عودة إلى جسور

 

 

sharief@jusur.net  راسلونا

 

 

   1  

بل.. للأقباط أكثر من قضية

 

شهدت العاصمة النمساوية فيينا في يناير الماضي مظاهرة قبطية كبرى، انطلقت من مبنى الأوبرا الشهير وانتهت عند مبنى الإتحاد الأوروبي مروراً برئاسة الجمهورية والمستشارية النمساوية. تظاهر الأقباط ومناصروهم الحقوقيون  تعبيراً عن الأسى والألم والحسرة التي ملأت قلوبهم نتيجة الاعتداء الإجرامي الذي حدث في نجع حمادي في ليلة عيد الميلاد وأمام الكنيسة.

طالب المتظاهرون بالقصاص من القتلة والذين من خلفهم، خاصة وأنه في غالب الأحداث الماضية فإن إثارة الكراهية ضد الأقباط من قبل الجماعات الإسلامية المتعصبة، كانت السبب المباشر وراء تلك الجرائم، وليس المس والجنون كما يزعم دائماً.

وطالبوا بتعويض الضحايا القتلى والجرحى والمتضررين مادياً بسبب تدمير وحرق منازلهم ومتاجرهم، علاوة على تقديم مسئول الأمن في نجع حمادي للمسائلة والمحاكمة، وأن تعتذر الحكومة عن تقصيرها وإقالة وزير الداخلية لفشل أجهزة الأمن في حماية الأقباط. وأن يكشف حالاً عن كل الجرائم التي ارتكبت ضد الأقباط، ووقف الأكاذيب المضللة والافتراءات الإعلامية الرسمية.

كاتب المقال شارك من قبل في مظاهرات عديدة هنا في النمسا، وهى على سبيل المثال: مقتل أفارقة بواسطة الشرطة النمساوية، وضرب مصنع الشفاء في السودان، ومأساة دارفور، وحرب العراق.

وأشهد الله أنني ما رأيت غضباً وغبناً وحزناً كالذي كان يوم مظاهرة الأقباط. كانت درجة الحرارة تحت الصفر، تجمدت فيها أطرافي وجوارحي ولم ألحظ في القوم ولا في أطفالهم أثراً للبرد أو الزمهرير. وما يدريك لعل حرارة حزنهم وبكائهم نزلت عليهم دفئاً وسلاما بمشيئة الرب.

مظاهرة كهذه لا يمكن أن تجد حظها من الظهور في قاهرة المعز أو خرطوم النيلين، بل وعلمنا من مصادرنا الموثوقة بمحاولات السفارة المصرية المستميتة لدى السلطات النمساوية لإلغاء المظاهرة!!!، فكانت الإجابة هزاً للرأس ودعوة لهم لاستغلال المناخ الديمقراطي وحث شيعتهم ومن لف لفهم  أن يخرجوا كذلك في مظاهرة، في نفس المكان وغير الزمان. هذا منطق لا يفهمه الظلاميون ولا يهضمه المتعصبون،أصحاب النظرة الأحادية وأنصار التكتيم والتعتيم. وفوق ذلك لأنهم جبلوا على سياسة (التطنيش) والترغيب والترهيب ودعنى أعيش.

قبل حادث نجع حمادي بعشرة أيام، كنا جلوساً في بيت السودان بفيينا احتفالا بعيد الميلاد المجيد. ذلكم عيد الميلاد الذي حذرنا من الاحتفال به بعض ممن يسمون بعلماء المسلمين وهم ممن اعتاد على حلب بقرة أهل الكتاب حلباً لا يترك بعده للعجل نصيباً. يضيقون ذرعاً بحريتهم وديمقراطيتهم وهم المهرولون والساكنون  إليهم، ويبغضون اشتراكيتهم وشفافيتهم  وهم وأطفالهم المتمتعون بغنائمهم وحدائقهم.

جلسنا  ببيت السودان في أمسية جمعت بين مسيحيين ومسلمين، أقباط، سوريين، سودانيين من شتى بقاع السودان، ودار أنس جميل عن الذكريات الجميلة وإن كانت قليلة في أوطاننا، والأمثلة الرائعة للتعايش الديني والتسامح وتقبل الأخر. وأنفض سامرنا على أن نتواصل ونتقابل ونتحاور، وألا نترك الساحة للمتطرفين والظلاميين الذين لا يقبلون بالرأي الأخر، ولا بالدين الأخر، ولا بالجنس الأخر، ولا باللون الأخر.

في الموعد الذي حددناه للقائنا الثاني فوجئنا بفاجعة نجع حمادي، فرأيت أنها مناسبة نعبر فيها عن تضامننا مع إخوتنا الأقباط حتى لا يذهب الإحباط واليأس بهم بعيداً عن الأماني التي غرسنا بذرتها في بيت السودان، فاقترحنا على الإخوة في بيت السودان إقامة ندوة واخترنا لها عنواناً: وللأقباط قضية!!!، ورشحنا لها مشاركين ثلاثة أحدهم قبطي واثنين من المسلمين، فتمت الموافقة والإعلان عن الندوة في نشرة بيت السودان.

قبل موعد الندوة بخمسة أيام يتصل بى  السيد سفير السودان بالنمسا (رجل نجله ونحترمه) طالباً مقابلتي في أمر مستعجل، فتقابلنا في مبنى الأمم المتحدة. فكانت رسالته المهذبة لى أن نلغى الندوة، لأن قيامها في بيت السودان يسبب لهم حرجاً مع إخوانهم المصريين.

شكرته على مسعاه ووعدته بالتفكير في مقترحه والرد عليه. وبعد يومين كتبت له الرسالة التالية:

((بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل،

السفير،

أما بعد، فأرجو أن أكرر شكري وامتناني لاهتمامك الكبير بما نقوم به من نشاط ثقافي واجتماعي متواضع.

وأؤكد لك أن ملاحظاتك واقتراحاتك فيما يختص بالندوة وجدت وتجد منا كل التثمين والاحترام.

لقد فكرت في الأمر ملياً، وقلبته من كل جوانبه، وفاضلت بين النكوص والتراجع وبين المضي قدماً فيما أعلناه ونشرناه. فوجدت في قيام الندوة خيراً أكثر من تغيير مسارها، بل رأيت أن من شأنها توثيق العلائق بين شعوب وادي النيل وإحياء شعيرة التضامن بين أعراقه ونحله.

وأما إخوتنا في شمال الوادي فمشاهد تاريخنا معهم حافلة بروائع المواقف والأحداث، وحوارنا معهم متواصل كجريان النيل صوب مستقره، والحساب ولد كما يقول أهلنا.

نسأل الله أن يجعلنا وإياهم ممن يسمعون القول ويتبعون أحسنه، متخذين من الحوار والمنطق وقبول الرأي الأخر وسيلة للتعايش والمحبة والسلام.

ولك مودتى،

أخوك - عبد الله شريف

فيينا - 27 يناير 2010))

 

ما لم أكن أعلمه تلك الاتصالات المكثفة من قبل السفارة السودانية برئيس بيت السودان وإقناعه بالحيلولة دون قيام النديوة، فأعلنت إدارة بيت السودان عن إلغاء الندوة قبل يوم من موعدها رغم عدم موافقتي أنا صاحب الفعالية. وافتعلوا مناسبة ملئوا بها الدار بالأطفال والنساء في نفس موعد الندوة. فما زدت عن قولي لرئيس البيت (وهو من الفاضلين): أرجو ألا أفسد عليك بهجة ليلتك في بيت السودان، أما ندوتنا فقائمة قائمة بإذن الله.

وبالفعل أقمنا ندوتنا في إحدى مقاهي فيينا كأحسن ما يكون الحوار، وما لم أفهمه ولم يفهمه أصحابي: من المتضرر من إقامة ندوة كهذه؟ وما هو الضرر الذي يراه الآخرون ولا نراه؟ لا سيما وقد علمنا من إخوتنا الأقباط أن السفارة المصرية ألغت لهم لقاءً قبل ساعات من موعده كان مقرراً له أن يكون بالملحقية الثقافية. نعم إنها الظلامية بعينها، والسياسة الأحادية، وعدم سماع الأخر. يا لها من سياسة شرذمت البلاد وأهلكت العباد. أوليس الأقباط أهل لنا في السودان وما يحدث في مصر يهمهم ويهمنا. ثم ماذا أنتم فاعلون إن قلنا أن لأهل حلايب قضية! وأن للنوبيين قضية.

في زيارته للنمسا قبل خمسة عشرة سنة خاطب الرئيس عمر البشير السودانيين ناعتاً الحكومة المصرية باضطهاد النوبيين والصعايدة، وأنهم أي حكام مصر ينظرون لكل من بعد  عنهم جنوباً نظرةً دونية. أحد الإخوة المصريين وصف حديثه بالخرف، وذكر بأن الذي بيته من زجاج عليه ألا يرمى الآخرين بالحجارة.

قبل عشرة أعوام أرسينا القواعد لبيت السودان، وقلنا أنه بيت لكل السودانيين على اختلاف دياناتهم وأعراقهم وسحناتهم، وقلنا أنه يستقبل الفقير قبل الغنى، والخفير قبل الوزير، واللاجئ و المقيم، والبشير والنذير، وجون قرنق !!!

ووقتها لم يتقبل البعض ذكر جون قرنق!!! وتمر السنون وثبت بعد نظرنا وسعة أفقنا، فاستقبل بيت السودان تلامذة قرنق بجانب أبناء الإنقاذ، وتكلم فيه سفراء عرب وسياسيون نمساويون ومفكرون مصريون. وصار من نافلة القول دائماً تذكير الناس أن منبر بيت السودان للكل، ولكن بيت السودان لا يتبنى بالضرورة أراء من اعتلى منبره. وتلك بداهة لا أدرى كيف غابت عن ذوى الألباب.

ومأساة أخرى أبتلينا بها نحن السودانيون، فكل من هب ودب له الحق في أن يستمع إلى مشاكلنا وصراعاتنا وأحياناً يكون تدخلاً سافراً يحمل تهديداً ووعيداً. ورسخ في فهم بعض من إخوتنا العرب أن من حق كل شعوب العالم أن تستمع إلى مشاكلهم، فقط أنت يا سوداني أبتعد وأرعى بقيدك! ومحاولة تدخل الوزير مصطفى إسماعيل في المسالة البيروتية خير دليل. الله يرحمك يالمحجوب، يا من جمعت فيصل وعبد الناصر في بيتك وأنجحت مؤتمر اللاءات الثلاثة في الخرطوم (تفصيل أكثر في الحلقات التالية). والآن وصل بنا الحال إلى عصر الانبطاح بلغة خال الريس، الطيب مصطفى.

تعالوا وشوفوا واحدة مصرية تدعى فاطمة حنفي -مدرسة عربي ودين - مقيمة في فيينا، ماذا كتبت في الصحافة الإلكترونية بعد مباراة مصر والجزائر في أنقولا؟ كتبت تقول: (الله عز وجل عوض الفريق المصري عن الإهانات والمؤامرات التي لحقت بهم في السودان. لو كان لنا في رشوة الحكام أو غيرهم كنا فعلنا في السودان، لأن السودان في جيبنا الصغير)، ليس لدى تعليق.

عندما أوشى صديق البطل الصنديد عثمان دقنه - أمير الشرق في المهدية - به، ودل الانجليز على مخبئه، قال الأمير عثمان دقنه لصديقه: إن شاء الله ما بعتنى رخيص!!!

وأنا أقول لمن اجتهد ولم ينم الليالي من إخوتنا السودانيين، فقط لمنع سودانيين يقدرون مصر، من أن يستمعوا إلى أقباط ومسلمين في نديوة، إرضاءً لجهات مصرية غير معروفة، أقول لهم أنى لا أتوقع منهم أن تصير حلايب حبايب ولكن أرجو ألا تكون البيعة رخيصة وبثمن بخس. أخبروني بالثمن يرحمكم الله لكي يطمئن قلبي إلى أنكم تجار شطار مثل تجار الشام.

