.......................

 

عودة إلى جسور

البث العربي ـ برنامج شهري تقدمه سعاد سعيود

تابعوا من هنا حلقات

  1   

أميرة فيصل جعفر..  أحلامٌ ونزيف

كانت المرأة توأد، هكذا حدثنا التاريخ، تاريخ العرب، وكانت قبل ذلك تنتظر أن يسقي الرعاة كي تفعل، هكذا ورد عن قصص موسى وفي قصة بنات مدين...وهكذا استمرت في حرمانها الأدبي. وبين نزف ونزف تظهر منهن كاتبات قليلات تتوسطن المشهد الثقافي مع جمرات الرجم التي تلقيها عليهن فئة لا تريد لهن الظهور. ولا حتى إسماع أصواتهن.

اليوم بدأت المرأة تشق طريقها بقوة بالنظر لما حققته من إصدارات في مجال الفن والأدب، قد يكون ذلك دوما بنزف، لكن الأمل في أن تشكل الكتلة التي بدأت تأخذ حجمها الكبير حتى تمنحها مستقبلا واعدا في الكتابة وبالتالي الخروج من كهف الحصار الأدبي لمعرفة حقوقها المسلوبة اجتماعيا.

قليلة جدا تلك الدقائق التي مرت أو هكذا كان إحساسنا بها ونحن نستمتع بصوت وإلقاء أميرة وهي تقرأ، تقرأ "النزيف" أمسية الجمعة الموافق للخامس من شهر سبتمبر لهذا العام بقاعة المحاضرات برابطة الثقافة العربية بالعاصمة النمساوية فيينا، الرواية التي ما كان لها حظ الظهور والانتشار إلا مؤخرا.

كنت أستمع تارة وتأخذني أفكاري سريعا تارة أخرى لتعود حيث دور النشر الكثيرة التي تمنح لأديب فرصة وتمنعها عن أديب، وتعطي لأديب قدرا وتنقصه من أديب في غياب ميزان جاد لقياس الأدب قياسا موضوعيا بنقد يخلو من الأحقاد والعدوانية الضارة، ولكثرة اللوبيات التي احتكرت تجارة الكتاب ـ دون أن أبرئ الإعلام ـ بخلق جمهور نفسي يقف على طوابير الاقتناء، وقد يوضع الكتاب على رف لا تفتح منه صفحة.

"نزيف" هو عنوان رواية للأديبة الدكتورة أميرة فيصل جعفر، العراقية ابنة الكوفة المقيمة في فيينا المحاضرة في جامعاتها، وهي رواية جديرة بالقراءة.

"أحلام" بطلتها التي تمنحنا فرصة التحليق في جزء صغير من الوطن العربي الذي يختزل كل هموم الأوطان العربية وكل مآسي النساء من المحيط إلى الخليج إن لم أقل كل نساء العالم مع تباين نزفهن في رحلتهن الشاقة نحو الحرية أو حتى نحو اتخاذ مكانة ما في مجتمع لا يعترف إلا بالأقوى.

أميرة فيصل التي اتسمت بالقوة في لغتها، والدقة في رسمها، مع بلاغتها التي أحسنت بها الاستعارة والتوظيف، دفعتنا للاستماع ومن ثم للاستمتاع حتى ونحن نعرج بعيدا عن الرواية، دافعيتها وشغفها بالعلم والمعرفة وتحديها من أجل الوصول إلى هدف سطرت له عبر سنين من العطاء، يعطي أي مقبل على الحياة رغبة في رسم المستقبل بنظارة فنية تجعله أجمل.

هذه المرأة التي نالت شهادة الدكتوراة بعد مثابرة وجهد عظيمين تستحق منا كل التقدير والاحترام.

حضرنا سهرة أدبية راقية، وعرفنا فيها إضافة للأديبة الدكتورة أميرة جعفر نخبة من الأدباء والمثقفين العرب الذين ما كنا، أو ما كنت شخصيا لأتعرف عليهم لولا هذه الأمسيات التي ينظمها البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون شهريا بمساهمة رابطة الثقافة العربية.

ولأفتح شهية القارئ أنسخ هنا بعض المقتطفات من رواية: نزيف التي يحمل 535 صفحة:

"ومن هي أم حسن؟

ـ هي جارتنا، في أحد الأيام ضربتي أبي بقسوة فلجأت كما أفعل كل مرة إلى أم حسن. غضبت أم حسن بشدة وهي ترى الدم يسيل من أنفي وفمي وتألمت كثيرا، قادتني من يدي إلى بيتنا وهي تصرخ: ـ أين هو هذا الظالم؟ خرج إليها أبي وقال لها: ـ ماذا تريدين؟ قالت له ـ لماذا تؤذون البنت بهذا الشكل؟ ـ سأقول الحقيقة وأفضح أمركم. إنها ليست ابنتكم. أنا أعرف القصة جيدا. أعرف أمها المرحومة وأعرف أباها الذي كان صديقك...

