عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   1 

 

بوتين وأولويات الأمن

تحسباً لمخطط "الثورات الملونة" في روسيا

 

الكشف عن خطط لإثارة القلاقل

خلال الانتخابات المرتقبة

أثارت الصياغة الجديدة لاستراتيجية الأمن القومى الأمريكى حفيظة الكرملين، بما تضمنته من إشارة صريحة إلى اعتبار روسيا "خطرا على الدول المجاورة"، وتهديدا لتوجهاتها الديمقراطية، حسبما جاء فى الوثيقة الأمريكية.

وكانت الاستراتيجية الأمريكية ربطت بين احتمالات استئناف التعاون الروسى الأمريكى وضرورة تغيير روسيا لسياساتها الخارجية، والالتزام باحترام سيادة الدول المجاورة وما يجرى فيها من "عمليات ديمقراطية"، فى الوقت نفسه الذى أكدت فيه  الوثيقة "ضرورة استمرار التنسيق المتبادل بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين من أجل عزل روسيا سياسيا واقتصاديا عقابا لها على التدخل فى شئون أوكرانيا".

وقد جاء الإعلان عن هذه الوثيقة بعد تصاعد موجة العداء ضد روسيا، التى اعتبرها الرئيس الأمريكى واحدا من أهم الأخطار التى تهدد العالم، ووضعها إلى جوار "إيبولا" وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وبعد الكشف عن خطة الإدارة الأمريكية للإطاحة بنظام الرئيس فلاديمير بوتين. وعلى الرغم من إعلان واشنطن عن الصياغة الجديدة لاستراتيجية الأمن القومى الأمريكى وإقرارها فى فبراير من العام الحالى، فإن موسكو لم تعلن عن موقفها منها سوى الأسبوع الماضى، على ضوء ما توصلت إليه من نتائج،  قالت إنها تشير إلى توجه معاد واضح من جانب الولايات المتحدة تجاه الدولة الروسية. وفى لقائه مع كبار قيادات جهاز الأمن والمخابرات ومسئولى النيابة العامة كشف الرئيس فلاديمير بوتين عن موقف بلاده من الاستراتيجية الجديدة للأمن القومى الأمريكى بقوله:" إن احدا لا يستطيع ترهيب بلاده ، وإن كل من يفكر فى التطاول على الأمن القومى لروسيا سيواجه بالرد المناسب". وفيما أشار إلى أن العام الماضى شهد اندلاع الكثير من بؤر التوتر فى أرجاء متفرقة من العالم، بما فى ذلك الشرق الأوسط ، قال بوتين إن الانقلاب الذى حدث فى أوكرانيا أسفر عن اندلاع الحرب الأهلية هناك، وهو ما تبذل روسيا الكثير من الجهد لاحتواء تداعياته وآثاره، وما يستفز الآخرين ممن تسميهم روسيا بالشركاء. وعاد بوتين ليكشف عما يضمره هؤلاء من مخططات سياسية واقتصادية، بل واستخباراتية تستهدف النيل من أمن الدولة الروسية، مؤكدا أن مثل هذه الأحابيل لم تجد نفعا مع روسيا ولن تكون. واستعرض الرئيس الروسى بعضا مما يفعله حلف الناتو من نشر لقوات الانتشار السريع، وتعزيز قواعده ونقاط تمركزه قريبا من الحدود الروسية، إلى جانب محاولات كسر التوازن القائم للقوى النووية، ونشر عناصر الدرع الصاروخية فى أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادى. وفيما أشار إلى خروج الولايات المتحدة من معاهدة الأنظمة المضادة للصواريخ من جانب واحد، الأمر الذى قوض أسس منظومة الأمن الدولى المعاصرة، كشف بوتين عن أنها فى سبيل إنشاء منظومات قتالية حديثة لتوجيه الضربات الشمولية الخاطفة وشن العمليات القتالية فى الفضاء الكونى، وهو ما عاد ليؤكد ثانية أنه لا بد أن يكون من الواضح أن احدا لا ولن يستطيع تخويف روسيا أو الضغط عليها، وأن بلاده كانت ولا تزال تملك ما ترد به على أى أخطار تهدد أمنها القومى.

 وفى إشارة إلى إحباط أجهزة الأمن والمخابرات الروسية للكثير من مخططات الخصوم الغربيين، التى استهدفت تقويض أمن واستقرار الدولة، أشاد بوتين بما استطاعت هذه الأجهزة إنجازه خلال العام الماضى بقوله إن عدد الجرائم التى ارتكبت آنذاك يقل بمقدار مرتين ونصف المرة عن عام 2013. وحذر من مغبة تزايد أخطار الإرهاب، الأمر الذى يستوجب المزيد من الجهد لمواجهة هذه الأخطار، خاصة على ضوء ما توارد من أنباء تقول بانخراط الكثيرين من مواطنى روسيا وبلدان الفضاء السوفيتى السابق بين صفوف تنظيم " الدولة الإسلامية" (داعش) وفى سوريا وغيرها من البلدان ممن يتلقون تدريباتهم فى العديد من النقاط الساخنة، ومن المتوقع أن يعودوا لاستخدام هذه الخبرات ضد روسيا وجيرانها. وأشار إلى ضرورة توخى الحذر والعمل من أجل إغلاق كل منافذ دخولهم وخروجهم من روسيا، ومتابعة قنوات اتصالاتهم وتحركاتهم فى مختلف المناطق الروسية، بما فيها القرم وسيفاستوبول، خاصة قبيل احتفالات الذكرى السبعين للنصر على الفاشية وانعقاد قمتى منظومتى "بريكس"، و"مجموعة بلدان شنغهاى" فى أوفا عاصمة بشكيريا. ومن اللافت أن بوتين لم يقتصر فى حديثه على العموميات ورءوس الموضوعات، بل توقف عند تفاصيل خطة العمل فى أوساط الشباب ومجموعات المهاجرين، والاهتمام بمسائل التوعية للحيلولة دون انتشار الأفكار الأصولية والتطرف من خلال المنظمات الاجتماعية والدينية، والبدء فورا وبحزم من أجل مواجهة أى محاولات لإثارة الشغب فى روسيا. وفيما أشار إلى ما تحقق من إنجازات على صعيد المخابرات والأمن، توقف الرئيس الروسى عند ارتفاع نسبة الجريمة على صعيد التطرف والإرهاب، وهو ما قال إنه يتطلب المزيد من التنسيق بين أجهزة المخابرات والمؤسسات الأمنية ووزارة الداخلية، بما فى ذلك ما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعى وشبكات الإنترنت. وحول هذه القضية تحديدا تركز اهتمام الرئيس بوتين فى إطار ضرورة تأمين المواقع الإلكترونية للمؤسسات الرسمية والحكومية، التى قال إنها تعرضت لما يقرب من 74 محاولة اختراق فى العام الماضى وحده، فضلا عن اكتشاف ما يزيد على 25 ألف موقع إلكترونى يروج لمعلومات يمكن أن تخضع لطائلة القانون الروسى، وإن حرص على تأكيد ضرورة عدم التطاول على الحريات والحقوق التى ينص عليها الدستور.

وفيما كشف عن نجاح مؤسسات المخابرات فى الحد من نشاط 52 من ممثلى المخابرات الأجنبية و290 ممن نجحوا فى تجنيدهم للعمل لصالح هذه المؤسسات، قال بوتين لا بد من الاهتمام أكثر بتأمين وحماية المعلومات، ولا سيما ما يتعلق منها بقضايا الأمن القومى بما فى ذلك القضايا الخاصة بتطوير المؤسسة العسكرية الصناعية والتكنولوجيا الدفاعية وخطط التعبئة والتنمية البشرية. وكشف عن الكثير من محاولات دوائر المخابرات الغربية للتغلغل بين صفوف المنظمات الاجتماعية وغير الحكومية والتحالفات السياسية، ولا سيما التى تركز نشاطها على تشويه صورة السلطة وزعزعة استقرار الأوضاع الداخلية فى روسيا . وأماط الرئيس الروسى اللثام عن عدد من المخططات التى كان من المقرر أن تقوم بها هذه التنظيمات خلال الحملات الانتخابية المرتقبة، البرلمانية فى عام 2016، والرئاسية فى عام 2018. وفيما لم يستبعد الرئيس الروسى استعداد السلطة للحوار مع المعارضة وقبول ما قد يكون فيما يطرحونه مفيدا، قال "باستحالة التعاون والنقاش مع من يأتمر بأوامر وتعليمات الخارج، لصالح دول أجنبية". وأضاف أن ذلك هو ما يحتم على الدولة الاستمرار فى متابعة المصادر الأجنبية لتمويل منظمات المجتمع المدنى، ومراجعة الأهداف التى تنص عليها لوائحها، والحيلولة دون تنفيذ ما يمس منها مصالح الوطن.

