عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

 

 

sharief@jusur.net  راسلونا

 

 

   1  

مسرح الترابي

 

الدكتور حسن الترابي، شخصية مثيرة للجدل منذ الستينات، وبرغم ما يثار حوله الرجل، فأنا لا اخفي إعجابي ببعض آراءه خاصة تلك المتعلقة بمسالة بقاء المرأة التي أسلمت في عصمة زوجها المخالف لها في العقيدة.

اذكر أنني كنت شاهداً على حالة في هذا الخصوص في سبعينات القرن الماضي.. جاءت إلى المركز الإسلامي بميونيخ امرأة ألمانية، سبق وأن أعلنت إسلامها، وقصدت المركز لتستفتي عن صحة استمرارها في العيش مع زوج يخالفها في العقيدة وقالت أنهما يعيشان معا منذ أكثر من عقدين من الزمان، ولهما خمسة من ألأبناء.. وكنا نجلس جماعة في المركز.. كان بيننا سوداني مصري أزهري، أفتى على الفور بعرض الإسلام على الزوج.. وإن لم يقبل فلابد من التفريق!..

ولم يمنعني عدم تبحري في العلوم الشرعية من التدخل بالرأي،  قلت: عقلي وقلبي لا يوافقان على ما أفتي به أخونا الأزهري.. وأضفت أننا لو فعلنا ما يشير به، نكون السبب في تفكك أسرة.. وهذه دعاية سيئة للإسلام.

في السودان أدانت هيئة العلماء ما صرح به الترابي مؤخراً في حوار له مع قناة العربية، واعتبرت ما قال به خروجاً على جماعة المسلمين وسارعت تحرض السلطة عليه..

ما نأخذه على الهيئة الموقرة أنها سكتت طويلاً، وآراء الرجل ليست جديدة تماماً.. الجديد أن الترابي الآن بلا سلطة تحول دون التجرؤ عليه!!

 

   2  

عم أحمد والفقي

 

بمناسبة زيارة الدكتور مصطفى الفقى إلى النمسا أحببت أن أشرك قراء جسور ما كتبت في أربعينية العم أحمد عبد الحليم، (الراحل المقيم، سفير السودان السابق لدى النمسا):-

في نهار قارص البرودة كنا وقوفاً في بهو مبنى الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا، مجموعة من الصحافيين العرب، أشار أحدهم إلى "الزول" السوداني في زيه الوطني. إنه السفير أحمد عبد الحليم، في أول يوم له في ذلك المكان.. تقدم الجمع نحوه وسلموا عليه: أهلاً بسعادة السفير!

وعندما جاء دوري للتحية والمجاملة، قلت له في أدب غير متكلف: أنا زول سوداني، ابن أقاليم، وما تعودت على مفردات سعادتك وسيادتك، وقد حضرنا إلى أوروبا عن طريق الخرطوم ـ القاهرة ترانزيت. فاسمح لي بأن أناديك "عم أحمد"، كما أنادي الوزير مرتضى أحمد إبراهيم "عم مرتضى".. أبدى موافقته وترحيبه الحار، فأدهش الأعراب.

وسرت عبارة العم أحمد في مجتمع السودانيين سريان بخور الصندل في الهواء، فشمها بعض الأعراب، ونقلوا إلى السفير المصري مصطفي الفقي أن السودانيين ينادون سفيرهم بـ "عم أحمد"، فصار هو الآخر يناديه بـ "عم أحمد".

وفي حفل أقامه الصحافيون العرب في فيينا، يودعون فيه السفير أحمد عبد الحليم، انتحى بي الدكتور مصطفي الفقي جانباً وقال لي: في غياب هذا الرجل (يقصد عم أحمد) أرجو أن تعتبرني الجالية السودانية في النمسا الأخ الأكبر. لقد كان ذلك موقفاً كريماً من  الفقي، رغم أننا لم نطرق بابه في حاجة فـ "الرجال مواقف". ذلك موقف لن ننساه، فهنا تتجلى كلمات مثل "مصر الشقيقة".

 

 

  3 

مرة أخرى.. مع عم أحمد

 

قابلتها على غير موعد.. في اليوم الخامس عشر لرحيل عمنا أحمد عبد الحليم، فنعيت إليها الخبر الحزين، فسالت دموعها، وفي الدمع كلام.

إنها فتاة من اريتريا الشقيقة، مسيحية ودودة متمسكة بتعاليم دينها، قذفت بها الأقدار من بلد لآخر حتى استقرت في بيت السفارة السودانية، في العاصمة النمساوية، في قرية سلمان، الواقعة على سفح جبل الكالنبرج.

ظلت فتاة اريتريا تخدم عم أحمد أكثر من عام، وجاء يوم زفافها فاستأذنته في حياء وخفر، كي تغادر إلى حياتها الجديدة.

في مثل هذه الحالات، هنالك قصص وحكايات عن كيد ومقالب بعض السفراء مع مخدوميهم من غير النمساويين، الخارجين بلا عودة.. كيد يصل إلى حد الفضيحة.

ولكن سفيرنا الراحل لم يكن كسائر السفراء.. كان له مكان وسط كل مجموعة، الخدم، السائقين، صغار الموظفين، الخفراء، العاملين، الطلاب، المثقفين، العرب، العجم، المعارضين، المؤيدين.

دعا العم الراحل، أعضاء السفارة وزوجاتهم، ودعاني ممثلاً للجالية السودانية في النمسا، لحضور حفل العشاء المقام على شرف زواج خادمته..

جلس الحضور في نفس المكان الذي جلس فيه الرئيس البشير وعلي عثمان وبروفسور تبن. والدسوقي ومستر زاكي الدين.

همس أحدهم في أذنه، أن ما قام به فيه تحطيم لقواعد الدبلوماسية، فرد عليه الحليم: هي بمثابة ابنتي وبسام ابني الكبير (بسام أردني ظل طباخاً في مقر البعثة السودانية لأكثر من عشر سنوات وترك العمل في الليلة الظلماء).

لقد كنت أنا شخصياً مندهشاً ومتعجباً وما زلت مما رأت عيناي، وأحمد الله الذي ألهمني أن أوثق ذلك الحدث في صور تذكارية جمعت بين سودانيين واريتريين والعروسين في حضرة القلب الكبير والفكر المستنير.. وذاك لعمري هو التوجه الحضاري والاستراتيجية المثلى.. لو كنا نعي ونفهم وندرك!!

لله درّك يا أبا جعفر... أمنت لما نثرت الحب بينهم فنمت نوم قرير العين يا عم أحمد..

خربانة أم بناية قش... وموعدنا البرزخ فالفردوس إن شاء الله.

 

   4  

قالوا وقلنا

 

قالوا أن بين سالم وسلمان خصومة امتدت سنين عددا، وتركت أثارها على علائق زوجتيهما سلمى وسلومه ولا غرابة في ذلك.

وما أنا إلا من غزية

إن غزت غزوت

وإن ترشد غزية أرشد

ولأن أهل الخير دائماً للبر سباقون، فقد انبرى للموقف رجاله وعقدوا مجلساً للصلح يجمع سالماً وسلماناً، واستمعوا طويلاً وفكروا ملياً ثم حكموا لسلمان وعاتبوا سالماً عتاباً غير جارح، يحفظ له ماء وجهه.

فقام سالم وصافح سلمان  واعتذر له كثيراً حتى سالت دموعه. وحينها تيقن أنه وقع ضحية للقيل والقال، وانفض القوم والفرحة تملأ قلوبهم والبسمة تعلو وجوههم، فحمدوا الله كثيراً، وخر بعضهم لله سجداً، شيمة أهل الخير والصلاح.

وكان أشدهم فرحاً سلمان، فقد امتلأ صدره سروراً، لأن سحابة حزن قد انقشعت، وجفوة قد زالت، وانطلق إلى داره يزف البشرى لزوجه  سلومه، وحكى لها أن دموع سالم المنهمرة قد غسلت كل إساءة وجهها إليه، وأنه ما عاد يحمل في قلبه غيظاً وقد كان للغيظ كاظماً.

نام سلمان ليلته كأحسن ما يكون، وانطلق عند الصبح إلى عمله كالمعتاد!!! ، وخلى المكان لزوجه سلومه فقامت إلى المرآة وجلست أمامها طويلاً تداعب شعرها وتناجى نفسها، وفجأة... تذكرت سلمى، فحدقت في المرآة برهة، وأضمرت شيئاً نكراً.

تناولت سلومة سماعة الهاتف لتكلم سلمى، لا بقصد أن تهنئها على زوال الفرقة والخصومة، بل لكي تذكرها بأن زوجها سالم رجل سوء، والدليل على ذلك أنه بكى أمام الرجال كما يبكى الأطفال.

بكت سلمى، وأخبرت زوجها سالم، وعادت الخصومة كما كانت بل أشد!!!

والآن عزيزي القارئ هل تجد حلاً لهذه المأساة؟

 

  5 

 

مصر والسودان (حته واحده)!

 

أخواننا في شمال الوادي معرفتهم بجل الوادي قليلة، ونادراً ما يقرون بذلك. قابل أحدهم الزول وذكر له أنه زار السودان وشاهد مدنه، الخرطوم، وأمدرمان، و... فقاطعه الزول متسائلاً: ومشيت براك (وحدك)؟ فأجابه: أيوه وكمان شاهدت مدينة براك.

كلمات مثل ، جمعية اللواء الأبيض، على عبد اللطيف، عبد الفضيل الماظ، عبد الخالق حسن، ثورة 1924 السودانية، ربما تكون جديدة على مسامع إخواننا في شمال الوادي. ولذلك رأيت من الواجب تسليط الضوء على حقبة مهمة في تاريخ وادي النيل، ولا أقول البلدين مصر والسودان، لأنك ببساطة لو تتبعت وادي النيل من منبعيه، بحيرتي تانا وفكتوريا، لرأيت أن العلائق التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية  والأنثروبولوجية، تنساب كماء النيل انسياباً يستعصى معه إقامة سد أو حاجز أو فاصل في نقطة محددة لتلك العلائق. ورغم ذلك فأحياناًً مصر والسودان  ألف حته كما جاء في (النكتة) الطرفة المعروفة.

وقبل أن أسرد شيئاً عن ثورة 1924، أو أجيب على السؤال عنوان المقال، أرى من حق القراء علىﱡ أن يعلموا أنى مدعو اليوم إلى وجبة كشري من طرف الأستاذ عبد المنعم توفيق - وفقه الله.

يحكى أنه في يوم 19 حزيران من عام 1924 توفى المواطن المصري عبد الخالق حسن محافظ مدينة أمدرمان. وخرجت مدينة أمدرمان عن بكرة أبيها لتشييع جثمانه إلى مثواه الأخير بالقرب من النيل. كان رحمة الله عليه محبوباً من الجميع. وبعد إتمام مراسم الدفن هتف الشيخ عمر دفع الله - تاجر معروف في أمدرمان أنذاك - : يسقط الإنجليز... تحيا مصر. وردد المشيعون معه ذلك الهتاف، فكانت تلك أول مظاهرة تشهدها مدينة أمدرمان - العاصمة الوطنية.

جمعية اللواء الأبيض (تنادى بوحدة مصر والسودان)، بقيادة على عبد اللطيف نظمت مواكب جابت مدن العاصمة الثلاث - الخرطوم وأمدرمان وبحرى - هاتفة بخروج الإنجليز من السودان ووحدة مصر والسودان.

وتطورت الأحداث فتجاوب مائة ضابط يقودهم عبد الفضيل الماظ مع جموع المتظاهرين، فتمردوا ودخلوا في اشتباك بالذخيرة الحية مع الجنود البريطانيين. وأستشهد في تلك الملحمة القائد عبد الفضيل الماظ.

الجدير بالذكر أن الماظ وجنوده كانوا بصدد الالتقاء بالجيش المصري والذي صدرت له الأوامر البريطانية بمغادرة السودان في أعقاب اغتيال سيرلى إستاك حاكم عام السودان فى القاهرة.

ويبقى السؤال.. حته واحده أم.......؟؟؟

 

  6 

رمضان .. أيام زمان

 

منذ أهل علينا شهر رمضان، والنفس تراودني أن أكتب عن رمضان وعهد الصبا في الريف السوداني، حتى قرأت ما خطه في هذا الشأن، أستاذنا هلال زاهر الساداتي، عن رمضان أيام زمان، فصار حالي حال من تأهب لتقديم الكشري لضيوفه فنزلت عليه مائدة من السماء، فيها كل ما تشتهيه الأنفس، فأغناني بكلماته عن الكتابة، فتركت له الزاوية وأخذت ما تيسر من مقالته:

ارتبط الصوم لدي السودانيين بالرجالة (الرجولة) والتي يقدمها السودانيون على معظم الفضائل الخلقية: فإنه من العيب أو العار أن يفطر الرجل دعك عن الجهر بالفطر.. وللنساء كلف خاص برمضان لما يتميز به من أطعمة وأشربة خاصة.

وكان الرجال بعد انتهاء العمل يقضون بقية اليوم قبل الإفطار في الحدائق أو تحت كوبرى النيل الأبيض، وبخاصة في حديقة برمبل بالموردة في أمدرمان. فكان الصائمون يستلقون تحت ظلال الأشجار الوريفة، فتجد منهم النائمين ومنهم من يلعب الكتشينة والبعض يذهب للعوم في البحر خاصة الصبية والأطفال، وهؤلاء كان منهم من يغطس في الماء ويبتلع (جغمة) أو اثنتين منه ويتظاهرون بالصيام وذلك اتقاءً أو خوفاً من المعايرة بالإفطار في رمضان، ويسألون بعضهم البعض:

(أنت صايم صيام الضب ولا صيام السحلية) ويقصدون بصيام الضب المفطر وبصيام السحلية الصائم بجد..

وتنشط الحركة في البيوت قبيل الإفطار، فالنساء يشتغلن بإعداد طعام وشراب الإفطار المتنوع والشاي والقهوة، والأطفال والصبية يفرشون البروش والبسط أمام البيوت، فقد كان معظم الجيران يفطرون جماعة وكل رب بيت يأتي بصينية إفطاره، فيفطرون ويصلون المغرب جماعة..

وإن كانت هذه العادة الجميلة قد اندثرت أو كادت تندثر الآن فقد شاهدت البعض القليل لا يزال متمسكاً بها.. وكان هناك مظهران يتميز بهما رمضان أولهما مدفع الإفطار وثانيهما المسحراتي، فقد كان يوجد هناك مدفع عتيق يوضع أمام النيل عند طوابي المهدية قبالة جامعة القرآن الكريم للبنات بأمدرمان، وكان يضرب إيذاناً بالإفطار، وكان المدفع يضرب أيضاً عند بدء وانتهاء وقت السحور، وكان دويه يسمع في أنحاء أمدرمان القديمة أى ما بين حي ود نوباوي شمالاً إلى حي الموردة جنوباً ومن حي أبو روف شرقاً إلى حي العرب غرباً، ولكن أسكت هذا المدفع في عهد جعفر نميري عندما كثرت ضده محاولات الانقلاب العسكرية، وذهب أب عاج بلا رجعة ولا يزال المدفع صامتاً!

فهل إلى عودته من سبيل! والمظهر الثاني هو المسحراتي الذي كان يطوف على الحي على حمار أو راجلاً وفي يده طبلة يقرع عليها ليصحى الناس للقيام للسحور مردداً عبارات منغمة أذكر منها: ((قوم يا صايم وحد الدايم))، أو يشطط فيقول ((صايم رمضان قوم اتسحر ـ فاطر رمضان نوم اتندل))، وفي وقت لاحق سمعت أحدهم يعلن عن موعد السحور بالضرب على نوبة.. وكان هناك مطرب حقيبة في الموردة يدعى طه جفون يستعمل الرق في التنبيه للسحور وهو ذات الرق الذي يضرب عليه في حفلات الغناء.. وكان أغلب المسحرين يؤدون هذا العمل متطوعين يبتغون من وراء ذلك الأجر والثواب من عند الله، بينما القليل منهم يفدون إلى البيوت صبيحة العيد للتهنئة فيجود عليهم الناس بالحلوى والتمر والفول والكعك والنقود..

كان مسلك الناس في رمضان مثالياً للمسلم الحق في النقاء والطهارة والتقوى، حتى المبتلين بشرب الخمر كانوا يمتنعون عن تناولها وإن كانوا يودعونها قبل الصوم بتظاهرة شرابية يسمونها ((خم الرماد)) يشربون فيها حتى لا يميزون بين الأرض والسماء! وبالمقابل كانت هناك مناظر وسلوكيات مقرفة وقبيحة يأتيها البعض في رمضان وأظنها لا تزال موجودة حتى الآن، ومنها الذين يبصقون ياستمرار وكأنهم مصابين بإسهال في أفواههم! والذين لا يستاكون ويظنون ذلك من تمام الصيام.

ومن المناظر المنفرة تظاهر البعض بالزهج وسوء وضيق الخلق متعللاً بالصوم، وهناك الموظفون الذين يجعلون من رمضان موسماً للكسل وعدم القيام بواجباتهم إزاء العباد والذين ينومون أثناء ساعات العمل ويفترشون التربيزات أو الأرض للنوم تحت المكيفات والمراوح بعد ساعات العمل ويقفلون المكاتب عليهم ..

ولست أدري كيف يقضي معظم الناس رمضان الآن مع قلة النقود وتوحش الغلاء؟!

وربما تعودوا على شبه الصيام الإجباري فطعامهم المتاح هو البوش والدكوة مع الطماطم إذا تيسرت والذي صار يشكل وجباتهم الرئيسة! ومع ما يقاسونه من سوء تغذية وأمراض !!

ولكن مما شاهدته مؤخراً من مظاهر إيمانية باذخة هو امتلاء المساجد بالشباب وحضور النساء والفتيات خاصة صلاة التراويح في المساجد والساحات، وآمل أن ينعكس هذا على سلوكنا، فالدين عند الله المعاملة ..

وكل رمضان وأنتم بخير وبلادنا وبلاد المسلمين في عزة وسلام

 

هلال زاهر الساداتي

 

 

 

  7 

مبروك يا خالتي فاطمة!!!

جائزة ابن رشد

للفكر الحر 2006

 

تم اختيار المناضلة السياسية السودانية الجسورة الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم (78) لتنال جائزة ابن رشد للفكر الحر لهذا العام 2006، وذلك لدورها الرائد والفعال في تحرير المرأة علاوة على كفاحها الطويل من أجل العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.