 

    2  

رعاية مصرية

لشئون سودانية نمساوية

(بل..... للأقباط أكثر من قضية)

 

بالإشارة إلى التظاهرة القبطية الكبرى التي شهدتها العاصمة النمساوية فيينا في يناير الماضي تنديداً بالاعتداء الإجرامي الذي حدث للمصلين الأقباط في ليلة عيد الميلاد وأمام الكنيسة، وتنويهاً بالمساعي الحسيسة من قبل جماعات التكتيم والتعتيم والمسكوت عنه، للحيلولة دون قيام التظاهرة، وتذكيراً بالجهد الجهيد الذي بذلته السفارة السودانية في فيينا لإلغاء ندوة عن الأقباط  في بيت السودان  وتم لها ما أرادت قبل يوم من موعد الندوة إرضاءً لجهات مصرية غير معروفة، ووقوفاً بمشاهد من تاريخنا المشترك مع إخوتنا أبناء النيل هنا على الدانوب كانت حافلة بروائع الأحداث والذكريات، أواصل في هذه الحلقات وأتناول هنا أحداثاً  ومواقفاً في التاريخ القريب والبعيد تعكس صوراً مختلفة وخالية من الروعة أحياناً. و ما المانع؟ فالتاريخ لا بد وأن يسرد بتجرد شاملاً جانبه الحلو والمر، الرائع والقميء لأخذ العبر والعظات. وشر البلية أن نرى قوماً لا يتعلمون من التاريخ، وأسمح لنفسي أن أقتطف فقرات من مقال سبق لي وأن نشرته في صحيفة المستقلة عام 1996.

كتبت حينها أنه جاء في عدد صحيفة المستقلة رقم118، الصادر بتاريخ 12 أغسطس 1996، تصريح للرئيس المصري محمد حسنى مبارك، نقلاً عن دبلوماسي عربي قال أن الرئيس حسنى مبارك يرى أن: (حكومة البشير تريد أن تتعامل مع مصر تعامل الند للند وهذا حلم بعيد المنال للسودانيين). وأضاف مبارك: (لقد ساهمنا من قبل في إطاحة أي حكومة ترفع شعار الاستقلال عن السياسة المصرية وسنفعل نفس الشيء مع الحكومة الحالية).

قلت وقتها وأقول اليوم أن مثل هذا التصريح سوف يستفز مشاعر كثير من السودانيين، أين كان موقعهم على خارطة السياسة السودانية. وهو ما لا آمل حدوثه، لكن حدث أن تقابلت صدفة مع مسئول سوداني هنا في النمسا يوم قراءتي لذلك التصريح، فاستفسرته رأيه فيه فقال لي:( بيني وبينك يكون قد قاله).

إن العلاقة بين مصر والسودان توصف دائماً بأنها تاريخية أزلية، وأنا من المؤمنين بذلك. لكن كل يفسر التاريخ وأزليته على هواه.

خذ مثلاً الملك فاروق عليه رحمة الله، فقد أصدر مرسوماً في عام 1951 بضم السودان إلى مصر وذلك بتعديل المادتين 159 و160 من الدستور بتقرير الوضع الدستوري للسودان وتعيين لقب الملك: نحن فاروق ملك مصر، قرر مجلس الشيوخ ومجلس النواب القانون الآتي نصه وقد صدقنا عليه وأصدرناه. (المادة الأولى) تلغى المادة 159 من الدستور ويستعاض عنها بالنص التالي: الملك يلقب بملك مصر والسودان.

صدر بقصر المنتزه في 15 محرم سنة 1371هجرية، الموافق 16 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1951- فاروق.

لقد كانت ردود الفعل تجاه هذا المرسوم في السودان متباينة ومتفاوتة، بين الدعاء بالخير والبركة للملك فاروق في المساجد وبين استنكار بلغ ذروته في أروقة الجمعية التشريعية آنذاك. النواب وصفوا المرسوم بأنه محاولة لفرض السيادة المصرية على السودان دون استشارة أهله، ورأت الجمعية أن مصر قد فاجأت الشعب السوداني مفاجأة منكرة، وكان يرجو عندها كل مفاجأة سارة. وتساءلت ما ضر مصر لو قدمت حكمها الذاتي المشاع، ثم قالت للسودانيين أنتم أحرار في تقرير مصيركم النهائي. لقد كان رد فعل الجمعية التشريعية عنيفاً.

أما الاستقلاليون بقيادة حزب الأمة فقد حذروا من نوايا مصر تجاه السودان وأعلنوا أن ما تريده مصر هو ألا تقوم في السودان دولة مستقلة قد تعاديها في يوم من الأيام فتحرمها من:

أ- السيطرة التامة على مياه النيل.

ب- الهجرة المطلقة إلى السودان.

ج- ملكية الأراضي السودانية واستغلال رؤوس الأموال المصرية.

في أواسط الستينات من القرن المنصرم، صدر حكم الإعدام ضد المفكر الإسلامي سيد قطب. ووقتها طلب برلمان السودان من الحكومة المصرية الرحمة لسيد قطب، وخرجت تظاهرات الإخوان المسلمين منددة (بفرعون مصر)، ومنهم خلق كثير في حكومة السودان الحالية. هل يا ترى وقتها ما كان القوم يرون أن قضية سيد قطب هي شأن مصري؟ والآن ينبري لنا من يستكثر علينا قولنا أن للأقباط قضية!!!

في الحلقة الأولى جاء ذكر للسيد محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان السابق ودوره في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم عام 1967. ففي أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم ذي اللاءات الثلاث - لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف - جمع المحجوب بين الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والرئيس جمال عبد الناصر في منزله، منهياً بذلك قطيعة دامت سنيناً وخامداً لهيباً أججته نار حرب اليمن. ولهذا السبب نجح مؤتمر الخرطوم وأعاد البسمة بعد النكسة. ربما كان أنجح مؤتمر قمة عربي.

يقول المحجوب في كتابه (الديمقراطية في الميزان) أن جمال عبد الناصر قد كافأه على جميله ذلك بمساهمته في الانقلاب على حكومته الديمقراطية. ذلك الانقلاب الذي حدث صباح الخامس والعشرين من مايو/أيار عام 1969 بقيادة العقيد (39سنة) والمشير فيما بعد جعفر النميري. كان الانقلاب يسارياً.

لم تمض سنة على ذلك الانقلاب حتى قامت ثورة في جزيرة أبا على النيل الأبيض بقيادة الإمام الشهيد الهادي المهدي هددت حكومة اليساريين في الخرطوم، فأرسل جمال عبد الناصر نائبه السادات والضابط آنذاك محمد حسنى مبارك وآخرين إلى السودان لمساعدة الحكومة اليسارية ودعمها.

يفسر الرائد (م) أبو القاسم محمد إبراهيم - لعب دوراً قيادياً في إخماد الثورة - ذلك الدعم بأنه معنوي، ويقول أن السادات وحسنى مبارك وآخرون اجتمعوا بهم في واد مدني (180 كيلومترا جنوب الخرطوم) ونقلوا لهم اهتمام عبد الناصر بالأمر واستعداده لتقديم أي عون تطلبه حكومة النميرى. وينفى أبو القاسم تقديم مصر لأي مساعدة عسكرية للقضاء على ثورة الإمام الهادي.

ما رأيكم في هذه الرعاية المصرية للشئون السودانية يا أولى الألباب؟

أما الشهادة الأخيرة في مسلسل هذه الأحداث والتي حاولت أن أجمعها من مصادر شتى فقد نطق بها المرحوم الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين في منتصف الثمانينات على صفحات جريدة الشرق الأوسط. ومعروف عن الكاتب بهاء الدين تحفظه الشديد ودقته في اختيار كلماته.

يقول المرحوم أحمد بهاء الدين: ((سألت الرئيس السادات الراحل مرة: لماذا اخترت حسنى مبارك بالذات نائباً لرئيس الجمهورية؟ هل لدوره الفذ في حرب أكتوبر؟ أم لأنك تجد فيه من تحب أن تسميهم (جيل أكتوبر). وقال لي الرئيس الراحل: لقد عرفته قبل حرب أكتوبر بوقت طويل. وحتى قبل أن يصبح قائداً لسلاح الطيران في عهد عبد الناصر، كان ذلك عندما قامت ثورة من المهدية في السودان ضد الرئيس جعفر نميرى وكانوا قد حشدوا حشودهم في جزيرة (أبا) وكان نظام نميرى مهدداً فعلاً بالسقوط. وكنت نائباً لرئيس الجمهورية، وأيقظني جمال عبد الناصر قبل الفجر وطلب منى أن أذهب إليه فوراً وأن استعد للخروج من عنده إلى الخرطوم.

وقال لي جمال عبد الناصر خلاصة الموقف في السودان. وقال لي أن مصر وهى تحارب إسرائيل - كان ذلك بعد 1967 - لا تستطيع استراتيجياً أن تسمح بوجود نظام معاد لها في السودان، في الوقت الذي نقلت فيه مصر كليتها الحربية وبعض سلاحها الجوى إلى السودان بعيداً عن متناول سلاح الطيران الإسرائيلي المتفوق. وطلب منى عبد الناصر أن أبلغ هذا للنميرى. وأرسل معي نخبة اختارها بنفسه من الضباط من كافة أسلحة الجيش، كخبراء يساعدون الجيش السوداني على قمع الثورة المسلحة في جزيرة أبا. وكان ضابط الطيران الذي أرسله معي عبد الناصر هو حسنى مبارك.

ومن الخرطوم كان هو الذي قاد بطائرته الهجوم الجوى على جزيرة أبا، والذي كان الوسيلة الأساسية في قمع الثورة. عرفته من وقتها، وأعجبت بمزاياه، وعمله في هدوء. ولعل كونه (بلدياتى) من المنوفية جعلني أحس كأنه ابن لي. وبقيت أعرفه حتى صار قائداً لسلاح الطيران. ثم خلال الترتيب لحرب أكتوبر، ثم أسلوبه خلال حرب أكتوبر، سواء من ناحية الكفاءة أو من ناحية الأعصاب التي هي من أهم الصفات)) انتهى حديث بهاء الدين.

عند ضرب الجزيرة أبا كان كاتب المقال  في قلب الأحداث، مساهماً مع آخرين في إخلاء الجزيرة من السكان بالمراكب وإيوائهم في مدينة ربك. وشاهدنا بالفعل طائرة تقصف بيوت المواطنين وقد بنيت من الطين والقصب. وقتلت الطائرة فيمن قتلت قريبي وصديقي دائم الضحك والابتسام حامد عبد الشافع، عليه رحمة الله.

يعيد التاريخ نفسه، فبعد عقدين من انقلاب النميرى في 1969 جاء انقلاب البشير في 1989، فأيدته الحكومة المصرية على الفور، ومن دون تحفظ، وغير آسفة على ذهاب حكومة الصادق المهدي الديمقراطية. بل راحت الصحف المصرية تنعت المهدي بأنه عدو مصر الأول، ورمته بكل نقيصة. نذكر القراء أن الحكومة المصرية انخدعت وظنت أن لها يد في انقلاب البشير. لكن الرعاية المصرية (الرسمية) هنا ما كانتش مظبوطة!!

لقد وصلت العلاقة المصرية - السودانية في منتصف التسعينات سوءاً ما كان له مثيل في التاريخ الحديث. وتضرر المواطنون من ذلك. وكنت قد تمنيت وقتها أن يكون ذلك التدهور في العلاقة سحابة صيف سرعان ما تنقشع ويعود للنيل صفاؤه وهدوؤه حاملا في ثناياه طمياً يسمن ويغنى من جوع، ودعوت الله ألا يحرمنا نحن السودانيين علم مصر وأدب مصر. فاستجاب الله لدعائي ورمانا بسهم البروفسور أحمد عبد الحليم في فيينا.