وإذا كنتم لا تريدونها سآخذها عندي وسأزوجها من ابني حسن".

وتستمر أميرة جعفر في سرد رواياتها مبينة الظلم الذي يمارس ضد المرأة في كل زاوية من زوايا حياتها، وها هي الجارة الرمز التي ترفض الاستسلام وتقول لا للمجتمع الظالم وتفضح سره بثورة غضب، تبقى داخل قيود المجتمع الذي لا يرى في خلاص المرأة إلا زواج يسترها ويمنحها الأمان بنظرة تضيق حتى تكاد تصيب المرأة باختناق أكبر إذ حتى شريك حياتها سيختار كمخرج من أزمة بطريقة لا حرية فيها. إنها الناطق الرسمي باسم المجتمع حتى وهي تدافع عن براءة الإنسان...

الذي أثار اهتمامي في الندوة الأدبية هو تواجد كم كبير من النساء اللاتي كان واضحا على وجوههن اهتمام كبير بما تقرأ الأديبة بل وتدقيق أكبر فيما كتبت حدّ النقد لما ورد في كتابها من هفوات لا يمكن أن يهرب منها أديب في الوقت الحاضر أمام اتساع محيط اللغة العربية وعظمة بلاغتها وكثرة مفرداتها.

العربية التي أهملها العرب باتباعهم لغات أخرى من جهة تقليدا للغالب باعتبارهم المغلوب اليوم، وبتراجع عدد المقروئية الناتج عن "الملصق" الذي كان ومازال يتبع العربي أينما ذهب: "العرب لا يقرأون".

الشيء الذي لاحظته من خلال الفئة التي تابعت الندوة أعطاني أملا كبيرا أن العرب يقرأون، والذي منحني أملا أكبر، أن العربيات يقرأن وهذا الأخير هو من سيخلق جيلا قارئا.

ما كتبت ليس دعاية لكتاب أو لرواية، فما أكثر الروايات، لكني مع المرأة التي ظُلمت قرونا فلم تكتب وحان وقت القراءة لها تحديدا اليوم حين أتيحت لها الفرصة للكتابة، لأنها الوحيدة التي تعرف معاناتها مع عجز سوسيولوجي قائم على علاج الظاهرة رغم الاجتهاد الكبير لمعرفة الأسباب.

 

  2 

 "الجامعة" تذبح "العربية" في يوم عيدها

كانت فرحتي كبيرة حين أخبرني رئيس البيت العربي النمساوي للثقافة وللفنون السيد محمد عزام أننا سنحتفل باليوم العالمي للغة العربية هذا العام، حفل كنت أظنه سيكون زاخراً بأنواع الفنون والآداب، شعراً وقصة ورسماً وموسيقا.

فالعربية ليست اللغة الفقيرة التي تقف عاجزة أمام ألوان الفنون التي وصلت آخر نقطة في الأندلس فزخرفت جدارنه وحسنت عيدانه وعذبت موسيقاه.

ولا البيت العربي بعاجز لما لديه من طاقات تحملها أنامل أعضائه وحناجرهم.

أُطفِأت فرحتي تدريجيا وكأنها الموت البطيء الذي لا يجبي إلا متعبا قطرة قطرة فأحسست وكأن الروح تخرج معه بمشقة وتأبى أن تغادر الجسد إلا بعد أن تنهكه إنهاكا.

بدأت فرحتي تنطفئ مع أول خبر أن الجامعة العربية والتي صارت شريكا للبيت العربي للثقافة والفنون قد استولت على تنظيم الاحتفال...

بدأت في صراع بين مقاطعة هذا الاحتفال وبين أن أحضر حيث عرس اللغة وحيث عيدها متجاهلة كل ما يحدث وكل من يحضر أو يحضّر؛ لما للجامعة العربية من سمعة سيئة بدأت تأخذ شكلها الكبير مع ازدياد الأزمات العربية في التفاقم من الشرق إلى الغرب دون أن يكون لها أي معنى إلا من اجتماعات وموائد لا تعطي شيئا ينتظره عربي.

وصلتني الدعوة وذهبت... شاهدت لوحات الحفل الرائعة، التي كانت تحمل الحرف العربي اليتيم والذي كنت أتخيله سينطق محتجا من خلال الإطار الذي سجن فيه، ليعبر عما سيكون وليحذرني من وجع القلب الذي كنت في غنى عنه، وقبل أن ينادي المنادي أن استمعوا لصوت الجامعة ناطقا باسمها رئيس بعثة الجامعة العربية بفيينا وائل ناصر الدين الأسد.

