عودة إلى جسور

  1    

 

 

 

 

 

الحياة تسكن التفاصيل 

 

يقولون: "الشيطان يسكن التفاصيل"، وأقول: "الحياة تسكن التفاصيل". تلك الأشياء البسيطة التي تصنع الحياة أو تفسدها.. تشكل وجداننا بالسلب أو بالإيجاب.. فنميل عاطفيًا إلى شخص ما بسبب سلوك يبدو بسيطًا أو على العكس ننفر منه لعدم حرصه المقصود على مراعاة تفاصيلنا الصغيرة.

أحيانا أثناء المشي الشارع يدفعك شخص بكتفه ويكمل طريقه دون أن يلتفت وراءه ليعتذر لك ولو بإشارة استرضاء.. وكثيرا ما يتخطاك أحد بسيارته أو أنت تسمح له بالمرور قبلك لكنه لا يكلف نفسه أن يشير لك شكرا أو عذرا! وكثيرا ما يطرق أحدهم الباب ثم يدخل فورا دون أن ينتظر أن يسمع منك كلمة "اتفضل"، وكأنه "عمل الواجب وزيادة" بطرقه الباب ولا يفهم أنه بذلك طلب الإذن بالدخول وعليه انتظار الإجابة! وقد يناولك طفلك شيئا ولا تكلف خاطرك أن تشكره، ليس لأنه حقه فقط وإنما لتعلمه بسلوكك آداب التعامل في الحياة فيما بعد وبشكل عملي بعيدا عن التعليم النظري.

مننا وعلينا!

كلها مواقف قد يراها البعض تافهة، لكنها مهمة في التواصل الإنساني اليومي.. لماذا سقطت منا هذه الملاحظات ولم نعد نهتم بها؟! رغم أن موروثنا القيمي والديني يحثنا على الالتفات لها دائما، لأن لها مفعول إيجابي شديد التأثير على الطرف الآخر ويعكس صورة متحضرة عنا للآخر.

1) أحيانا الطبيعة غير العاطفية لبعض الأشخاص، مع كثرة الضغوط الحياتية، تجعلهم أكثر حدة وأقل اهتماما بالتفاصيل.

2) الحياة المادية والبرجماتية التي طغت على المجتمع جعلتنا نقفز فوق عتبات إنسانية جميلة وحميمة. إضافة إلى تراجع دور الأسرة والمدرسة في التركيز على الالتفاتات اللطيفة في تعاملنا مع الآخرين.

3) إحساس البعض بالتعالي والفوقية يجعله يستكبر أن يعتذر أو يستأذن أو يشكر أو يطلب بامتنان، ظنا منه أن ذلك يقلل من مكانته أو يظهره بمظهر الضعيف.

4) قد تعبر هذا التجاهل عن "النزعة الاستعراضية" والتباهي بشخصية غير مبالية بالآخرين، وهو ما يعكس تكوين نفسي يفتقد إلى الثقة بالنفس وتقدير الذات.

5) الحالة الأكثر فظاظة في تصوري، أن بعض الناس يضغط على نفسه ليكون في غاية الرقة مع الغرباء، بينما يتعامل بلا مبالاة مع المقربين، بحجة أنهم أهلنا و"منا وعلينا" ولا داعي لأن نستأذنهم أو نشكرهم أو نعتذر لهم لأن هذه أشياء تفرضها العلاقة مع الغرباء فقط، وبالتالي ندور في دائرة مفرغة لا تنتهي.

الكلمة الحلوة

إنسانيتنا تشبه الماء، تتكون من جزيئات دقيقة، نسيج متكامل لا يتجرأ ولا ينفصل عن بعضه البعض، وبمجرد تفككه أو خلخلة هذه الأجزاء، نتحول إلى شيء آخر غير كوننا "بني آدميين".. نصبح كائنات تأكل وتشرب وتجمع المال، لكنها تتعامل بجمود وعدم رُقيّ.

الكلمة الحلوة والسلوك المهذب الرقيق، تخلق لنا مساحة شفافة وحنونة في قلوب الآخرين وتجعلهم يغفرون لنا أخطاءنا العابرة ويمنحوننا بحب ما لا نتوقعه. كلما تركنا رصيدا جميلا من العواطف داخل من نعيش معهم أو نقابلهم في الحياة، كلما أمكننا الاتكاء عليه وقت الحاجة، كلما ساعدنا ذلك أيضا على تنظيف نفوسنا من الشوائب اليومية.. تلك التفاصيل هي ما تجعلنا نحتمل عبء الحياة.