ولم يغفل بوتين بطبيعة الحال المسائل التى تتعلق بالأمن الاقتصادى ومكافحة الفساد، وهى المشكلات التى سبق واعترف أكثر من مرة بأنها "تستعصى على الحل". لكنه بدا هذه المرة أكثر إصرارا عن ذى قبل على العمل من أجل وأد كل ما من شأنه التطاول على ميزانيات وخطط تمويل مؤسسات الدفاع والصناعات العسكرية، مع التركيز على الدور المنوط بمؤسسات الإشراف والرقابة الإدارية. ومن اللافت أن الرئيس بوتين أعار اهتماما كبيرا بنشاط الشركات والمؤسسات الروسية العاملة فى الخارج، وطالب بالعمل من أجل تأمين مواقع هذه المؤسسات بما يكفل نجاحها فى منافساتها مع مثيلاتها الأجنبية، والدفاع عن ممثليها ممن يتعرضون لمحاولات تشويه مواقعهم وسياساتهم، فى إشارة واضحة لما تعرض إليه بعض رجال الأعمال الروس ممن وقعوا فريسة لبعض أجهزة الاستخبارات الأجنبية التى وجهت إليهم الاتهامات بالتجسس والتخابر لصالح الأجهزة الروسية. 

ومن اللافت أن الرئيس الروسى مضى إلى ما هو أبعد، حين أشار إلى استمرار محاولات الولايات المتحدة الرامية إلى توطيد علاقاتها مع شركائها التقليديين فى منطقة آسيا والمحيط الهادى المتاخمة للحدود الشرقية للدولة الروسية، ومنها اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، إلى جانب مساعيها نحو تطوير التعاون مع فيتنام والهند وإندونيسيا وماليزيا، وهى البلدان التى طالما ارتبطت بروسيا بعلاقات شراكة تاريخية. وكشف بوتين عن إعلان الولايات المتحدة عن بدء مرحلة التنافس مع الصين ، وهو ما يفرض على روسيا الكثير من المهام الاستراتيجية الجديدة على ضوء عدم تراجع واشنطن عن نهج الهيمنة والانفراد بمقاليد عالم القطب الواحد، وإعلاء المصالح الأمريكية على كل ما عداها، خصما من رصيد ومصالح الدولة الروسية.

........................

الأهرام القاهرية   

 

 

   2 

 

سيرجى لافروف .. صورة من قريب

 

سيرجي لافروف .. هو أحد أقدم وزراء الخارجية في العالم، وهو الاطول بقاء في هذا المنصب في بلاده منذ رحيل عميد الدبلوماسية العالمية اندريه جروميكو.

 وهو ايضا المحب للحياة في أبهى صورها .. فهو الشاعر وهاوي العزف على الجيتار، والرياضي المولع بكرة القدم ونادي "سبارتاك" موسكو، احد اهم واشهر نوادى كرة القدم في روسيا اليوم، الى جانب ولعه بمغامرات رياضة "الرافتنج" - القوارب المطاطية المخصصة لارتياد الانهار التي تنساب مياهها وسط الجبال هادرة جارفة سريعة، ما يتطلب سرعة اليقظة والقدرة على التحكم وتحمل اخطار كل الاحتمالات، وهو ما قد يكون تفسيرا لقدراته الخارقة على تجاوز اكثر المواقف الدبلوماسية حرجا وتوترا والتي طالما صادفها خلال مسيرته الدبلوماسية الطويلة، منذ خطا اولى خطواته على طريق السياسة بعد تخرجه من معهد العلاقات الدبلوماسية في عام 1972.

ومن اللافت ان سيرجي لافروف الذي كان ينتوي التخصص في العلوم الطبيعية في معهد الفيزياء بموسكو، ساقته الاقدر الى " الاتجاه المعاكس"، صوب العلوم الانسانية والسياسة ليبدأ نشاطه الدبلوماسي بعد تخرجه من معهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية السوفيتية من سفارة بلاده في جزيرة سيلان التي تحولت لاحقا الى سريلانكا، بحكم تخصصه في شئون الشرق، وتعلمه اللغة السنغالية الى جانب الانجليزية والفرنسية. ولم يمض من الزمن الكثير حتى اعلن لافروف عن نبوغ مبكر سرعان ما قاده الى المكان الذي يتناسب مع قدراته وميوله بين أروقة الدبلوماسية العالمية ومنظماتها الدولية. ولذا لم يكن غريبا ان يتدرج سريعا بين ادارات وزارة الخارجية السوفيتية وفي بعثة بلاده في الامم المتحدة التي عمل بها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحتى تقلد رئاسة ادارة المنظمات الدولية، ومنها الى مقعد المندوب الدائم لبلاده في الامم المتحدة وممثلها في مجلس الامن الدولي الذي استمر فيه من عام 1994 وحتى استقر خيار بوتين عليه كوزير للخارجية الروسية في عام 2004. 

وعلى  الرغم من ان لافروف ، يبدو غالبا جاد الملامح عبوسا متجهما ، شديد التمرس في الدفاع عن مواقفه والتي يمضي معها في مقارعة الخصوم الى أبعد مدي حتى وان كلفه ذلك احيانا الخروج عن المالوف، واستخدام اكثر الالفاظ حدة بما في ذلك "البعيدة" عن العرف الدبلوماسي، وما قد تندرج تحت " التي قد يعاقب عليها القانون"، مثلما حدث في سجاله مع نظيره البريطاني ديفيد ميليباند لدى مقارعته حجج احقية بلاده في اتخاذ ما اقرته من مواقف وسياسات ردا على غزو جورجيا لاوسيتيا الجنوبية في اغسطس عام 2008، فانه يظل هو نفسه الضحوك المولع بتبادل النكات والقائها، واللجوء اليها في حال تطلبت المواقف والازمات الدبلوماسية ذلك للخروج من المواقف الحرجة، او لتهيئة الاجواء لطرح ما يراه من رؤى وآراء . اما عن هذه المواقف والرؤى فهي في حياة سيرجي لافروف كثيرة تتعدى حدود نشاطه المهني اليومي، ومنها ما ارتبط بدفاعه المستميت عن حقه في التدخين والذي تطلب ذلك يوما مقارعة الامين العام للامم المتحدة وتحديه له بالتدخين في مكتبه. ويذكرون له ايضا اصراره على انتزاع اعتذار السلطات الامريكية جراء تعدى احد رجال الشرطة على حقوقه وحصانته الدبلوماسية ، بانتزاعه مفتاح سيارته في شوارع نيويورك. 

سيرجي لافروف الذي بلغ الخامسة والستين من العمر في الحادي والعشرين من مارس الجاري، تقول الادبيات الروسية انه ولد عن أب ارميني الاصل جورجي الاقامة، وام روسية ثمة من يقول انها ذات اصول شرقية، عملت لسنوات طويلة في وزارة العلاقات الاقتصادية الخارجية. ومع ذلك فان لافروف الروسي القومية، والموسكوفي المولد، الموسوعي الثقافة الرفيعة، يظل خيار الرئيس فلاديمير بوتين منذ لمس بنفسه خلال احتفالات الامم المتحدة بالذكرى الالفية في عام 2000 ، مدى ما يتمتع به من مكانة متميزة بين اقرانه، وما يملكه من قدرات دبلوماسية وشخصية فريدة، وهو ما كان اساسا مناسبا في عام  2004 لاختياره لرئاسة اهم واخطر المؤسسات الدبلوماسية العالمية - وزارة  الخارجية الروسية، وليظل الخيار الوحيد والدائم في هذا المنصب لاربعة من رؤساء الحكومات الروسية وهم على التوالي ميخائيل فرادكوف وفيكتور زوبكوف ثم بوتين في عام 2008 ونهاية بدميتري ميدفيديف بعد انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2012.

 اما عن سيرجي لافروف السياسي و الدبلوماسي ورجل الدولة  صاحب الشخصية الطاغية فيمكن الحديث طويلا.. 