 

 

    3  

عمر نور الدائم الألماني

ونسبته إلى ألمانيا لأنها جمعتنا به، ومن قبل كان قد درس في جامعاتها ولذلك كلامه بالجيرموألمانى لم يكن بدعه. التقيته أول مرة في صيف 1982 في مدينة ميونيخ بمركزها الإسلامي، حيث حضر مشاركاً في المخيم الصيفي للجماعة الإسلامية في جنوب ألمانيا (تحت سيطرة الإخوان المسلمين المصريين) ممثلاً عن السيد الصادق المهدي. وكان عنوان المخيم هو: فلسطين إلى أين؟ وكانت رؤية الأنصار للمشكلة الفلسطينية تتلخص في: (أن الحركة الصهيونية قد استعانت بقوى دولية معينة وبظروف تاريخية معينة وأقامت دولة إسرائيل بالقوة وأعطت حقاً لوافدين في المواطنة والتراب سلبته من أهله وطردتهم ومنعت عودتهم بالقوة واستنكاراً لهذا الظلم الفادح قاوم أهل فلسطين والدول العربية المجاورة هذا الجسم الغريب الذي أقحم في ديارهم وصار وجوده تهديداً مستمراً للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. والحل الصحيح هو اقتلاع هذا الجسم الغريب ورد الحق السليب لأهله، ولكن هذا الحل لا تسعفنا لتحقيقه اليوم قدراتنا ولا الظروف الدولية المحيطة بنا، فهل من سبيل إلى حل يحقق سلاماً نسبياً وتقبله الأمة العربية كحد أدنى، يقبله بطيء الخطى وسريعها وتتعامل به الأسرة الدولية الصديقة وغير المعادية؟ الجواب نعم، ولكن لتفصيله ينبغي أن نحلل هذا الجسم الغريب لأنه ليس مجرد دولة أخرى بل يشكل ظروف معقدة جعلت اليهود بالفعل ورد الفعل محرومين من السلام آلاف السنين وهم اليوم في ظل دولة إسرائيل أبعد من تحقيق السلام لأنفسهم وأقرب لتهديد السلام العالمي كله من أي فترة سبقت في تأريخهم المأسوي الحزين)، ودعا ود نور الدائم إلى أسلمة القضية الفلسطينية، فصفق له قادة الأخوان المسلمين، وانبرى أحد الشباب يصيح: تكبير! وأنا من ورائه أردد: تركيز!!!

المركز الإسلامي في ميونيخ شيد في بداية السبعينات بعد معمعة  كبيرة وطويلة مع سلطات ولاية بافاريا الألمانية الكاثوليكية المتعصبة. في تلك الفترة أفرج الرئيس (المؤمن) محمد أنور السادات عن معتقلي قادة الإخوان المسلمين، ومنهم الشيخ عمر التلمساني ومصطفى مشهور وأبو النصر والهضيبي وأبوجريشة والخفاجى وزينب الغزالي، ومهدي عاكف المرشد السابق وكثيرين، فاتخذوا من ميونيخ مركزاً لهم كما اتخذ الأخوان السوريون من مدينة أخن مركزاً لهم بقيادة الشيخ عصام العطار - متعه الله بالصحة والعافية. أهلنا في غرب السودان قالوا: تورين في زريبه ما بلمو. وربما لأسباب متشابهة ابتعد الترابي عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

خرج الأخوان من ضيق سجون عبد الناصر إلى سعة مروج أوروبا الخضراء. وسبقهم إلى دويلات البترول أخوة لهم ساهموا بقدر كبير في توجيه الدنانير العربية صوب المراكز الإسلامية في أوروبا، فكونوا شبكة تلقف كبار السمك وصغاره. والويل كل الويل لمن حدثته نفسه بالاقتراب من مياههم. أما نحن فما كان يهمنا في المركز غير صلاة الجمعة، وإذا قضيت الصلاة اجتمعنا في ملهى ليلى صار منتدى للسودانيين منذ ستينات القرن الماضي. ومن رواده المشاهير ود الجبل، وقد كان بارعاً وسريعاً في إفراغ لتر البيرة البافارية في جوفه وهى باردة، ثم يحلو له أن يلتفت إلينا نحن أصحاب الأبري (خليط من الكولا والفانتا يسمى شبرتسى)، كما كان يدعونا، ويتوجه إلينا بسؤاله التقليدي الاستنكاري: عليكم الله صابونة القلب دي غير حرمتها تاني عيبها شنو؟ ويقول أن سعرها في الستينات كان ثمانين فينيق والآن تضاعف أربعة مرات. تمر السنون بعد ذلك ويتوجه ود الجبل إلى مكة حاجاً وتائباً إلى الله. واتخذ له مكاناً قصياً في الريف الألماني  للخلوة والعبادة والتأمل في خلق الله وطبيعة بافاريا الساحرة. ولكن مقعده في ذلك الملهى الليلي ما عاد خالياً، ولم يترك أصحابه الألمان ولا حكاياتهم ودردشاتهم. وتراه دوماً جالساً وأمامه كوب من عصير التفاح الممزوج بالماء يسمى عند الألمان بشاولا.

مجيء ود نور الدائم إلى ميونيخ في تلك السنة سبقته انتقاداتنا الباردة للقائمين على أمر المركز الإسلامي. كنا نذكرهم بأن في السودان علماء ومفكرون إسلاميون، منهم، عبد الله الطيب، ومحمود محمد طه، والصادق المهدى، والترابي، وأن من حقنا عليهم أن يقدموا الدعوة إلى مفكرين سودانيين بجانب المصريين والشوام والخليجيين ليدلوا بدلوهم في مناشط المركز.

كانت سانحة لنا نحن السودانيين فى ميونيخ وفينا ود الجبل أن نلتقي بعمر نور الدائم، فالتقيناه في مكان إقامتي،  نحو العشرين شخص، حدثنا عن فكر المهدية، والتنمية من منظور إسلامي، والإصلاح الزراعي، والغزو الثقافي والتحدي العلماني، ومستقبل الإسلام في السودان، ودور الأنصار في الحركة الإسلامية السودانية، والصحوة الإسلامية وليدة الثورة الإيرانية. وبالطبع لم يفت عليه أن يدلوا بدلوه في حل مشكلة جنوب السودان ضمن مشكلة السودان. كان عمر رائعاً في سرده، لا يتكلف الكلام، سهل في معاملته للناس، ضاحك بشوش، ما في قلبه على لسانه. لا يخفى غضبه ولا طربه.

سألت الدكتور عمر نور الدائم، أين كان موقفه عندما اختلف الصادق مع الإمام الهادي؟ لأنني شخصياً لو كنت متخذاً وقتها أحداً إماما لاتخذت الأمام الهادي دليلاً وخبيراً، لما خبرته عنه من غرسه وثماره. فقد تجاورنا سكناً مع ابن الأمام الفاضل رحمه الله، في عنبر دينار - داخلية النيل الأزرق - كوستى الثانوية. الإمام الهادي يخرج ابنه من مدارس العاصمة والحياة الرغدة ويرمى به في كوستى المحاطة بقرى المفوره وأبو نمل وجعيبات، ويأكل مما نأكل ويلبس كما نلبس وكمان يلعب شدت ودافورى. ذكر عمر أنه كان دائماً مع الصادق، ولكنه كان حريصاً على وصله وصلاته مع الآخرين، ولا يفجر في الخصومة، وقد شهد له الإمام الهادي بنظافة اللسان.

جاءنا ود نور الدائم حينها في كامل عنفوانه. صقلت عوده غابات أثيوبيا، ولفحت وجهه شمس بيداء ليبيا، في صحبة رجال منهم من قضى نحبه كمحمد نور سعد ومنهم من ينتظر كالصادق أبو نفيسة. وأذكر له محاولاته المخلصة في الاتصال بأرملة الشهيد محمد نور سعد الألمانية وابنها متفقداً أحوالهم، وفاءً وديناً قطعه على نفسه. لقد سعدت بصحبة عمر أياماً تفرغت له فيها تماما. وتحدثت معه بإسهاب في شئون أهلنا الأنصار. وضحك عندما قلت له أنا ابن أنصار ولكنني لست بحزبي أمي، يهمني أمر الأنصار الغبش وفخور بهم لأنهم دائماً ما يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع. فقال لي: ولكن القاعدة تقول أن كل أنصارى حزب أمة ولكن ليس كل حزب أمة أنصارى! قلت له صاح ده كان زمان قبل ما نخرج وندرس في الخارج، لكن دعونا الآن نرتبط مع بعض في إنجاز مشاريع يعود ريعها على أهلنا الغبش المساكين في النيل الأبيض، فقد أهلكهم الفقر والبعوض. ثم سألته عن إمكانية أن يندمج الأنصار والختمية في حزب واحد يمثل الوسط وبالتالي يكون البديل لحكم النميري الذي طال. فقال لي: صعب... صعب.. إنتو السياسيين ديل ما بتعرفوهم! كان محقاً وصادقاً. وغادرنا عمر إلى لندن بوعد قطعه على نفسه بتنشيط العلائق بيننا كأبناء ملة واحدة، عبر مكتبهم في لندن وكان يشرف عليه شاب غيور هو إبراهيم شلعى هبانى من أولاد بحر أبيض ويعاونه عبد الكريم القوني من كردفان. وهنا  تجدر الإشارة إلى أن كتابات السيد الصادق المهدى الناقدة لنظام مايو في ذلك الوقت والتي كانت تنشرها صحيفة الشرق الأوسط قد أسهمت مساهمة كبيرة في خلق وعى جمعي معارض لنظام جعفر نميرى. وكنا في الخارج قد عقدنا على الصادق أمل الأمة آمالاً عريضة في استرداد الديمقراطية في ثوب جديد ومفهوم متقدم وأن يلعب دور المجرب بعد التجارب المريرة في جزيرة أبا وودنوباوى وحسن حسين (العنصري) ومحمد نور سعد (المرتزق). من كان يصدق أن التاريخ يعيد نفسه بعد ربع قرن من الزمان ويكون مرشح السودان الشمالي بجانب البشير هو الصادق المهدي (احتمال).

في نهاية العام 84 قمت بزيارة إلى لندن من حر مالي. وحجز لي الأخ إبراهيم شلعى غرفة في فندق متواضع لا يبعد عن مكتبهم كثيراً، وتمتلكه أسرة يونانية قبرصية. لم أكن سعيد الحظ حتى ألاقى ود نور الدائم في لندن، فقد زجه النميرى مع حبيبه السيد الصادق في سجن كوبر. لكنني تعرفت على الأخ إبراهيم عن كثب، والتقيت كل من السيدة رحمة (والدة الصادق) وصلاح الصديق وسارة الفاضل وعم بدر (طباخ وملازم وأمين سر)، عليهم جميعاً رحمة الله. وأذكر أنني زرت دار أرابيا فوجدت فيها الشابين وقتها، عبد الوهاب الأفندي وأحمد كمال الدين. ولن أنسى وصف إبراهيم شلعى لهما بأنهما من أنظف الكيزان. لأنه في ذلك الزمان كان أنصار الترابي يدافعون دفاعاً مستميتاً عن قوانين سبتمبر المسماة بالشريعة والتي بسببها قطعت أيادي المساكين من أبناء النوبة والجنوبيين علاوة على جريمة ومهزلة العصر المتمثلة في إعدام المفكر محمود محمد طه، وهذا موضوع يطول. من لندن سافرت إلى مدينة دارام لأقضى جزءاً من ليلة مع أستاذ الجيل الصادق أبو نفيسة. وجدته يحضر لرسالة دكتوراه في السياسة وكاظماً للغيظ من سوء معاملة الشلة (الصادق وسارة وعمر) له، وإهمالهم له، وقلة تقديرهم لجهاده الحزبي خاصة في أدغال الحبشة وصحراء ليبيا. وأظنه حالياً يعمل داخل دائرة الصادق المهدى.