 

 

  2    

الإهمال العاطفي والانتقام

سببان للسرقة عند الأطفال 

من الإنحرافات السلوكية التي تؤرق الكثير من الأسر، وتصيبها بالحيرة والإرتباك، هي السرقة. ينزعج الآباء ويشعرون أنهم لم يحسنوا تربية أطفالهم، ويبدأون بالتعامل مع هذه الظاهرة السلبية بردود أفعال خاطئة تربويًا ونفسيًا مثل الضرب، أو الانتقاد اللاذع، أو السخرية، ممّا يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد الأمر سوءًا. إن هذا التشوه السلوكي ليس وليد الصدفة، وإنما غالبًا ما نكون كآباء شركاء في صنعه بشكل أو بآخر، لذا علينا أن نسأل أنفسنا ما الذي أدى بهم إلى ذلك؟ سنطرح في ما يلي توضيحًا علميًا لمعنى السرقة عند الطفل، ومتى تكون مشكلة حقيقية، وما الدوافع النفسية والتربوية وراءها، وهل هناك أمل في العلاج؟ السرقة هي استحواذ الطفل على أشياء ليست ملكًا له دون وجه حق، وتبدأ لدى الأطفال بصورة واضحة في المرحلة الممتدة من 4 إلى 7 سنوات، وتكون بشكل عفوي أو تلقائي؛ لأن الطفل لم يصل إلى مرحلة النضج العقلي أو الاجتماعي الذي يجعله يميز ما يملكه، وما يملكه الآخرون أو بين الملكية العامة والخاصة، أما إذا استمر هذا السلوك المرضي (السرقة) لدى الطفل في المرحلة الممتدة من سن 7 إلى 15 عامًا؛ هنا لا بد من أن نشعر بخطورة هذا السلوك.

غالبًا ما تبدأ المشكلة بسرقة أشياء بسيطة من المنزل، ثم يتطور الأمر فيسرق الطفل نقودًا من محفظة أبيه أو أمه. وقد يلجأ بعض الأطفال إلى سرقة أشياء ثمينة مثل الذهب، أو الساعات والنظارات واللعب، وغالبًا ما ينكر قيامه بالسرقة خوفًا من العقاب من جانب والديه، أو المدرسة.

أسباب السرقة

 (1) افتقاد معنى الملكية

فالطفل لا يفعل ذلك بدافع السرقة، ولكنه يجهل معنى الملكية، فهو يعتقد أن ما فعله ليس أمرًا مشينًا ولا مذمومًا؛ لأن نموه العقلي والاجتماعي لا يمكنه من التمييز بين ممتلكاته وممتلكات الآخرين، ومثل هذا الطفل لا يمكننا اعتباره سارقًا.

(2) الانتقام

قد يلجأ الطفل للسرقة في بعض الأحيان بدافع الانتقام؛ فقد يسرق الطفل والده لأنه صارم وقاسٍ في معاملته له، أو  وجد أن والديه قد إنصرفا عنه وأهملا رعايته وشؤونه؛ فتكون السرقة هنا رد فعل لتجاهلهما له، وقد يسرق الطفل زميله في المدرسة لأنه يغار من تفوقه أو مكانته المميزة عند مدرسيه، أو انتقامًا في حالة قيام الوالدين أو أحد المدرسين بعقد مقارنة بين هذا الطفل المتفوق والطفل السارق.

(3) الخوف من العقاب

في بعض الأحيان يفقد الطفل إحدى لعبه، أو إحدى أدواته المدرسية؛ فيخشى الطفل من إخبار والديه بذلك خوفًا من عقابهما له، وللتخلص من هذا المأزق يلجأ الطفل للسرقة ليشتري لعبة أخرى شبيهة باللعبة التي فقدها.

(4) الحرمان

فالطفل قد يلجأ للسرقة لشراء شيء أو حاجة هو محروم منها؛ بسبب فقر أسرته أو بخل والده الشديد، وقد يسرق في بعض الأحيان لإشباع هواية لديه مثل تأجير درَّاجة يركبها، أو لدخول مدينة الملاهي للاستمتاع باللعب الموجودة فيها.

(5) التقليد

في بعض الأحيان يلجأ الطفل للسرقة كنوع من التقليد والمحاكاة للوالدين، خاصة عندما يرى أمه مثلا تمدُّ يدها لحافظة أبيه لتستولي في تكتُّمٍ وسرية شديدة على بعض النقود دون إخبار والده بذلك، وقد يلجأ الطفل للسرقة تقليدًا لأصدقاء السوء.