فلا احد يستطيع في هذا الصدد ان يغمط حق لافروف في الاعتراف بقدر مهاراته الدبلوماسية التي تبلغ احيانا حد الابهار، مثلما حدث منذ سنوات قلائل لدى اقناع الرئيس بشار الاسد بنزع اسلحة بلاده الكيماوية لتفويت الفرصة على الرئيس الامريكي باراك اوباما والذي كان استقر قراره على توجيه ضرباته الى النظام السوري على نحو اعاد الى الاذهان في حينه احتمالات مواجهة الاسد لمصير مشابه لما سبق وواجهه نظيره الليبي معمر القذافي.

وعلى الرغم من ان  الرئيس بوتين وبموجب نص دستور روسيا الاتحادية يظل صاحب القرار في رسم استراتيجية السياسة الخارجية الروسية، فان دور لافروف في تنفيذ الاسس العامة لهذه السياسة وتوفير التغطية الدبلوماسية لاي قرار تتخذه القيادة السياسية يبدو واضحا للعيان، وهو ما يجسده من خلال قدراته المهنية وحسن ادارته للازمات، ونشاطه واتساع نطاق اتصالاته مع نظرائه في الخارج، وإن يواجه اليوم الكثير من المصاعب بسبب تعثر الاوضاع الناجمة عن اشتعال الازمة الاوكرانية وما أعقبها من تداعيات ومنها "ضم" شبه جزيرة القرم.  وفي هذا الصدد نذكر له زيارته للقاهرة في مارس 2011 ونزوله "التحرير" ولقائه مع عدد من شباب ثورة "25 يناير" ، في مقر السفارة الروسية في القاهرة دون اعلان واحد عن تاييد بلاده لهذه الثورة، واكتفائه بعبارات دبلوماسية مطاطة تاركا للكثيرين حرية تفسيرها، كل حسبما يحلو له. وعلى الرغم من الضجة العالية التي تعالت "فرحة وبهجة" بمواقف موسكو وكأنما المؤيدة لثورة 25 يناير، فان احدا لا يستطيع ان يعثر على تاييد صريح مباشر من جانب الكرملين في حق هذه الثورة، كما ان احدا لا يستطيع ان يجد ما يشير الى ان الرئيس بوتين كان في صدارة "المهنئين بها"، وهو الذي لم يصدر بدوره تصريحا واحدا في هذا الشأن، مفسحا المجال امام "البيانات الدبلوماسية" التي صدرت عن الخارجية الروسية على غرار "تاييد طموحات الشعب المصري وتطلعاته صوب الديموقراطية والتغيير"، على عكس الحال بالنسبة لثورة "30 يونيو2013" وخاصة بعد الاطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في الثالث من يوليو 2013 ، والتي رفضت موسكو الرسمية اعتبارها "انقلابا" كما كان البعض يحاول الترويج لذلك في اروقة بعض الدوائر الغربية، في نفس الوقت الذي تبدت فيه ادانة موسكو واضحة لثورات الربيع العربي التي وجدت فيها الوجه الاخر للثورات الملونة في الفضاء السوفييتي السابق. ولم يكن ذلك كله ليتم بعيدا عن "براعة وبراجماتية" عميد الدبلوماسية الروسية سيرجي لافروف الذي احتفلت موسكو مؤخرا ببلوغه الخامسة والستين من العمر وبمنحه الكثير من الاوسمة ومكافآت الوطن لقاء ما قدمه ويقدمه من مآثر جليلة.

........................

الأهرام القاهرية   

 

  3 

 

التقارب الروسي ـ الأمريكي

يضع الصين على هامش السياسة العالمية

التقارب الروسي ـ الامريكي الذي كشفت عنه نتائج الزيارة التي قام بها الرئيس فلاديمير بوتين للولايات المتحدة تحول الى مادة خصبة للجدل في اوساط المراقبين من منظور توازنات القوى في الساحة الدولية والتغيرات التي طرأت بعد احداث الحادي عشر من سبتبمر (ايلول) الماضي. وقد جاء سقوط كابل على ايدي قوات التحالف الشمالي ليثير المزيد من النقاش حول حقيقة مواقف الاطراف الفاعلة في الازمة والبلدان ذات التأثير الاكبر بحكم التاريخ واستنادا الى تضاريس الجغرافيا.

في هذا السياق تظهر التساؤلات حول مواقع الصين على خريطة هذه الاحداث وهي التي طالما كانت طرفا فاعلا مؤثرا في هذه المنطقة بحكم موقعها الجغرافي المتاخم لافغانستان وباكستان وعلاقاتها مع كل من هاتين الدولتين فضلا عن العلاقات القديمة مع الهند وايران وبطبيعة الحال ايضا مع روسيا وبلدان آسيا الوسطى.

فعلى الرغم من حرص واشنطن على استمالة بكين الى جوار حملتها ضد الارهاب ظلت الصين عند موقفها الرافض لأية مشاركة عسكرية، ولم نسمع انها قدمت ما سمح الآخرون من بلدان الجوار بتقديمه مثلما فعلت بلدان آسيا الوسطى.. ولا نقول باكستان. ويذكر المراقبون ان بكين اكتفت باعلان ادانتها للارهاب وناقشت هذه القضية خلال قمة شنغهاي من منظور تاريخ الامس القريب. وتاريخ ذلك الامس القريب يكشف عن الكثير من المفارقات وفي مقدمتها ان الصين كانت وعلى مدى سنوات طوال في خندق واحد في الثمانينات في مواجهة اصدقاء اليوم من ابناء موسكو.

ولقد وقفت الصين مؤيدة على طول الخط للمقاومة العسكرية للقوات السوفياتية في افغانستان، وتحالفت مع كل من واشنطن واسلام اباد وطهران وبعض الدول العربية التي تزعمت حملة امداد وتمويل المجاهدين الافغان والمتطوعين العرب لمقاومة الوجود السوفياتي بالدرجة الاولى في اطار خطة امريكية وسيناريو غربي ـ عربي، لم يكونا يستهدفان تغيير النظام القائم هناك بزعامة بابراك كارمال ثم نجيب الله فيما بعد بقدر ما كانا يستهدفان اخراج السوفيات من هناك. ونسوق دليلا على ذلك تعاون العاصمتين بكين وموسكو لاحقا بعد خروج القوات السوفياتية في عام 1989 ما سمح لنظام نجيب الله البقاء لمدة تقترب من ثلاثة اعوام رغم توقف الدعم المادي والعسكري من جانب موسكو السوفياتية ثم الروسية. وتقول الشواهد ان بكين جنحت نحو موسكو وتبنت مواقفها المناهضة لتقدم طالبان باعداد وتموين امريكي ـ عربي على نحو كشف عن مخاوف كلتيهما من خطر ما يسمى بالاصولية والتطرف الديني.

ولعل ذلك يفسره ما وقع من احداث في المحافظات الصينية ذات الاغلبية الاسلامية ومحاولات طالبان تدعيم اتصالاتها مع الاويجور الانفصاليين هناك من «تنظيم تركستان الشرقية» الذي رفع لواء الاستقلال عن الصين. يفسر ذلك ايضا قبول موسكو للتعاون مع خصوم واعداء الامس الذين طالما ناصبوها العداء وقتلوا الكثير من جنودها وضباطها في افغانستان، من فصائل احمد شاه مسعود والجنرال عبد الرشيد دستم. ويعلم الكثيرون ما سبق أن اعلنته موسكو غير مرة بشأن اخطار التطرف الديني من جانب نظام طالبان الذي اتهمته ايضا بالوقوف وراء مقاتلي الشيشان واغراق بلدان الكومنولث بالمخدرات.

وبهذا الصدد يحتدم خلاف داخلي بين موسكو والمهاجرين الافغان من كبار ممثلي النظام الشيوعي السابق ممن لجأوا اليها بعد سقوط نظام نجيب الله ومنهم من ينتمي الى قبائل البشتون الذين يقفون على طرفي نقيض مع ممثلي تحالف الشمال من ابناء القوميتين التاجيكية والاوزبكية. ورغم التأييد الصامت من جانب الصين لقوات تحالف الشمال تظل بكين على مقربة من باكستان متفهمة لمواقفها وداعمة لسياساتها التي سبق ان تبنت انضمام المعتدلين من نظام طالبان الى الحكومة الانتقالية الائتلافية المقبلة في كابل. غير ان الاهم كما يبدو يظل في تحفظات الصين تجاه تعزز الوجود الامريكي في بلدان آسيا الوسطى واستخدام القوات الاطلنطية لمطارات وقواعد اوزبكستان وتاجيكستان وخاصة ان احدا لم يكشف في هاتين الجمهوريتين عن الاتصالات التي استهدفت تهدئة روع بكين بهذا الشأن. وفي هذا السياق ثمة من يقول ان التقارب الروسي ـ الامريكي ساهم عمليا في الالقاء بالصين الى هامش السياسة العالمية رغم كل محاولاتها التي بذلتها في شنغهاي وفي قمة زعماء بلدان آسيا والمحيط الهادي من اجل البقاء لاعبا اساسيا في هذه الساحة وهو ما تواصل التأكيد عليه من خلال تمسكها بضرورة العودة الى الامم المتحدة ومجلس الأمن والعمل من خلال الشرعية الدولية وتفعيل الآلية التي سبق أن جرى الحديث عنها في اطار مشاركة البلدان الستة المتاخمة لافغانستان اضافة الى روسيا والولايات المتحدة.

