Bookmark and Share

هنا النمسا  /  من نحن

حدث الصفحة

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

 

التسامح ليس اتجاها واحداً

عمرو حمزاوي

  

فى النقاشات المصرية والعربية، نكثر من الحديث عن مواقف الرفض والعداء التى تتخذها الشعوب الأوروبية من الأقليات العربية والإسلامية التى تتألف من مهاجرين قدموا إليهم للإقامة والعمل. نشير أيضا باستمرار إلى القيود التى تفرضها الحكومات الأوروبية على تحركات هؤلاء الوافدين من بلاد الشرق ومساعيهم للحفاظ على ثقافتهم الأصلية وممارستهم لشعائر دينهم. ويرى العديد من الكتاب المصريين والعرب، وعينهم هنا على قضايا من شاكلة منع الدولة الفرنسية ارتداء الحجاب فى المؤسسات التعليمية، أن ذلك يوضح عدم جدية حكومات أوروبا الديمقراطية فيما تدعيه من اعتراف بمبدأ التنوع الثقافى والتسامح مع الآخر وإمكان العيش المشترك لأتباع الأديان المختلفة فى المجتمعات الغربية المعاصرة التى ترفع شعارات المساواة والانفتاح.

بل يذهب البعض إلى القول بأن أوروبا لا تسعى فى التحليل الأخير إلا إلى دمج الأقليات الوافدة من خلال اتباع استراتيجيات صهرية وقسرية بالأساس لا تلتفت إلى الخصوصيات الثقافية، بل وقد تلجأ حكوماتها حين تفشل استراتيجياتها إلى الطرد والنبذ والإغلاق (الأسوار المشيدة فى وجه طالبى اللجوء من الشرق الأوسط) حين تفشل وهو ما يتناقض بجلاء مع روح الليبرالية الأصيلة التى تتيح للفرد، طالما التزم السلمية واحترم القانون، مطلق الحرية فى التفكير والتصرف والتعبير عن قناعاته حتى وإن تعارضت مع القواعد والأعراف المستقرة.

بعبارة أخرى، نزعم كمصريين وعرب ونحن فى المجمل سكان مجتمعات غير ديمقراطية وغير تعددية أن تعامل الأوروبيين مع الوجود العربى ــ الإسلامى يتسم بالنفاق والتشوه والبعد عن المبادئ الديمقراطية والليبرالية الحقة. وفى هذا افتراء صريح.

***

فواقع الأمر أنه يمكن صياغة رؤية بديلة لأنماط تعاطى الديمقراطيات الليبرالية فى أوروبا مع الخصوصيات الثقافية وذلك من خلال النظر فى قضيتين رئيسيتين. فعلى نقيض استخدامه المكثف فى الكتابات المصرية والعربية، تجاوزت الكتابات الصحفية الأوروبية ومعها الوثائق السياسية مفهوم «الأقلية» ولم تعد توظفه فى معرض الإشارة إلى وضعية الجاليات الأجنبية. تبدو فى اللحظة الراهنة مفاهيم مثل الجماعات العرقية والمجموعات الدينية أكثر تناسقا مع المزاج الأوروبى، وتعبر ولا شك عن تحول فى الإدراك العام لوجود الجاليات ذات الأصول الآسيوية والإفريقية والتركية والعربية وجل المجموعات ذات الهوية الدينية الإسلامية باعتبارها حقيقة إنسانية مركبة لا يمكن اختزالها فى مجرد علاقات خطية بين أغلبية مهيمنة وأقليات مستضعفة.

الأهم هنا أن الواقع المعيش للجماعات العرقية والمجموعات الدينية الوافدة فى المجتمعات الأوروبية يبتعد كل البعد عن الادعاءات التبسيطية التى نطلقها نحن حول استراتيجيات الصهر والقسر والطرد والإغلاق. فعلى خلاف ذلك، تتكرر من قبل الحكومات الديمقراطية ومعها منظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص المساعى المنظمة لإقامة علاقات ارتباط وثيقة بين الوافدين وبين المرتكزات القيمية والدستورية والقانونية والسياسية للمجتمعات الأوروبية على نحو يحفز على الالتزام بالنظام العام ويشجع على الاندماج الطوعى ويبقى للوافدين على خصوصياتهم الثقافية فاعلة فى المجال الخاص بمكوناته الثلاثة الفرد والأسرة والدين. أما أمثلة تلك المساعى المنظمة فهى عديدة، بدءا من التمويل الحكومى لبرامج تعلم لغة الأغلبية للوافدين مرورا بمؤسسات مكافحة العنصرية والتمييز وانتهاء بسياسات التجنيس الليبرالية.