عدت أدراجي إلى ألمانيا، وفى مطلع العام 85 وصلت إلى الخرطوم بعد غيبة عن الوطن امتدت لأكثر من أربعة أعوام. وكان لحسن الحظ أن أطلق النميرى صراح كل من السيد الصادق المهدى والدكتور عمر نور الدائم وآخرين. سألت عن مسكن الدكتور عمر فدلوني علي منزل إيجار في ناحية الخرطوم بحري ولكنهم حذروني من أمن نميرى المراقب للبيت على مدار الساعة! قلت ليهم: ( أفو أنا ود الأنصار... ورب الأمام المهدى ما يوصلونا حد الجبن ده). طرقت الباب فخرج واستقبلني بعناق، وقادني إلى صالون المنزل الخالي من الطوابق، وهنالك وجدت مجموعة من عرب قرية أبو الدخيرة من ريفى ربك. جاءوا لتهنئة ود نور الدائم بالإفراج علاوة على أن يكتب لهم خطاب توصية يقدمونه للدكتور شريف التهامي (وزير الطاقة) لكي يحصلوا على وقود، وقد فعل. تناولنا شيئاً من لحم الكرامة، ثم قدمني إلى والده وقد كان متزوجاً من عائلة أبو كدوك (أمير المهدية) من قبيلة البرتى. والد عمر كان مرحاً وبشوشاً، وقد أهداني شالاً أبيض اللون وحافته زرقاء، ما زلت محتفظاً به حتى الآن. أردت أن أغادر ولكن عمر طلب منى أن أرافقه إلى مستشفى الخرطوم حيث يرقد الشاب الصادق بله بسبب ذبحة صدرية تعرض لها، وبعد ذلك نذهب سوياً إلى السيد الصادق المهدي. والصادق بله من شباب حزب الأمة المخلصين الزاهدين والجسورين، وقد كان نائباً برلمانياً بعد ما عرف بالمصالحة الوطنية والتي أدخلت الصادق المهدى حظيرة الاتحاد الاشتراكي. وجدنا المريض الصادق في حالة يرثى له، كان بين الحياة والموت. ولكنني حزنت أكثر  لمنظر الحجرة الكئيب (درجه) والسرير المتسخ. وتساءلت في نفسي: إن كان هذا المريض يعتبر من قيادات حزب الأمة فما يكون مصير أهلنا الأنصار الغبش إن مرضوا؟ لهم الله وعيشة السوق! افترقنا عند المستشفى ولم أقابل السيد الصادق المهدى حتى يومي هذا. وبعد يومين مات الشاب الصادق بله، فبكته النساء والرجال والقبائل، وغادرت أنا السودان راجعاً إلى ألمانيا في يوم واحد (أظنه الثامن من مارس 85) مع نائب الرئيس وقتها جورج بوش الأب، وقد تسبب بوش في تأخر طائرتنا المتجهة إلى تونس فبت بها الليلة قبل أن أواصل في اليوم التالي إلى ألمانيا. عندما قابلت الرئيس السابق بوش الأب قبل عامين في واشنطن دى سى على هامش  اليوبيل الفضي للواشنطن تايمز ذكرته بذلك اليوم وشكرته لأنه تسبب في أول زيارة لي لتونس الخضراء. طبعاً ضحك حتى كاد طاقم أسنانه أن يقع.

لم تمر أيام قلائل حتى انتفضت الجماهير السودانية وأطاحت بحكم النميرى. وأصحابي بالأمس تسنموا السلطة وانشغلوا عنا بشئون الدولة، وصار الاتصال بهم له قنوات مختلفة وفوق ذلك ذهبت تلك الرقابة الأمنية النميرية، وحلت محلها ملازمية وسكرتارية وعرضحالية. وانشغلنا نحن بسبل كسب العيش لنا ولأهلينا، وما فاض من مالنا ووقتنا سخرناه للعمل مع منظمات المجتمع المدني.

في درب حياتي تعلمت أشياء وغابت عنى حكايات، تعلمت أن التعرف بأهل السياسة أسهل ما يكون وهم خارج الحكم أو كما نصحني صديقي النمساوي المسلم فريد عندما دعوته للمشاركة في الحملة الانتخابية لصالح حزب الشعب النمساوي، فقد نصحني ألا أستمع إلى السياسيين إلا وهم في سدة الحكم! ومع ذلك يبقى عمر نور الدائم شامخاً وسامياً في دنيا السياسة والاجتماع، والذين عاشروه وزاملوه وهو وزير أقدر منى على الحكم له أوعليه.

الهم أرحم أخانا عمر نور الدائم رحمة واسعة وبارك له في ذريته وأجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى، إنه سميع مجيب الدعوات.

 

    4  

كبير الترجمان السوداني مكي بشير مصطفى البدري

ورسالة دكتوراه عن السى إن إن

 

في التاسع والعشرين من يونيو المنصرم، وفي احتفال بهيج وتقليد فريد لجامعة فيينا العريقة، تم منح كبير الترجمان السوداني مكي بشير مصطفى البدري، درجة الدكتوراة في موضوع ظاهرة الإعلام والصحافة، وباطنه ساس ويسوس، والتحديق عبر الترجمات اليومية، التي لا تلفت الانتباه ولا تثير الفضول.

الباحث مكي البدري ثابر وصابر، وقضى سنيناً عدداً منقباً وفاحصاً للأخبار على الشبكة الفوسفورية باللغتين العربية والانجليزية، ومركزاً على تحليل الخطاب الإخباري لموقع سى إن ان الأمريكية، بمعهد اللسانيات في جامعة فيينا. أشرف  على الرسالة البروفيسور روت فوداك المنتمي لجامعتى فيينا ولانكاستر في بريطانيا.

يقول الباحث مكي البدري عن رسالته:

(أنها دراسة تحليلية للأخبار التي تقدمها شبكة السى إن إن في موقعها على الإنترنت باللغتين العربية والإنجليزية، على افتراض أن السى إن إن تعدّل مضمون الأخبار وطريقة عرضها وفقاً للجمهور الذي تخاطبه. كما تستند على فرضية أن الإنترنت قد أصبحت مصدراً هاماً للأخبار، يتسم بخصائص ومضامين متميزة، مما يجعل الأخبار المقدمة على الإنترنت مختلفة عن أنواع الأخبار التقليدية، ويتطلب أدوات تحليلية مختلفة.

ينتهج البحث مساراً متعدد التخصصات، فهو يندرج في المقام الأول ضمن إطار"تحليل الخطاب النقدي"،مع الاستفادة من مجالات مثل تحليل الخطاب المتعدد الوسائط واللسانيات الوظيفية، وعلم الترجمة. ويسعى تحليل الخطاب النقدي - ضمن اللسانيات التطبيقية - إلى كشف استخدامات اللغة التي تخدم الفئات القوية على حساب الفئات المستضعفة في المجتمع، مثل الفئات التي تتعرض للتمييز العنصري أو الديني أو السياسي وعلاقة الأنا بالآخر في مختلف المجتمعات.

وتضمنت البيانات التي تم تحليلها مجموعة من مقالات إخبارية من موقعي السى إن إن باللغتين العربية والإنجليزية، جمعت خلال شهر واحد، واستبياناً تم توزيعه وتجميع الردود عليه عبر الإنترنت. ومن أجل تحليل البيانات المُجمعة من جوانب مختلفة، أُجري تحليل لمضمون الموقعين المتعددي الوسائط، وتحليل كمي وتحليل نوعي للمقالات موضوع الدراسة، إضافة إلى تحليل الردود على الاستبيان.

وخلص البحث إلى أن الإنترنت قد أصبحت بالفعل مصدراً هاماً للأخبار لدى عدد كبير من الناس، غير أن المادة المكتوبة تطغى على سائر الوسائط المتاحة عبر الإنترنت، وأن الموقعين المعنيين يخاطبان جمهوريهما بلغتين واضحتي الاختلاف - أي باستخدام نصوص ذات سمات  لغوية وثقافية وإيحاءات اَيدولوجية متمايزة تماماً، رغم صدور تلك النصوص من المصدر نفسه. كما أوضح تحليل الاستبيان تفشي الآراء السالبة عن نهج السى إن إن في عرض الأخبار وموثوقيتها على نطاق واسع، وخاصة فيما يتعلق بالأخبار عن الشرق الأوسط. وتبيّن أن ترجمة الأخبار هي في الواقع عملية إعادة صياغة، تقدم منتجاً جديداً، يُوجَّه رسالة في النص المُترجم (الهدف) تختلف، بدرجات متفاوتة، عن رسالة النص الأصلي (المصدر). وفي هذا السياق، لا تعد أدوات الدراسات الترجمية، التي تبحث عن الدقة والأمانة في نقل النصوص من لغة إلى أخرى، ملائمة لتحليل هذا النوع من النصوص الإخبارية. ويُلاحظ أن دراسات التحليل النقدي قد انصب تركيزها تقليدياً على نصوص أُحادية اللغة، وخصوصاً على اللغات الأوروبية. ومن ثم، فقد دعت هذه الدراسة إلى استكشاف مزيد من النصوص المتعددة اللغات وتطوير نهج لتحليل الخطاب النقدي ذو البعد التقابلي.

 

   5  

صحافيون يثيرون الشفقة

 

أول عهدي بالصحافي المشهور محمد علي صالح كان حينما رمقت صورته المرسلة من أمريكا على الصحافة السودانية في أول سبعينات القرن المنصرم. كانت صورته تحكي عن قصة صبي يافع رمت به الأقدار في الدنيا الجديدة – أمريكا -وهو يغسل الصحون لزيادة دخله. ووقتها كنا نتداول إشاعة محببة إلى نفس كل طالب، ألا وهي أن دولة كندا تتكفل ولمدة خمسة أعوام بدراسة وإعاشة طلبة العالم الثالث، شريطة أن يلتزموا بالخدمة فيها لمدة مماثلة......!!! ومن الإشاعات ما أهلك الحرث والنسل.

وعندما كتب لي القدر زيارة أمريكا في العام الثمانين من قرننا الماضي كانت في مخيلتي شخصيتان سودانيتان. إحداهما اسم محمد علي صالح، والشخص الأخر هو صديق عبد الرحيم القولدي. هرعت حينها إلي السفارة السودانية في واشنطن لمقابلة الشخصية التعليمية الأسطورة لجيلنا - صديق عبد الرحيم. كانت مقابلته من المقابلات النادرة في حياتي، وكانت ساحرة، تاهت فيها نفسي في بحور اليقظة والأحلام. أذكر أنه قدم لي كوباً من القهوة على الطريقة الأمريكية من حيث سعة الكوب، وقلت له مازحاً: وهل صارت القهوة بديلاً للكابيدة. لحظات مرت وتمنيت لو أسمعني أغنية أولو الودا.

مر من أمامنا سفير السودان وقتها متبختراً. حدّق فيّ النظر ولم يحيينا!!! يعني سلام الله مافي! هل تعلمون أن ذلك السفير قضي سنين عددا في تلك العاصمة (البرنجية) بسبب صلة قرابته من رأس الدولة وقتها. والآن بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على هذه الأحداث  تذكرت أنني قبل مجيئي إلى السفارة كنت بمبني الملحقية الثقافية، طمعاً ورغبة في أن أتزود منهم بما يعينني في مستقبل أيامي الدراسية أو العملية في أرض الأحلام أمريكا. سألني الملحق الثقافي:- إنت ود منو في السودان علشان تجيء إلى أمريكا على حسابك؟ قلت ليه:- أنا ود شريف جامع ومن جزيرة أبا، وباكل الكول والكجيك وأم بقبق. ضحكنا ورجاني ألا أسيء فهم سؤاله.

اجتررت هذه الذكريات وأنا أطالع مقالاً للصحافي العتيق محمد علي صالح بعنوان - أمريكا وتقسيم السودان وأنا.

أصابتني الدهشة والحسرة وأنا أنتقل من فقرة إلى أخري! وأتساءل:- هل يا ترى هذه هي كلمات ذلك الفتي الذي خبر أمريكا منذ السبعينات، وقرأنا له في الصحف السودانية؟ وهل هذه هي حصيلته في المسالة العنصرية، ورؤيته لجنوبيي السودان وسود أمريكا، ملخص الحكاية في مخيلته  عقدة نقص وكفى؟

يقول الصحافي محمد على صالح (فوجئت أنني لا أعرف كثيراً عن "أخواني" الجنوبيين. فوجئت بأن أغلبيتهم تريد الإنفصال. فوجئت بأنهم يركزون على الماضي، وعلى تجارة الرقيق، وعلى سواد لونهم، وعلى شتيمة "عبد". وقلت في نفسي: وكأننا يابدر لا رحنا ولا جينا. هذه نفس عقدة النقص التي لاحظتها عند الأمريكيين السود). انتهى الإقتباس.

وعقدة النقص هذه سمعتها أكثر من مرة، من شخصيات ينتمون إلي مجموعة معينة في السودان (ربما صدفة). يصفون زواج السودانيين الأفارقة من أوروبيات أو بيضاوات بأنه ناتج عن عقدة نقص!! ولكن عندما يكون الزوج من ملّتهم فتختفي عقدة النقص، ويكون الحديث عن إدخالها الإسلام، أو إدخال الإسلام فيها.