...................................

الشرق الأوسط اللندنية

 

 

 

  4 

أوكرانيا تشعل نيران العداء لروسيا..

والكرملين يدين تزوير التاريخ 

 

القرارات التى صدرت عن البرلمان الأوكرانى (مجلس الرادا) حول مساواة الشيوعية بالنازية وإعادة النظر فى تاريخ الحرب العالمية الثانية، تنذر باندلاع موجة جديدة من المواجهة بين روسيا وأوكرانيا، فى توقيت تتواصل فيه محاولات طمس ملامح الماضى المشترك بين البلدين "السلافيين" وتشويه ما تحقق من إنجازات خلال سنوات السلطة السوفيتية، بما فيها تحقيق النصر على جحافل الفاشية وتحرير كل بلدان شرق أوروبا من الاحتلال النازى.

مع قرب حلول الذكرى السبعين لذكرى النصر على الفاشية فى الحرب العالمية الثانية، تتصاعد حدة المواجهة والتوتر بين السلطة الجديدة فى كييف، والدولة الروسية على خلفية الانقلاب على الماضى المشترك، واستمرار المساعى الرامية إلى ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبى. فبعد الأحداث التى أعقبت التنكر للاتفاق الموقع بين فصائل المعارضة والرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش فى فبراير 2014، وأسفرت عمليا عن تقويض كل وشائج الصلات والعلاقات مع روسيا وبلدان الفضاء السوفيتى السابق، تحولت كل آليات السلطة فى أوكرانيا صوب الانتقام من الماضى الذى جمعها مع تلك البلدان بما فى ذلك رموز العصر الشيوعى الذين تدين لهم أوكرانيا بكل مكتسباتها الجغرافية، التى كفلت لها ضم كل هذه المساحات الشاسعة فى شرق وغرب وجنوب الدولة الأوكرانية، رغم أنها لم تكن يوما ضمن أراضيها قبل انضمامها إلى الاتحاد السوفيتى فى مطلع عشرينيات القرن الماضى. وقد جاءت القرارات التى صدرت فى نهاية الأسبوع الماضى عن مجلس الرادا بشأن مساواة "الشيوعية بالأيديولوجية النازية"، وتجريم وحظر التنظيمات والدعاية الشيوعية فى أوكرانيا، وإزالة الرموز السوفيتية، ومراجعة المناهج الدراسية و"تصحيح المفاهيم التاريخية"، بما فى ذلك نتائج الحرب العالمية الثانية، والدور البطولى للشعب السوفيتى الذى حقق النصر على الفاشية، لتفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع موسكو ومع كل رموز الحق والشرف فى التاريخ المشترك. وقد حددت لمهمة إتمام القطيعة مع رموز الماضى مساحة زمنية تنتهى فى التاسع من مايو المقبل، وهو التاريخ المحدد لاحتفالات روسيا وكل شعوب الاتحاد السوفيتى السابق بذكرى الانتصار على الفاشية.

 ولذا فلم يكن غريبا أن تنطلق جحافل النازيين الجدد فى أوكرانيا مدعومة من جانب ممثلى القوى القومية المتطرفة التى تواصل استنهاض القوى المعادية للتقارب مع روسيا، لتواصل حملاتها الليلية لتدمير تماثيل رموز العصر السوفيتى من قيادات الحزب الشيوعى والدولة السوفيتية فى عدد من كبريات المدن الأوكرانية. ولم تقتصر هذه الحملات التخريبية على رموز السياسة والقوات المسلحة، بل وتجاوزتها لتشمل رموز الأدب والثقافة والفنون!. وكانت السلطات الأوكرانية استبقت هذه الإجراءات بمراسيم رئاسية تمنع إذاعة وعرض الأفلام التليفزيونية والشرائط السينمائية والمواد الإذاعية الروسية فى كل أراضى أوكرانيا، فضلا عن طرد ما يقرب من مائة من مراسلى وممثلى الصحف والمطبوعات والقنوات التليفزيونية الروسية بعد إلغاء قرار اعتمادهم للعمل داخل الأراضى الأوكرانية. ولما كان من الصعوبة بمكان المضى قدما على طريق إنكار الدور الهائل الذى لعبته الشعوب السوفيتية، وفى مقدمتها الشعب الروسى فى الحرب العالمية الثانية، وهو ما جرى تسجيله فى أكثر من وثيقة دولية، فقد حاول أرسينى ياتسينيوك رئيس الحكومة الأوكرانية الذى قد يكون يدين ربما بحياته وحياة ذويه من ذوى الأصول اليهودية إلى ما قامت به هذه الشعوب من أدوار بطولية لإنقاذهم من محارق النازية ومنها الهولوكوست وبابى يار فى أوكرانيا، أن يقلل من دور الشعب الروسى فى تحقيق النصر على الفاشية. فقد راح يتهم روسيا بمحاولة إعادة كتابة التاريخ ومحاولة الانفراد بتحقيق النصر دون أوكرانيا على ألمانيا النازية، مؤكدا أن أربعين فى المائة من خسائر الاتحاد السوفيتى السابق كانت تكبدتها أوكرانيا. وثمة من يقول إن ياتسينيوك و"رفاقه" من القوى المعادية لروسيا ولرموز وتاريخ الماضى، تحاول اللحاق بمواكب "الهرتلة" التى انطلقت فى الولايات المتحدة وعدد من البلدان الغربية فى محاولة لسلب الشعوب السوفيتية أكاليل الغار التى توجت هامات الملايين من ابنائها ممن حققوا النصر على الفاشية وقاموا بتحرير الكثير من شعوب كل بلدان أوروبا الشرقية.

ومن اللافت أن كل هذه الإجراءات المعادية لموسكو وتاريخها اندلعت فى إطار حملة كاملة العدد بعد سبعين عاما من تاريخ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يشهد العالم خلالها أى بوادر يمكن أن تثير الشكوك فى الدور التاريخى الذى لعبته الشعوب السوفيتية فى تلك الحرب، وهو ما تأكد فى أكثر من مناسبة، باعتراف الكثيرين من زعماء الغرب ممن شارك بعضهم فى مؤتمر يالطا فى شبه جزيرة القرم على ضفاف البحر الأسود، وكانت تتبع آنذاك جمهورية روسيا الاتحادية وليس أوكرانيا. ومن هؤلاء كان الأمريكى فرانكلين روزفلت، والبريطانى ونستون تشرشل، اللذان وصلا فى فبراير 1945 إلى القرم بدعوة من الزعيم السوفيتى ستالين ليشاطراه خطة النصر و"توزيع الغنائم"، بعد أن سبق وحاولا أكثر من مرة تأجيل فتح الجبهة الغربية للقتال ضد القوى الهتلرية، ولم يفعلا ذلك إلا بعد أن خشيا انفراد القوات السوفيتية بأكاليل النصر بعد أن استطاعت تحقيق الكثير من الانتصارات المجيدة على الجبهة الشرقية، بدءا من معركة ستالينجراد التى استمرت لمائتى يوم وحتى وصولها برلين، ومرورا بفك حصار لينينجراد البطلة التى طالما ظلت عصية على الاستسلام أمام جحافل الهتلريين لما يزيد عن تسعمائة يوم، متمسكة بصمودها لما يقرب من ثلاث سنوات. وهناك الكثير من الشواهد التى تقول إن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تَجِدا للحاق بالانتصارات السوفيتية، إلا بعد أن وصلت القوات السوفيتية جبال الألب، حيث التقت هناك بالقوات البريطانية والأمريكية، فيما كانت هذه القوات السباقة برفع علم النصر السوفيتى على الرايخستاج فى برلين فى السابع من مايو 1945 قبل وصول القوات الغربية. وفى ذاكرة الملايين متسع للمشاهد التاريخية التى سجلتها الشرائط الوثائقية لإلقاء أعلام الوحدات العسكرية الفاشية تحت أقدام كل المشاركين فى العرض العسكرى التاريخى الذى أقيم فى الميدان الأحمر احتفالا بالنصر فى مايو 1945.