تعتبر السيدة فاطمة إبراهيم من أهم الشخصيات السياسية السودانية في القرن الماضي وحتى زماننا هذا، فقد بدأ نضالها من أجل المرأة وتحريرها قبل استقلال السودان (1956)، رأست مجلة صوت المرأة في عام 1955 وكانت رئيسة للاتحاد النسائي السوداني الذي لعب دوراً هاماً في الإطاحة بحكم الفريق عبود (1964 ـ 1958)

وفى العام 1965 دخلت السيدة فاطمة إبراهيم البرلمان السوداني الديمقراطي كأول نائبة برلمانية سودانية أفريقية عربية. واستطاعت من خلال البرلمان أن تحقق للمرأة السودانية الكثير من المطالب وتضمينها في الدستور وذلك مثل حرية اختيار المهنة، والأجر المتساوي للعمل المتساوي، والمساواة في فرص التأهيل والتدريب والترقي والحق في عطلة الولادة مدفوعة الأجر، كما أنها كافحت من أجل تحديد سن الزواج ومنع الزواج الإجباري وإلغاء قانون بيت الطاعة.

أعدم النميرى زوج السيدة فاطمة إبراهيم وهو القائد النقابي الشهير الشفيع أحمد الشيخ الأمين العام لإتحاد نقابات السودان وقتها والحاصل على وسام لينين للطبقة العاملة، وزج النميرى بالسيدة فاطمة في السجن ووضعها تحت الإقامة الجبرية لأكثر من عامين ونصف، وواجهت النميرى أكثر من مرة بالهتافات المعادية لحكمه رغم تهديده لها بالسجن المؤبد. وواصلت السيدة فاطمة نضالها في المنفى من أجل حقوق الإنسان، واختيرت رئيسة للإتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في عام 1991، وفى عام 1993 حازت على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

السيدة فاطمة هي الشقيقة الصغرى للعم الوزير المتمرد مرتضى أحمد إبراهيم، والكبرى للشاعر المخضرم الراحل المقيم صلاح أحمد إبراهيم.

سوف تستلم السيدة فاطمة شخصياً الجائزة في برلين في يوم 8 ديسمبر 2006. ولمزيد من التفاصيل أرجو الاتصال بالزول وكل عام وأنتم بخير.

 

  8 

الكلب الصالح

 

هل تعتقد فى صلاح الكلاب؟ بالطبع لا يختلف اثنان في إخلاص الكلب لسيده. وقد كثرت الأمثال في هذا الاتجاه؛ فمنها: جوع كلبك يتبعك، ومن الشعر: أنت كالكلب في حفاظك للود.

أما حكايتي أنا مع الكلاب فقد بدأت قبل أن أدخل الكتاب. ففي تلك الجزيرة (جزيرة أبا على النيل الأبيض في السودان) التي ولدت فيها محرم على الكلاب دخولها. وثكلته أمه فخالته ثم جدته ذلك الكلب الذي تسول له نفسه أن يتبع صاحبه ويلج معه تلك الجزيرة التي شهدت أول انتصار لأنصار المهدي على الإنجليز.

شاهدت وأنا صغير كيف يفتك الأطفال بالكلاب ولو كلفهم ذلك جل نهارهم وكل ليلهم. وكم من بدوى دخل وخرج تاركاً كلبه يرجمه الصبية.

وأذكر أنني اقتنيت جرواً صغيراً عندما رحلنا عن تلك الجزيرة واستقر بنا المقام في مدينة ربك التي تبعد بضعة فراسخ عن تلك الجزيرة. كنت مزهواً وفخوراً بذلك الجرو ذي اللون الأبيض والبني. سميته بوبى وصار من المشاهير في حينا.

وفى يوم من الأيام كانت قريبة لي تعد لنا الطعام تحت شجرة المانجو التي غرستها بنفسي، فاقتربت منها قطة وخطفت قطعة اللحم الكبيرة. فراَها كلبنا بوبى، فانقض عليها، فرمت باللحمة ناجية بنفسها، ووقف بوبى أمام اللحمة يحرسها ولم يمسسها. وقررنا أن نجازيه بها هدية وحافزاً له. فرمينا له بكامل اللحمة في إنائه. ولدهشتنا لم تطاوعه نفسه أن يأكل من تلك اللحمة بل وقف بعيداً ينظر. وعندها اهتدت قريبتي لحيلة، دخلت المنزل وقطعت اللحمة الكبيرة قطعاً صغيرة، وقدمتها للكلب قطعة إثر قطعة.

أكبر ظني أن كلبنا بوبى كانت لديه قناعة أن الهرة سارقة وأن تلك اللحمة الكبيرة ليست من حقه.

هل تذكرون قول شوقي عندما زاره شاعر النيل حافظ إبراهيم وأراد مداعبته فننادى كلبه:

يقولون إن الكلاب لا تفهم النداء

فما بال كلبي للنداء قد صار حافظا

وقديما قرأت حكاية في بلاد الزول، عن جماعة خرجت إلى باب البلد في بعض الأيام، فتبعهم كلب من البلد، فلما بلغوا الباب إذا هم بدابة ميتة، فلما نظر الكلب إليها رجع إلى البلد، ثم عاد بعد ساعة ومعه نحو عشرين كلباً، فجاءت إلى الميتة وأكلت منها، وذلك الكلب قائم ينظر من بعيد إلى أن فرغت الكلاب من الأكل وقضت وطرها وصدرت، فورد وأكل مما بقى من سؤرها من العظام، وما بقى عليها ثم انصرف.

......

وللحديث بقية

في المرة القادمة.

 

  9 

الكلب الصالح مرة أخرى

 

رن صوت الهاتف من دون ميعاد: هاو هاو هاو.

أجبته: نعم يا عفريت.. فهمت أنك قرأت ما كتبت عن الكلب الصالح، فقط قل لي هل (هوهوتك) هذه إعجاب أم احتجاج.

قال محدثي: الكلب كلب ولو ترك النباح .

أثار في محدثي رغبة البحث عن صلاح الكلاب، فوجدت فيما حكي أحدهم خير إجابة.

قال  أنه دعي إلى وليمة، وكلما وصل إلى دار الوليمة رده صاحب البيت مرات ومرات. و لم يظهر منه انزعاج بل هو راض بذلك. فتعجب  الداعي من حلم المدعو و صبره واستعظم ذلك منه.

فقال المدعو لداعيه: لا تستعظم منى صفة هي من صفات الكلب.

فانه (أي الكلب) كلما دعي أجاب، وإن طرد ذهب.

وعن الحسن البصري (رضي الله تعالى عنه) قال: في الكلب عشر خصال ينبغي لكل مؤمن أن تكون فيه.

الأولى أن يكون جائعاَ، فإنها من آداب الصالحين.

والثانية ألا يكون له مكان معروف، وذلك من علامات المتوكلين.

والثالثة ألا ينام من الليل إلا قليلا، و ذلك من صفات المحبين.

والرابعة إذا مات لا يكون له ميراث، وذلك من صفات الزاهدين.

والخامسة ألا يترك صاحبه وإن جفاه وضربه، وذلك من علامات المريدين الصادقين.

والسادسة أن يرضى من الأرض بأدنى موضع، وذلك من علامات المتواضعين.

والسابعة إذا تغلب على مكانه تركه وانصرف إلى غيره، وذلك من علامات الراضين.

والثامنة إذا ضرب وطرد وقدم له أكل أجاب ولم يحقد على ما مضى، و ذلك من علامات الخاشعين.

والتاسعة إذا حضر الأكل بعيداَ ينظر، وذلك من علامات المساكين.

والعاشرة أنه إذا ارتحل عن مكان لا يلتفت إليه، وهذه من علامات المحزونين.

وفى الختام رجاء أن يكون فيما كتبنا كفاية. ثم تحذير،ألا يستفزني أعداء الكلاب  فأجيبهم بما يجعلهم مؤمنين ومرددين:

الكلب.. الكلب ، رضي الله عنه.

 

  10 

الدين محبة وتسامح

 

كنت قد أعددت عدتي ودبرت حالي وميزت عيالي كى أواصل مع قرائي في هذه السلسلة السلسة من أدب الصالحين وكرامات الذاكرين، وهم خليط من أنس وجن ودبيب وكلب. وذلك بما أثبتناه من صحيح القول المنقول عن الرواة الثقات والموروث عن أولاد الكلب الكلاب. و كدت أشرع في الحديث عن صلاح الزول الضارب فى أعماق التاريخ الإسلامي. ولكن! حدث ما حدث بمدينة كولون الألمانية، استوقفنى وحرك فىَ مشاعر أخرى عادت بي إلى بدايات عهدنا بأوروبا، حيث كانت تجربتنا الأولى على ضفاف نهر الدانوب في بلاد الهنقار أو المجريين. وقتها لفت نظرى أنهم ما كانوا يفهمون ما تعنيه كلمة إسلام ومسلمين. كانوا قد تعودوا على كلمة المحمدانيين، أى أتباع محمد. وكان ذلك مما يغيظ صديقى أحمد.... السودانى، فينفعل غاضباً وواصفاً إياهم بالكفرة الفجرة أعداء الإسلام والمسلمين.

كنت أقول له: على مهلك يا صاح!!!  ما الذي يحملك  على المكوث بينهم وأكل العيش معهم ونهل العلم منهم؟

البروفيسور جرمانوش جولا (عبد الكريم جولا)، عليه رحمة الله، كان المسلم الوحيد في بلاد الهنقار في ذلك الزمان من أواخر سبعينات القرن الماضى (مبلغ علمى). امتد به العمر حتى قارب المائة، وألف سفراً قيماً فى التعريف بحضارة الإسلام وأهله. كان بعض الأعراب يشكَون فى إسلامه ويهمسون فى أذاننا أنه من أبناء العم!!!

مات جرمانوش فى العام 1979 ووصى زوجته أن يدفن حسب التعاليم الإسلامية. رحمه الله رحمة واسعة وجعل من  مؤلفاته وأعماله صدقة جارية تزيد من حسناته.

حزنت وقتها لوفاة العالم جرمانوش، و حزنت أكثر لحال قوم من المسلمين لا يسارعون فى فعل الخيرات كآل زكريا، بل تجدهم فى إصدار الأحكام المسبقة يتسارعون. إنهم كأعجاز نخل خاوية وزاهدين فى تحمل تبعات البحث والتقصى والإثبات، يسهرون وينامون حتى ضحى الغد.

صديقنا و زميلنا فى الدراسة بالاش مهالفى صار مسلماً بعد وفاة العالم جرمانوش بعدة سنوات. ولم يكن ذلك بسبب مخالطته من كانوا يصلون ويصومون (ليست هذه دعوة لعدم الصوم والصلاة)، بل هداه الله الى الإسلام عن طريق من كانوا معه يغنون ويلعبون. حفظوه الأغاني السودانية ولهجة الزول. تعاملوا معه بإحسان وما قصدوا يوماً أن يحولوه عن دينه. مهالفى أسس أول جمعية إسلامية فى شرق أوروبا الاشتراكية، وقام بترجمة معانى القرآن الكريم الى اللغة المجرية وتزوج من زولة وولد زولاً وزولةً، وما زال يردد جميل الأغانى السودانية كلما التقينا به.

ولكن ماذا حدث فى مدينة كولون الألمانية؟

فى برنامج ألمانيا هذا الصباح شاهدت فقرة خاصة ببناء مسجد حديث وكبير يتبع للهيئة الدينية التركية عوضاً عن المصلى القديم والذي كان من قبل مصنعاً. إلى هنا و الخبر عادى، وما هو غير عادى، أن الكنيسة الكاثوليكية فى كولون دعت المسيحيين لأن يتبرعوا لبناء مسجد المسلمين، وقد فعلوا وأحسنوا!!!

والجدير بالذكر أن المسلمين قد وقع اختيارهم على  المهندس المعمارى المسيحى الذى بنى الكنيسة لكى يقوم ويشرف على بناء مسجدهم (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

وكلمة أخيرة إلى صديقي أحمد: خليك زولاً نفسه طويل......... يا زول!!!

 

  11 

 

تجربة رائدة

الجمعية النمساوية المصرية

 

الحكمة تقول: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

وروى أن أحدهم كان عالماً مشهود له. فجلس بين القوم لا يتكلم. فخاطبه أحدهم: مالي أرى بحر العلوم صامتاً؟

فأجابه العالم: لعمقه واتساعه: نعم.. فالصمت من سمات العلماء.

والعمل في صمت فضيلة لا يلقاها إلا كل ذي حظ عظيم. والصامتون من أصحاب الأعمال الجليلة الصالحة تتحدث عنهم أعمالهم في حياتهم وبعد مماتهم.

جاء في الحديث الشريف أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

ولذلك نقول بعون الله إن بناء مؤسسات المجتمع المدني العاملة الناجحة في مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية والرياضية هي من الصدقات الجارية. والثواب أعظم عندما يكون أكثرهم عطاءً فيها أقلهم كلاماً. (طحين بلا جعجعة).

إن الجمعية النمساوية المصرية وفى ثوبها الذي بدت فيه غداة انعقاد جمعيتها العامة قد استحقت الفوز بأرفع وسام يمكن أن تناله جمعية نمساوية عربية أو إن شئت نمساوية أفريقية وذلك رغم أنف ابن عباس وشاء الزول أم أبى.

لم يصل المسئول النمساوي عن الجمعيات حد المبالغة عندما ذكر في حديثه القصير البصير أنه لم يشاهد في عمره المجيد اجتماعاً لجمعيات الصداقة النمساوية على ذلك المستوى الرفيع والراقي من حيث التنظيم وضبط الوقت وجدية المناقشات والمداخلات وقوة طرح المبادرات و المقترحات.

التفت إلي صاحبي قائلاً: لو كان هذا الاجتماع لعرب دون عجم وقد سادت فيه لغة الضاد بجناسها وطباقها وسجعها، لرأيت العجب العجاب، ولكان قد أقبل علينا الصباح ولم تسكت شهرزاد عن الكلام المباح.

شمل اللقاء محاضرة عن العلاقات المصرية النمساوية وانبثقت عنه أربعة لجان: واحدة للمرأة وأخرى للرياضة وثالثة للثقافة والأخيرة للبحث العلمي.

مدينة جراتس ممثلة في مندوبها المهندس (الصامت) حازت على تقدير جيد من الجمع الفريد. لقد جاء وحيداً لكنه بدا كرهط أو جماعة.

ومسك الختام هو ما سمعناه عن الغائب الحاضر ـ الدكتور إبراهيم أبو العيش وقريته النموذجية في مصر. لقد رعته جمعية الصداقة  النمساوية المصرية معنوياً و مادياً، فنعم الراعي و نعم الرعية.

سألت كبير الصامتين أن يحدثني عن هذا الإنسان الرقم. فصمت صمتاً رهيباً خلته دهراً.. ثم نطق عجباً:

حصل الدكتور إبراهيم أبو العيش على درجة الدكتوراه من جامعة جراتس وعمل كرئيس لقسم الأبحاث العلمية في أكثر من مؤسسة نمساوية ثم عاد إلى وطنه الأم عام 77 وأصر أن يعمل عملاً يفيد بلده واستطاع على مساحة 70 هكتارا في الصحراء في أول طريق بلبيس أن يفعل المعجزة للأيتام والمعدومين وأن يقيم مزرعة نموذجية "سيكيم" ويتيح معها 2000 فرصة عمل وإنشاء حضانة للأطفال ومدرسة ثانوية ومدارس فنية وحرفية وهو بصدد إنشاء جامعة سيكيم.

بعد ده ما فى كلام يا زول.

 

  12 

 

كورت فالدهايم

توفي ظهر  الخميس 14 يونيو 2007 في مدينة فيينا الدكتور كورت فالدهايم، الرئيس النمساوي السابق والسكرتير العام الرابع للأمم المتحدة عن عمر جاوز الثمانية و الثمانين.

في يناير الماضي جمعتنا السيدة ليزا فالدهايم في منزلها، على دعوة عشاء أقامتها وداعاً للسيدة المهندسة شادية بخيت، وذلك بمناسبة تسلمها لمنصبها الجديد كأول مديرة سودانية لليونيدو في الباكستان. كان الغائب الحاضر وقتها الدكتور كورت فالدهايم، قد استأثر بحظ عظيم من سؤال الناس هذا كيف فالدهايم؟ أسرة فالدهايم كسائر كريم الأسر العريقة في النمسا لا يتميزون عن بقية أفراد الشعب النمساوي كثيراً. تراهم في المقاهي والمواصلات العامة، لا يكلفون الدولة  عناء حراسة ولا يتوارون خجلاً ممن يسألهم من أين لكم هذا.

ومع ذلك تبقى شخصية فالدهايم الأكثر إثارة للجدل وسط الشخصيات السياسية النمساوية في الخمسين سنة الماضية.

ولد كورت فالدهايم في 21 ديسمبر 1918 بقرية سانت أندرى فوردرن فى ولاية النمسا السفلى. والده كان كاثوليكياً ويعمل مفتشاً بالمدارس. كورت وزوجته اليزابث لهم من الذرية ثلاث، وتعتبر ليزا من أقربهم إليه وفى السنوات الأخيرة.

في العام 1941 التحق فالدهايم بالجيش النازى وأرسل إلى جبهة البلقان - يوغسلافيا،  فأصيب بجرح غير قاتل. يقول فالدهايم فى سيرته الذاتية أنه منح إجازة مرضية فعاد إلى فيينا لمواصلة دراسة القانون. لكن منتقدوه يتهمونه بالتزوير فيما أورده من معلومات  في سيرته الذاتية، ويؤكدون أنه في الأعوام 1941 ـ 1943 قد واصل عمله في الجيش كملازم أول على الجبهة اليوغسلافية تحت إمرة الجنرال الاكسندر لوهر النمساوى والذي أعدم في العام 1946 كمجرب حرب لدوره في قمع المقاومة اليوغسلافية وتهجير 40 ألف يهودي من تيسالونيكى إلى معسكرات التجميع النازية في أوس شفيتش.

في العام 1986 وعندما أعلن فالدهايم ترشيحه لرئاسة الجمهورية عن حزب الشعب النمساوي المحافظ، واجهه الاشتراكيون بماضيه النازي في يوغسلافيا. و دافع فالدهايم عن نفسه قائلاً: (أن مهامه في يوغسلافيا لم تتعد الترجمة والطباعة). ولكن الأمريكان أصدروا قرارهم بوضع اسمه في قائمة المحظورين الشيء الذي لم يتغير حتى موته. وكان أخر عهده بأمريكا قبل أن يصير رئيساً للنمسا.