خلص الصحافي محمد على صالح في مقاله إلى أن دور وطنه الثاني (أمريكا) في تقسيم وطنه الأول (السودان) سببه هذا الخوف من الاسلام، والشك فيه. وهذا سيجعله حزيناً وغاضباً الى أن يتوفاه الله، أو الى أن يتوحد السودان مرة اخرى، بطريقة أو أخرى.

وجدير بالذكر فقد نبأ إلى علمي أن الصحافي المرموق يتظاهر أمام البيت الأبيض انتصاراً للإسلام والمسلمين.

وأنا أقول هذا من حقه ومن حسنات أمريكا التي تكفل له هذا الحق، وأتمنى أن يكون تعبيره عن مواقفه وأرائه تلك وهو في كامل قواه الجسدية والنفسية. وأسال الله أن يمد في عمره حتى يرى السودان موحداً مرة أخرى.

لقد كان الصحافي محمد على صادقاً وصريحاً، صراحة يشكر عليها، وكشف عن أشياء يسكت عنها كثيرون (تابو). فقد تحدث عن عبيد جده وأصلهم  الجنوبي. وأنهم يسكنون بالقرب منهم في الشمالية. ونصحه الوالد بأن يكون صديقاً لهم، وألا يتحدث عن الماضي وأن يحضر لهم هدايا عندما يعود من أمريكا. هذا اجتهاد الوالد في معالجة أمر يعتبره كثيرون لعب عيال، لا ينبغي أن نتوقف عنده، وإذا وجدنا العذر للوالد فما بالك أنت الصحافي المرموق وقد نلت من التجارب والمعارف ما ينوء بحمله الجمل. أم ياترى تصدق فيك مقولتك، بعظمة لسانك (وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا).

لقد حملت معك إلى أمريكا متناقضات أراك لم تتمكن من التخلص منها حتى الآن. إن وقفتك وتظاهرتك أمام البيت الأبيض كان ينبغي أن تسبقها وقفات أخرى في قريتكم تلك النائية على ضفاف النيل. أولاً وقفة مع نفسك وأهل بيتك، ووقفة في المسجد وفي الساحة أمام بيتكم، ثم وقفة أمام قرية العبيد تلك وهي على مرمى حجر من قرية أبائك وأجدادك. وأسال نفسك لماذا لا تتحدثون عن الماضي؟ ولماذا يعيشون بالقرب منكم ولكن في جزر خاصة بهم، إنهم كالنجوم في قربهم وبعدهم عنكم. قريبون بأجسادهم ولكنهم بعيدون بأفراحهم (وشبّالهم) وأحزانهم عنكم، وربما بمقابرهم أيضاً.

لقد استغربتم عندما زاركم مفتش التعليم الجنوبي في قريتكم. وسبب الاستغراب كما فسرته أنت لأن لونه كان أسوداً قاتماً جداً.!!!

لا لا يا أستاذ! اللون الأسود كان بالقرب منك. عند أحفاد عبيد جدك شيخ العرب. سبب استغرابكم يا أستاذ (أعذرني) قريب الشبه باستغراب  أبي جهل عندما رأى بلالاً رضي الله عنه فوق الكعبة يؤذن! ووصفه بالغراب! تتعدد الروايات والمأساة واحدة. لاحظ أن أستاذكم أشار إلى حذائه الأسود اللامع ثم تمعّن في مسرحية إخراجه للبندقية التي صرفت له من الحكومة في الجنوب ليحمي بها نفسه من الجنوبيين المعتدين. الأستاذ صار الضحية أمام الأطفال، ولا يحدثكم عن قصص إدريس أبتر والزبير باشا لأن كل تلك دعايات أمريكية مغرضة لضرب الإسلام والمسلمين. وده كله وقرية العبيد الجنوبيين بالقرب منكم. وفي أنفسكم أفلا تتفكرون!!

لماذا لا تتخذون من تلك القرية نموذجاً ـ موديل ـ للصراحة والمصالحة، كما فعل مانديلا وفعل الأمريكان، وتفعل الشعوب المتحضرة، ونستفيد من علم وتجارب الأستاذ (التي حصل عليها في أمريكا) في تطبيق نظريات المساواة وحقوق الإنسان والتسامح ثم المحبة والسلام. لعمري هذا أجدى من الوقوف والتظاهر أمام البيت الأبيض.

وبالمنطق المبسط، إذا أنت سمعت نصيحة أبيك ولم تكن لديك الشجاعة ولا النظرة المستقبلية لكي تتكلم مع ناس لهم قضية وذوي قربى لك، ثم جاءت أمريكا وتكلمت معهم! ليه تحزن يا نور العين؟ وغضبان ليه لذهابهم؟

وأرجو هنا أن أورد قصة سيدة أمريكية بيضاء شاهدتها في برنامج تلفزيوني. تقوم السيدة بعمل سمنارات وورش عمل عن العنصرية والعنصرية المضادة، وطرق محاربتها. ورأيت أنها قد بدأت تجاربها وجمع ملاحظاتها وهي في أول عهدها بالتدريس. كانت تشرف على فصل كل تلامذته من البيض، وقد قسمتهم إلى قسمين. قسم يضم أصحاب العيون الزرقاء، والقسم الأخر يضم البقية. ثم بدأت تسرد عليهم امتيازات أصحاب العيون الزرقاء من جميل الخصال والذكاء، وبالتالي تفوقهم على الباقين.

يا إلهي... ليتكم  شاهدتم الرضي والقبول والبسمات على وجوه الأطفال ذوي العيون الزرقاء، والثورة والغضب والحزن على المغضوب عليهم. وكلهم من البيض!

تبدأ السيدة المدرسة عملياتها الجراحية بعد أن يهدأ الجميع، وذلك بغسل جروح التفرقة العنصرية وتطهيرها وتعقيمها، ثم تغرز إبرتها وخيوطها في أكثر من موقع وهي متأكدة من أنها غرست بذرةً للمساواة والتسامح،و سيكون لها ثمرٌ طيب  بإذن الله.

وأسمح لي أن أخاطبك يا أستاذ! ماذا غرست أنت وأستاذك وأجدادك حتى تغضب وتحزن لذهاب الجنوب وأهله؟ هل هذه الممارسات التي تحدث في سودان اليوم إضافة إلى الرق وما جره علينا من البلاوي، هي تمثل الإسلام وقيمه في نظرك، ولذلك تحارب أمريكا السودان، كما تقول؟ وهل أنت حقيقة مدرك لما تقول ومتمسك بأمريكا والعيش فيها.

أنا هنا لست بصدد الدفاع عن السياسات الأمريكية، ولكن أكبر همي أن أتصدى لهذا الهروب المنظم من مسئولياتنا واتخاذ أمريكا شماعة!!

روى لي صديقي حسن عبد الوهاب أن الداعية الأمريكي مالكولم إكس قد زارهم في مدرسة الأحفاد في أواخر الخمسينات بترتيب من مالك بدري. وأنهم أصيبوا بدهشة واستغراب عند رؤية مالكولم إكس عندما وقف أمامهم. وسبب الدهشة أن الأخبار التي سبقت مجيء مالكولم حملت إليهم أنه أحد الزنوج الأمريكان. ولكن عندما وقف أمامهم رأوه اكثر بياضاً منهم وهذا يعني حسب تربيتهم وما اعتادوا عليه أنه أكثر من ولد بلد.

أكاد أجزم أن أكثرنا اكتشف أفريقيته وزنجيته في الغربة. الصحافي محمد علي صالح وصف نفسه بالشمالي المسلم العربي - وهذا من حقه أيضاً. ولكن تجربة السودانيين في أوروبا وأمريكا وحتى البلاد العربية هي أن الصفة الأفريقية هي الأقرب والدالة عليهم وتأتي في المقام الأول، ثم عندما تفتح فاك يا هداك الله تظهر عروبتك وإسلامك، وبعد ذلك عباسيتك وأمويتك محل نظر و(غلاط وشكل) . ولعل الذين شاهدوا الأستاذ غازي سليمان في تلفزيون الجزيرة يتذكرون.

الجيل الثاني للسودانيين في أوروبا وأمريكا - وأنا أسميه جيل أوباما - يختلف في تفكيره وتحليله للأشياء عن جيل الآباء. وهذا مجال دراسة ونقاش واسع، لا يسعه موضوعنا اليوم، ولكنني أمل أن ينبري له العارفون من أهل العلم والدراية ومن لهم قدرة التحديق عبر الأشياء الممنوعة.

أستاذي الفاضل، محمد علي صالح، دعنا ننهض، ونبدأ بحل عقدنا النفسية أولاَ قبل رمي الآخرين بعقدة النقص، وبعداك، نشوف لينا جزيرة من جزر العبيد المنتشرة في شمال السودان أو أي جزء أخر في السودان المتبقي، ونتخذه أنموذج ـ موديل - لتطبيق قيم المسامحة والمصالحة والمساواة والعدالة، وإن شاء الله قبل ما نموت ننال جائزة نوبل للسلام، وجائزة السودان الموحد - على أسس جديدة - للمحبة والسلام.

 

   6  

جالياتنا..... وسفاراتنا

الشكر موصول لحبيبنا، أخينا الدكتور حامد بشرى المقيم بكندا على مبادرته المتمثلة في مقاله الرصين الهادف تحت عنوان: "مهام الجاليات السودانية بالخارج"، وعلى رسالته التي جاء فيها: (نحن هنا قربنا نغرق في شبر موية بخصوص العلاقة مع السفارة. في مجموعة رافضة أي تعامل أو علاقة مع السفارة).

رسالة الدكتور حامد بشرى وصلتني على إثر بطاقة دعوة بعثت بها إليه لحضور يوم السودان الثقافي الذي نقيمه كل عامين في مدينة كورمند المجرية حيث يقيم صديقنا الدكتور عبد الحميد عبد الحي عابدين، السوداني الأصيل.

في يوم السبت 11 يونيو سوف نتوافد - بإذن الله - على مدينة كورمند وللمرة السادسة، زرافات ووحدانا وعلى كل مركبة ودابة، لنشهد رفع العلم السوداني في ساحة البلدية، وافتتاح معرض السودان بواسطة سفير السودان وعمدة المدينة، ومن ثمّ مشاهدة العرض الموسيقي والفلكلوري السوداني مع جمهور المجريين وبعض الأفارقة والعرب.

يلي ذلك سهرة المساء تحت السماء والنجوم وتقدم فيها الأطعمة السودانية والمجرية من بامية وقولاش وكركدي وبغو مجري. وهنالك صالة نظفت ورتبت لمن أراد تهجداً وصلاةً.

في العام 2001 شاركنا الاحتفال الأول العم المهندس الوزير المتمرد مرتضى أحمد إبراهيم الرئيس الفخري للجالية السودانية في النمسا وزوجه النمساوية الفاضلة إنقا بورج - أمد الله في عمرهما ورزقهما الصحة والعافية.

والمعروف أن العم مرتضى قبل أن يتخذ من فيينا مستقراً ومقاما، كان يعمل في صندوق التنمية الكويتي. لقد هجر العم مرتضى السودان إلى الكويت بعد أحداث يوليو 1971 الدموية والتي فقد فيها صهره وصديقه الشفيع أحمد الشيخ، وزميله ورفيقه عبد الخالق محجوب. لقد حاربته مايو في رزقه وأعماله الحرة فترك لهم السودان ولجأ إلى الكويت ناقلاً لها علمه وخبرته.

روى لي العم مرتضي أنه في الكويت اعتصم ببعد مقدر وكاف عن سفارة النميري. لكن تصرفاً حمقياً من قبل القنصل آنذاك أخرجه من دائرة اعتداله وأدبه وقلب الطاولة في وجه القنصل عندما رفض ذلك الجاهل الجهول تجديد جواز سفر ابنه حسن مرتضى بحجة، أن يبعث به إلى الجهات الأمنية في السودان!!