وبهذه المناسبة أشارت "الصحيفة المستقلة" فى ملحقها الخاص بالشئون العسكرية تعليقا على محاولات استلاب الغربيين أكاليل النصر من موسكو، والتقليل من شأن ما قامت به من بطولات لدحر جحافل النازية، أن ونستون تشرشل اضطر إلى الاعتراف "بأن كل ما قاموا به من عمليات عسكرية كان على نطاق محدود بالمقارنة بالجهود الجبارة التى قامت بها روسيا". اما كورديل هيل وزير خارجية روزفلت فى ذلك الحين فقد قال :" يجب علينا أن نتذكر دائما أن الدور البطولى الذى قام به الروس ضد ألمانيا أنقذ الحلفاء ربما، من عقد صلح منفرد مع الألمان، كان يمكن يكون مهينا للحلفاء ويفتح الباب مجددا أمام حروب قد تمتد لثلاثين عاما".

وإذا كان زعماء الدول الغربية يتسابقون اليوم فى الإعلان عن رفضهم المشاركة فى احتفالات موسكو بالذكرى السبعين للنصر على الفاشية عقب إعلان الرئيس الأمريكى أوباما رفضه قبول الدعوة التى بعثت بها إليه اللجنة المنظمة للاحتفالات، فى محاولة لإفساد الأجواء الاحتفالية للمناسبة، وإلقاء ظلال الشك على الانتصارات السوفيتية (اقرأها الروسية)، فان الماضى القريب لا يزال يذكر تسابق هؤلاء للمشاركة فى الاحتفالات التى جرت فى المناسبات المماثلة السابقة، ومنها التى أقيمت فى موسكو وسان بطرسبورج بمناسبة الذكرى الخمسين، والستين للنصر على الفاشية، وحضرها زعماء ذلك الزمان ومنهم بيل كلينتون، وبعده جورج بوش الابن، اعترافا من جانبهم بعدالة المناسبة ومنطقية المشاركة.  

أما عن أوكرانيا التى تواصل سلطاتها وقياداتها الموالية للغرب محاولات طمس التاريخ المشترك، فقد تناست ما فعله الزعماء الشيوعيون ومنهم الأوكرانيون لتحقيق المصالح الوطنية والجغرافية للدولة الأوكرانية، من أمثال خروشوف، وبودجورنى، وبريجنيف. وعلى سبيل المثال لا الحصر يتناسى من يتزعم اليوم حملة العداء للماضى ورموزه الشيوعية فى أوكرانيا ما فعله لينين زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية حين أقر فى مطلع العشرينيات نقل تبعية منطقة الدونباس فى جنوب شرق أوكرانيا إلى الجمهورية الأوكرانية فى إطار تعزيز أواصر الصلات بين ممثلى البروليتاريا فى المنطقتين، وإيجاد طبقة عاملة قوية استنادا إلى أركان القاعدة الصناعية التى كانت موجودة فى تلك المنطقة. ويتناسى هؤلاء أيضا أن ستالين الجورجى الأصل الشيوعى العقيدة والانتماء، كان صاحب مبادرة ضم كل المناطق الواقعة غرب أوكرانيا، والتى جرى اقتطاعها نتيجة انتصارات الحرب العالمية الثانية من بولندا ورومانيا، ومنها لفوف وغيرها من كبريات المدن الأوكرانية. ويتناسى هؤلاء ثالثا أن نيكيتا خروشوف الأوكرانى القومية والأمين الأول للحزب الشيوعى السوفيتى، هو الذى كان اتخذ قرار ضم شبه جزيرة القرم إلى التبعية الإدارية لأوكرانيا فى عام 1954.

على أن السلطات الأوكرانية لم تقتصر على مجرد طمس ملامح الماضى وتغيير تضاريس الجغرافيا ووقائع التاريخ، بل وتمضى فى طريقها إلى ما هو أبعد، حيث تمجد أسماء الكثيرين من الرموز التى طالما وصمها تاريخ الأمس القريب بالخيانة وبيع مصالح الوطن، مثل ستيبان بانديرا المثير للجدل، والذى يقولون اليوم فى أوكرانيا إنه كان زعيما لحركة تحرير أوكرانيا، بينما ظلت السلطة السوفيتية ولسنوات طوال تعتبره "متعاونا مع النازية". وبغض النظر عن تباين الرؤى والتوجهات تجاه بعض رموز الماضى وأحداثه، فان الحقائق ووقائع التاريخ، القريب منه والبعيد، لا يمكن أن تكون فى خلاف مع ذاكرة الشعوب التى لن تنال منها مقاطعة عدد من زعماء الحاضر ممن يقفون فى غير وئام مع الماضى، لاحتفالات موسكو المرتقبة بالذكرى السبعين لدحر جحافل الفاشية الهتلرية . 

....................................

* المصدر: الأهرام القاهرية

 

 

  5 

السفير محمود المغربي سفير مصر في المجر:

مصر والمجر..

علاقات متميزة

تستحق البناء عليها

 

مع اقتراب موعد الزيارة الرسمية لرئيس الحكومة المجرية للقاهرة في نهاية مايو الحالى يستعيد الكثيرون من المراقبين ما حفل ويحفل به تاريخ البلدين من نقاط مضيئة ومواقف مشتركة تقول بضرورة البناء عليها وتطويرها الى المستوى الذي يتسق مع ثوابت الأمس القريب، منذ توقف خيار القاهرة عند المجر بوصفها أحد أهم محاور علاقات مصر الاستراتيجية مع بلدان ما كان يسمى المعسكر الاشتراكي في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي.

وها هما البلدان يقفان على أعتاب مرحلة جديدة تشى ملامحها بالكثير من الآمال التي يعقدها الشعبان على تحركات القيادة السياسية في البلدين خلال الفترة المقبلة.

وما أن تلتقط الأسماع اسم المجر حتى يتقافز الى الأذهان الكثير من مشاهد الماضي القريب، بداية من القطار المجرى الذي كان ولا يزال عنوانا يوحى بالكثير من الآمال في استعادة ما فات، وحتى الكثير من المشروعات المشتركة التي تحققت في خمسينات وستينيات القرن الفائت. كانت المجر ولا تزال مقصدا ترومه الأخيلة بحثا عن التعاون المنشود، بما يعلقه المصريون عليه من آمال كبار في التنمية والتطور والتقدم في مختلف مجالات الصناعة والزراعة والعلوم. ولذا لم يكن غريبا أن تجد القاهرة في بودابست من يشاطرها ذات المشاعر التي قد تكون تفسيرا لكون القيادة المجرية الأولى في شرق أوروبا التي بادرت بالاعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو، وقرارات الثالث من يوليو 2013.

لم يكن غريبا أيضا أن تبادر القيادة المجرية بإعلان قرارها حول عدم وقف السياحة المجرية واستمرار الطيران المباشر مع مصر، في الوقت الذي تراجع فيه آخرون كثيرون عن اتخاذ مثل هذا القرار حين تعرضت مصر والمنطقة لضربات الإرهاب الدولي. غير أنه وعلى الرغم من قِدَم علاقات البلدين التي تعود الى عام 1928 أي الى ما يقرب من ثمانين عاما، فإن الواقع الموضوعي يقول بتراجع ملموس لا يليق بتاريخ البلدين، وبما سبق وحققاه من مستوى متميز في القرن الماضي. ولعل استعراض ما كانت عليه العلاقات إبان تلك الحقبة التاريخية ذات الانجازات الباهرة والمبهرة يقول بإمكانية استدعاء خبرات الماضي من أجل البناء عليها. ولعل ذلك هو ما قد يفسر توقف خيار الرئيس السيسي عند بودابست دون بقية عواصم أوروبا الشرقية لزيارتها في يونيو من العام الماضي معلنا عن حقبة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، على ضوء ما قاله اوربان في مؤتمره الصحفي المشترك مع السيسي في يونيو الماضي. وكان رئيس الحكومة المجرية أكد "أن مصر بلد متفرد، يرتبط به استقرار المنطقة العربية بأسرها. ولما كان العالم صار مرتبطا كل بالآخر فإنه يمكن القول إن اوروبا لن تتمتع بالاستقرار دون مصر المستقرة".