يقول الصحافي و الإعلامي عامر البياتي والذي رافق فالدهايم في حملته الانتخابية تلك أنه أجرى معه لقاءاً صحافياً مطولاً لصالح صحيفة الشرق الأوسط السعودية الدولية والتي كان يعمل مراسلاً لها من فيينا.

وحسب رأى الأستاذ البياتي إن تلك الحملة كانت مدبرة من اللوبي اليهودي في الحزب الاشتراكي وتولى كبرها الاشتراكي سنوفاتش، وأنه لم تقدم أدلة دامغة تثبت أن فالدهايم كان جندياً نشطاً في الجيش النازي وإلا لما سكت عنه أعداؤه طيلة تلك السنين (أكثر من أربعين سنة). ولذلك جاءت الإجابة الحاسمة من الشعب النمساوي الذي اختاره رئيساً للجمهورية. وعرف فالدهايم كصديق للعرب حتى مماته وسوف يبقى كذلك.

الوزير المتمرد مرتضى أحمد إبراهيم وزوجته انقابورج يذكران فالدهايم بالخير لدوره في إخراج النمساويين من العراق والكويت المحتلة. وكان الاثنان ضمن تلك المجموعة التي سهل لها فالدهايم أمر خروجهم من القبضة الصدامية. ويبدو أن صدام أراد بذلك العمل أن يبر الرئيس النمساوي وقتها. ألم نقل أنه صديق العرب كما كان كرايسكي من قبل.

 

  13 

 

 

فن العلائق

 

في البداية وقبل الشروع في موضوعنا هذه المرة أرجو أن ألفت انتباه الأخوة الأعزاء ألا يقولوا علاقات، كما هو شائع، بل علائق! وأستحلفكم بالله ألا تسألوني لماذا؟ فهكذا حدثنا شيخنا الذي علمنا القيل والقال وكثرة السؤال.

أما العلائق التي أنوى تناولها في هذه الزاوية من مجلة الجسور الشامخة الصامدة فهي علاقات!!! آسف أقصد علائق أهل المدن وأهل البادية وذلك حسب ما تفضل به صديقي الدكتور كامل حسن جنى، الساخر دائماً من تصرفات أهلنا القرويين.

حدثني صديقي أن البدوي في مصر يطلقون عليه لقب الصعيدي وهو دائماً ضحية لخداع القاهري الذي يبيعه الترام.

أما البدوي الزول فإنه عند قدومه المدينة يقدم لقريبه أو صديقه الحضري برطمان سمن أو عسل ومن بعد يبدأ هو وإخوانه وجميع أهله يمتصون خيرات الحضري التي جمعها بالجهد الجهيد. وإذا رغب أحد سكان البادية في زيارة المدينة فإن أخانا البدوي الزول يزوده باسم ومكان صديقه الحضري (الذي أهداه برطمان العسل) وما على صاحبه القادم من الريف إلا أن يقدم نفسه بوصفه أحد أقارب البدوي الزول وسيجد منهم كل ترحاب  وتقدير.

و سرد  محدثي قصة واقعية حدثت لعمه الحاج عبد الله مع أحد القرويين و يدعى سلامة:

سلامة أحد مواطني قرية كررى التي تبعد عن مدينة الحاج عبد الله، مسافة نصف يوم على ظهر الحمار.

قدم سلامة راكباً حماره وحاملاً ديكاً، وقاصداً دكان الحاج عبد الله. وبعد إتمام لوازم (البارك) ربط الحمار وتقديم العشب له حتى لا يحتج بالنهيق، حيا سلامة الحاج عبد الله وقال له: يا حاج عبد الله... أنا راغب في صداقتك في الله وأهديك هذا الديك كدليل وعربون لهذه الصداقة! فرد عليه الحاج عبد الله: وأنا قبلت صداقتك في الله... وقبلت منك الديك هدية، فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل الهدية.

ومن يومها اعتبر سلامة منزل الحاج عبد الله ليس بمثابة منزله هو فقط، بل و منزل أهله وأصدقائه... في البداية كانت زياراته ورفاقه مقتصرة على يومي الأحد والخميس (أيام السوق في المدينة)... وبعد تثبيت هذين اليومين بدأت الزيارات المفاجئة تترى.

كان سلامة في البداية لا يزور إلا في وجود الحاج عبد الله بالمنزل ولكن بمرور الوقت (رفع الكلفة) وصارت زياراته لا ترتبط بوجود أو عدم وجود الحاج عبد الله، فالرجل قد أصبح (سيد بيت)، يأخذ مكانه في الديوان (مكان الضيوف)، ويأمر أحد أبناء الحاج عبد الله بتحضير الوجبة المناسبة ويليها الشاي بالنعناع ثم يتبع ذلك القهوة....

مع مرور الزمن صارت زيارات صاحبنا سلامة ومعيته تمثل عبئاً حقيقياً وثقيلاً لا من ناحية العمل الإضافي لزوجة الحاج عبد الله، ولكن حتى على ميزانية الأسرة المحدودة. الشيء الذي أجبر الحاج عبد الله أن يقبض على الديك سبب البلية والذي لحسن الحظ لم يذبحه في تلك الزيارات المتكررة لصغر حجمه. وواجه الحاج عبد الله سلامة: "أسمع يا زول! أليس هذا هو ديكك؟ كان صغيراً والآن كما ترى قد اكتنز لحماً وشحماً.... يا زول خذ ديكك وأنسى هذه الصداقة المكلفة..... لا توجد صداقة بيننا بعد اليوم لأنني لا أستطيع تحمل تكاليفها.

وأخر القول:

تهنئة حارة من الزول للأخوة العراقيين، وذلك بفوز فريقهم القومي لكرة القدم بكأس الأمم الأسيوية للمرة الأولى.

وأعتقد أن هذا الفوز العراقي، وفى هذا الوقت العصيب قد أثلج صدر الكثيرين من عرب وعجم. لا شماتة في أهل الحجاز- حاشا- ولكن انتصاراً ودعماً للضعيف. والسعودية فازت من قبل مرات ومرات والفوز والهزيمة لا ينقصان شيئاً من رصيدها وسمعتها في الملاعب.

عند مقابلتي للسفير العراقي مؤخراً، هنأته واقترحت عليه أن يتواضع العراقيون على تولية زمام أمر توحيدهم لهذا الفريق الذي جمعهم في وقت، ما عاد فيه من أمل في الوحدة والتوحد، وساد فيه التشرذم والقتل والسحل.

هؤلاء الفتية أدوا رسالتهم على وجه فاق حد التصور.

فهل يا ترى يقبل أهل الحل والعقد في بلدنا العراق بإعطاء هذا الفريق المعجزة ولاية الأمر في البلاد ولو لمدة يوم واحد!!! و ما يدريك لعلهم قد ينجحون فيما فشل فيه الآخرون!!

ألم يثبتوا ذلك على المروج الخضر!

 

 14

 

أين التوفيق؟؟؟

التوفيق نعمة من الله، فمن منا لا يتمناها. وكم من مرة رفعنا الأكف داعين المنعم رب العالمين أن يكون التوفيق حليفنا ورفيقنا وسامرنا.

لا أشك في أن المولى قد استجاب لندائنا. فسخر لنا عبده عبد المنعم توفيق عميلاً. كان وما زال يملأ مسرح الخير طولاً وعرضاً بل وعمقاً.

افتقدته في الأشهر التي مضت، فقد استعصم ببعد قدّره هو عنا، ونزل ضيفاً خفيفاً على مستشفيات فيينا، فألفها وألفته. ثم صار له فيلق من الممرضات والأطباء وقد صاروا له أصدقاء. وما يدريك لعله أن أقسم عليهم أن يولوه أمرهم لاستجابوا له غير مكرهين، بل ومباهين به زمرة الكتاب والصحافيين، وكتلة البرلمانيين والسياسيين، وكتائب أبناء النيل ومن لف لفهم من أكلة الفول والطعمية والكشري.

ابن النيل.. مكانه كان خالياً في تلك الزيارة التي هيأ لها ودبرها ثم أخرجها في ثوبها القشيب ابن الشام البار الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، وذلك عند افتتاح القسم العربي من كلية الطب في جامعة كريمز في ولاية النمسا السفلى.

ابن النيل...مقعده كان أيضاً خالياً في ذلك الاجتماع الذي دعي له مكتب جامعة الدول العربية في فيينا ممثلي الكيانات العربية في النمسا، وذلك لمقابلة مساعد الأمين العام لشئون المغتربين في الجامعة العربية.

ابن النيل العظيم افتقدته أكثر عندما تكلم أحد الحاضرين ممن حسبناه من الصالحين، مشيداً بما أنجزه اتحاد الأطباء العرب من خدمات في الأردن وفلسطين واليمن والعراق و(حتى السودان).

نعم وحتى السودان!!! هذا ما قاله، وسألت نفسي أن كانت هنالك ضرورة لاستعمال حتى!!! هل يا ترى هي زلة لسان؟ أم قصور في البيان؟ أم في النفس شيء من حتى؟؟؟

عبد المنعم توفيق، صاحب الكلمة الناقدة البناءة، ما كانت تفوته مثل هذه الهفوات دون تصويبها وتهذيبها وتأديبها، فقد سما بروحه وجسده فوق القوميات والعصبيات. إنه نموذج للتسامح ودعة النفس ورقى الخلق، تجده دائماً في هدوء وصبر والقوم من حوله يتناقشون ويتجادلون وأحياناً يتشاجرون.

وحذاري أن يفهم البعض أننا نكيل المدح والثناء لابن النيل بغير حساب ودون مقابل، فقد عودنا هدانا الله وإياه على أن ننتقده ونحاسبه. وكم من مرة مكننا من رقبته وتلابيبه ولسان حاله يقول: هلموا وأهدوا إلىَ عيوبي!!!

وآخر القول:

جاء رجل إلى المهلب بن أبي صفره وقال له: يا مهلب  بما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: إنما أدركت ما أدركت بالعلم. قال الرجل: ولكن غيرك علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت فبما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: ذلك علم استعمل وهذا علم عمل به.

وما توفيقي إلا بالله ،،،

أين التوفيق؟؟؟

 

التوفيق نعمة من الله، فمن منا لا يتمناها. وكم من مرة رفعنا الأكف داعين المنعم رب العالمين أن يكون التوفيق حليفنا ورفيقنا وسامرنا.

لا أشك في أن المولى قد استجاب لندائنا. فسخر لنا عبده عبد المنعم توفيق عميلاً. كان وما زال يملأ مسرح الخير طولاً وعرضاً بل وعمقاً.

افتقدته في الأشهر التي مضت، فقد استعصم ببعد قدّره هو عنا، ونزل ضيفاً خفيفاً على مستشفيات فيينا، فألفها وألفته. ثم صار له فيلق من الممرضات والأطباء وقد صاروا له أصدقاء. وما يدريك لعله أن أقسم عليهم أن يولوه أمرهم لاستجابوا له غير مكرهين، بل ومباهين به زمرة الكتاب والصحافيين، وكتلة البرلمانيين والسياسيين، وكتائب أبناء النيل ومن لف لفهم من أكلة الفول والطعمية والكشري.

ابن النيل.. مكانه كان خالياً في تلك الزيارة التي هيأ لها ودبرها ثم أخرجها في ثوبها القشيب ابن الشام البار الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، وذلك عند افتتاح القسم العربي من كلية الطب في جامعة كريمز في ولاية النمسا السفلى.

ابن النيل...مقعده كان أيضاً خالياً في ذلك الاجتماع الذي دعي له مكتب جامعة الدول العربية في فيينا ممثلي الكيانات العربية في النمسا، وذلك لمقابلة مساعد الأمين العام لشئون المغتربين في الجامعة العربية.

ابن النيل العظيم افتقدته أكثر عندما تكلم أحد الحاضرين ممن حسبناه من الصالحين، مشيداً بما أنجزه اتحاد الأطباء العرب من خدمات في الأردن وفلسطين واليمن والعراق و(حتى السودان).

نعم وحتى السودان!!! هذا ما قاله، وسألت نفسي أن كانت هنالك ضرورة لاستعمال حتى!!! هل يا ترى هي زلة لسان؟ أم قصور في البيان؟ أم في النفس شيء من حتى؟؟؟

عبد المنعم توفيق، صاحب الكلمة الناقدة البناءة، ما كانت تفوته مثل هذه الهفوات دون تصويبها وتهذيبها وتأديبها، فقد سما بروحه وجسده فوق القوميات والعصبيات. إنه نموذج للتسامح ودعة النفس ورقى الخلق، تجده دائماً في هدوء وصبر والقوم من حوله يتناقشون ويتجادلون وأحياناً يتشاجرون.

وحذاري أن يفهم البعض أننا نكيل المدح والثناء لابن النيل بغير حساب ودون مقابل، فقد عودنا هدانا الله وإياه على أن ننتقده ونحاسبه. وكم من مرة مكننا من رقبته وتلابيبه ولسان حاله يقول: هلموا وأهدوا إلىَ عيوبي!!!

وآخر القول:

جاء رجل إلى المهلب بن أبي صفره وقال له: يا مهلب  بما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: إنما أدركت ما أدركت بالعلم. قال الرجل: ولكن غيرك علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت فبما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: ذلك علم استعمل وهذا علم عمل به.

وما توفيقي إلا بالله ،،،

 

 15

أوباما فى الذهن العروبى!!!

 

باراك أوباما ـ حسين ـ براق، أسماء أثارت في عالمنا العربي نقاشات عريضة وعميقة كعمق اليم، وأحياناَ سطحية وضحلة كضحالة البحر عند سواحله.

مثلى مثل الكثيرين أصابتني الحمى الأوبامية، فأدمنت مشاهدة معاركه الانتخابية، وعلى وجه الخصوص مناظراته الثلاثة مع منافسه ماكين، رغم زمنها الباكر حسب التوقيت الأوروبي. كانت قمة في الروعة والأداء. وسرت نشوة في عروقي، شبيهة بتلك التي هيأتها لنا الكاميرون وأسودها السود عندما افترسوا الثيران الإسبانية وفازوا بذهبية الأولمبياد في العام 2004. (هل هذه عنصرية؟ أم تضامن مع المساكين والضعفاء؟).

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل راهن على هزيمة باراك، ومنطقه أن أمريكا لن تقبل رئيساَ أسوداَ. ولكن عندما فاز أوباما راح الكاتب الكبير ينقب عن أشياء لم يلتفت إليها مستمعوه ومعجبوه، وهم كثر في عالمنا العربي.

ذكر هيكل على لسان أحد الأمريكيين السود أنهم يعتبرون أوباما إنساناَ أبيضاَ في تفكيره رغم سواد بشرته.

وكاتب آخر من بلاد الرافدين راح يسوق الأدلة الواحدة تلو الأخرى على أن رئيساَ أمريكياَ أسوداَ ليس بالضرورة خادماَ لمصالح العرب، ولربما كان ضرره أكثر من الرؤساء البيض. وتبياناَ وتأكيداَ لدعواه ذكر أن الجنود الأمريكيين السود أشد قساوة على العراقيين مقارنة بالجنود البيض، وأن أكثر حالات الاغتصاب ارتكبت بواسطة الجنود السود.

والآن نعود إلى فرحة السادس من نوفمبر والتي دخلت قلب كل أسود وكل إنسان متقدم ومتحضر له القدرة على تخطى الحواجز العرقية والدينية والثقافية والوطنية، ومستوعباَ لتاريخ العبودية البغيض، ومشرئباَ لمستقبل تتحقق فيه أحلام مارتن لوثر كنج.

في ذلك اليوم سالت دموع القس جيسى جاكسون، وخرج الناس في كينيا يرقصون في الشوارع، واتخذوا من ذلك اليوم عيداَ وطنياَ.

هل ياترى وجدت تلك الفرحة سبيلاَ إلى قلب هيكل وقلوب قوم على شاكلة كاتب الرافدين.

هيكل كاتب بلغ شأواَ بعيداَ، وشاهد على عصره مع آخرين، لكنه لا يستطيع أن يعبر عن فرحة الملايين تلك، ناهيك عن أن يدرك ما وراء دموع القس جاكسون. لماذا؟ لأنه أي هيكل يحسب نفسه من ملة أخرى لا يجمعه وأوباما حسب ولا نسب.

هل تذكرون كتابه خريف الغضب؟ لقد جعل من نفسه طبيباَ وباحثاَ نفسانياَ وراح يغوص في داخل نفس السادات (بعد مماته) ليكتشف لنا مشكلته السايكولوجية بسبب لونه وشكله الأفريقي الذي أورثه له جده خير الله المملوك.

الأستاذ هيكل يتذاكى ويلفق المعلومات أحياناَ مستغلاَ في ذلك ثروته المعلوماتية الضخمة التي وفرها له عبد الناصر. لقد حاول أن يلعب نفس الدور مع السادات، فساهم بقدر كبير في كشف تحرك مجموعة على صبري.

لكنه نال جزاء سنمار.

قلبي يحدثني أنه كانت للسادات فراسة أفريقية كشفت له عن صورته في عقل هيكل الباطني. فراسة وكظم غيظ، غابا عن جعفر النميري وهو يسدد لكمة (أم دلدوم) قوية في وجه هيكل وهما داخل طائرة الرئيس عبد الناصر المتجهة صوب ليبيا القذافى. ساء النميرى أن يسمى هيكل ثورته إنقلاباَ.

في الثمانينات كتبت للكاتب والصحافي الكبير مصطفى أمين صاحب الفضل في صعود نجم هيكل، أستفسره فيما أورده عنه هيكل من تهم في كتاب الأخير بين - السياسة والصحافة -. كانت مفاجأة لي أن أستلم رداَ (محتفظاَ بنسخته) من الصحافي الجليل مصطفى أمين واصفاَ فيه ما سطره هيكل عنه بالأكاذيب والأباطيل. تلك كانت شهادة عصرية ولا بد أن تأخذ حظها من التمحيص.

سئل لويس فاراخان - زعيم أمة الإسلام الأمريكية - عن باراك أوباما عند بداية الحملة الانتخابية فقال إنه معجب به ويتمنى أن يراه في البيت الأبيض ولكن لا يريد أن يفسد عليه حملته بالحديث عنه، لأن أعداؤه دائماَ ما يحرفون كلامه. ولم يتوقع فاراخان تغييراَ جذرياَ يحدث في السياسة الأمريكية، لأن ذلك ليس بيد أوباما - أو كما قال.