ولأن أمة السودان لا تخلو من الأخيار وأصحاب الحكمة فقد كان على رأس السفارة رجل ود ناس... ويعرف مقامات الناس، ومدرك لمعنى الدبلوماسية وواجب السفارة في خدمة المواطنين. فتناول ذلك السفير جواز سفر ابن الوزير المهاجر وجدده على مسئوليته،  بعد أن أجلس الوزير المتمرد في مكتبه وسقاه ماءً بارداً أخمد الثورة وحقن الدماء.

بعد بلوغه سن المعاش في بداية التسعينات انتقل الوزير مرتضى إلى فيينا ليقضي فيها بقية من عمر لا يقرب فيه سفارة ولا جان يذكره بالنميري ومن سار على دربه.

وفي يوم من أيام فيينا الجميلة جاء من يهمس للوزير مرتضى أن طاقم سفارة السودان قد انضم إليه قنصل شاب حسن السيرة والسريرة، فهاتفه الوزير السابق مرتضى شارحاً له غيابه عن السودان وبعده عن السفارات السودانية الذي امتد لأكثر من عقدين، وأن جواز سفره علاه غبار وبنى عليه العنكبوت!! فأجابه ذلك القنصل: (يا عم مرتضى... انت موجود في فيينا ونحن لا نعلم بك!! أنت غير مطلوب منك أن تحضر إلى السفارة لتجديد جواز سفرك.... قسماً عليّ سوف أحمل الأختام واَتيك في منزلك). فبكى الوزير المتمرد، وفي تلك السنة زار السودان لأول مرة بعد سنين عددا.

عندما كنت (كاتب المقال) خادماً ومسئولاً في اتحاد السودانيين بالنمسا أبطلنا إقامة حفلات استقبال السفراء والدبلوماسيين باسم الإتحاد، وشجعنا حفلات الوداع لمن يستحق، فكان ذلك القنصل الشاب أحد المستحقين لحفل الوداع الذي أشرفت عليه شخصياً وحضره فيمن حضر الوزير المتمرد مرتضى أحمد إبراهيم والسفير الراحل المقيم أحمد عبد الحليم. وذكرت في كلمتي ما قالته لي حرم الزعيم النقابي إبراهيم زكريا (فاطمة النعيم) في براغ من أنها معارضة لحكومة الإنقاذ، غير أنها تقر وتعترف بالسلوك المهني الرفيع لذلك القنصل وتفانيه في خدمة المواطنين. ولعله من نافلة القول أن نذكر أن براغ وبودابست قد شهدتا في منتصف السبعينات قنصلاً كان مضرباً للمثل في أداء الواجب والبعد عن البغضاء والشحناء وتجنب السفهاء، ولذلك تدافع القوم جماعات وفرادى لزيارته وهو نزيل السجن بعد  انتفاضة أبريل 1985م، فكانت تلك شهادة عجّلت بفك أسره.

لقد كنّا نؤمن وما زلنا أن السفارات هي ملك لشعب السودان، ومهمتها هي خدمة المواطنين السودانيين دون تمييز وفي غير منّ، ولا أحد ينكر الرابطة بين السفارات والحكومات، وهنالك من يتخذ من السفارات مصدر سلطة وثروة، ناسياً أو متناسياً أنه يتبحبح بأموال دافع الضرائب السوداني. وإساءة استعمال السلطة ليست وقفاً على بعض منسوبي السفارات وحدهم، فقد مارسها نفر من الطلاب في زمن الإتحاد السوفيتي العظيم.

وإن طلب مني أن أدلي بشهادتي وأنا على أعتاب تجربتي الأربعينية هنا في أوروبا فأقول بعون الله أن من حاول استغلال سلطته سواء هنا في أوروبا من السودانيين - دبلوماسيين وغيرهم - يعتبر أقلية. ولذلك لا أجد نفسي في صف أولئك الداعين لمقاطعة السفارات. بالتأكيد لابد من الحذر وترسيم الحدود والخطوط الحمراء!! المؤتمر الوطني يحاول دوماً استغلال كل شيء يتبع لدولة السودان كما كان يفعل الإتحاد الاشتراكي في زمن النميري من قبل. نعم وزارة الخارجية كواحدة من بقر المركز الحلوب ليست بمنأى عن نظرية وإحصائيات الكتاب الأسود، فهذا واقع لا يُغير بين يوم وليلة "وفش غبينة". علينا أن نراقبهم جيداً ونتتبعهم خطوة خطوة، وزنقة زنقة.

نكون بالمرصاد لمن أراد أن يتخذ من السفارة مصدر سلطة ورهبة وسوء إدارة وفساد في التعيينات المحلية وممارسة القبلية والجهوية. ولكن بالمقابل يجب أن نكون عوناً وعضداً لكل من استوعب وهضم دور السفارة في خدمة المواطنين ونشر الثقافة السودانية ودعم الاقتصاد الوطني بالترويج الواعي للمنتجات السودانية وتشجيع المستثمرين. ويطيب لي في هذا المقام أن أختم حديثي بكلمات أقتبسها من مقال منصرم في رثاء المرحوم أحمد عبد الحليم تطرقت فيه لحادثة كان الوزير المتمرد طرفاً فيها:-

((العم مرتضى والعم أحمد عبد الحليم، كلاهما ارتبط بمدينة واد مدني وحكومة مايو الأولي وجعفر النميري... المهندس مرتضى أحمد إبراهيم وزير الري السابق عندما يسمعنا ننادي السفير أحمد عبد الحليم بعم أحمد ينتفض، ولسان حاله ينطق أنه الأحق وحده بهذا اللقب؛ أنه أكبر السودانيين عمراً في النمسا، وأول زنجي تجول في أزقة فيينا، وذلك لزواجه من تانتا أنقابورج النمساوية في أوائل خمسينات القرن الماضي.

حدث في يوم من الأيام أن كان هنالك لقاء لأحد وزراء الإنقاذ بالجالية السودانية في النمسا بهدف التنوير.. ووجهت السفارة السودانية الدعوة لكل السودانيين على مختلف انتماءاتهم السياسية لحضور ذلك اللقاء.. لكن عم أحمد عبد الحليم، وبتقدير منه، رأى عدم دعوة العم مرتضى، لكبر سنه ومرضه بالسكري، ولمعرفته بشدة انفعالاته في اللقاءات السياسية، لا سيما والوزير الإنقاذي معروف عنه ضيق صدره.. فقدّر الحليم أن لا فائدة تجنى من الجمع بينهما.

كان رأى العم أحمد أن صحة العم مرتضى أهم لديه من اللقاء والمناقشات وتصفيق المؤيدين أو المعارضين لحكم الإنقاذ. وأحسب أن العم أحمد "حشرني" في هذه المسألة لعلمه بالعلاقة الحميمة التي تربطني بالعم مرتضى أحمد إبراهيم.

ولأن كل مجتمع لا يخلو من خبثاء "وشمارات"، فقد نقل أحدهم للعم مرتضى في اليوم التالي أن لقاءً سياسياً عقد بالسفارة السودانية، دعي إليه الإسلاميون فقط!!! فكيف بهم يتجاوزون المهندس الوزير مرتضى أحمد إبراهيم؟

اتصل بي العم مرتضى وفي نبرة صوته هياج وثورة وتوعد!... كيف يتجرأ السفير أحمد عبد الحليم ويهمله، وهو الرئيس الفخري للجالية السودانية بالنمسا، وقد وصفه السفير قبل أيام بأنه أحد بناة السودان الحديث!!

حاولت تهدئة العم مرتضى، مؤكداً له أننا في إتحاد الجالية "لا ناقة لنا ولا جمل" في إعداد ذلك اللقاء والدعوة إليه، ولكننا نستبعد أن يجرؤ أي شخص كان على إهمال عم مرتضى، ولا شك أن السفير أحمد عبد الحليم سوف يشرح له سبب عدم دعوته.

في نفس اليوم قابلت العم أحمد، ونقلت له ثورة العم مرتضى، وكنت تواقاً أن أعرف "دي يحلها كيف؟".

أشعل الحليم سيجارة، وراح بفكره وبصره بعيداً، وقال لي: "عجيب أمر البشر، نحن نفكر في صحة وعافية الزول واَخرون لا هم لهم إلا في إثارته وتهييجه، أقول ليك الساعة الخامسة مساء نمشي ونشرب معه القهوة في منزله".

قلت لعم أحمد.. فلتذهب وحدك، حتى لا يظنن أحد أنني وراء هذه الزيارة، فضحك وقال لي: "إنتو ناس الجزيرة أبا كمان إتعلمتوا السياسة؟"... أجبته: نعم تعلمنا السياسة عندما ضربتمونا سنة سبعين!! فقال باسماً: "تاني... لو رفعتوا راسكم نضربكم" فضحكنا ثم افترقنا.

وفي اليوم التالي للزيارة اتصلت بالعم مرتضى لمعرفة خاتمة القصة، فقال لي: "يا إبني يا عبد الله، إحنا سودانيين ولما الواحد يجيك في بيتك لازم تستقبله وتكرمه حتى لو كان عدوك... وأحمد الله أنه  جاءني... لأنه والله لو كنت مشيت ليه في السفارة... كنت طلعت......".

كان العم أحمد حليماً، وداهية وماكراً في غير خبث.

في حفل وداعه جاءت كل ألوان الطيف السياسي في الجالية السودانية، وكنت واقفاً عند الباب استقبلهم فرداً فرداً، وأذكر أحدهم ممن اختصر معارضته للإنقاذ على مقاطعته السفارة السودانية، أتذكر أني مازحته قائلاً:- "كيف بك تودع سفير الإنقاذ!!؟" فرد عليّ بجملة بليغة:- "أنا ما جيت أودع السفير أحمد عبد الحليم، بل أنا جيت أودع عم أحمد"..... وإن من البيان لسحرا)).

 

   7  

كوستي صرة السودا

قديما كانوا يقولون، كوستي بلد وأحمد كوكو ولد!!، وقبل سنوات قلائل، أثناء زيارة لي للسودان المبتور (لا أدري كم حجمه الأن)، وقع في يدي كتيب يحمل العنوان أعلاه، ومؤلفه الأستاذ على محمد يوسف الإمام، ويهديه الى رفيقة دربه التي صعدت معه سلم الوظيفة درجة درجة دون كلل أو ملل، وبالنفس الطويل الهادىء، وبالقناعة بما هو موجود، وبعداً عن النظر إلى ما عند الغير، فكان التوفيق من عند الله في حياة هادئة كريمة. تقول سيرته الذاتية أنه درس الأولية والمتوسطة والثانوي بمصر. وربما لهذا كان يلقب بالمصري!. كان أهله يسكنون في مدينة الحديد والنار والثورات ـ عطبره. يبدو أنه عمل بالسكة حديد في بداية مشواره العملي، ومن عطبرة جاء منقولاً إلى كوستي في العام 1954م ليعمل موظفاً بالسكة حديد ـ القسم التجاري ـ إدارة النهر. ثم عمل بعد ذلك مدرساً بمدارس كوستي الأولية - جبور، ثم ضابطاً لتعليم الكبار. كان رياضياً من الطراز الأول، حيث لعب لفريقي الرابطة والسكة حديد. هو أول من أنشأ الفرق الكشفية بكوستي، ولذلك يمكن أن نطلق عليه أبو الكشافة في كوستي.

كاتب المقال من مواليد جزيرة أبا، وتربية قرية ربك، وتأديب وتوعية وتفتيحة داخليات كوستي. ذكرني كتيب الأستاذ على يوسف - أدعو له بطول العمر والعافية وحسن الخاتمة - بحكاية الكشافة التي سمعنا بها أول مرة في حياتنا عند دخولنا مدرسة كوستي الأميرية الوسطى في منتصف الستينات. إذ جمعنا في ساحة المدرسة الناظر وقتها، حسين عبد الله شدو وطلب منا أن ننتظم في الكشافة بعد أن عدد لنا مزاياها وفوائدها للشخص وللمجتمع. كنت من المتحمسين لأنني أمتلك قميصاً لونه كاكي ـ لون الكشافة - ولكن حدث بعد ذلك أن اندلعت ثورة أكتوبرفتثورنا وتركنا الكشافة.

