمصر للجميع بلا استثناء، ومرحبا بالتحدي الحقيقي.

 

  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

برونوـ  كرايسكي

(2)

أول الغيث قطرة

 

(3)

منحة ياريس

كيرششليجر!

 

 

 

 

 

 

 

 

صفحته

.......................

hassanbaroud@hotmail.com