(6) التفاخر والمباهاة

بعض الأطفال يعانون من الحرمان من اللعب التي تروق لهم؛ بسبب الفقر أو ضيق ذات اليد، وعندما يشاهدون هذه اللعب مع أصدقائهم في المدرسة يشعرون بالغيرة والنقص، خاصة عندما يتفاخر أصدقاؤهم بهذه اللعب، فيلجأ هؤلاء الأطفال لشراء مثل هذه اللعب أو أفضل منها؛ ليتفاخروا بها على أصدقائهم، مدَّعين أن آباءهم قاموا بشرائها لهم.

(7) حب الاستطلاع والاستكشاف

أحيانًا يكون سبب ودافع السرقة عند الأطفال هو سلوك الوالدين، خاصة الأم، عندما تكون شديدة الحرص بصورة مبالغ فيها في الحفاظ على الأشياء الغالية والرخيصة؛ فيندفع الطفل بدافع حب الاستطلاع والاستكشاف لمعرفة ما تقوم أمه بإخفائه عنه، والعبث به أو سرقته.

خطوات في طريق العلاج

1 - خلق شعور الملكية لدى الطفل منذ صغره، وذلك بتخصيص دولاب خاص به، يضع فيه أدواته وملابسه ولعبه.

2 - على الوالدين إفهام الطفل حقوقه وواجباته، وأن هناك أشياء من حقه الحصول عليها، وأشياء ليس من حقه الحصول عليها، وتعليمه كيفية احترام ملكية الآخرين، من خلال درس عملي، وذلك إذا حدث واعتدى الطفل على ملكية أخيه فلنأخذ منه إحدى لعبه أو أدواته ونعطيها لأخيه، فإذا ثار واعترض علَّمناه أنه كما يثور؛ لأننا تعدينا على ملكيته، فإن أخاه ثار أيضًا؛ لأننا تعدينا على ملكيته، وبذلك سيتيقن الطفل أنه من غير المستحب الاعتداء على ملكية الآخرين.

3 - إشباع حاجات الطفل المتعددة والضرورية من مأكل وملبس وأدوات ولعب؛ حتى لا يشعر بالنقص والدونية، فيلجأ إلى السرقة لتعويض النقص مع إعطائه مصروفًا يوميًّا بصورة منتظمة يتناسب مع عمره ووسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه، مع الإشراف من جانب الوالدين على كيفية إنفاق الطفل لمصروفه.

4 - عدم معايرة الطفل أمام إخوته أو أصدقائه في المدرسة في حالة السرقة، وأن يبتعد الوالدان عن مناداته أمام الآخرين بألفاظ تجرح كرامته وعدم عقابه أمام الآخرين؛ لأن الوالدين لو فعلا ذلك فهم يدفعانه لمعاودة السرقة انتقامًا لكرامته.

5 - واجب الآباء والأمهات والمدرسين غرس أخلاق الأمانة في نفوس الأطفال كسلوك إيجابي. عن طريق مكافأة السلوك الذي يدل على الأمانة بهدايا عينية أو رمزية. وعلى الجانب الآخر تنفير الأطفال من السلوك السيئ وإدانته بقوة.

7 - مساعدة الوالدين للطفل على حسن اختيار رِفاقه وأصدقائه.لأن الصديق يشكل دورًا مهمًا في اتجاهات الطفل وسلوكه وطريقة التنفيس عن رغباته.

وأخيرًا، فإن الاقتراب من الطفل واحتواءه بالحب والحنان والرعاية وخلق علاقة حميمة معه لا تعتمد فقط على توفير المأكل والملبس والأشياء المادية الأخرى، وإنما التركيز على إشباع احتياجاته النفسية، كلها عوامل تقلل من احتمالات الاضطرابات السلوكية، لأن أغلب حالات السرقة الموجودة بين الأطفال تهدف إلى جذب الانتباه وجلب رعاية زائدة من الوالدين.. هي كما نطلق عليها "سرقة حب".