لقد سعدت أيما سعادة بالتهام سطور الأستاذ على يوسف، فأجتررتها اجتراراً حتى كدت أن أحفظ بعضاً من قصصه. ومن بواعث فرحتي أن تحدثت عبر الهاتف مع بنت كوستي - وهي عنصرية في محبتها وتعظيمها لمدينة كوستي - الكاتبة والشاعرة، د. إشراقة مصطفى عن الكتيب، وقيمته التاريخية والتعليمية والثقافية. طلبت مني أن أمدها به حالاً... سوف تقرأه حالاً..... وسوف تصوره حالاً.....اعترتها حالة هستيرية... ظار إسمه كوستي!!

يقيني أن العنوان قد إستهواها... كوستي صرة السودان... هذا تعبير سبق به الأستاذ علي يوسف الأخرين. أجزم أنه ما فكر فيه، ولم يكن وليد عقله! وإنما خرج من قلبه روحاً ورسماً. ويقول في مقدمته إن الإنسان لا يقاس بما قضاه من سنين في الحياة الدنيا، ولكن يقاس في الدنيا والأخرة بما قدم للآخرين من أعمال ترضى الله ورسوله والناس من حوله. ويتوجه بسؤاله للقارىء: ماذا قدمت للناس من صالح الأعمال؟ فإن كنت فعلت فاستمر، وإن لم تفعل فقد آن الأوان لتسلك الطريق القويم!

بقدر إستمتاعي بسفر الأستاذ على يوسف، إلا أن غمامة من الأسف تخيم عليّ!.. أنني ما تعرفت عليه في فترة إقامتي بمدينة كوستي! الشوق والفضول يدفعاني للتواصل معه. وأرجو صادقاً أن يصله ندائي هذا، عبر مقالي هذا، في يومنا هذا، لأنه نعم الأستاذ الخبير المحنك والعارف بشئون دنياه (أم قدود). إنه من ذلك الجيل الذي تدرب على يد الأنجليز (الكفرة الفجرة)، والذين تركوا لنا مشروع الجزيرة والسكة حديد، وخدمة مدنية صقلت أمثال أستاذنا على يوسف. لذلك فهو عملة نادرة في زماننا هذا. وأكبر ظني أن تواضعه حال دون أن يجعل من ذلك الكتيب مجلداً ضخماً، ينوء بحمله الولدان.

جاء على قمة مشاهير كوستي، التيجاني محمد خير ـ رجل البر والإحسان والخير، ثم الأحمدين (عبد القادر + كوكو)، وأبوقمزة، وشلقامي، ومحمد موسى، وعبد القيوم، وأبو مرين، ومحمد نايل، ووهيب عبده ربه، وأخرون.

وذكر أحيائها، السكة حديد، والمرابيع، والنصر، والرديف، والجديدة، وأبوشريف، والمطار، والدريسة، والكرو، وفلاتة، والحسانية، ولكنه نسى الزندية وأمكم هليمة!

وروى لنا قصصاً حياتية ممتعة وشيقة، وفيها عظات وعبر، رأيت أن أختار لكم منها واحدة بعنوان: إذا دعتك قوتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك!!

يقول الأستاذ على يوسف أنه كان يعمل بأحد أقاليم السودان، وكانت هناك ترقيات للمعلمين، وكان هو المسئول عن ذلك. فبدأ بحصر الملفات ومعه مجموعة من الموظفين. وبعد جهد جهيد تم الحصر ما عدا ملف واحد كان غير موجود في مكاتب التعليم. وبتكثيف البحث اتضح أن الملف المفقود بإسم الأستاذ...... معلم بالدرجة العاشرة (أ)، هذا الملف موجود بمكتب السيد وزير التعليم الإقليمي. فطلب من السيد الوزير موافاتهم بالملف بأسرع ما يمكن لضمه إلى الملفات المنافسة للترقى.

أرسل السيد الوزير الملف المذكور مع سكرتيره ومعه توصية شفهية بفصل هذا المعلم عن العمل لغيابه عن العمل بدون إذن لفترة زمنية طويلة. استلم الأستاذ على يوسف الملف وأكرم السيد السكرتير، وعند مغادرته أبلغه تحياته للسيد الوزير مؤكداً له أنه سوف يعقد مجلس محاسبة مصلحي لذلك المعلم ليرى إن كان يستحق الفصل من العمل أو خلاف ذلك. قال السكرتير: لا... السيد الوزير قال أفصلوه!! فقال له الأستاذ على أنهم يتعاملون بالقانون وليس بالأقوال. كانت المرة الأولى في تاريخ عمل الأستاذ على يوسف أن يطلب منه فصل موظف أو عامل دون عمل مجلس محاسبة!!

في اليوم الثاني اطلع على الملف وقام بتشكيل مجلس محاسبة مصلحي برئاسته وعضوية اثنين من التربية والتعليم، واستدعوا المعلم وحددوا له الزمان والمكان، وحضر المعلم المتهم، وبدأ الرئيس الجلسة: هذا المجلس مكون من السيد.... رئيساً، والسيد...... عضواً، والسيد..... عضواً، فهل لديك اعتراض على كل أو أي عضو من أعضاء هذا المجلس؟ فأجاب المعلم: لا. فسأله رئيس المجلس: أنت متهم بالغياب عن العمل بدون إذن لمدة....! فأجاب بأنه لم يتغيب عن العمل أصلاً بل كان في إجازة دراسية بموجب طلب تقدم به للوزارة وتم التصديق عليه للالتحاق بجامعة الخرطوم وبعد انقضاء مدة الدراسة تقدم بطلب للوزارة لدراسة الماجستير وتم التصديق بعام واحد رغم أن الجميع يعلم أن دراسة الماجستير يتم التصديق لها بعامين، فانتظم في الدراسة وحصل على الماجستير وتقدم لدراسة ما بعد الماجستير وبحمد الله حصل على درجة الدكتوراة.

طلبوا من المعلم المتهم أن ينتظر في الخارج، وبسطوا الملف أمام المجلس، ووجد المجلس أن كل ما قاله الأستاذ صحيح وموجود بالملف، وفي هذه الحالة ثبت أن المعلم لم يتغيب عن العمل بل كان في إجازة بدون مرتب بغرض الدراسة، وانتهى المجلس إلى الإشادة بطموح هذا المعلم وجده واجتهاده في الدراسة على نفقته الخاصة حتى وصل إلى أعلى الدرجات العلمية، وكانت آخر جملة في الحيثيات (( يعود إلى العمل إذا رغب))، وطبعاً لا يعقل أن يعمل معلم يحمل درجة دكتوراة في مدرسة متوسطة موجودة في ريف الريف السوداني وإن فعلها كانت ستكون مفخرة لنا ولوزارة التربية في السودان بل لحكومة السودان كلها.

ووقع المجلس على الأورنيك المخصص وانتهي الموضوع، ولكن بالنسبة للاَخرين كانوا يقولون: كيف تتم محاكمة رجل يحمل درجة الدكتوراة من موظفين هم أقل منه درجة  مما يتنافى مع ما جاء بقانون محاسبة العاملين بلائحة الخدمة، ونسوا أو تناسوا أن الشخص الذي تمت محاسيته هو معلم بالدرجة العاشرة "أ" ومع أنه يحمل درجة الدكتوراة إلا أنه ما زال معلم بالتربية والتعليم!

يقول الأستاذ على محمد يوسف الإمام: كثير من الناس يفتون في أشياء لا علم لهم بها ويعتقدون أنهم على دراية بكل شىء. وكاتب المقال يذكر مثل دارفوري - ما تغالتي زول في سينأتو، أي لا تجادل أحداً في صنعته!!

 

   8  

وزراء الإنقاذ

ممنوعون من التحدث

في بيت السودان بالنمسا

جاء ذلك في اجتماع للجمعية العمومية لبيت السودان بفيينا في يوم السبت الماضي الموافق 24  مارس 2012م، وذلك على أثر المسألة المستعجلة التي طرحها الدكتور أحمد نورين الخاصة بمنعه من إقامة حفل تأبين للشهيد الدكتور خليل إبراهيم في بيت السودان. لقد رأى المجتمعون أن يكون نشاط بيت السودان اجتماعياً رياضياً وبعيداً عن السياسة.

وجدير بالذكر أنه عندما أسسنا القواعد لبيت السودان قبل اثني عشر سنة قلنا أن هذا البيت بابه مفتوح، للبشير وللنذير... يعني بعربي جوبا يدخله ويتكلم فيه جون قرنق وسلفاكير... وعلى عثمان وبامكير... ومناوي وعيساوي والبطل على محمود حسنين!!!

وقد دخله بالفعل وتحدث فيه كل من عبد الرحيم محمد حسين (متهم دولياً بجرائم حرب)، نسأل الله له البراءة والسلامة، ودخله عوض الجاز (؟؟؟)، والزبير طه (؟؟) والمتعافي(؟) وإبراهيم عمر ومهدي إبراهيم وكرار التهامي، وأخرهم أحمد إبراهيم الطاهر الذي قال.. وخير القول ما قال، أنه بخروج الحركة الشعبية أعتقد أن المعارضة قد تلاشت في برلمانه..... وإذا به يجد المعارضة في بيت السودان بالنمسا!!

ويشهد الله أنه لم يتناولهم أحد بإساءة شخصية أو عامة... ولم يرمهم أحد بكرسي أو حجر.... بل سمعوا في فيينا أصواتاً مؤيدة وأخري معارضة.... معارضون فيهم من أبيد حرثهم ونسلهم.. وحرقت قراهم في دارفور وجبال النوبة وجنوب السودان.

وعندما دخله بونا ملوال وأتم قرنق ودكتور داو لم يقل لهم أحد أنتم متمردون وممنوعون من التحدث في بيت السودان.... وبعدين قولوا لي هو منو الما متمرد..... أليس القيام بانقلاب أكبر تمرد؟؟

إن ما حصل من قرار للجنة بيت السودان برفض إقامة حفل تأبين للدكتور خليل إبراهيم في بيت السودان هو في رأيي هدم لأسس ومفاهيم بيت السودان التي غرسناها، ويمثل ردة..... ومجاراة لفعل المؤتمر الوطني اللاأخلاقي في منع أهل الشهيد خليل إبراهيم إقامة عزاء..... بل وإمعاناً في بذر الكراهية والفرقة بين أبناء الوطن الواحد سيروا مواكب الزغاريد والفرحة. وجدير بالذكر كذلك فإن حكومة المؤتمر الوطني - من غير عاداتها - قد اهتمت في هذه السنة باحتفالات عيد ((الاستقلال)) في الخارج كما لم تفعل من قبل.... فدفعت فرحاً باغتيال الخليل بالأموال سراً وعلانية وفي عجالة واضحة، للمهرولين والمتطلعين لقطعة أرض جرداء في الوطن المقسوم، أو مناصب لا تغني ولا تسمن من جوع..... هم دائماً ما يستغلون طيبة السودانيين وحسن نواياهم، يرمونهم في الماء ثم يقولون لهم إياكم إياكم أن تبتلوا..... وخير شاهد على ذلك ما حدث في بريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنيا الجديدة!!!

وفي الختام رسالة أوجهها لجماعة المؤتمر الوطني في فيينا (لأن لي فيهم إخوة أحبه، مساكين وغلابة).... والذين احتشدوا بكبارهم وصغارهم لحماية بيت (المقدس).... أرجو أن يفهموا ويستوعبوا أن بيت السودان قد اشتهر في أرجاء العالم بمنبره الحر، وبما كنا ننقله عن نشاطاته في المؤتمرات والمحافل الدولية. وهنا أرجو ألا يفهم أنني أقلل من قيمة النشاطات الإغاثية... ففي ذلك لكم متنافسون في الخير  بكل مدينة خليجية وليبية.

إنكم بمستوى تفكيركم هذا قد عاقبتم - في غفلة واضحة - وزراءكم بعدم التحدث في بيت السودان أكثر من أن ينال العقاب الجانب الأخر..... هذا التفكير هو الذي أودى بحياة إتحاد الجالية من قبل، وعوق مسيرة النادي السوداني، وأقعد جمعية الثقافة..... إن من يعتمد عليكم بهكذا تفكير، فإنه مستند على حائط مائل.