لكن تبقى الحقيقة أن من حسنات أمريكا قبولها عبداَ حبشياَ حاكماَ لها. وهو ما لا يتصوره كثيرون في عالمنا العربي وهيكل منهم. وقبل سنوات مضت التقيت في برلين بولي العهد السنوسي المتطلع إلى إعادة ملكه، وذلك بتدبير من صديقي الليبي (عز) الذي من سماته الصراحة والمصالحة مع النفس. ولى العهد يبدو لمن لا يعرفه وكأنه من السودان. لأن له أصول من غرب أفريقيا. ذكر لي صديقي (عز) أن لون ولى العهد الداكن لا يشجع الكثيرين في ليبيا من الوقوف إلى جانبه وتأييده.

في تقديري أنه سوف تجرى مياه كثيرة تحت جسور النيل والرافدين قبل أن نرى قبطياَ أو نوبياَ رئيساَ للوزراء، أو بصرياَ أسمراَ وزيراَ للخارجية، أو موريتانياَ زنجياَ رئيساَ للبلاد. وفى بلدي السودان سكبنا دماءَ عزيزة وغزيرة قبل أن نجنح لتولى جنوبيى السودان وزارات سيادية ونشركهم بالفعل في تصريف  المال وتبديده.

إن جذور الاستعلاء والإقصاء في عالمنا العربي ضاربة في العمق.

يا ترى ماذا هم فاعلون غداَ عندما ترحل الأسرة الأوبامية السوداء إلي البيت الأبيض؟ هل يطالبون بتغيير لونه إلى البني؟ أم ينبري أحدهم وتجرى على لسانه ما تفوه به الأوائل وهم يرون بلالاَ يؤذن من فوق الكعبة يوم الفتح.

إنها العنصرية الكريهة...... حاضراَ وماضياَ. حماني الله وإياكم منها.

(تجاورت سكناَ مع باراك حسين أوباما وأسرته. وكانت طفلتاه تلعبان بالقرب منى وأنا أتصفح في صحيفة. ويقبل على باراك ويسألني إن كنت سوف أشاركهم الاحتفال بدخول البيت الأبيض. لم تكن بحوزتي دعوة! طلب منى باراك أن أرتدي بدلة ورباط عنق بلون معين وسوف يأخذني معه إلى مكان الاحتفال الساعة السادسة مساءَ.

هذا ما رأيته في المنام قبل نشر هذا المقال. وحتى يصلني تفسير ابن سيرين دعوني أعيش مع أحلامي فوق سريرين.

 

أين التوفيق؟؟؟

التوفيق نعمة من الله، فمن منا لا يتمناها. وكم من مرة رفعنا الأكف داعين المنعم رب العالمين أن يكون التوفيق حليفنا ورفيقنا وسامرنا.

لا أشك في أن المولى قد استجاب لندائنا. فسخر لنا عبده عبد المنعم توفيق عميلاً. كان وما زال يملأ مسرح الخير طولاً وعرضاً بل وعمقاً.

افتقدته في الأشهر التي مضت، فقد استعصم ببعد قدّره هو عنا، ونزل ضيفاً خفيفاً على مستشفيات فيينا، فألفها وألفته. ثم صار له فيلق من الممرضات والأطباء وقد صاروا له أصدقاء. وما يدريك لعله أن أقسم عليهم أن يولوه أمرهم لاستجابوا له غير مكرهين، بل ومباهين به زمرة الكتاب والصحافيين، وكتلة البرلمانيين والسياسيين، وكتائب أبناء النيل ومن لف لفهم من أكلة الفول والطعمية والكشري.

ابن النيل.. مكانه كان خالياً في تلك الزيارة التي هيأ لها ودبرها ثم أخرجها في ثوبها القشيب ابن الشام البار الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، وذلك عند افتتاح القسم العربي من كلية الطب في جامعة كريمز في ولاية النمسا السفلى.

ابن النيل...مقعده كان أيضاً خالياً في ذلك الاجتماع الذي دعي له مكتب جامعة الدول العربية في فيينا ممثلي الكيانات العربية في النمسا، وذلك لمقابلة مساعد الأمين العام لشئون المغتربين في الجامعة العربية.

ابن النيل العظيم افتقدته أكثر عندما تكلم أحد الحاضرين ممن حسبناه من الصالحين، مشيداً بما أنجزه اتحاد الأطباء العرب من خدمات في الأردن وفلسطين واليمن والعراق و(حتى السودان).

نعم وحتى السودان!!! هذا ما قاله، وسألت نفسي أن كانت هنالك ضرورة لاستعمال حتى!!! هل يا ترى هي زلة لسان؟ أم قصور في البيان؟ أم في النفس شيء من حتى؟؟؟

عبد المنعم توفيق، صاحب الكلمة الناقدة البناءة، ما كانت تفوته مثل هذه الهفوات دون تصويبها وتهذيبها وتأديبها، فقد سما بروحه وجسده فوق القوميات والعصبيات. إنه نموذج للتسامح ودعة النفس ورقى الخلق، تجده دائماً في هدوء وصبر والقوم من حوله يتناقشون ويتجادلون وأحياناً يتشاجرون.

وحذاري أن يفهم البعض أننا نكيل المدح والثناء لابن النيل بغير حساب ودون مقابل، فقد عودنا هدانا الله وإياه على أن ننتقده ونحاسبه. وكم من مرة مكننا من رقبته وتلابيبه ولسان حاله يقول: هلموا وأهدوا إلىَ عيوبي!!!

وآخر القول:

جاء رجل إلى المهلب بن أبي صفره وقال له: يا مهلب  بما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: إنما أدركت ما أدركت بالعلم. قال الرجل: ولكن غيرك علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت فبما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: ذلك علم استعمل وهذا علم عمل به.

وما توفيقي إلا بالله ،،،

أين التوفيق؟؟؟

التوفيق نعمة من الله، فمن منا لا يتمناها. وكم من مرة رفعنا الأكف داعين المنعم رب العالمين أن يكون التوفيق حليفنا ورفيقنا وسامرنا.

لا أشك في أن المولى قد استجاب لندائنا. فسخر لنا عبده عبد المنعم توفيق عميلاً. كان وما زال يملأ مسرح الخير طولاً وعرضاً بل وعمقاً.

افتقدته في الأشهر التي مضت، فقد استعصم ببعد قدّره هو عنا، ونزل ضيفاً خفيفاً على مستشفيات فيينا، فألفها وألفته. ثم صار له فيلق من الممرضات والأطباء وقد صاروا له أصدقاء. وما يدريك لعله أن أقسم عليهم أن يولوه أمرهم لاستجابوا له غير مكرهين، بل ومباهين به زمرة الكتاب والصحافيين، وكتلة البرلمانيين والسياسيين، وكتائب أبناء النيل ومن لف لفهم من أكلة الفول والطعمية والكشري.

ابن النيل.. مكانه كان خالياً في تلك الزيارة التي هيأ لها ودبرها ثم أخرجها في ثوبها القشيب ابن الشام البار الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، وذلك عند افتتاح القسم العربي من كلية الطب في جامعة كريمز في ولاية النمسا السفلى.

ابن النيل...مقعده كان أيضاً خالياً في ذلك الاجتماع الذي دعي له مكتب جامعة الدول العربية في فيينا ممثلي الكيانات العربية في النمسا، وذلك لمقابلة مساعد الأمين العام لشئون المغتربين في الجامعة العربية.

ابن النيل العظيم افتقدته أكثر عندما تكلم أحد الحاضرين ممن حسبناه من الصالحين، مشيداً بما أنجزه اتحاد الأطباء العرب من خدمات في الأردن وفلسطين واليمن والعراق و(حتى السودان).

نعم وحتى السودان!!! هذا ما قاله، وسألت نفسي أن كانت هنالك ضرورة لاستعمال حتى!!! هل يا ترى هي زلة لسان؟ أم قصور في البيان؟ أم في النفس شيء من حتى؟؟؟

عبد المنعم توفيق، صاحب الكلمة الناقدة البناءة، ما كانت تفوته مثل هذه الهفوات دون تصويبها وتهذيبها وتأديبها، فقد سما بروحه وجسده فوق القوميات والعصبيات. إنه نموذج للتسامح ودعة النفس ورقى الخلق، تجده دائماً في هدوء وصبر والقوم من حوله يتناقشون ويتجادلون وأحياناً يتشاجرون.

وحذاري أن يفهم البعض أننا نكيل المدح والثناء لابن النيل بغير حساب ودون مقابل، فقد عودنا هدانا الله وإياه على أن ننتقده ونحاسبه. وكم من مرة مكننا من رقبته وتلابيبه ولسان حاله يقول: هلموا وأهدوا إلىَ عيوبي!!!

وآخر القول:

جاء رجل إلى المهلب بن أبي صفره وقال له: يا مهلب  بما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: إنما أدركت ما أدركت بالعلم. قال الرجل: ولكن غيرك علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت فبما أدركت ما أدركت؟ قال المهلب: ذلك علم استعمل وهذا علم عمل به.

وما توفيقي إلا بالله ،،،

 16

 

هورنا في عيدها العشرين

 

لا يمكن أن نتحدث عن وكالة القرن الإفريقي - هورنا،دون أن نشير من بعيد أو قريب،من فوق أو على جنب،إلى الشخص الرقم عبد القادر بكرى حمدان الأريتري الصومالي الأثيوبي والسوداني.

تعرفت عليه في سبعينات القرن الماضي أيام الطلب الجامعي والبحث العلمي في شرق أوروبا مقروناَ بالعمل اليدوي المضني في غرب أوروبا. ومن خلاله تعرفت على الوجه الأخر للحبشة والثورة الأريترية ورجالها،وفى مقدمتهم الراحل المقيم عثمان صالح سبى. وهنا لا بد لي من أن اعترف بمحدودية معرفتنا السودانية بما يدور في دول الجوار،الشرقية والجنوبية والغربية. جهل يعادل جهل المصريين بما يدور في جنوبهم.

قبل ربع قرن من الزمان تشرفت في ألمانيا بمراجعة كتاب حمدان وعنوانه الثورة الأريترية في الميزان. وحينها قام بطبع الكتاب ابن دارفور المرح موسى منصور فرج الله. لقد كانت سانحة وفرصة زادتنا علماَ ودراية بما يدور في جبهتنا الشرقية.

التحق الصبي حمدان  بالثورة الأريترية ولم يكمل بعد عامه الخامس عشر،فكان ذلك سبباَ في قطع تعليمه النظامي وسلك دروباَ في المعرفة والعلم والتحصيل غير مألوفة وأدرك قبل غيره من أبناء جيله أهمية الإعلام كسلاح خطير في الحرب والسلم،في التنمية والاقتصاد.

انخراطه المبكر في الثورة أكسبته سرعة المبادرة والرؤية المستقبلية،فكانت له مبادراته ومفاجأته والتي حتماَ هي موضع اختلاف أو اتفاق من حيث التقييم.

صحبته في رحلة إلى السودان - في العام 1985- شملت العاصمة وسنار وربك وكنانة ومسجد الكون في جزيرة أبا،علاوة على شارع الدومة والعم صادق عبد الله عبد الماجد حبيب وخادم الأريتريين منذ قديم الزمان.

وقطعنا الفيافي إلى بلاد الأتراك والأكراد رغبة وطمعاَ في تغطية إعلامية لجهود الإغاثة في ديار بكر الكردية التركية وزاخو الكردية العراقية.

استجبنا معاَ لنداء البوسنة ودخلنا سراييفو مراراَ في ظرف ما عاد فيه الطير يأمن سلامة التحليق في الأجواء اليوغسلافية،وساهمنا بقدر في إغاثة إخواننا البوسنويين والتعريف بقضيتهم ورفع علمهم لأول مرة في المؤتمرات الدولية.

توغلنا سوياَ في أفريقيا الخضراء فوصلنا السنغال وقامبيا والسيراليون وغينيا وساحل العاج.

اجتمعنا في ميونيخ بالخفاجى والإسلاميين والعروبيين والأفارقة،وشهدنا ميلاد المؤسسة الإعلامية بفاريا والإغاثة الإسلامية الأوروبية. ثم كانت لنا صولات وجولات في بون عاصمة الألمان وقتها مع أساتذة وجهابذة في التنمية والإعلام،منهم الدكتور عبد الرحمن أدى الصومالي وحسن عبد الوهاب السوداني وهولقا باوم الألمانى. في هذا الزخم كان فلق حبة وكالة القرن الأفريقي - هورنا.

 تدارس المؤسسون الموقع الاستراتيجي الهام للقرن الأفريقي مما جعله عرضة لأطماع الدول القوية في مختلف العصور.

.لقد اكتسب القرن الأفريقي أهمية كبرى من حيث موقعه الجغرافي الذي يتحكم في مضايق البحر الأحمر من جهة الجنوب مثلما تتحكم قناة السويس في مدخله من الشمال،فهو يساوى في الأهمية قناة السويس.        

إن القرن الأفريقي يمثل نقطة الالتقاء التي يجتمع عندها العالم العربي بوجه القارة الأفريقية في الشرق - وقد كانت نقطة الالتقاء هذه معلماَ من معالم التفاعل الحضاري والتعارف السكاني،إذ عرف العرب طريقهم في الهجرات الأولى إلى القارة الأفريقية مثلما أن التاريخ القديم شهد هجرات أفريقية عبر البحر الأحمر إلى اليمن وجزيرة العرب.

يلاحظ أن هذه المنطقة بالرغم من أهميتها الإستراتيجية وموقعها الجغرافي المتميز وكثافة سكانها الذي يتجاوز المائة مليون،وبالرغم من عراقة الحضارات التي شهدتها في التاريخ القديم قبل الميلاد،مثل الحضارة المروية السودانية والحضارة الأكسومية والحضارات التي نشأت في وادي الصومال القديم،فإن هذه المنطقة تعد مجهولة تماماَ ليس فقط للغربيين بل وللأفريقيين ذاتهم والعرب اللذين يربطهم بهذا الموقع أوثق الروابط.

وربما كان الجهل بهذه المنطقة هو السبب في ضعف الأنباء الواردة عنها في وسائط الإعلام المختلفة. وتعانى أقطار القرن الأفريقي  من حروب طاحنة داخلية كبلت جهودها التنموية وأعاقت نهضتها وصرفتها عن البناء والتنمية.

إنه من المؤسف جداَ أن تعجز أقطار القرن الأفريقي عن إطعام مواطنيها وهى تعتبر من أغنى المناطق في العالم من حيث اتساع الرقعة الزراعية ووفرة المياه التي توفرها الأنهار- مثل نهر النيل -.

إن التعريف بهذه المنطقة في كافة الوجوه للعالم الخارجي وحتى لشعوب القرن الأفريقي من خلال التواصل والحوار كان ومازال من الأهداف الإستراتيجية التي من أجلها تأسست هورنا ومن أجلها كافحت هورنا وناضلت من أجل البقاء وتحسين الأداء في ظروف  لم تقو  فيها كثير من الدول من أن تصمد،رغم الإمكانات والميزانيات المفتوحة.

وعقبال يا هورنا

لعيد الفضى ثم الذهبى.

 

 17

 

 

حاكم دارفور النمساوي اليهودي (1)

قبل سنوات مضت، وبينما كنت أتجول بين أزقة فيينا أمتع النظر بمشاهدة مبانيها العريقة وقصورها الخلابة، إذ تذكرت فجأة رودولف سلاطين باشا صاحب كتاب "السيف والنار فى السودان". والذي عند صدور طبعته الأولى  نفدت فى زمن وجيز، فقد انتشر الكتاب وسط الشباب الأوروبي انتشار النار فى الهشيم واعتبر من أشهر الكتب وقتها، الكتاب أعيدت طبعته الألمانية فى تسعينات القرن الماضى. وهذه ردود أفعال أوروبية مدروسة أعتدنا أن ندفع ثمنها نحن سودانيو المهجر الأوروبي منذ أن شرع أولو الأمر فى بلادنا ممارسة القطع والصلب والقتل بتهمة الردة. وأجدني هنا غير متوافق مع ترجمة دار عزة للنشر فى إحلال البندقية مكان النار، فالنار هنا إشارة للعذاب كما السيف للقهر، والله أعلم.

تسلم عبد القادر (رودولف سلاطين) قبل أكثر من مائة عام عندما كان فى سودان المهدية، خطاباً  من أهله فى فيينا مصحوباً بهدايا لخليفة المهدى. وقد شكره الخليفة عبد الله ود تورشين وطلب منه أن يحث أهله فى النمسا على الهجرة إلى أمدرمان - جنة الله فى الأرض.

مشهد الخليفة وسلاطين لم يفارقني وأنا أجتهد فى البحث عن مقبرة ذلك المحارب النمساوي الذى دخل تاريخ السودان من أوسع أبوابه. مات سلاطين فى فيينا فى العام 1932م، ودلني على مقبرته فى الحي الثالث عشر بائع زهور طاعن فى السن، وتفضل بتوجيهي للزقاق الذى يحمل اسمه فى نفس الحي. سألت ساكني البناية الثانية والرابعة والسادسة فى زقاق سلاطين عمن يكون سلاطين؟ لاذوا بصمت عجيب. وفى المقابل عندما كنت فى السودان العام الماضي مع باول حفيد سلاطين، ذهبنا إلي حفل فى أمدرمان. وكنا ما أن نذكر اسم سلاطين حتى يسلم عليه السودانيون سلام المعرفة ولا يذكروا له إلا خيره، وهذه من حكم ووعى السودانيين. وسمعته يردد: مشهور فى السودان ومجهول فى النمسا.

ولد رودلف سلاطين باشا فى  حى سانت فايت -نفس الحى الذى مات فيه - فى فيينا فى العام 1857 من عائلة يهودية الأصل. وكان جده الرابع من كبار موظفي الإمبراطورية النمساوية، فتحولت عائلته للمسيحية، ولكن عقيدتهم الدينية لم تكن راسخة. عمل رودولف فى بداية حياته بائعاً للكتب. وذهب سائحاً إلى السودان وهو ابن سبعة عشرة سنة عن طريق أسوان حتى وصل إلى جبال النوبة حيث مركز البعثة الكاثوليكية النمساوية. ومن ثم قصد الدخول إلى دارفور. لكن من سوء حظه أن مرسوماً رسمياً صدر بمنع الأجانب من التواجد فى دارفور وذلك بسبب النزاعات وزعزعة الأمن.