وفي محاولة لاستيضاح "حالة وآفاق العلاقات المصرية المجرية على ضوء ما تحقق خلال زيارة العام الفائت، «توجهت الأهرام» في بودابست الي من عهدت إليه مصر وقيادتها السياسية متابعة وتطوير هذه العلاقات. وهو ما رد عليه السفير محمود المغربي سفير مصر في المجر حيث أكد أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الي المجر في يونيو الفائت، أكسبت العلاقات الثنائية زخمًا سياسيًا وبُعدًا اقتصاديًا جديدًا يتناسب مع مقومات البلدين؛ فعلي الصعيد السياسي تمكن الجانب المجري ـ الذي يُكن احترامًا لتوجهات السياسة الخارجية المصرية ـ من التعرف علي التقييم المصري لواقع الأزمات في المنطقة وتصورات تسويتها واكتسب الطرح المصري مصداقيته انطلاقًا من تيقُن الجانب المجري بأن مصر لا تمتلك أجندات مستترة أو أطماعا ما عند طرحها لرؤية تسوية الأزمات، فضلا عن الاقتناع بأن مصر هي لاعب محوري وأساسي في المنطقة وضامن لاستقرارها ولاستقرار المحيط الأوروبي في مُجمله". ومضى السفير المغربي ليقول "إن زيارة الرئيس السيسي مكنت علي الصعيد الاقتصادي من طرح مشروعات المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ خاصة ما يُمثل منها للمجر قيمة مُضافة في ضوء خبراته المتراكمة في قطاعات الإنشاءات والزراعة وإدارة موارد المياه، وهي مجالات تُتيح التعاون المشترك".

وتوقف السفير عند أعمال اللجنة الحكومية المشتركة التي تُعد "الإطار المُنظم للعلاقات الاقتصادية والثقافية الثنائية" ليقول:

"إنها اجتمعت في بودابست في العام الفائت، وتم التوقيع خلالها علي مذكرات تفاهم للتعاون في مجال الزراعة والصحة النباتية وأخري في مجال إدارة الموارد المائية ليُضاف ذلك إلي ما تم توقيعه خلال الزيارة الرئاسية من إعلان سياسي للتعاون الاستراتيجي والبرنامج التنفيذي للتعاون الثقافي والتعليمي والذي أتاحت بموجبه المجر للطلبة المصريين مائة منحة للدراسة الجامعية في المجالات التي نحددها وتتناسب مع أولوياتنا، فضلا عن اتفاق للتعاون في مجال السياحة تذليلا للمعوقات التي قد تحول دون تدفق السائحين في الاتجاهين".

وحول مجالات التعاون بين البلدين قال سفير مصر في بودابست:

"اتصالا بتنوع المقومات الاقتصادية المجرية يُمكن للعلاقة بين البلدين ان تنطلق إلي آفاق أرحب تحقيقًا للمصلحة المشتركة؛ فالجانب المجري يعمل علي تعظيم مكاسب الشركات الخاصة وإيجاد فرص لاستثماراتها في الخارج وارتبط هذا التوجه بالسياسة الجديدة للانفتاح نحو الشرق ونحو الجنوب خروجًا عن الإطار التقليدى للعلاقات مع الدول الغربية.

واضاف في سياق التعاون الاقتصادي، تُتيح المشروعات الاقتصادية الكبرى في مصر فرصة مواتية للمشاركة المجرية؛ فعلي سبيل المثال يُمكن للشركات المجرية المشاركة الفعالة في مشروع استصلاح الأراضي بمراحله وفي المناقصات المطروحة في مجال الطاقة المتجددة وبناء محطات الكهرباء.

وعن احتمالات مشاركة المجر في المنطقة الاقتصادية لخليج السويس قال السفير:

"لا يُمكن تجاهل ما تُتيحه المنطقة الاقتصادية لخليج السويس من فرص استثمارية لإقامة مشروعات مشتركة خاصة في مجال معدات السكك الحديدية، وهو مجال متقدم في المجر وحظى في السابق بتعاون مع مصر منذ ستينيات القرن الماضي، ويُتيح التصنيع المشترك التصدير الي سوق ثالث استفادة من اتفاقيات التجارة الحرة ومن عضوية مصر في تجمع الكوميسا، وهو توجه يتناسب مع الطموحات المجرية في الانفتاح نحو الجنوب".

غير أن الواقع يقول بضرورة التوقف طويلا عند هذه القضايا التي لا تزال تصادف بعض التعثر على طريق التحول من الأقوال الى الأفعال". ولعل ذلك تحديدا يحملنا الى ما يتضمنه برنامج زيارة فيكتور اوربان رئيس الحكومة المجرية لمصر والتي سوف تستمر لمدة ثلاثة أيام تشهد انعقاد منتدى رجال الأعمال المصري المجري، الذي وصفه السفير المغربي بأنه "فعالية مهمة تستند الى ما حققه من نجاح في دورته الأولي التي عُقدت خلال زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الي بودابست في يونيو من العام الماضي".

وبهذا الشأن قال السفير :

"إن المنتدى يوفر الفرصة لكل من الجانبين لطرح اهتماماته. فبالنسبة للجانب المصري ستُكون الفرصة مواتية لعرض مشروعاتنا الاقتصادية الكبرى علي المشاركين من القطاع الخاص المجري الذي سيعرض بدوره المقومات الاقتصادية والخبرات المتراكمة للشركات المجرية. كما إنه سيوفر الفرصة لعقد دورة جديدة لمجلس الأعمال المشترك لرفع توصيات لتنمية العلاقات الاقتصادية رصدًا لمقوماتها وللمعوقات التي تعترض سبيل تنميتها" وتوقع السفير المغربي "مشاركة مجموعة كبيرة من رجال الأعمال ممثلين لنحو 70 شركة مجرية في مختلف قطاعات الأنشطة الاقتصادية.

وطبعا لم نكن لنغفل السؤال عن قضية الهجرة التي يتخذ اوربان رئيس الحكومة المجرية منها موقفا متميزا عن سائر أقرانه من زعماء بلدان الاتحاد الأوروبي.

قال السفير:

"كان تدفق الهجرة غير المشروعة وتنامي ظاهرة اللجوء خلال العام الفائت حاكمَا لأبعاد رئيسية في السياسة الخارجية المجرية؛ وقد تبنت المجر مع بداية الأزمة خطًا متشددًا ومناهضًا لاستقبال اللاجئين عن اقتناع بأن التعامل مع الأزمة يجب أن يبدأ بالحلول السياسية في مناطق نشوئها وأنه يجب بقاء اللاجئين والنازحين في مناطق قريبة لدولهم الأصلية حتي تسهُل عودتهم فور إقرار التسويات السياسية، ولاقى الموقف المجري انتقادًا من الدول الأوروبية الرئيسية قبل أن يُنتقد من العديد من الدول الاسلامية التي أدانت ربط الإرهاب بالإسلام وبالمهاجرين في مواقع عديدة من خطاب المسئولين المجريين".

ومضى السفير المصري في بودابست ليقول: "يُقدر المسئولون المجريون استضافة مصر للاجئين من دول الجوار وقبولهم كأشقاء للمواطنين المصريين، كما يتفهم الجانب المجري السياق العام للأحداث في المنطقة وفي مصر التي تبذل جهودًا لمحاربة الإرهاب ولإجتثثاث جذوره وينعكس هذا التفهم في المواقف المجرية في إطار المنظمات الإقليمية والدولية؛ فالمجريون يدركون أن استقرار مصر حتمي لاستقرار المنطقة ولضبط تدفق الهجرة إلي أوروبا ولمناهضة التوجهات المتطرفة في المنطقة الهادفة إلي تقسيمها طائفيًا".

ويبقي أن نقول أن رئيس الحكومة المجرية اختار ذكرى ميلاده في 31 مايو منذ ثلاثة وخمسين عاما ليكون موعدا لزيارته للقاهرة. و"الأهرام" إذ تتقدم إليه بالتهنئة بهذه المناسبة، ترجو أن تسفر الزيارة عن أطيب النتائج بما يعود بالكثير من الخير والرخاء للبلدين .. مصر والمجر.

.............

المصدر: الأهرام القاهرية

 

 

  6 

قمة بوتين ـ أردوغان

و"نموذج"

«تسوية المشاكل العالقة مع موسكو»

 

 

أعلنت موسكو رسميا عن تحديد التاسع من أغسطس الجاري موعدا للقمة المرتقبة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سان بطرسبورج.