***

من جهة أخرى، لا ينبغى الخلط بين احترام النظم الديمقراطية للتعددية وتقديسها للحرية الفردية والتسامح وبين جوهرية مبدأ حيادية الفضاء العام. نهضت الدولة القومية الحديثة فى أوروبا الغربية ــ دولة ما بعد الحرب العالمية الثانية والهولوكوست ومذابح التطهير العرقى ــ على وعدين رئيسيين لمجتمعاتها؛ الأمن والحياد. وفى حين عبر الوعد الأول عن الرغبة المشروعة للشعوب الأوروبية فى الاستقرار بعد حربين عالميتين ودمار شامل، جاء وعد الحياد كنتيجة لنقلة حضارية فى رؤية أوروبا لدور الدولة ومنطق إدارة علاقتها بالمجتمع أنجزتها فى أعقاب الفشل الذريع للمشاريع القومية المتطرفة الباحثة عن نقاء العنصر وتفرد الهوية. يعنى وعد الحياد أن الدولة لا تنظر حين تصيغ الأطر الدستورية واللوائح القانونية المنظمة لحركة الأفراد وحقوقهم وواجباتهم فى الفضاء العام إلى انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية أو غيرها من الولاءات الأولية التى يفترض تخطى حدودها الضيقة باتجاه رحابة مبادئ المواطنة والمساواة والانفتاح على الآخر. فقط فيما يخص إدارة علاقات الأفراد والأسر فى المجال الخاص يتعين على سلطات الدولة احترام التقاليد والأعراف المختلفة وأخذها قانونيا وإجرائيا بعين الاعتبار.

لا تملك الحكومات الديمقراطية فى أوروبا، إذا، إلا أن تقف موقف المنع حين تهدد الخصوصيات الثقافية باختراق الفضاء العام على نحو يلغى حياديته إن بصورة رمزية كما فى أزمة حجاب الطالبات المسلمات فى مدارس الدولة الفرنسية العلمانية أو فعلية من شاكلة محاولات تأسيس أحزاب سياسية إسلاموية الطابع فى ألمانيا وهولندا لا تعترف بشرعية النظام الديمقراطى القائم وتتنصل من احترام القواعد الدستورية والقانونية المعمول بها هناك. وحكومات أوروبا تنتصر بموقف المنع هذا للقيم والمبادئ الليبرالية التى تضمن حيادية الفضاء العام. إما الدفع من جانب عديد الكتاب المصريين والعرب بالحضور العام للرموز الدينية فى المجتمعات الأوروبية أو بوجود أحزاب سياسية ذات جذور مسيحية للتدليل على فساد المنطق الديمقراطى الليبرالى وتناقضاته الداخلية، فمردود عليه من خلال التشديد على مركزية حلقة متكاملة من الاختيارات التاريخية التى ولد النموذج الديمقراطى الأوروبى فى سياقها وأهمها كان التصالح بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية على نحو سمح للدولة القومية (السلطة الزمنية) بإدارة المجتمع سياسيا وترك للمؤسسات الكنسية (السلطة الدينية) حق التوجيه القيمى والأخلاقى للأغلبيات المسيحية. ويظل الانفتاح فى الفضاء العام على رموز ورؤى دينية أخرى، إسلامية كانت أو غيرها، مشروطا بالصياغة الديموقراطية لتوافق مجتمعى يتجاوز حدود الجماعات العرقية والمجموعات الدينية المختلفة ويقبل حضور تلك الرموز والرؤى كتعبير عن ممارسة التسامح واحترام التعددية. وليس لمثل ذلك التوافق المجتمعى أن ينهض ما لم يقبل الوافدون من العرب والمسلمين إيضا إعمال ذات قيم التسامح والتعددية وقبول الرأى الآخر فيما خص شئونهم هم، حتى وإن طال ذلك العقيدة والمذهب.

.....................................

عن جريدة الشروق المصرية

 

 

 

للتعليق على الموضوع

 

postmaster@jusur.net