رجع رودولف إلى الخرطوم وهنالك قابل إدوارد شنيتزر المشهور فى تاريخ السودان بأمين باشا.

أمين باشا يكبر سلاطين بسبعة عشرة سنة. ولد فى ألمانيا فى أوبلن بمقاطعة شليزين لعائلة يهودية. وعندما توفى والده تزوجت أمه من ألماني بروتستانتي، فتحولت الأسرة إلى البروتستانتية. كان أمين متميزاً فى دراسة العلوم الطبية. ولدهشة الجميع فقد قطع دراسته وهو على أعتاب التخرج ليلتحق بخدمة الحكومة التركية ومن بعدها جاء إلى الخرطوم ليلحق بغردون فى جنوب السودان وتم تعيينه حاكماً للادوفى الاستوائية.

أشياء كثيرة جمعت بين أمين باشا وسلاطين باشا.ولا غرو أن يطلب سلاطين من أمين أن يزكيه عند حضرة الباشا غردون.

ذهب أمين إلى جنوب السودان ورجع سلاطين إلى النمسا نزولاً عند رغبة أسرته، وشارك فى حرب البوسنة 1878. وفى أثناء وجوده فى البلقان تسلم خطاباً من الجنرال غردون باشا يدعوه للمجيء إلى السودان والعمل تحت إدارته فى خدمة الحكومة المصرية والتي كانت تحت الوصاية البريطانية. فرح سلاطين فرحاً شديداً لتسلمه ذلك الخطاب، لأنه كان يحلم بمنصب كبير فى تلك البقاع النائية. رجع سلاطين من البوسنة إلى فيينا وقضى فيها ثمانية أيام مع أسرته قبل أن يودعهم فى يوم 21 ديسمبر 1878 متجهاً إلى السودان عن طريق تريستا ثم القاهرة. وما كان يدرى أنه سوف يغيب عن أهله سبعة عشر عاماً يرى فيها العجائب والأهوال والسيف والنار.

عند وصوله الى السودان للمرة الثانية استقبله الجنرال غردون باشا أحسن استقبال واسكنه منزلاً ليس ببعيد عن سرايا الحاكم، وعين له من يقوم بخدمته. ولم يمض وقت طويل إلا وقد تسلم زمام منصبه الجديد كمفتش للضرائب. لم تكن لسلاطين سابق خبرة بهذا النوع من العمل، فواجهته مشاكل ما كان يتصورها، خاصة الرشوة والمحسوبية والقبلية، فلم يستطع الاستمرار، فاستقال. وبعد فترة قصيرة استدعاه غردون الى دارفور لإخماد الحركات الثائرة بسبب الضرائب ضد الحكومة، فصار حاكماً لدارفور.

 

 18

حاكم دارفور النمساوى اليهودى (2)

 

 

قلنا فى الحلقة الماضية أن عبد القادر (رودولف سلاطين) ولد فى فيينا سنة 1857م، من عائلة يهودية الأصل. فقد كان جده الرابع من كبار موظفي الإمبراطورية النمساوية. تحولت عائلته للمسيحية، ولكن عقيدتهم الدينية لم تكن راسخة ومتشددة.

وذكرنا أنه ذهب إلى السودان فى سن السابعة عشر ولم يفلح فى الدخول إلى إقليم دارفور. ولكن بعد ثلاثة أعوام تسلم خطاباً من غردون باشا يدعوه فيه للمجيء إلى السودان والعمل تحت إدارته فى خدمة الحكومة المصرية والتي كانت تحت الوصاية البريطانية. عينه غردون حاكماً لدارفور وكانت مهمته الأولى هي إخماد نار الثورات التي اندلعت فى ذلك الإقليم النائي.

يقول سلاطين: (ولما كنت الأوروبي الوحيد فى تلك البلاد الغريبة، وكان السكان من حولي يدسون لي  ويكرهون فإنني كنت ألجأ إلى وسائل عديدة لكي أعرف المؤامرات والترسيمات التي تدور حولي. وكنت أحياناً بواسطة النقود أو الهدايا التي أرسلها سراً أعرف ما سيحدث لي قبل حدوثه وأحتاط له).

ومما عرفه سلاطين أن جنوده يقولون أن الحكومة قد عينت فى المراكز العليا نصارى لمحاربة المهدى ولذلك فإن الله ينصر المهدى ويهزم الحكومة.

وبعد مشاورات عديدة وتفكير عميق وقف سلاطين أمام جنوده وقال: (قد سمعت أن البعض يعدني أجنبياً غير مؤمن بالإسلام ولكنى أقول لكم إني مؤمن كما أنتم مؤمنون، وأشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله).

فهتف الجنود وهللوا وكبروا، وصلى معهم سلاطين، وأمر بذبح عشرين ثوراً قرباناً -كرامة. لكن ما لم يمر بخلد سلاطين وقتها أنه سوف يمر عليه يوم يقوم فيه شخص درويش اسمه كاظم موسى بعملية ختانه، بتعليمات من خليفة المهدى. يقال أن سلاطين أمر بحرق جثة كاظم موسى بعد معركة فركه فى شمال السودان انتقاماً. وهنالك رواية أخرى عن خاتن – طهار - سلاطين، مفادها أن سلاطين أرسل فى طلبه بعد فتح السودان. وكانت له لحية كبيرة ووقورة، فأمر سلاطين بحلق لحيته لما يعرف من مكانة اللحية عند الأنصار. ولكن لدهشة سلاطين والحضور فإن الخاتن ضحك بعد أن أزيلت لحيته، وقال لسلاطين: (أن لحيتي التي حلقتها وأزلتها سوف تنمو من جديد وسوف تكون أحسن مما كانت عليه، أما ما أزلته أنا من قبل فلن ينمو مرة أخرى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).

كتب غردون فى يومياته عن إسلام سلاطين واستسلامه بعد ذلك لقوات المهدية دون حرب أو نزال، أن الشجاعة ليست من صفات سلاطين. وأنه يجب وضعه فى مصحة لتطهيره وعلاجه وتأديبه إذا تم إطلاق سراحه من الأسر.

ولكن من منطلق العقلانية وسياسة الأمر الواقع لابد أن نتفهم ظروف سلاطين الحرجة التي هو فيها. وما لا يمكن فهمه هو دوافعه لدخول هذه الصعاب وركوب المخاطر. حاربه الرزيقات والميما والبنى هلبه بضراوة وشجاعة يحسدون عليها. وساء حاله عندما سقطت مدينة الأبيض حاضرة إقليم كردفان فى يد المهديين. كانت القبائل التي تحارب فى صفه هي البيقو والبرقد وزغاوة جنوب دارفور والمسيرية والداجو وبعض المعاليا.

فى ذلك الوقت كان هنالك شخص سويسري يدعى قوتفريد روت متواجداً بدارفور فى مهمة خاصة بمحاربة الرقيق (والله أعلم). مرض قوتفريد ومات ودفن بالفاشر حاضرة دارفور.

انقطعت الاتصالات بين سلاطين ورؤسائه فى الخرطوم، وقد كان يأمل فى الحصول على إمداد ومؤن، أما الآن وقد هزم الأنصار هكس باشا فى شيكان بالقرب من الأبيض فقد تلاشى ذلك الأمل السراب، ولم يبق أمامه إلا الاستسلام. ونزولاً عند رغبة ضباطه سلم سلاطين حكم دارفور لخالد زقل قريب المهدى وذلك فى بلدة شعيريه.

وهكذا تقع دارفور فى يد المهديين دون أن يجردوا لها حملة منتظمة.

يقول سلاطين أنه فى تلك الليلة لم يغمض له جفن، كانت عشية ليلة الميلاد، وسرح فكره بعيداً إلى وطنه وأهله فى فيينا، ومرت أمامه صور حفل الكنائس البهيج والذي يقام بمناسبة عيد الميلاد فى النمسا، بينما يقبع وحيداً، حزيناً، ومهزوماً، فى دارفور.

مادبو زعيم الرزيقات وعدو سلاطين بالأمس، يطيب من خاطر سلاطين ويهديه حصانه (صقر الدجى)، قائلاً له: ال عمره طويل يشوف كتير. وسلاطين عاش طويل وشاف كتير.

 

 19

حاكم دارفور النمساوي اليهودى (3)

ذكرنا فيما مضى أن سلاطين باشا ولد فى فيينا وينحدر من أسرة يهودية الأصل، كأسرة أمين باشا الذى حكم إقليم اللادو فى جنوب السودان. وبعثه غوردون باشا إلى دارفور لإخماد الثورات التي اندلعت وانتصرت للمهدية. وتعرضنا لإسلامه واستسلامه وختانه.

بعد هزيمة هكس على يد المهديين فى غابة شيكان القريبة من الأبيض صار السودان الغربي كله فى يد المهديين. وفى شرق السودان استطاع الأمير عثمان دقنه أن يبيد الجيوش المصرية/البريطانية فى سنكات. أما فى وسط السودان فإن قريب المهدى ود البصير انتصر على جيوش الحكومة فى عدة مواقع، فلم يبق للحكومة إلا الخرطوم وشمال السودان.

أذاع غوردون منشوراً بتعيين المهدى حاكماً على غرب السودان - كردفان ودارفور.

يقول سلاطين أن المهدى لا بد أنه تعجب من غوردون، إذ كيف يمنحه بالكلام ما حصل عليه هو بالسيف!!!

وقد رد عليه المهدى بخطاب طلب فيه منه أن يسلم الخرطوم ويحقن بذلك دمه ودماء المواطنين.

ومما ذكره سلاطين أيضاً أن الخليفة عبد الله يعتبر اليد اليمنى للمهدى وكان أقرباء المهدى يكرهونه لهذا السبب. ولكن الخليفة كان يعرف تماماً أن المهدي لا يستطيع تدبير الأمر  بدونه.

أنظروا وتأملوا....... كيف تبدأ الفتن والخرطوم لم تفتح بعد. ثم أن الخليفة عبد الله ناصر المهدي بنفسه وماله وأهله، بل هو الذى أدخل فكرة المهدية فى مخيلة المهدي، والله أعلم. وكاتب المقال دائماً ما يقول أن عظمة المهدية أنها صنعت قيادة للسودان قوامها المهدى القادم من جزيرة لبب فى أقصى شمال السودان، والخليفة عبد الله القادم من أقصى غرب السودان، وعثمان دقنه أمير شرق السودان، وحمدان أبوعنجة فارس الجبال. ولكن حكمة الله أوجدت فينا منذ قديم الزمان فئة لا تعرف غير إقصاء الأخر منهجاً وسبيلاً.

صدر منشور عن الإمام المهدي عظم فيه من مقام الخليفة ووظيفته، يقول فيه (أن الخليفة عبد الله هومنى وأنا منه وقد أشار إليه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، فتأدبوا معه كتأدبكم معي وجميع ما يفعله بأمر النبي صلعم).

وقال أيضاً: (وإنى مللت من النصح والمذاكرة لأقاربي الأشراف الذين تمادوا فى الطيش والغواية وظنوا أن المهدية لهم وحدهم. فقد أهلكهم أحمد ود سليمان بالدنيا). ثم مسك ثوبه ونفضه ثلاث مرات وقال أنا بريء منهم فكونوا أنتم شهوداً علىّ بين يدي الله تعالى. فنكس الأشراف رؤوسهم.

وصل سلاطين باشا المهزوم المكسور إلى الرهد بصحبة اليوناني زيجاده وسعيد بك جمعة، وسمعوا صوت الأمبابة التي تؤذن بمقدم الخليفة. ثم كان هنالك عرض الفرسان بخيولهم ورماحهم....... فى شأن الله ورسوله.

بعد العرض جلس سلاطين وصحبه على الحصير فوق الأرض، وجلس خليفة المهدي على عنقريب - سرير سودانى -، وأكلوا العصيدة مع اللحم. وتبادلوا الحديث فوصف سلاطين الخليفة بالصرامة مع العدل.

عبد الرحمن بانقا صديق سلاطين السابق حذره من الكلام وألا يثق بأحد. فأثر كلامه فى نفس سلاطين ونقشه فى قلبه.

ولم يمض  كثير وقت حتى كانت مقابلته للمهدى وطلب من سلاطين أن يخلص النية فى خدمة المهدية كما خدم مولاه السابق لأجل المال الزائل، وأن خدمة المهدية هي خدمة للإسلام ينال المرء بها سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

فأسرع سلاطين وبايع المهدي: (بسم الله الرحمن الرحيم. بايعنا الله ورسوله وبايعناك على توحيد الله ولا نشرك بالله شيئاً. ولا نسرق ولا نزنى ولا نأتي البهتان ولا نعصيك فى المعروف ولا نفر من الجهاد).

بعد هذه البيعة صار سلاطين ملازماً للخليفة وتعرف على شقيق الخليفة يعقوب (جراب الرأي)، والذي نصحه بأن يخدم الخليفة بأمانة وإخلاص.

استعان المهدي وخليفته بسلاطين كترجمان فى مسألة أولفيه الفرنسي والذي جاء لتقديم مساعدة الفرنسيين للمهدي. ولكن المهدي رفض معونة غير المؤمنين وقال أنه يعتمد على معونة الله ونصره له بواسطة الملائكة والأنصار.

حسين باشا من شمال الوادي غضب من هذا الفرنسي ونعت المهديين بالقتلة واللصوص واستعباد النساء والبنات. وفيما ذكر أن العبد الأسود لا يمتاز على الحيوان إلا فى أنه يقدر على حرث الأرض.

ثم حرر سلاطين  خطابات من المهدى إلى غوردون وقنصل النمسا هانزل، وقد كتبها سلاطين بالفرنسية والألمانية. ووصلت الخطابات إلى غوردون لكنها كشفت للمهديين نية سلاطين فى اللحاق بغوردون المحاصر، وإفشائه لبعض أسرار جيش المهدية، فتم القبض عليه وسلموه لأبى عنجة الأمير، ووضعوا القيد والسلاسل فى عنقه ويديه وأرجله. ولسانه يسبح: أبانا الذى فى السماوات والأرض.

يقول سلاطين أن الإيمان بالقضاء والقدر يفيد فى مثل هذه الحالات ولكنه ما زال أوروبياً لم تبلغ نفسه هذه المرحلة وإن كان قد تعلم بعد ذلك أن ينظر إلى الأشياء نظرة التسليم والهدوء وعلمته التجارب فى السودان أن يمارس تلك الفضيلة الكبرى - فضيلة الصبر.

منذ هذه اللحظة صار سلاطين مكان شك الخليفة، وعندما جاع وطلب طعاماً من زوجة حمدان أبوعنجة أجابت: هل يظن عبد القادر سلاطين أننا نسمنه هنا بينما عمه غوردون باشا لا عمل له إلا فى إلقاء القنابل على زوجنا الذى ربما يقتل بسببه.

كانت هذه المرأة مصيبة فى قولها - هكذا قال سلاطين.

 

 20

حاكم دارفور النمساوي اليهودى (4)

ذكرنا فيما مضى أن سلاطين باشا ولد في فيينا وينحدر من أسرة يهودية الأصل، كأسرة أمين باشا الذي حكم إقليم اللادو في جنوب السودان. وبعثه غردون باشا إلى دارفور لإخماد الثورات التي اندلعت وانتصرت للمهدية. وتعرضنا لإسلامه واستسلامه وختانه وبيعته وحنثه ومناصرته لغردون.

ثم حديثه عن بداية الفتن بين السودانيين عندما لاحت بواكير النصر والسلطة، وتبرئ المهدي من أهله الأشراف.

كل ذلك حدث وسلاطين الأجنبي يرى ويراقب دون أن يكون له دور. ولكن وقتها ما عرف القوم نظرية المؤامرة والمصالح المشتركة بين الدول، وإلا ما فاتهم الاستفادة من عرض أولفيه الفرنسي، وفى  زمن قادم من حكمة ملك الأحباش في حقن الدماء والتضامن ضد الأعداء.

الاثنين 26 يناير 1885م، يوم لن ينساه سلاطين باشا. فقد سقطت فيه الخرطوم وصارت في يد الدراويش - المهديين.

يقول سلاطين أن أحد الدراويش ويدعى شطة تقدم نحوه وفى يده قماش مشرب بالدم قد لف على شيء وكان وراءه جمهور من الناس في هرج ومرج.ثم حل شطة القماش وأخرج رأس غردون.!!!

فدار رأس سلاطين وشعر كأن قلبه قد توقف. ولكنه جمع قواه وضبط نفسه ونظر إلى هذا المنظر المفزع وهو صامت، وكانت عينا غردون الزرقاوان قد فتحتا إلى النصف. أما الفم فكان في هيئته العادية وكان شعر رأسه وعارضيه قد علاهما الشيب. وقال شطة لسلاطين وهو ممسك بالرأس: أليس هذا رأس عمك الكافر؟

فأجاب سلاطين بهدوء(والله أعلم): وما في ذلك؟ جندي شجاع وقع وهو يقاتل. إنه لسعيد إذ انتهت آلامه.

فقال شطة: ها ها لا تزال تمدح الكافر. وسوف ترى النتيجة.

يقال أن محمد النوباوي هو أول من طعن غردون بالرمح - الحربة. وذكروا أيضاً أن المهدى كان في نيته أن يقايض غردون بعرابي باشا في مصر أملاً في أن يساعد عرابي المهديين في فتح مصر.

ظل سلاطين في السجن وكبلوه بقيد يسمى الحاجة فاطمة، وزنه حوالي ثمانية كيلو جرام. وعند زيارة الخليفة للسجن خاطبه سلاطين في زلة وانكسار: أنا يا مولاي من قبيلة غريبة وقد جئت أطلب حمايتك فحميتني. ومن طبع الإنسان أن يخطئ ويذنب إلى الله والى الناس. وأنا قد أذنبت ولكنى الآن أتوب. أتوب إلى الله والرسول. هاأنذا يا مولاي في القيود والسلاسل أمامك. هاأنذا عريان جوعان أفترش الأرض وأرقد هنا صابراً أنتظر قدومك لكي تعفو عنى. مولاي إني أتذلل لك وأرجو أن تفرج عنى، ولكن إذا رأيت بقائي في هذه الحال التعسة فأدعو الله أن يقويني على تحملها.