وقد جاء الاتفاق حول هذا الإعلان في أعقاب العديد من اللقاءات والاتصالات بما في ذلك على مستوى الرئيسين، والتي تناولت ما طرحته موسكو بشكل مباشر و«غير مباشر» على أنقرة شرطا لعودة العلاقات بين البلدين الى سابق عهدها، وهو ما قد يكون نموذجا لكيفية الخروج من «ربقة» المشاكل التي تتناثر على طريق العلاقات المصرية الروسية منذ حادث اسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء.

سعيا وراء ما يمكن أن يقي تركيا عثرات الحاضر، بما تتضمنه في طياتها من مشاكل مع بلدان الاتحاد الأوروبي، و«خيبة أمل» في احتمالات الدعم من جانب شركائها في «حلف الناتو»، أوفدت انقرة خلال الأيام القليلة الماضية الى موسكو نائب رئيس الحكومة التركية محمد شيمشيك على رأس أكبر وفد حكومي منذ ما قبل احتدام الأزمة بين البلدين، يضم كلا من وزيري السياحة والاقتصاد وكبار ممثلي عدد من الوزارات الأخرى بما فيها الطاقة. تحولت أنقرة الى المسار العملي الأفضل لإدارة أزماتها مع موسكو. التقطت ما أرسلته موسكو في أكثر من مناسبة من إشارات. وكان الرئيسان بوتين وأردوغان تبادلا أكثر من مكالمة هاتفية منذ إعلان الرئيس التركي عن اعتذاره عن إسقاط القاذفة الروسية في نوفمبر الماضي، واستعداده لدفع التعويضات اللازمة، وهو ما ردت عليه موسكو بإعلان استعدادها لاستئناف العلاقات التجارية والاقتصادية، وعودة السائحين الروس، بعد شهور عجاف أتت على الأخضر واليابس في علاقات البلدين. وخلص الجانبان الى الاعتراف بأن العلاقات التي طالما شهدت أقصى درجات «الحميمية»، تحولت بين عشية وضحاها الى ما هو أقرب الى «العداء المستعر»، فضلا عن تدهور مستوى التبادل التجاري الى بضعة مليارات، بعد أن كان تجاوز الثلاثين مليارا.

ولم يكن الامر في مجال السياحة في حاجة الى مراجعات أو مناقشات، لما اتسم به من وضوح صارخ، ثمة من قال في موسكو أن الجانبين ومعهما بلدان أخرى في المنطقة، في أمس الحاجة الى مثيله، لدى بحث مشروعات التعاون المشترك في مجال الطاقة. وننقل عن مصادر قريبة من مباحثات الجانبين ما قالته حول أن كلا من طرفي المباحثات صارح الآخر بضرورة القفز على مشاكل الأمس القريب، والانصراف الى بحث مجمل القضايا المشتركة مع أهمية التركيز على النقاط المحورية والركائز الرئيسية في علاقات البلدين. وفي هذا الشأن نتوقف عند ما وصفته مصادر روسية بأنه «الأهم»، ويتعلق بمشروعات التعاون المشترك في مجالات الطاقة وفي مقدمتها مشروع محطة «اكويو» التي تعهدت مؤسسة «روس اتوم» (الطاقة النووية الروسية) ببنائها، ومشروع بناء خطوط أنابيب نقل الغاز «السيل التركي» جنوبي البحر الاسود. وبهذه المناسبة نشير الى أن تركيا كانت «تلكأت» في تنفيذ تعهداتها بخصوص مشروع محطة «اكويو» في توقيت سجلت فيه موسكو إشارات تقول باحتمالات التوقف الكامل للمشروع التركي أو تنفيذه من خلال «منافسين أجانب».

أما عن المشروع الآخر وهو مشروع «السيل التركي» فقد كان من المقرر الانتهاء منه في عام 2019 وهو الموعد الذي تنتهي فيه الاتفاقية الموقعة بين روسيا وأوكرانيا بخصوص نقل الغاز عبر الأراضي الأوكرانية. ولذا كان من المهم بالنسبة لروسيا تأمين السبل اللازمة لنقل صادراتها من الغاز عبر «السيل التركي» الى الشركاء الاوروبيين، بعد تعذر تنفيذ مشروع «السيل الشمالي -2» عبر بحر البلطيق بسبب تراجع بولندا وشركائها، واعتذار بلغاريا تحت ضغط الاتحاد الأوروبي عن المشاركة في تنفيذ مشروع «السيل الجنوبي» البديل.

وفي هذا الشأن خلص وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك مع نهاد زيبكجي وزير الاقتصاد التركي ورئيس اللجنة الحكومية المشتركة، الى تأكيد أهمية المشروع للطرفين، فضلا عن اعتراف الجانب الروسي بأن مؤسسة «غاز بروم» كانت انتهت من بناء الجزء الأعظم من المشروع، بما يعنى أن إلغاءه يمكن أن يكلفها خسائر تقدر بما يزيد على أربعمائة مليار روبل أي ما يقرب من سبعة مليارات دولار. وكشفت المصادر الروسية عن أن الوزيرين حرصا بعد انتهاء مباحثاتهما في موسكو، على أن تتسم تصريحاتهما بالكثير من التحفظ، رغم أن ما أدليا به من تصريحات يحمل طابع «التفاؤل». ولعل أفضل تأكيد لما يوليه الجانب الروسي من أهمية لتسوية هذا المشروع، ما قاله دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين في تصريحه حول "أن القضية هي في حقيقة الأمر مسألة منفعة، مسألة شروط تجارية ومناخ سياسي يسوده الثقة، التي تعد أفضل ضمانة لخلق ظروف اقتصادية جذابة"، وهو ما لا بد من التوقف عنده طويلا لما له من دلالات سياسية يمكن أن تنسحب علي "الحالة المصرية ـ الروسية" التي طالما وصفها الكثيرون في موسكو والقاهرة بأنها «واعدة».

ولعل ما أحرزه الجانبان من تقدم على طريق تسوية خلافات البلدين تجاه هذين المشروعين كان مقدمة أكثر من مناسبة لإعلان البلدين عن قرب تسوية القضايا الثانوية ذات الشعبية الواسعة النطاق في العلاقات الروسية التركية. ومن هذه القضايا «استئناف حركة السياحة الروسية الى المنتجعات التركية مع تشغيل رحلات «الشارتر» الى تركيا، فضلا عن استئناف صادرات تركيا من الخضراوات والفواكه الى الأسواق الروسية والسماح بعودة العمالة التركية الى أسواق البناء والعمارة في روسيا، وهى القضايا التي كان الجانبان اعترفا بأنها راحت ضحية «الخلافات السياسية». ولذا فلم يكن من الصعب على وزراء السياحة والاقتصاد في كل من البلدين سرعة التوصل الى حلول عاجلة لتجاوز كل ما يمكن أن يحول دون عودتها الى وضعها السابق.

وبهذا الصدد اكتفي اركادى دفوركوفيتش نائب رئيس الحكومة الروسية، بتأكيد أن الجانب الروسي يطالب تركيا بضرورة اتخاذ ما يلزم من إجراءات أمنية لحماية السائحين الروس. ونعيد الى الأذهان في سياق المقارنة بين علاقات روسيا مع كل من مصر وتركيا، أن موسكو لم توقف يوما واحدا رحلات شركة الطيران التركية رغم كل ما لحق بعلاقاتها مع تركيا من ضربات «عدائية»، في الوقت الذي سارعت باتخاذ قرارها باستئناف حركة السياحة الروسية فور الإعلان عن اعتذار أردوغان وهو ما يدفع الى التفكير في جدوى الاستفادة من سيناريو «مسلسل» عودة العلاقات الروسية التركية، على ضوء ما كشفت عنه مصادر الجانبين حول أن مشاكل السياحة والشارتر وعودة صادرات الفواكه والخضراوات التركية في سبيلها الى التراجع والاندثار بعد توصل الطرفين الى الاتفاق بشان القضيتين المحوريتين في علاقات البلدين، وهما مشروع المحطة النووية، ومشروع «السيل التركي» لبناء أنابيب نقل صادرات الغاز الروسية الى أوروبا الذي كان البلدان اتفقا حوله في عام 2014 وهو ما يمكن لموسكو استغلاله لدى مباحثاتها مع الاتحاد الأوروبي للعودة الى مشروع «السيل الشمالي-2» الذي سبق وأشرنا إليه عاليه. في نفس الوقت الذي تظل فيه مشكلة بناء الخط الثاني لمشروع «السيل التركي» عالقة دون التوصل الى الحل المنشود، ينتظر الجانبان العودة إليها ثانية في إطار «لجنة العمل» المشتركة التي تقرر تشكيلها لبحث هذا الأمر في السادس من الشهر الحالى، بما يمكن معه طرح مجمل القضايا الخلافية، وغير الخلافية على القمة المرتقبة بين الرئيسين بوتين وأردوغان في سان بطرسبورج في التاسع من أغسطس الحالى، بما في ذلك وبطبيعة الحال الأزمة السورية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، انطلاقا من القول المأثور: "ليس هناك عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة.. المصالح هي الدائمة"!.