لم أكن أتصور ما سمعت أو إني كان قد وصل بي شرودي إلى أبعد ما يمكن أن أصله لو أنه لك ينطق  باللغة الانجليزية كما تعوّد أن يفعل... تذكرت رئيس الجزائر الراحل هواري بومدين وهو يفاجئ كل من في قاعة الأمم المتحدة يوما بلغة عربية لم يكن أحد مستعدا لسماعها ولم تكن فيها العربية لغة قد فرضت نفسها بعد كما أنها لم تسقط هذا السقوط بعد.

تذكرت ذاك الصمت للحاضرين وذاك الوقار للمتكلم، تذكرت كيف احترم اللغة وكيف احترمناه جميعا. الرئيس الذي لم يكن يهمه أن يقال عنه لا يحسن لغة الآخر والإنجليزية بالذات، ولم يكن يهمه إلا رفع شأن وطنه من خلال لغته التي ينص عليها الدستور.

دستور الجزائر الخاص ودستور كل العرب من المحيط إلى الخليج.

تذكرت بومدين وأنا أرى رئيس مكتب الجامعة العربية بفيينا يتكلم بالإنجليزية يوم عيد اللغة العربية متناقضا مع كل كلمة يتلفظ بها لدرجة شعوري وشعور من معي بالغيظ والملل والتذمر بل بالتقزز، الأمر الذي جعلني أتقدم إليه بعد نهاية كلمته، وأستجوبه عبر حوار صحفي ليقول كلمات "جميلة" حول اللغة العربية لا تشبه في جمالها إلا قردا ألبسناه فستان زفاف ولطخنا وجهه بمساحيق لم تغط من قبح المنظر شيئا كي يظهر في صورة عروس جميلة، فقد كان سؤالي واضحا وكان تلعثمه واضحاً أيضاً: لماذا تكلمت باللغة الانجليزية بينما هو عيد اللغة العربية اليوم؟ فكان رده أن الحاضرين في الأمم المتحدة من الأجانب لن يفهموا ما يقول وأنهم تعودوا التكلم بالانجليزية في الأمم المتحدة وأنها اللغة السائدة عادة وأنه حتى الفرنسي يتكلم بها... رغم أن الأغلبية الحاضرة كانت عربية اللسان وبعضها عربي الأصل والمنشأ، فقد كان العذر أقبح من الذم...

قاطعته لأقول: لا أعتقد أن الفرنسي يفعل.

لكنني ولغيظي لم أكمل معه الحوار لأنهيه بكلمة شكر باردة قد شعر بكل تأكيد بوجعي كما أحس بكل تأكيد بخطئه، أو ربما لم يفعل...

أخطأ في حق اللغة في يوم عيدها... ذبحها وهو المتقن لها ويتمّها وهو أبوها الحي الذي لم يمت إذ أنه من المتقنين لها المتمكنين، لم يكن ذلك إلا تحت مذلة التشبه بالغالب إذ هو المغلوب.

ربما كنت أحتاج إلى من يطبب جرحي فعدت أستمع إلى تسجيلي ومقابلتي مع الأستاذ محمد عزام رئيس البيت العربي للثقافة والفنون والذي كان يرى أن الشعور بالدونية هو الذي يجعل بعض العرب وغيرهم يتكلمون بلغة أخرى ليخفوا نقصهم، وهذا مؤسف للغاية فاللغة العربية لن تصل إلى ما نصبوا إليه إلا بأن نرفعها بأن نفرض وجودها عبر استعمالها في كل مكان تسنح لنا الفرصة بالتكلم بها... فقلت في نفسي: وقد كان يوم عيدها أنسب مكان وأنسب زمان.

خرجت من الأمم المتحدة وأنا بي غصة، مرددة قول المتنبي عيد بأية حال عدت يا عيد.

أما الجامعة العربية فلا أظنها ستخرج من فضائحها بعد أن أضافت لها أخرى بأن احتفلت باللغة الإنجليزية يوم عيد العربية في الثامن عشر من ديسمبر سنة 1915 لتكرم هي وسفارة الكويت العاملين في الترجمة في الأمم المتحدة ناسية أو متناسية أن هناك أدباء وشعراء ومثقفين عرب يملؤون فيينا تغريدا بلغتهم ويرفعون شأن اللغة العربية بمشاركاتهم في أمسيات لم تحضرها الجامعة العربية  إلا نادرا، في ليلة أدبية يتيمة أو معرض للوحات يعد على الأصابع مضى. أما السفراء العرب فلا حياة لمن تنادي، لم يحضر الحفل إلا سفيران واكتفت البقية بإرسال بعض المسؤولين الصغار ليحضروا مكانهم.

فضولي سيكون كبيرا يوم عيد اللغة الإنجليزية، من يحضر يا ترى منهم ومن سيغيب؟
لك الله يا لغتنا العربية ياحافظة التاريخ وعيوبه ، لك الله فقد مر حفلك غريبا وقد كنت فيه الغريبة.

بين قوسين، سوء التنظيم وصل إلى تقديم طعام دون ماء.

 

 

    souaads@live.de

راسلني

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

http://souaadsabl.blogspot.co.at