قال الخليفة: (منذ مجيئك من دارفور عملت كل ما يجب أن يعمل لأجلك ولكن قلبك بقى بعيداً عنا وأردت أن تلحق بغردون الكافر وتحاربنا في صفه ولقد وفرت عليك حياتك لأنك أجنبي ولكن إذا كنت قد تبت حقيقة فأنا أعفو عنك). ونادى على السجان أن يفك قيوده وينزع سلاسله و اشترط عليه أن يطيع الأوامر وأن يجلس طول النهار مع الملازمين - حرس الخليفة. وإذا خرج الخليفة خرج سلاطين  يركض بجانبه حافي القدمين.

مسكين هو حاكم دارفور السابق وسبحان مغير الأحوال ومبدل الأزمان، مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز ويذل من يشاء.

استرد سلاطين حريته المحدودة، وشرع في بناء داره التي تبعد حوالي الأربعمائة متر عن دار الخليفة. ولكن عندما ازدادت شكوك الخليفة حوله أبدله ود عدلان، أمين بيت المال، بيتاً لا يبعد عن بيت الخليفة إلا مائة مترا.

باول حفيد سلاطين لم يهتد إلى مكان سكن جده  إلا العام الماضي عندما حاولنا معاً ودخلنا بالسيارة في ذلك الزقاق شرق مبنى مركز حزب الأمة، وبوصولنا إلى الركن الشمال الشرقي للمبنى رأينا اللوحة وقد كتب عليها أن منزل سلاطين كان في ذلك المكان. أخذنا صوراً عديدة أعلم أنه سيكون لها شأن في ليلة عيد الميلاد عندما تجتمع الأسرة في فيينا. وطرحت فكرة لباول أملاً في مناقشتها مع عائلته وتتلخص في أن نطلب من الأنصار تخصيص ذلك الجزء من المبنى ليكون متحفاً نجمع فيه آثار سلاطين المنتشرة بين النمسا وبريطانيا والسودان. ولا أشك في أن ذلك سوف يكون له مردود طيب في تقوية العلائق السودانية النمساوية، ويكون له صدى في الإعلام والسياحة الأوروبية. إلا، وأصدقكم القول أنني لمست فيه توجساً أوروبياً وتردداً تعودت على فهمه - وهى طايره - كما يقول إخوتنا في مصر. وعشان نخت النقط فوق الحروف.... وين تمثال بابكر بدرى؟... ووين كتشنر الراكب جمله؟.

ونواصل.

 

21

حاكم دارفور النمساوي اليهودى (5)

في وصفه لقادة المهدية

يقال أن إعادة فتح السودان على يد كتشنر،لعب فيه رودولف سلاطين باشا دوراً مفصلياً. فقد كان لتقريره والذي أعده للمخابرات البريطانية بعد هروبه العجيب من نار وسيف المهدية، الأثر الناجع في نجاح حملة كتشنر باشا لفتح السودان. هروب سلاطين من أم درمان ووصوله سالماً إلي الأراضي المصرية من القصص التي تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً. ومن يدرى لعل الفكرة موجودة في النمسا أو السودان أو في مكان قصي ولكنها لم تنطلق بعد.

في هذه الحلقة الأخيرة من قصة حاكم دارفور النمساوي اليهودي أود أن أتعرض لشخصيات في الثورة المهدية  معروفة ومشهورة للجميع، إلا أن أكثرنا لا يستطيع تصورها.فلم تكن الكاميرا قد وجدت طريقها إلى دولة المهديين، ثم أن رسم الشخصيات لم تكن ضمن ثقافتهم.ولكن بدخول كتشنر عرف السودان التصوير والتوثيق - حسب علمي. ولذلك شاهدنا محمود ود أحمد أسيراً، والأمير عثمان ذقنه مكبلاً في قيوده، وهو القائل لصديقه الذي خانه ودل الإنجليز إلى مخبئه:أرجو ألا تكون قد بعتني للإنجليز بيعاً رخيصاً.

سلاطين  ونعوم شقير وبابكر بدري،  بذلوا جهداً مقدراً في وصف قادة المهدية. ونقل معلومات عنهم لا يتكرم بها كثير من السودانيين. لأننا لم نتحرر بعد من العصبية العرقية والدينية. وما زالت هنالك شخصيات وأحزاب تتأثر بذلك التأريخ في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذا ما حدا بالمعلم والمحارب في المهدية - بابكر بدرى - أن يطلق قولته الشهيرة: إن أصدق التاريخ ما كتب في عصره وصدقه معاصروه.

أبو كدوك

يعتبر حسن أبوكدوك شيخ قبيلة البرتي من أصدقاء سلاطين باشا المقربين، قبل، وأثناء، وبعد المهدية. وقبيلة البرتي لمن يجهل قبائل دارفور من القبائل الكبيرة وتعتبر أم كدادة حاضرة لهم. السحنة الأفريقية غالبة عليهم رغم أن بعضهم يدعى نسباً بالأشراف العباسيين، شأن كثير من قبائل السودان. وهم يتكلمون العربية بلهجة دارفورية فاشرية. ويقال أنه كانت لهم لغة أفريقية اندثرت!!! يا الله!!!. لغة وتندثر!!!!!!!. أعلم أن هنالك في سوداننا اليوم من يتمنى تلاشى كل اللغات في السودان إلا العربية ظناً منه أن في ذلك خير للبلاد والعباد. ولا نملك إلا أن نقول لهم سلاماً سلاماً. مسئولية الحفاظ على اللغات في السودان مسئولية تقع على عاتق الدولة أولاً لأنها ممسكة بإمكانات البلد، ثم بعد ذلك على أبناء تلك القبائل المتعلمين المثقفين، ومنظمات المجتمع المدنى. ومن الأفضل أن نقوم نحن السودانيون بهكذا جهد وإلا قيض الله للأمر قوم لهم مآرب أخرى ويدرون ما وراء المشروع من فوائد ومصالح. نعود إلى البرتي ونقول أنهم مسالمون وأهل حكمة وسياسة ونكتة ومرح. لا يعرف عنهم الحمق ولا العداوة ولا البغضاء. وتكاد تكون بلدة أم كدادة من أوائل المدن  السودانية التي خلت من الأمية.

منح أبو كدوك لقب بك من قبل غردون، ويصفه سلاطين بأنه كان كهلاً ومفرطاً في السمنة، ووجهه مستدير وعريض المنكبين، وكان دائم الابتسام ويحب البهجة. أما أخوه إسماعيل فعلى النقيض منه. كان نحيفاً وطويلاً ويميل إلى الجدية ولا يعرف المزاح إلى نفسه سبيلاً. وأن الأخوين لا يتفقان إلا في حبهما لشرب خمر البقو (مريسة لا تفسر كخمر عند كثير من أهل دارفور). كان حسن وأخوه إسماعيل يتباريان ويتسابقان أيهما يفرغ إناءه (دلنقه) قبل الأخر. وانتهت تلك البهجة بقيام الثورة المهدية وقد صار حسن أبو كدوك ملازما (ياوور) للخليفة، وكثيراً ما كان يخفف على سلاطين قسوة الحياة بابتسامته وروحه المرحة.

أبو عنجه

حمدان أبو عنجة، والذى يتنازع نسبه الدارفوريون والنوبة والدينكا، يعتبر من أشد قادة المهدية بأساً وأكثرهم جرأة وأخلصهم للخليفة عبد الله. حزن الخليفة لموته وبكاه أصحابه والجيش كله، لأنه كان محبوباً من الجميع. رثاه محمد المجذوب الطاهر:

حمدان أنك طالما سمت العدى

ذلاً وذكرك في المحافل يرفعُ

ما وجهت رايات نصرك وجهة

إلا وبالظفر   المؤكد   ترجع

فلك الهنا بلقاء ربك شاهراً

سيف الجهاد وكل  قرمٍ  تقمع

فسحائب الرضوان تغشى تربة

ضمتك ما  نجم يغيب ويطلع

كان حمدان طويل القامة، ولونه يميل إلى السواد الناعم كالأبنوس، وبنيته قوية، وتبدو عليه هيبة القيادة، وكان عادلاً وأخلاقه حميدة، ورأيه سديد. نقش على خاتمه: (وفق يا ذا القدرة، عبدك حمدان أبو عنجه).

يعقوب جراب الرأي

هو شقيق الخليفة الأصغر ويبدو أقصر من أخيه، وأكتافه عريضة ووجهه مستدير به أثار الجدري، وأنفه مرتفع وله شاربان ولحية خفيفة. حظه من الدمامة أكثر من الجمال والوسامة. وكان يبتسم محاكياً المهدي وخليفته. (كاتب المقال لاحظ  بعض تلاميذ الترابي يحاكونه في التبسم والكلام، فالتاريخ يعيد نفسه بعد مائة سنه).

يعقوب لقب بجراب الرأي لرجاحة عقله وقوة حجته.

الخليفة عبد الله

لونه أسمر ووجهه ذو ملامح عربية فيه بقية من أثار الجدري، وأنفه منقاري وفمه حسن و أسنانه بيضاء. كان ربعة بين القصير والطويل، ووسطاً بين السمن والنحافة، وجبت مرقعة. أبوه السيد محمد رجل دين وينتمي إلى أولاد أم صرة - بيت الجبارات في قبيلة التعايشة. ويقال أن أسلافه من قبائل الفلاني المنتشرة بين السنقال وموريتانيا وإقليم سوكوتو بنيجيريا واستقروا وانصهروا في حاكورة التعايشة. كان في بداية الثورة المهدية نحيفاً ومنشرحاً النفس، أما بعد توليه الخلافة فقد صار منقبض النفس وسميناً.كان محباً للملق والمداهنة وميالاً للشك وشديد القسوة على أعدائه حسب رأى سلاطين. و كان شديد الاهتمام بمظهره وملبسه، وتفوح منه رائحة الطيب، وكانت نساؤه فوق الأربعمائة، أربعة شرعيات والبقية سرارى. وجمع بين البيضاوات والحبشيات، والبقاريات، والجعليات. نساؤه الشرعيات هن: زهرة التعيشية، والسرة بنت وقيع الله الجعلية، ونفيسة بنت بابكر القاسمي، وأم كلثوم بنت المهدي. له من الأبناء واحد وعشرين. وكبير خصيانه يدعى عبد القيوم، وقد عهد إليه تحديث بيت الخليفة وإدخال المدنية فيه.

المهدى

كان طويل القامة كبير الرأس، عريض الوجه، اسمر اللون، أدعج العينين، واسع الجبين، أقنى الأنف، واسع الفم عريض الشفتين، عظيم المنكبين، ضخم العظام وواسع الكفين والقدمين. مقطوع الوجنتين، في كل وجنه ثلاث مقاطع (شلوخ نوبية). مستدير اللحية وخفيف الشاربين. كان يحلق رأسه ويحسن لحيته ولباسه الجبة والعمامة. كثير التبسم ويظهر من تبسمه فلج أسنانه فلقب بأب فلجه، ولهذا كانت النساء تحبه. زوجاته خمس - بنات أحمد شرفى، وفاطمة بنت عمه، وبنت حجازى، وعائشة بنت إدريس الفلاتى.

أما سراريه وجواريه فقد بلغن ثلاثاً وستين. أشهرهن بنت جركوك وبنت البهنساوى (بيضاوات)، ومامونه الحبشية وبت الشايقى (عسليات)، وقبيل الله النوباوية ومقبولة الدارفورية (زرقاوات). يعنى ذلك أن كل ألوان الطيف كانت ممثلة في بيت المهدي. وله عشر من البنات وعشرة من البنين. أشهرهم عبد الرحمن بن مقبولة الدارفورية ذات الصلة بقبائل الجنوب.

السيد عبد الرحمن بلغ شأواً عظيماً في الدين والسياسة والاقتصاد. كان ذكياً وحكيماً في إدارة شئونه. كريماً سخياً على عياله وأقربائه وأصحابه في الخرطوم وأم درمان. أما على أنصاره الغبش في الجزيرة أبا والنيل الأبيض والأزرق ودارفور وكردفان، فما كان ينفق إلا بمقدار. ومساهمة الأنصار في دعم دائرة المهدي الاقتصادية معروفة للجميع، ثم أن مال الزكاة كان يجمع بهمة وحماس من وكلاء الإمام لصالح التكية ودائرة المهدي.

السيد عبد الرحمن ولد بعد موت أبيه. لذلك كان دائم السؤال عن أوصاف أبيه المهدي. ويحكى أن  المعلم بابكر بدري والمؤرخ محمد عبد الرحيم (جد هاشم بدر الدين صاحب الترابى) وآخرين، كانوا يشاركون السيد عبد الرحمن شرب شاي العصرية. فسألهم السيد عبد الرحمن عن لون أبيه المهدي وقد شاهدوه. فابتدر الحديث بابكر بدري، ومشهور عنه أنه كان ينمق الكلام للسيد عبد الرحمن، وعكسه تماماً المؤرخ محمد عبد الرحيم، الذي لا يحب المجاملات والمداهنات. قال بابكر بدري: هو المهدي  ما كان عنده لون واحد - مرة تلقاه أصفر، ومرة أخضر، ومرة أحمر، ومرة قمحي، ومرة...............!!!. فتضايق المؤرخ محمد عبد الرحيم من هكذا تقريظ فصاح في وجه بابكر بدري: الحكاية شنو........ أصلو هو..... كان حربوية!!!!

 

 

22

 

سويسرا تكرم

امرأة سودانية من دارفور

في يوم السبت الماضي، وفى العاصمة السويسرية بيرن، تسلمت الأستاذة صفاء العاقب أدم، جائزة الحرية وحقوق الإنسان، مقدمة من مؤسسة الحرية وحقوق الإنسان، عرفاناً وتثمينا وتشجيعاً لجهودها الجبارة في مجالات السلام وشئون المرأة وحقوق الإنسان في بلد عانى وما يزال من ويلات الحرب وعدم الاستقرار. مؤسسة الحرية وحقوق الإنسان أنشئت بمبادرة من السيدة شارلوتى جاكوبى هيرتق في بيرن في العام 1972، وتهدف إلى تشجيع ومناصرة قضايا الحرية وحقوق الإنسان، ولهذا فقد خصصت جائزة رمزية مقدارها عشرة ألاف فرنك سويسري (حوالي عشرة ألاف دولار)، تمنح كل عامين لشخصية أو مؤسسة يشهد لها بالإسهام  الملحوظ في  دعم الحريات وحقوق الإنسان.

نالت الجائزة حتى الآن 19 شخصية منهم على سبيل المثال لا الحصر البروفيسور جان هيرش السويسري عام 73، والبروفيسور هيلموت  تيلكا الألماني عام 79، وبطرس غالى من مصر عام 83، ودالي لاما –التبت - عام 1988.

وصاحبة الجائزة لهذا العام 2009 الأستاذة صفاء العاقب، هي من مواليد مدينة الجنينة في غرب دارفور وتنتمي إلى أسرة كبيرة من حيث عدد البنين واشتهرت الأسرة بممارسة التجارة وصناعة الجبنة. تخرجت صفاء في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم في العام 1986، واليوم تشغل منصب السكرتير في جمعية تنمية المجتمع (سيدا) غير الحكومية ومقرها في الخرطوم. صفاء اشتهرت بأعمالها ونشاطاتها في مجالات حقوق الإنسان والسلام والاجتماع والمرأة والطفولة. و كانت سيدا لسنين عددا الملتقى الوحيد لأبناء دارفور الناشطين في العاصمة السودانية، وتضم في عضويتها نشطاء من كل أنحاء السودان.

باندلاع الصراع في دارفور وبتلك الصورة التي انتشرت حول العالم كان لجمعية سيدا بقيادة صفاء دوراً تنسيقياً وتعاونياً مع نشطاء حقوق الإنسان والقانونيين ومجموعات النساء والسياسيين في داخل السودان من أجل الوصول إلى حل سلمى لمشكلة دارفور عبر الحوار والمفاوضات.

يرجع الفضل كذلك لصفاء والمجموعة التي حولها في خلق شبكة تضامنية مع المنظمات الوطنية والأجنبية، وقد شاركت في العديد من المؤتمرات والسمنارات الدولية، ولهذا فليس من المستغرب أن يتم ترشيحها مع ألف امرأة  في العالم لنيل جائزة نوبل للسلام جماعياً في العام 2005.

تمت مراسم الاحتفال في مبنى مجلس مدينة بيرن وبحضور مئة وخمسين شخصية مثل السودانيون 10% منهم.

ألقيت في الحفل كلمات من رئيسة المؤسسة للحرية وحقوق الإنسان، السيدة شارلوتى جاكوبى، ومن الدكتور قنتر بيشلار الخبير الدولي في شئون السلام وحقوق الإنسان، ثم تلتهما الأستاذة صفاء العاقب في كلمة أجادت صنع مفرداتها باللغة الإنجليزية صاحبتها ترجمة فورية للغة الألمانية بلكنة سويسرية.

سردت السيدة صفاء للحضور تأريخ نشأتها وارتباطها بدارفور وقضايا دارفور وحدثتهم عن جمعية تنمية المجتمع وعملها قبل وبعد اندلاع مشكلة دارفور،وأنها تعي أن هذا التكريم في شخصها يعتبر تكريماً لجمعية تنمية المجتمع وأولئك الجنود المدنيين المجهولين  والذين لولا صمودهم وصبرهم وتجردهم لما كانت اليوم تقف وقفتها هذه داخل مبنى برلمان مدينة بيرن لتخاطب مائة وخمسين شخصية من المهتمين بحقوق الإنسان والحريات.

صفق الحضور للسيدة صفاء العاقب طويلاً على أثر إعلانها عن اقتراحها بتخصيص هذه الجائزة في تأسيس منبر ينطلق من مدينة بيرن يعنى بشئون السلام وبناء القيادات ورفع قدراتها في جانب الرشد والشفافية وتفهم العمل الجماعي. ودعت الجميع للانخراط في هذا المنبر، ولا حجر على شخص بسبب جنسه أو دينه.

 

23

 

شقيق أوباما في القاهرة

قارئي العزيز ربما يذكر مقالنا بعنوان أوباما في الذهن العروبي والذى نشرناه على اثر تسلم باراك حسين أوباما مقاليد الأمور في واشنطن. المقال كان مجال تعليق كثير من المحللين والنقاد، فكان حقيق علىّ أن أفرح وأن تسرى نشوة من المسرة في عروقي. وبالأمس حصلت على نسخة مما كتبه الكاتب والصحافي الساخر إبراهيم عيسى على صفحات جريدة الدستور المصرية، فوجدته قد أمّن على ما رويت بأسلوبه البارع ومن زاويته الخاصة. لذلك رأيت أن أشرك قراء الزول في المطالعة عليه. وها أنذا أنقله بتصرف طفيف يتناسب مع ما علمنا إياه مؤسس الجسور وروحها الفواح، صاحب الشكة الدبوسية، ابن عزام، رضي الله عنه وأرضاه.