..........................

عن الأهرام القاهرية

 

 

  7 

جورباتشوف.. يتهم صديقه المصري

 

مع حلول الذكرى الخامسة والعشرين لانقلاب أغسطس 1991 الذى كان المقدمة العملية لانهيار الاتحاد السوفيتي تدفقت الذكريات ومعها الاتهامات المتبادلة بين نجوم ذلك الزمان وأبطال تلك الأحداث التى منها ما يظل «وراء أقفال سبعة». فما أن حاول ليونيد كرافتشوك الرئيس الأوكرانى الأسبق إماطة اللثام عن بعض تفاصيل ما جرى آنذاك «مغتصبا» لنفسه أكاليل تحقيق النصر، واعتبار أن أوكرانيا كانت المعول الرئيسى فى هدم الاتحاد السوفيتي، حتى انبرى الرئيس السوفيتى ميخائيل جورباتشوف لدفع مثل هذه الأحكام، مؤكدا أن بوريس يلتسين غريمه التاريخي، هو المسئول الرئيس عن انهيار الاتحاد السوفيتي، فى نفس الوقت الذى اتهمه فيه رئيس وزرائه نيكولاى ريجكوف بارتكاب الكثير من الأخطاء ومنها البدء بمحاولة الإصلاح السياسى قبل تحقيق الإصلاح الاقتصادي. وقد يكون محقا كل من هؤلاء فى أحكامه. فما قاله جورباتشوف حول الدور المباشر ليلتسين فى «مؤامرة» الانهيار صحيح إلى حد كبير، دون إغفال مسئولية جورباتشوف بطبيعة الحال عن التفريط فى وحدة الدولة، من منطلق كونه الرئيس الفعلى الذى كان يستطيع بما يملكه من صلاحيات دستورية وتنفيذية إنقاذ الاتحاد السوفيتى من التفكك مستندا الى نتائج استفتاء مارس 1991 الذى قالت نتيجته برغبة 76% من المواطنين فى الإبقاء عليه دولة موحدة. وما قاله كرافتشوك الرئيس الأوكرانى الأسبق صحيح أيضا حول أن أوكرانيا كانت المعول الرئيسى فى عملية هدم الاتحاد السوفييتى بوصفها الدولة الأكبر بعد روسيا بين جمهورياته الخمس عشرة، وهى التى أعلنت استقلالها فى 22 أغسطس أى بعد الانقلاب الفاشل مباشرة، فى وقت مواكب للكثير من الجدل حول نصوص المعاهدة الاتحادية التى كان يريد جورباتشوف أن تكون الآلية الجديدة لإنقاذ الدولة السوفيتية من شبح الانهيار. ونذكر أنه قال فى حديث معنا فى عام 1992 ـ وهو ما نشرناه على صفحات مجلة «المصور» فى حينه ـ أن يلتسين جاءه فى مطلع 1991، موفدا من قِبل جورباتشوف يحمل معه صيغة المعاهدة الاتحادية الجديدة لاستيضاح ملاحظاتنا على هذه الصياغة. وقال أن جورباتشوف على استعداد للموافقة على أية تعديلات تراها أوكرانيا لوضعها حيز التنفيذ. ومضى ليقول أنه رد على ذلك بسؤال يلتسين عن موقفه وما إذا كان يمكنه التوقيع على ذلك النص، ليفاجأ بقول يلتسين إنه لن يوقعها إلا بعد توقيع أوكرانيا. وحين أكد له رفض أوكرانيا التوقيع، قال يلتسين برفضه أيضا للتوقيع على تلك المعاهدة. ومن هنا كان الاتفاق بين الرئيسين كرافتشوك ويلتسين، ومعهما رئيس بيلاروس ستانيسلاف شوشكيفيتش، على توقيع معاهدة «بيلافجسكوية» وشاب فى 8 ديسمبر 1991 التى وضعت الأساس القانونى لعملية «الانهيار»، فى إطار «مؤامرة» رفض الانضمام إليها نور سلطان نزارييف فى اللحظة الأخيرة، وكان مدعوا ليكون «رابعهم».

وبذا يكون صحيحا ما قاله جورباتشوف حول أن يلتسين كان أهم معاول هدم الاتحاد السوفيتي، بنفس قدر صحة ما قاله كرافتشوك حول دور أوكرانيا فى انفراط عقد الدولة العظمى. وكان جورباتشوف أعلن فى أكثر من مناسبة عن مدى ما يعتصره من مرارة وخجل لكون يلتسين بادر بالاتصال بالرئيس الامريكى الأسبق جورج بوش الأب لإبلاغه بخبر توقيع معاهدة إنهاء وجود الاتحاد السوفيتى قبل أن يعلم بها رئيس الدولة، وهو ما كان يتفاخر به بوريس يلتسين. أما عن «اتهام جورباتشوف لصديقه المصري» الذى اخترناه عنوانا، فكان يتعلق بسؤال توجهنا به إليه، فى لقاء دعا إليه لوداع أعضاء فريقه، وبمجموعة صحفيى الكرملين ممن كانوا يحظون بشرف مرافقته فى رحلاته الخارجية. كان ذلك فى 26 ديسمبر 1991 بفندق «بريزيدنت» التابع للكرملين، أى فى اليوم التالى لإعلانه عن تنحيه عن رئاسة الدولة التى كانت فى سبيلها الى االاندثار رسميا فى آخر أيام ذلك العام، وهو ما أعاد جورباتشوف بعض تفاصيله فى مذكراته التى أودعها فى جزءين تحت عنوان «الحياة والإصلاحات». وما أن انتهى جورباتشوف من تصريحاته التى بدت أشبه بخطبة الوداع حتى وجدت نفسي وتحت تأثير العديد من الانفعالات وجيشان المشاعر، أسأله عن أسباب «تقاعسه» عن استخدام ما لديه من سلطات وآليات لإنقاذ الدولة العظمى من الانهيار، بما فى ذلك «اللجوء الى القوة المسلحة». وما أن فرغت من سؤالي، حتى انفجر جورباتشوف ليتهمنى بأننى وكأنما كنت أدعوه بذلك الى «إشعال حرب أهلية». وأعاد جورباتشوف الى الأذهان ما ظل يكابده من متاعب خلال ما يزيد على العام لإعداد «المعاهدة الاتحادية» لجمع شمل الدولة فى ظل الكثير من المؤامرات التى كان غريمه التاريخى بوريس يلتسين وراء الكثير منها. وقد ظل هذا «الاتهام» يلاحقنى مع كل لقاء يجمعنا مع الرئيس السوفيتى جورباتشوف، حيث أنه ما يكاد يرانى حتى يبادر الحضور بإعلان: هاكم صديقى المصرى الذى كان يريدنى إغراق البلاد فى لجاج الحرب الأهلية، وبحار الدماء بحجة إنقاذ الاتحاد السوفيتى من الانهيار. ورغم صحة «الاتهام»، بنفس قدر «منطقية» التبرير من منظور مخاوف سقوط الدولة فى نفس شرك الحرب الاهلية التى اشتعلت فى البلقان فى تسعينيات القرن الماضى قبيل انفراط عقد دولة يوغوسلافيا الاتحادية، فإننى أستطيع أن أؤكد أنه لو كان يلتسين فى موقع جورباتشوف ما كان ليمتنع عن استخدام القوة انقاذاً لوحدة الدولة، وهو الذى قصف برلمان روسيا بالدبابات فى الرابع من أكتوبر 1993 للقضاء على تمرد خصومه الذين حاولوا تنحيته عن عرش الكرملين، فى نفس الوقت الذى أؤكد فيه عدالة وصحة تقديرات رئيس حكومته ريجكوف حول أخطاء محاولة الإصلاح السياسى قبل إجراء الإصلاح الاقتصادى فى ظل أخطار المشكلة القومية.

 

..........................

عن الأهرام القاهرية

 

 

 

   amaramoscow@gmail.com      راسلوني