أمرت قومي بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الأمر إلا ضحى الغد

 

 

   9  

 

 

ملاحظات حول كتاب "يوميات مهاجرة"

للكاتبة/ سعدية أمير

تعرفت على الكاتبة سعدية أمير في فيينا، أواسط التسعينات من القرن المنصرم، وذلك من خلال مقالاتها التى زينت بها مجلة حوار، والتي كان يصدرها صديقي الراحل المقيم وابن النيل الأستاذ عبد المنعم توفيق.

تميزت مقالات الكاتبة سعدية أمير بالرصانة وانسياب مريح وممتع في السرد والتحليل.

إنها تجربة شخصية جديرة بالتدوين والقراءة المتـأنية.

وشخصي الضعيف لم يحظ بزيارة المدن والمواقع الواردة في "يوميات مهاجرة" رغم أنني سافرت الى شمال العراق في ربيع العام 1991، وتحديداً الى مدينة "زاخو" وما حولها. وشاهدت حقولاً ومزارع أصابها الحريق الكيماوي، ومهجرين أكراد سردوا لي قصصا حزينة ومرعبة، مع تقديمهم لي الشاي والطعام الكردي الشهي، وذلك رغم حالهم المعيشي البائس خارج منازلهم التي ألفتهم وألفوها.

كانت مأساة "حلبجة" حديث الأكراد والعراقيين.. بل وكل العالم!! وقد قمت من جانبي بتسجيل مشاهداتي وتقاريري الصحافية لذلك اليوم، وقدمتهما لصديقي وزميلي الصحافيين: عبد القادر حمدان، مدير ومؤسس وكالة "هورنا"، وهاشم مندى، الصحافي الكردي، وكان مندوبا عن "البى بى سي". كان الاثنان ينتظراني على الجانب التركي لبلاد الأكراد في مدينة ديار بكر.

كل تلك الذكريات والأحداث مرت بمخيلتي وأنا أطالع ما دونته الكاتبة سعدية أمير بصدق وأمانة وصراحة نفتقدها في أدبنا المذكراتي.

ولا شك عندي أن تجربتها العائلية هنا في الغربة سوف تكون نبراساً لكثير من الوافدين والوافدات الجدد.... خاصة في هذه الأيام التى تتدفق فيها أسراب اللاجئين العرب الى كل من النمسا وألمانيا. إن همساتها في آذان الأمهات والأباء وأحيانا لمزاتها ولكزاتها، بالمختصر والمفيد من تجاربها سوف تجد من يتناولها ومن ثم التهامها واجترارها.

أعجبتني عبارتها ـ لا سنة ولا شيعة، بل إسلام ـ فقد صادف ذلك هوىً في نفسي، إذ أنني شخصياً تجاوزت تصنيف البشر وفق معتقداتهم أو أعراقهم وأوطانهم. وأكثر تجربة أعتز بها هي فترة الطلب الجامعي في بودابست، حينما تقاسمت السكن وصادقت الفيتنامي والبولندي والكوبي والنيجيري والبوذي واليهودي...!

الأستاذة سعدية أمير سردت قصصاً وطرحت أفكاراً ورؤىً ربما اتفقنا أو اختلفنا معها في المبدأ أو التحليل، ولكن تبقي الحقيقة وهي أنها أثرت مكتبة المهاجرين بسفر جديد ومفيد.... ونقول لها سيري على هذا المنوال وعين الله ترعاك!!

 

 

   10  

في معية الهروب...

مع الكاتبة كرياكي

 

شعور لا قدرة لدي على تفسيره؛ أن تكون محاطاً بكوكبة من كاتبات وكتاب..!! وبينهن أو بينهم من تقرض أو يقرض الشعر حراً أو مقفيً.. وأما إذا سألت عن التمدد السياسي..! فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مروراً بليبرالية تصفر وتزرق حيناً من الدهر.

وإن شئت ذكر أسماء فأبدأ بالخفاجي المصري، وحمدان الأريتري، والمهالفي الهنقاري، ثم بإشراقة وساكن وفاضل وفاروق وجماع وبدوي ويوسف ومرتضى وحيدر من السودان، ونهاية بسعدية ورياض والأسد وكرياكي، وهم نمساويون ومن عرب فيينا.

قديما قالوا من عاشر قوماً أربعين يوما صار منهم..!! فما بالي لا أتأثر بهن أو بهم وأصدر ولو كتيباً؟!

ولكنني علمت وتيقنت أنه فضل الله.. يؤتيه من يشاء.. ويمنح بعض عباده بركة الوقت والقدرة على نثر ورص وتنسيق الجمل والكلمات.

بهذه الخلفية من المشاعر والتساؤلات تمكنت من الحصول على نسخة من كتاب الزميلة والصديقة ماريا كرياكي، وعنوانه (الهروب إلى الأمام)، في أبريل من هذا العام الذي كاد أن ينصرم، وخشيت أن يقبل العام الجديد ولا أكون قد أوفيت بما وعدت به زميلتنا ماريا من قراءة وتعليق، وأصير من الهاربين إلى الأمام.

وبعون الله تيسرت لي قراءة أولية، وتوقفت عند بوابة الإهداء.. فكانت من نصيب الإنسان السوري البسيط.. لتحمّله ما لا طاقة له من عذابات..!! ولسان حالي يردد: أن أحسنت الإهداء يا ماريا.

ثم تتبعت التبويب، فوجدته شاملاً تسعاً من القصص المأساوية لمعاناة الشعب السوري.. معاناة تصاحبها زفرات..!!

كل قصة تصلح أن تكون مسرحية.. تبكي المخرجين قبل الجمهور.. قمة التراجيديا.

وزبدة القول قولها: "بئس الثقافة التى تضحي بأبنائها في سبيل عادات وتقاليد أعاقت حياتنا ولم تترك لنا فسحة من الأمل". وكما نعلم فإن الإنسان بلا أمل كالزرع بلا ثمر.

أنتهز السانحة لأهنئ الزميلة ماريا على هذا الإنجاز والتوثيق لتجربة العمل الطوعي وتسجيل المشاهدات والتجارب، خاصة وهي المتدربة أصلاً على عمل الجمعيات الطوعية الخيرية. ففي عقدين من زمان فيينا ما رأيت منها إلا كل خير من قول وعمل ومشاركات فعالة في أنشطة العرب والعجم، تجدها في كل ساحة وميدان تملأ المكان عرضاً وطولاً وعمقاً!!

وأرجو أن  يكون ختام أعمالها دوماً مسكاً كحال حسن وقمر.. اللذان اجتمعا في تركيا بعد أن ظنا كل الظن ألا تلاقيا..!!

 

   11  

 

كاتب كاتم لصوته

محمد يوسف... من بلاد الزول

 

 

ربما شاهده الكثيرون متمشيا في شارع "كيرنتن" السياحي، أو متمجلساً يحتسي كوبا من قهوة الميلانج في مقهي "هافيلكا" الشهيرة والعريقة في قلب مدينة فيينا، والتي اختيرت للمرة السابعة وعلى التوالى كأفضل مدينة يمكن العيش فيها.

قابلته أول مرة في تسعينات القرن المنصرم، بمبنى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تكرر دخولي عليه في مكتبه طالباً مساهماته المادية والمعنوية في تنفيذ مشاريعنا الخيرية وسط الجالية السودانية في النمسا. وكان طبعه وديدنه ألا يبخل، ومنطقه أن أعطي ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.

ذلك هو المهندس محمد محمود يوسف، الذي عرفته قبل عقدين من الزمان، فخبرت عنه أشياء وغابت عني أشياء خطيرة وعظيمة. فقد فاجئني ورماني بخمسة كتب من خالص تأليفه دفعة واحدة. يا لهول المفاجأة!! خمسة أسفار (حتة واحدة)؟؟ دخلت في حيرة..!! وتساءلت في براءة... هل يا ترى أن خدمته الطويلة الممتازة بالوكالة الذرية شبعته بإشعاع ذري تخصّب حتى كاد أن يتفجرا؟؟؟ ولكنه انساب علماً وأدباً رفيعاً. والنتيجة السارة هي ثلاثة كتب بالعربية واثنين بالإنجليزية:

الكتاب الأول: يحمل اسم "أمبكول" وهي قريته وموطن أجداده.

والكتاب الثاني: بعنوان "أعمال خالدة".

والثالث: لعبة "الكرات الزجاجية"، وكلاهما (الثاني والثالث) قراءة في كتابات هيرمان هيسي.

وأما الرابع والخامس بلغة الفرنج الإنجليزية:

 Hawelka-Legendary Coffee House, and Enduring ThePainْ(مقهى هافلكا الأسطوري، والأخر "تحمّل الألم").

قصة الكتب الخمسة مع كاتبها محمد يوسف تذكرني بقصة الأوروبية التى ولدت ولأول مرة خمس توائم بعد اثني عشرة سنة من الزواج. لكم أن تتصوروا فرحتها، وتقدرون فرحتنا في فيينا بميلاد كاتب جديد من بلاد الزول.

فمرحباً به وسط كوكبة الكتاب السودانيين في النمسا، وكان أولهم طيب الذكر والراحل المقيم  المهندس مرتضى أحمد إبراهيم وكتابه الذي سارت به الركبان (مذكرات الوزير المتمرد). ثم الأستاذ  طارق الطيب وعبد العزيز بركة ساكن، والدكتور ميرغني حسن، والدكتور خالد علي لورد، والدكتور محمد نجيب، والأستاذة الدكتورة حاصدة الجوائز إشراقة مصطفى.

كتابان من كتب المهندس محمد يوسف ارتبطا بـ هيرمان هيسي والذي هو من مواليد ألمانيا عام 1877، وصار سويسرياً لاحقاً. وتأثر بالتصوف الشرقي. وله مؤلفات عديدة في الروحانيات، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1946، وتوفي في عام 1962.

في مقهى "هافلكا" حيث يجد المؤلف راحة البال، تتألق روحه وتتسامى أفكاره، فيستلهم أغنية، ويبحر في محيط أحلامه. ولا ينسى صاحبة المقهى التى رحلت عن دنيانا وتركت الأمانة في يد ابنها.

أما كتابه "تحمل  الألم" فيحملك  في مشوار مع المرض والتمريض بين الخرطوم ومستشفيات فيينا، وفيه أدب للأحزان وفقدان الأحبة، ومفارقة زملاء العمل بعد المعاش. ويشمل الكتاب سيرة ذاتية للمؤلف في لغة إنجليزية خالية من التعقيد.

أما "أمبكول" قرية المؤلف ومهد أسلافه. فتقع في شمال السودان على النيل بالقرب من مدينة كورتي. وأصل الكلمة كما ورد على لسان الكاتب يرجع الى اللغة النوبية (دنقلا)، وتعني جذوع شجر النخيل. أما السكان فينتسبون الى العباس عم النبي (صلعم).

التداخل النوبي العربي دائما ما يثير فضولي في البحث والتنقيب. ولذلك توجهت مستفتياً نوبة الجبال (غرب السودان) عن معنى كلمة أمبو وكول! فوجدت تطابقاً في المعني... إذ عندهم تعني الرجل الفحل القوي.

ما صعب عليّ فهمه وهضمه هو أن المنطقة من الخرطوم وحتى دنقلا شهدت مملكات سوبا والمقرة وعلوة ونبتة ومروي النوبية، وبالتالي فإن السكان نوبيون منذ أكثر من ثلاثة ألاف سنة!! فكيف تحولوا في الخمسمائة سنة الأخيرة إلى أحفاد للعباس!! ولا شخص إلا العباس؟؟

هذه مسألة نأمل أن يوليها أستاذنا الكاتب محمد يوسف اهتمامه ويخصها بحثاً وتنقيباً، حتى يتسنى لنا أن نفهم ونهضم روايات تواتر سردها دون تمحيص أو تدقيق عملا بالحديث السائد أن الناس مصدقون في أنسابهم.

وأرجو ألا يرهقني القارئ استفساراً و(يدوش) رأسي بالسؤال عن مصدر الحديث!! وهل هو صحيح أم حسن أو ضعيف!

ولعلمكم فإن في بلاد الزول كتاب يسمى الطبقات.... اقرأوه فسوف ترون فيه العجب العجاب!

وأخر القول... مرحباً بالكاتب المهندس محمد محمود يوسف في ساحة الجسور.... ويا لها من ساحة وميدان لكل الآراء والأفكار.

 

 

 

 

 

 

كتابات أخري

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50