يقول إبراهيم عيسى تحت عنوان - شقيق أوباما في القاهرة:

افترض معي أن المواطن الكيني المسلم حسين أوباما قبل أن يسافر أوائل الستينات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، قرر أن يغير وجهته ويسافر أولاً إلى مصر بلد الأزهر الشريف كغيره من مسلمي أفريقيا للتعلم والعمل في القاهرة عاصمة الإسلام. جاء حسين أوباما ودخل جامعة الأزهر، ثم تعرف على فتاة مصرية بيضاء من أسرة تعيش في حي حدائق القبة، وأصلاً أهلها من المنصورة، وأحب حسين أوباما البنت وأحبته وقررا الزواج. أهلها قطعاً رفضوا الزيجة وقالوا: مبقاش غير كينى أسود نناسبه!! ويا بنت مين القرد ده اللى ح تدفني مستقبلك معاه. وإخوتها وأهلها قرروا مقاطعتها، أما أبوها فحاول بحكمة أن يقنعها أن الزواج من هذا الشاب الأفريقي مشكلة كبرى، فهي ستلد عيالاً سودا وح تبقى مألسة بنات خالاتها، ثم أنه لن يجد عملاً في مصر وربما سيعود إلى كينيا (وتسيبي يا حبيبتي الحدايق وتروحي نيروبي، ثم الحب بيروح ويجي، فكرى في مستقبلك). لكن عناد البنت وحبها تغلبا على موانع وعقبات الأهل وتزوجت حسين أوباما الذي تخرج من الجامعة وبحث عن عمل في القاهرة خصوصاً أنه أنجب ابنه مبروك حسين أوباما، لكنه بعد عامين كره نفسه من المصاعب التي صادفها وطلق الست زوجته المصرية وسافر مثلما كان يفكر في البداية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تزوج فتاة أمريكية وعمل هنالك وأنجب منها ابنه الثاني الشاب باراك وكيف بارك اللّه فيه وصار مواطناً أمريكياً رائعاً وانتخبوه في الكونجرس الأمريكي ممثلاً عن ولايته ثم تقدم خطوات هائلة نحو الحلم وصار مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة حيث بات أول أسود يترشح لهذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة وهاهو الآن على كرسي أهم رجل في العالم ورئيس مجلس إدارة الكون.

لكن تفتكروا ماذا حدث لأخيه مبروك أوباما في مصر؟

حتى الآن لا يزال مبروك أوباما يحاول الحصول على الجنسية المصرية ولم يتمكن من الحصول عليها رغم أن أمه مصرية منصورية أباً عن جد وهو دايخ في مصلحة الجوازات والجنسية للحصول على الاعتراف بمصريته أو تجديد الإقامة، كما ذهب مائة مرة للمقابلات في أمن الدولة حتى يزكون طلبه لوزير الداخلية بالحصول على الجنسية المصرية، لكنه لا يزال في عرف مصر أجنبياً كينياً حتى الآن وقد تعرض أكثر من مرة للترحيل من البلد عندما نشبت خلافات بين مصر وكينيا في وقت من الأوقات، كما أنه لم يتمكن من العمل في أي وظيفة حكومية لأنه غير مصري، كما لم يستطع العمل محامياً رغم شهادته في القانون لأن النقابة لا تسمح للأجانب بممارسة المحاماة أمام المحاكم المصرية. وكان قد حفى بدلاً من المرة مليوناً كي يتم إعفاؤه من دفع المصاريف بالدولار في المدارس والجامعة طبقاً للقرار الحكومي بالتعامل مع أبناء الأم المصرية باعتبارهم أجانب.

مبروك أوباما كذلك لا يصوت في الانتخابات وليس له حق الترشيح طبعاً لأي مقعد، ولا حتى مقعد الحمام!

كيني أسود من حقه أن يصبح رئيساً لأمريكا، أما في (الولايات المتحدة العربية) فلا كيني ولا (عربي) ولا أسود ولا أبيض لهم حق الحلم بالترشيح للرئاسة، فالشرط الوحيد لأن تكون رئيساً (عربياً) أن تكون ابن الرئيس (عرابي)... وهنا ليس الفرق بين (عرابي) وباراك أوباما بل هو الفرق بين الوراء والأمام.

.........

نقله بتصرف: عبد الله شريف

 

 

 

 

  24 

سودانيو أوروبا والانتخابات

 

 

عندما نما إلى علمنا أن رئاسة مفوضية الانتخابات آلت إلى مولانا أبيل ألير، استبشرنا خيراً وقلنا حسناً. فالرجل معروف باعتداله وحكمته. قابلته في حياتي مرة واحدة في داخل مسجد الشهيد عند المقرن! قبل ثلاثة أعوام.

لم نجتمع لصلاة، ولكن لنشهد قران كريمة البروفسور محمد أحمد الشيخ. في تلك اللحظات تذكرت زميل الدراسة في المرحلة المتوسطة أمين زكريا جامبو، جميل الخط العربي؛ ورئيس السودان في مخيلتنا الطفولية آنذاك.

وقبيل ذلك  كنت قد تحدثت إلى مولانا أبيل ألير هاتفياً من فيينا عندما جاء إلى برلين لتسلم جائزته عن حقوق الإنسان مناصفة مع أستاذ الجيل محجوب محمد صالح. وكان هدفي من الاتصال هو توثيق هفوة مولانا بابكر عوض الله رئيس القضاء السابق ورئيس وزراء حكومة مايو الأولى في الإساءة إلى دول غرب أفريقيا وجنوب السودان، وقد سمعتها من الوزير مرتضى أحمد إبراهيم وسجلها في مذكراته (الوزير المتمرد). ما زلت أذكر رد مولانا ابيل ألير السريع المدوي والضاحك: يس هى ديد إت-( Yes he did it)، نعم قالها!!

ويرجع الفضل كذلك  لمولانا أبيل في ابتكار وظيفة النائب الأول. فعندما عينته السلطة المايوية نائباً للرئيس نميرى، جاء من يوسوس ويهمس ليلاً للسيد الرئيس ويبصره بمغبة ما قد تأتى به الأقدار في حالة غيابه، فيكون رئيس السودان جنوبياً! بل وغير مسلم!!

فأُبتكر منصب النائب الأول وتولاه كل من اللواء محمد الباقر والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والفريق عبد الماجد حامد خليل (سمعت أن البعض في الجيش يطلق عليه عبد الماجد حاقد شديد) المعروف بضبطه وربطه، ثم اللواء عمر محمد الطيب الداهية. (( رضي الله عنهم جميعاً، حفدة العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم)).

كتب مولانا أبيل ألير عن حكام الشمال ونقضهم للعهود، وساق مثالاً لذلك تقسيم الجنوب إلى ولايات ثلاثة. ولكنه غض الطرف عن إسهام بعض الجنوبيين في خرق اتفاقية أديس أبابا ووصفهم  إياها أنها ليست كتاباً مقدساً.

لعب مولانا أبيل الير دوراً توفيقياً بين الراحل جون قرنق والعم بونا ملوال في لندن، وفى حضرته غسلا يديهما في قرعة الدينكا. وهذا يدل على مكانته المرموقة عند الجنوبيين عامة والحركة الشعبية بصفة خاصة. وأعتقد أن له صداقات مع كل ألوان الطيف السياسي السوداني بما فيهم المؤتمر الوطني ولذلك تنافس القوم في تثنية ترشيحه رئيساً لمفوضية الانتخابات القومية.

لا يختلف اثنان في أن اتفاقية السلام مفضية مفوضية الانتخابات القومية هي أهم وأخطر حدث سوداني في نصف القرن الماضي، ومن المؤسف أنها جاءت نتاج دماء غزيرة وأرواح عزيزة. (قالوا ناس تجمعهم المحبة، وناس تجمعهم الحبة، وناس تجمعهم الضبة). وأهلي الحلوين جمعتهم الضبة ولذلك كثيراً ما يمارسون لعبة القط والفأر.

كيف تفاعل سودانيو أوروبا - أفراداً وأحزاباً وحركات ومنظمات وسفارات - مع أهم اتفاقية سودانية قضت على السودان القديم نهائياً؟ وبالطبع ما سوف يكون إما سوداناً جديداً أو سوداناً منشطراً أو سوداناً مصوملاً، حمانا الله.

اتفاقية بهذه الأهمية أكاد أجزم أن 95% من سودانيي الخارج لم يطلعوا عليها وبالتالي لم يتفاعلوا معها التفاعل المطلوب والمتوقع من إقامة للندوات والمؤتمرات وعمل ورش الدراسات والسمنارات. وأنا هنا أركز على النمسا كمثال.

ولكن لا بد من كلمة في حق بيت السودان في فيينا. فإن ما يقوم به البيت من فعاليات ثقافية واجتماعية وسياسية وعلى مدار العشر سنوات التي مضت منذ تأسيسه، تفوق إمكاناته وطاقاته، ويشهد له أنه يلعب دوراً مفصلياً في الحفاظ على وحدة السودانيين، والإبقاء على شعرة معاوية في تعامله مع السفارة السودانية وسفرائها العابرين والباقين، مع التسليم بالبقاء لله وحده. وهنا لا أود أن أبخس الناس أشياءهم وما قاموا به من أنشطة مختلفة بما فيها من مؤتمر للنساء كان فريداً في جوهره وإخراجه، وأيام أتحفنا فيها فضيلى جماع بروعاته والشكر موصول للدكتورة إشراقة مصطفى، ولكن ما قصدت هو التعامل مع هكذا اتفاقية. أفضت إلى تكوين مفوضية برئاسة رجل في مقام مولانا أبيل ألير.

دعونا نجتر أحداث الانتخابات السودانية هنا في النمسا:-

السفارة السودانية في فيينا وبحسبانها سفارة كل السودانيين المقيمين في النمسا والمجر وسلوفاكيا والشيك وسلوفينيا أخبرتنا بقرار المفوضية اختيار لندن وبروكسل مركزين للتسجيل والتصويت في أوروبا وبشروط التسجيل العجيبة والغريبة.

في منتصف نوفمبر الماضي أقيمت ندوة في بيت السودان بعنوان: قادمة من دارفور..... تحكى، تحدثت فيها الناشطة الاجتماعية الأستاذة أمنة العاقب، وفى هذه الندوة أثار السيد كمال حسين مسألة اختيار لندن وبروكسل كمركزين وحيدين للانتخابات في أوروبا.

وبعد يومين دعا الدكتور أحمد نورين إلى اجتماع مصغر في بيت السودان لمناقشة مسألة الانتخابات وتداعياتها والتفكير فيما يمكن أن نقوم به كجالية في التعامل معها. لم يحضر الاجتماع إلا مقدم الدعوة وشخصي الضعيف.

قلنا الغائب عذره معاه واتفقنا على جولة أخرى.

وفى يوم السبت 21 نوفمبر كانت في بيت السودان عقيقة (سماية) لأحد الإخوة المواطنين فامتلأت الدار بالسودانيين وبينهم السيد السفير والسيد القنصل. فقدم السيد كمال حسين للحضور مذكرة تطالب مفوضية الانتخابات القومية باعتماد سفارات السودان في الخارج كمراكز للمفوضية، فوقع عليها عدد  مقدر من الحضور وأنا منهم.

السيد القنصل أبدى عدم ارتياحه للمذكرة وصرح بكلمات في جمع مصغر في نفس المكان والزمان، في تقديري لا تتناسب والمكانة التي يحظى بها وسط الجالية السودانية في النمسا.

شخصي الضعيف أمام الله طلب تسجيل موقف يتمثل في: أن ما قام به السيد كمال حسين من جهد شخصي لصياغة المذكرة ومن ثم إقدامه على جمع الإمضاءات، لهو من صميم العمل الديمقراطي ينبغي أن نشيد به وأن نستفيد منه درساً في إبداء الرأي. وأنا شخصياً أؤيد ما قام به وأدافع عنه حتى ولو اختلفت معه في شكل ومضمون المذكرة.!!!

إنني في هذا المقام لا أطالب أخانا القنصل باعتذار ولكنني أرجو منه ولخاصة فائدته ومنفعة الجهات التي يمثلها أن يمارس فضيلة النقد الذاتي، فهي الأذكى عوداً والأسلم في فضائنا الأيروسودانى.

في اليوم الأول لعيد الأضحى المبارك دعا السيد السفير وحرمه في بادرة كريمة أفراد الجالية السودانية للإفطار بمقر البعثة السودانية. وقد شاهدت كل الوجوه السودانية في بيت السفير، يقوم بخدمتها هو وحرمه والعم عبد الحميد، في ظاهرة لا تملك حيالها إلا أن تقول: ألهم أحفظ السودان وأهله وبارك لهم في أعيادهم!!!

ولكن قبل أن ينفض سامرنا على هذه الصورة الزاهية والمشاعر الجميلة، فإذا بمنشور ينساب إلينا مبشراً بقدوم ممثل للمفوضية إلى فيينا قادماً من بروكسل، وأن السفارة سوف تفتح أبوابها يوم الأحد (بعد يومين) للتسجيل، ولا يشترط سريان جواز السفر السوداني!!!  إنه لمنشور أثار عدة أسئلة ولم يقدم إجابة واحدة.

لا أدرى كم من السودانيين ضحك؟ وكم منهم أكتئب؟ وكم منهم تعجب؟ وكم منهم تمحن؟

أنا من الذين أضحكهم الله، وتيقنت أننا شعب طيب كما يقول المصريون، ونحن والله مساكين وغلبانين وظرفيين ونفسنا قصير. وفينا من يتذاكى!!! ولكن والله لن يكون غير حصاد الرماد. وقديماً قالوا كما تكونوا يولى عليكم.

كنت على وشك أن أنهى مقالي عند هذا الحد!!!

ولكن ظهور مذكرة ثانية صادرة من فيينا وممهورة بأسماء خمسة من أفراد جاليتنا تستوجب منا شيئاً من التعليق:-

أظنه من نافلة القول أن أذكر أن من حق أي فرد أو جماعة الاجتماع هنا فى النمسا وإبداء رأيهم كتابة أو مظاهرة حتى وإن كانت ضد رئيس جمهورية النمسا فيشر. وهذا حق يكفله الدستور في النمسا ويغفله الدستور في السودان رغم مضى أربعة أعوام على اتفاقية السلام.

ونحمد لإخوتنا أنهم صاغوا مذكرتهم هنا في النمسا وتمكنوا من تسليم المذكرة لممثل المفوضية (السفير المفوض) وهم بمنأى عن بوابة البرلمان السوداني، من حقهم علينا أن نشكر لهم سعيهم، ومن حقنا عليهم أن يسمعوا وجهة نظرنا.

كان الأجدى والأمرس لإخوتنا الخمسة أن يبادروا لجمع أكبر عدد ممكن من أفراد الجالية السودانية  ومن ممثلي الأحزاب والمنظمات للاجتماع في مسالة كهذه، حضر من حضر وغاب من غاب، ولا يهم أين يكون، في بيت السودان أو في السفارة أو أي مكان يراه المبادرون، وبذلك يكون لهم فضل السبق في إشراك الجميع وبلورة أفكار تثرى المذكرة وتزيدها قوة،لأن اقتصارها على خمسة موقعين شيء مقبول لكنه  فطير.

هنالك عدة مذكرات احتجاجية انطلقت من مختلف العواصم والمدن خارج السودان، صدرت من أحزاب وأفراد، فلم تترك شاردة ولا واردة إلا وأحصتها.

هل غادر الشعراء من متردم

أم هل عرفت الدار بعد توهم

لذلك كان من رأيي أن تأتى مذكرات النمسا بشيء أخر، يشد من ساعد جاليتنا وتماسكها حيال القضايا الوطنية، وإذا قوى صوت الجالية فإنه يسمع من به صمم.إن أحسن ما ورد في مذكرة إخوتنا هي مطالبتها بدور للجاليات في القضايا الوطنية والانتخابات واحدة منها، وهذه مسألة مفصلية لا بد من أخذها مأخذ الجد.

لقد نظرت للأمر من بعد، ثم رمقته عن كثب على مدار الأربعة أعوام التي مضت، فترسخت لدى قناعة أننا شعب قليل التجربة، نعم نمتلك طاقات جبارة ولكننا أحياناً نتقاعد عن أداء الواجب المنزلي في وقته، فتعودنا على علوق الشدة والتهاون في الأمر الجلل. وكلنا شركاء وسواسية في هذه الحال،أفراد، أحزاب، حكومة، معارضة، موازية. فمتى ندرك أنه لا بد من إبر النحل للحصول على العسل؟

قال الشاعر:-

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

قبل أربعة سنوات تنادينا  للاحتفال باتفاقية السلام في بيت السودان، فما بلغ عددنا أصابع اليدين.

بادرنا بالدعوة إلى تأبين الراحل المقيم والزعيم الوحدوي جون قرنق تأبيناً يليق بشخصه، فماتت المبادرة بأسباب واهية.

ناشدنا أن يكون الاحتفال بمقدم السفيرة ستونا عبد الله بداية برنامج عمل يؤسس لوحدة جاذبة.

دعونا الجميع إلى فنجان شاي في بيت السودان كخطوة في سبيل  دعم وحدة الوطن، وحذرنا من البيات الشتوي، وطالبنا أن يعمل كل حسب طاقته، وله منا حسب حاجته إذا طلب!

ولكن.... كيف يكون الطلب في غياب الرؤية؟ وهنا بيت القصيد!

هل تبلورت لدينا رؤية لمصير السودان؟ ولرئيس السودان (المنقذ) المقبل؟

لماذا نحرص على هذه الانتخابات الرئاسية؟

ولماذا يحرم سودانيو الخارج من الانتخابات البرلمانية، وقد شاركنا فيها عام 1986م؟

وهنالك أسئلة استفزازية نوجهها لأنفسنا قبل الآخرين:-

كيف يكون الحال لو لم تقم ندوة الأستاذة أمنة العاقب؟

وكيف يكون الحال لو أجلت العقيقة – السماية - حتى أبريل المقبل؟

وكيف يكون الحال لمن لم يحضر عيدية السفير؟

ثم من الذي قرر فجأة حضور ممثل للمفوضية إلى فيينا؟

هل هنالك وجود لمؤتمر وطني وحركة شعبية وحركات تحرير دارفورية وأحزاب في النمسا؟ (يعنى يا ناس لو دايرين ننضم نعمل شنو؟)

وآخر سؤال نوجهه لمولانا أبيل ألير ومحبيه والذين من حوله:- يا نور العين.. إنتو.. إنتو وينكم وين؟

وحتى نلتقي فى سانحة أخرى أعترف ليكم... أنا فهمي تقيل ، لكن كان فهمت..... ما بنسى!

 

 

 

  25 

 

 

مع الأمين جميل وسنواته الهندية

 

 

لحظات جميلة تلك التي تجمعني بكاتب ويهدى إلىّ بثمرة مداده، وتنتابني ساعتها أحاسيس شتى، موزعة بين فرح وسرور لما أنجز ورأفة و شفقة عليه لما بذله من جهد ومال. وتمر بخلدي وقتها مراحل صنع ذلك السفر، من ولادة للفكرة وجمع للمادة، فتدوين وتنقيح، ثم استشارات وطباعة وإعادة طباعة. ويأتي بعد ذلك النشر والتمويل والتوزيع.

كان ذلك عند لقائي الأول والسعيد بالأخ الكاتب الأمين جميل، حفظه الله وجزاه خيراً أن أهداني نسخة قيمة من كتابه: أعوام مع الشريف حسين الهندي.

ولشخص مثلي ولد في جزيرة أبا وعاش أحداثها في العام 1970، فإن لذكر الشريف حسين الهندي طلاوة، ووقع خاص ومميز في النفس، لما كنا نسمع من حكايات وروايات أهلنا الأنصار عن الشريف، وصفات وخصال تميزه عن بقية السياسيين، أجاد الكاتب جميل جمعها وتوثيقها وسردها. ثم أرى الكاتب متصالحاً مع نفسه صلاحاً أحسده عليه وممارساً لنقد ذاتي لم نتعوده ومتدثراً بثوب حياد وسروال شفافية من شأنها أن تغضب الأقربين. زاده وعدته نفس كبيرة ووعي مبكر ورؤية مستقبلية لم تتوفر لأقرانه في ذلك الزمان، ثم بيوت كريمة حظي بالانتماء إليها، كانت (خير من ركب المطايا....... وأندى العالمين بطون راح).

أثار فيّ كتاب الأمين شجون فترة قضيتها بلندن في صيف 1980، حيث كنت على مرمى حجر من لقاء الشريف حسين الهندي، وما يدريك لعلي وقتها نلت شرف التعرف على الأمين جميل وتبادلت معه هواجسنا وأحلامنا الشابة وطموحاتنا في أن يهدى الله أولى أمرنا لتكوين حزب وسط يجمع بين الاتحاديين وحزب الأمة والختمية والأنصار. كنت واثقاً من أن هكذا مشروع وطني فالشريف فارسه ومهندسه، لما له من قدرات وصلات بالأنصار أكسبته حبهم وإخلاصهم. كان الشريف ذلك (البعبع) الذي لا ينام ولا يدع غيره ينام، ولذلك اجتهد المايويون ومن لف لفّهم في القبض عليه حياً أو ميتاً. كذلك كنت متيقناً من أن هكذا تجمع هو خير خلف لحكم مايو الذي طال أمده. ثم أن تلك القوى الجديدة لا بد وأن تعتبر بدروس قاسية ومريرة مرت بها أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي وتوابعهم من الإخوان المسلمين في الأعوام 1970 و 1975 و 1976. عبرة ترسي وتعمق مفهوم العمل الديموقراطي، والتسلح بالتربية  والتدريب لتلقين الشباب علماً يستبينوا به سبل الحياة وقبل ذلك أخلاقا. أخلاق تنأى بهم عن الانتهازية البغيضة والميكيافيلية. فيا لها من أحلام!! ومالو؟ ما نحن شعب بيحلم والأحلام جزء من الحياة!!

مات الشريف فانكسر المرق واتشتت الرصاص.

بعد موته بعام حملتني الأقدار إلى منزل السيد الصادق في لندن، فوجدت نفسي تحت سقف واحد مع أربعة انتقلوا جميعاً إلى الرفيق الأعلى (الوالدة رحمة، والسيدة سارة الفاضل، والسيد صلاح الصديق، والعم بدر صهر الفكي الرشيد إمام جامع الكون في أبا)، رحمهم الله جميعاً. كان لقاء أحباب! ما أحزاب! فلم تعرف نفسي التحزب حتى يوم الناس هذا.

مع صلاح الصديق تذكرنا الشريف وترحمنا عليه. كان صلاح رجلاً عظيماً ذا فكر ثاقب وهو يشارك الأمين جميل مناداته بالإصلاح السياسي، وبضرورة تطوير العمل الحزبي والرقي به.

قال الكاتب أن الشريف قد أخفق في توريث اللاحقين مؤسسة حزبية متماسكة. وهذه منقصة لا تلاحق  الشريف وحده كما ذكر الكاتب، وإنما هي صفة ملازمة لزعمائنا وأحزابنا التي تسمى مجازاً وطنية!!!

من وجهة نظري أن في المال  مفسدة للتربية السياسية إن كان مصدره الهبات أو التسول. وإلا فقل لي بربك من في تاريخ السودان لم يذق طعم مال الأجنبي باستثناء المهدي وخليفته، وعثمان دقنة وعلى دينار، ودينق ماجوك ومحمود محمد طه.

والمال الذي نعنيه هو مال الإنجليز ومال المصريين، ومال القذافي وصدام، ثم مال الخليج وبن لادن.

وللحقيقة، فإن الشريف حسين كان أنبلهم وأكرمهم وأشرفهم، وده كلام احتكاك ومعايشة وسفر طويل.

هل تذكرون رد الشريف الكريم والبليغ للشاعر صلاح أحمد إبراهيم عندما ناشدنا الشاعر في الثمانينات بدعم مجلة البديل؟

لذلك أرى يا أخ الأمين أن التربية السياسية الناجحة تبدأ بالالتزام فالاعتماد على الذات مادياً، وبث روح العمل والإنتاج في الرعية، ثم درس عصر في أدب الشفافية والنقد والمساءلة.

هل يا ترى في مقدور الأستاذ (الدود،وحاشا أن يكون أبلانج) على محمود حسنين، إكمال ما بدأه الشريف قبل ثلاثين عاما؟

أشاد الكاتب بالتشاديين، وأشار إلى العلائق التاريخية والاقتصادية والدينية والثقافية التي تربطهم بسودان اليوم.

علائق للأسف لم تجد الرعاية المطلوبة من مركز القرار في السودان في الخمسين سنة الماضية، فكان الحصاد جهلاً بالمسلمات واستثماراً في العداوات. وهنا أقتبس من كتاب الوزير المتمرد، للمهندس مرتضى أحمد إبراهيم ص 169: (هفوة السيد بابكر عوض الله عند مناقشة تقرير تحسين العلاقات مع تشاد وأفريقيا الوسطى:

عندما قرر مجلس الوزراء إرسال وزراء لزيارة الدول المجاورة لتحسين علاقات السودان معها، وكما جاء ذكره من قبل، كان من نصيبي السفر إلى كل من يوغندا وأثيوبيا. الأولى لأني كنت أعمل فيها من قبل، وثانياً فهي دولة من دول حوض النيل، أما أثيوبيا فهناك بحيرة تانا منبع النيل الأزرق شريان الحياة لكل من مصر والسودان.

كما سافر إلى تشاد وإفريقيا الوسطى كل من الدكتور محيي الدين صابر وزير التربية والتعليم والدكتور أحمد الطيب عابدون وزير الثروة الحيوانية، وذلك لأنهما يتكلمان اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للبلدين. وبعد عودتهما قدما تقريراً للمجلس عن نتائج رحلتهما. وأثناء استماع المجلس لعرضهما الذي أكدا فيه دعمهما لرغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما مع السودان الذي هو البوابة الرئيسية لهما على العالم الإسلامي والأراضي المقدسة، كان واضحاً حماس الوزيرين لذلك التوجه.

وفجأة قاطعهما السيد بابكر عوض الله وكان لا يزال رئيساً للوزراء محتجاً على تدفق الأفارقة السود إلى السودان مؤكداً عروبة السودان ودعم التدفق العربي من الشمال والشرق بدلاً مما ينادى به الوزيران، مضيفاً "مش كفاية اللي حاصل لنا من الجنوبيين" قال ذلك دون أن يتذكر وجود كل من الوزيرين أبل الير وجوزيف قرنق، وقد كان إحراجاً واضحاً انتبه إليه بعد فوات الأوان، ولكن كان الوزيران الجنوبيان على مستوى راق من الأخلاق وضحكنا جميعاً على مشاعر مولانا بابكر عوض الله والتي كانت معروفة عنه في تعصبه العربي المصري الشديد، بل بصورة أقوى نحو مصر بالذات.) انتهى الاقتباس. وآسف للإطالة، لكنها مهمة خاصة إذا ما قرنت بما ذكره وزير الداخلية سابقاً الفريق مهندس عبد الرحيم محمد حسين - صُعد وزيراً للدفاع بعد انهيار المبنى الشهير - عن دارفور والدارفوريين بمناسبة الحريات الأربعة في ندوة الأهرام القاهرية. وقتها كلم عبد الرحيم المصريين عن ضرورة تدفقهم صوب شمال السودان والاستقرار فيه لمواجهة تكاثر الغرابة في السودان. ولم يسمع المصريون الكلام. وصدق من قال التركي ولا المتّورك.

كل من بابكر وعبد الرحيم لم يقدم اعتذاره، لأنهم قوم لا يعترفون بخطأ ارتكبوه وبالتالي لا توجد في قاموسهم كلمة اعتذار أو محاسبة.

ثم رأيت الكاتب يولي مسألة التدخل الدولي في السودان اهتماماً  وتحليلاً تضاءلت معه مأساة دارفور وجرم المسئولين. كنت ظننت، وليس كل الظن إثم، أن صلته بالفاشر الثانوية ربما وفرت له شهود عيان يحدثونه عما حل بأهليهم وزرعهم وضرعهم وقراهم، في صفحة أو صفحتين من صفحات الكتاب التي بلغت مائة وخمسين.

نعم للدول الغربية مصالح، وينبغي أن يكون لها ذلك. وحقيقة لا يختلف عليها رأسان أننا نعيش وسطهم، ونحمل جوازاتهم، ونعرف خيرهم وشرهم. لكن ما يرتكبه إخوة لنا في حقنا من ظلم وجور وفجور في الخصام، يجعلنا أكثر حيطة في استعمال المصطلحات (دولية، وطنية، إسلامية، علمانية، كفرة، فجرة، وهلم جرا.)

جاء في كتابك الجميل: (الحملة الدبلوماسية والإعلامية التي يتعرض لها السودان وتديرها بعض الدول المتنفذة....). وأنا بقول ليك يا عزيزي: بيدي لا بيد عمرو، وكلام زى دى ما يبسط الشريف، والله عالم.

الشكر موصول لك حيثما تكون.

 

  26 

مصطفى الفقي... الذي عرفناه

 

سمعت أن الدكتور مصطفي الفقي وصف حكومة الإنقاذ بأنها الأسوأ في تاريخ السودان، لأنها تسببت في تقسيم البلاد التي تسلمتها موحدة. وسمعت أيضاً أنه القائل، ألا مفر لحكومة الإنقاذ من أن تمتثل للشرعية الدولية، وهذا يعني أن يتقدم فخامة الرئيس المشير - عمر حسن أحمد البشير - من ناحية حوش بانقا وكوبر سابقاً، وعمارات كافوري حاضراً، وبطل صيف العبور والمغيرات صبحاً، نعم أن يتقدم ويقوم بتسليم نفسه لمحكمة الجنايات في لاهاى، اليوم قبل الغد.

إن كان هذا حقيقة ما صرح به الدكتور مصطفي الفقي، والذي عرفناه وعاصرناه هنا في فيينا في النصف الثاني من تسعينات القرن المنصرم، فإنه والله صادق وغلطان!!

يا أخوي مصطفي إنت من حبك وتقديرك للسودان والسودانيين صرت طيباً مثلهم، وتقول ما يجيش بصدرك... للأعور أعور!! هل كل ما يعرف يقال؟ وجاء وقته؟ وحضر رجاله؟ وهيأوا له مكانه؟

وسمعت أيضاً من قبل أنك القائل في زمن الرئيس حسني مبارك، أن رئيس مصر المقبل لابد وأن ينال رضاء وقبول أمريكا وإسرائيل!! وذكّرت الأعراب في الخليج بأن مصر علّمت وطبّبت وهندّست!!

في هذا السياق أجد نفسي مجتراً لبعض كلمات صغتها قبل سنوات خلت أوردت فيها اسم الفقي أكثر من مرة:

في نهار قارس البرودة كنا وقوفاً في بهو مبني الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا، وأعلام الدنيا تتدلي من فوقنا - مجموعة من الصحافيين العرب - أشار أحدهم إلى "الزول" السوداني في زيه الوطني. إنه السفير أحمد عبد الحليم - أمين الفكر والمنهجية قبلها - في أول يوم له في ذلك المكان.. تقدم الجمع نحوه وسلموا عليه: أهلاً بسعادة السفير! وعندما جاء دوري للتحية والمجاملة، قلت له في أدب غير متكلف: أنا زول سوداني، وما تعودت على مفردات سعادتك وسيادتك وحضرتك، وقد حضرنا إلى أوروبا عن طريق الخرطوم - القاهرة ترانزيت. فاسمح لي بأن أناديك ب"عم أحمد"، كما أنادي الوزير مرتضي أحمد إبراهيم" عم مرتضى".. أبدى موافقته وترحيبه الحار، فأدهش الأعراب. وسرت عبارة العم أحمد في مجتمع السودانيين سريان بخور الصندل في الهواء، فاشتمها بعض الأعراب، ونقلوا إلى السفير المصري مصطفي الفقي أن السودانيين ينادون سفيرهم ب"عم أحمد". فصار هو الآخر يناديه ب"عم أحمد". وعندما زرت مصر لأول مرة في حياتي بتدبير من عم أحمد، وحينما كنت وابنه جعفر نتجاذب معه أطراف الحديث في غرفة نومه بالمعادي، ذكّرته بحكاية عم أحمد. فقال لي: لك أن تعلم أنني لما قابلت الرئيس حسني مبارك أول مرة حياني ب"أهلاً يا عم أحمد".

كان السفير المصري مصطفي الفقي من أميز سفراء مصر في فيينا، كان سفيراً فوق العادة، ويكفيه فخراً أنه بنى لمصر سفارة في فيينا أصلها ثابت وفرعها في السماء. إنه من السفراء المثقفين المنفتحين وهم ندرة. وأكاد أجزم، أن إعادة العلاقات السودانية المصرية إلى طبيعتها كان سببها هذان السفيران الجليلان. كانت فيينا بأوبراها مسرحاً لسعيهما الطيب، وموتسارت بألحانه الدافئة عازفاً له. ويقيني أن الدكتور مصطفي الفقي سوف يفرد لذلك مساحة في مذكراته عن العاصمة النمساوية. ومن الطبيعي أن يقبل عليها طلاب الدبلوماسية من المصريين والسودانيين بنهم وشغف.

في حفل أقامه الصحافيون العرب في فيينا، يودعون فيه سعادة السفير أحمد عبد الحليم، الذي لم يروا مثله في البلاد، انتحى بي الدكتور مصطفي الفقي جانباً وقال لي: في غياب هذا الرجل (يقصد عم أحمد)، أرجو أن تعتبرني الجالية السودانية في النمسا الأخ الأكبر. لقد كان ذلك موقفاً كريماً من الدكتور الفقي، ف"الرجال مواقف". ذلك موقف لن ننساه، فهنا تتجلى كلمات مثل "مصر الشقيقة". لقد كنا  محظوظين وسعيدين في أن نعاصر سفيرين من أبناء النيل تركا بصماتهما على مسرح الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية هنا في وسط أوروبا. كان كل منهما يرعى مصالح الآخر في ندية تامة وأريحية واسعة. والحوار الفكري معهما لا تحده حدود، لأنهما كانا أهل حجة ومنطق و(طق حنك).

وموقف آخر لن ننساه للأخ الأكبر مصطفي الفقي، وذلك عندما وقف وبقوة ومعه العم أحمد داعمين النوبيين المصريين بفيينا في تأسيس دار لهم، وقد شاركتهم الجالية السودانية تلك الدار. وحينها جاء من يحذر السودانيين من هكذا تقارب!! لاعتقادهم أن هنالك من يرسم ويخطط لدولة النوبة الكبرى!!! فقطع السفير الفقي قول كل خطيب، وافتتح الدار النوبية المصرية السودانية، وكان بجانبه الوزير مرتضى أحمد إبراهيم - الرئيس الفخري للجالية السودانية. وابتدرا حملة الاكتتاب والتبرعات لصالح الدار، فتسامت وعلت وبلغت شأواً عظيماً. كان الدكتور الفقي يرى في النوبيين جسر التواصل الحضاري بين شطري الوادي العريق.

عندما غادر الدكتور مصطفي الفقي النمسا راجعاً إلى بلده مصر، كنت (كاتب المقال) خارج النمسا، وما زالت الحسرة تملأ نفسي أننا كسودانيين نمساويين لم نتمكن من إقامة حفل وداع يليق بمقامه في نفوسنا. تلك كانت وصية المرحوم عم أحمد لي شخصياً، شاء القدر ألا تنفذ!! ولكن الأيام  بمستقبلها حبلى إن شاء الله. ولسوف نقيم للأخ الدكتور مصطفى الفقي حفلاً قدر مقامه في نفوسنا، ونقترح عليه أن يكون على رأس مؤسسة ترعى أبناء وادي النيل من نمولي في جنوب السودان إلى بور سعيد - ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتنموياً، ويكون مقرها هنا في فيينا. وعندها سوف يمتلك الفقي حريته في أن يقول ما يريد ولمن يريد، ومافي حد أحسن من حد!!

وفي المرة القادمة أرجو أن أوفق في الحصول على المقال الذي كتبه الفقي عن السفير عم أحمد وأوصله إليّ نيابة عنه أحد القادمين من المحروسة. إن عثرت عليه فسوف أعيد نشره وإن لم يأذن لنا الفقي.

 

 

كتابات أخري