 

  3    

 

رضوى فرغلي

الخيبات أصبحت جزءاً من شخصيتنا

حوار: حسين الجفال

تكتب الشاعرة والباحثة الدكتورة رضوى فرغلي بلاءات الواثق ولا تهتم بتصنيف النص، ولطبيعة عملها باعتبارها معالجةً نفسية تستبصر وتقرأ الإنسان من الداخل، تقول بأن لغة الجسد أبلغ وأصدق من الكلام. وهي تؤكد انحيازها لموقف ونضال المرأة الحياتي في العيش والحب والتضحية. الليل صديقها الذي يمنحها جسر الحنين إلى الذاكرة. أصدرت ثلاثة كتب «بغاء القاصرات» و«أطفال الشوارع: الجنس والعدوانية» وديوان «على طرف منديل»، المليء بالصور المشهدية والمكثف لغةً. «الحياة» التقت الكاتبة رضوى، وحاورتها حول مواضيع عدة.

إلى نص الحوار:

أسرارنا الصغيرة جداً تساومنا ليلاً/ جروحنا العميقة تبتزنا نهاراً/ بينهما نمضي صامتين. وجع كهذا كيف يتجاوزه العربي المثقل بالتعب والخيبات؟

على المستويين الخاص والعام، تجاوز أي محنة يبدأ من الاستبصار بها والاعتراف بوجودها، ثم قطع خطوات فعلية نحو التخفيف من آثارها أو تفادي تكرارها في المستقبل. أتصور أننا نتعلم من أخطائنا وجروحنا أكثر من نجاحاتنا، بشرط الإنصات لهما نفسياً والتقاط المعنى فيهما. أما حين نستسلم لضغط «أسرارنا» دون تقبُل صحيٍ لها أو لضراوة «جروحنا» من غير محاولات الشفاء.. نقع في هوة الصمت المؤلم وتصبح الخيبات جزءاً من شخصيتنا، نتكيف مع وجوده مثل المرض المزمن، ويكون «الصمت» ألماً موازياً يعيش فينا.

كنت أنا/ امرأة الشك/ وكنت أنت/ رجل اليقين/ كيف انتهى الطريق بنا/ أؤمن بك/ وتكفر بي؟ سؤال مربك حقاً، هل تعطي المرأة في الحب أكثر من الرجل؟ ولماذا تنأى النهايات دوماً؟

لا أستطيع أن أجزم من يعطي أكثر داخل علاقة الحب، لأن كل علاقة لها خصوصيتها، وقابلت بعض العلاقات كان الرجل فيها ضامناً لاستقرار العلاقة، وإن كان ذلك قليلاً. لكن بشكل عام المرأة تحافظ بكل قوتها على استمرار علاقتها وتمنحها من اهتمامها ومشاعرها ومراعاتها للتفاصيل، ومن مالها أحيانا، ولا تمل «محاولات الإصلاح»، وتُخلص لشريكها طالما كان مخلصاً لها ومُقدراً لعطائها. لكن حين يخيب أملها أو تُحبط، تتحول إلى جثة عاطفية أو«كائن مفترس»، وربما ذلك يفسر أن جرائم المرأة رغم قلتها إلا أنها أكثر عنفاً.

تضارب الحب عند المرأة، ورؤية الرجل له كرغبة يجعل المسافات مرهقة وتضيع البوصلة. كيف يجد أحدهما الآخر؟ أليس الحب في جانب منه يعود للرغبة؟

نعم رغبة في البقاء بجانب المحبوب ومشاركته أفكاره وأحلامه ورغباته وشهوته، لكن حين ينظر كل طرف من جانب واحد وينسى احتياج الآخر تنشأ المشكلة، كأن ينظر الرجل للمرأة باعتبارها موضع شهوة جنسية فقط، تبدأ علاقته بها وتنتهي عند هذه النقطة، في حين أن المرأة يعنيها أكثر العواطف والتفاصيل ومقدمات العلاقة والاحتواء والإنصات لها وليس بالضرورة حل المشكلة، ثم في إطار هذه المنظومة العاطفية تبدأ عندها الرغبة في التوهج. أما حين تفتقد لمعظم هذه الأشياء، يصبح الجنس بالنسبة لها فاقد لمعناه الوجودي.. جسد المرأة يستجيب للحب قبل الرغبة، عكس الرجل غالباً. لا شك أنه من الممكن أن يقطع الاثنان «مسافات مُرهقة» ولا يلتقيان.

ترتجفُ يده على مقودِ السيارة/ ربما تغارُ من يده الأخرى/ وهي تلتف حول خصري/ على الرصيف/ رجل يبتسم/ لقُبلة مُباغتةٍ لا تراعي مشاعر العابرين، هنا نلمح صورة سينمائية إنسانية حية، كأن فرغلي تلتقط صورها من الشارع المؤمن بالحياة لا سواها هنا؟

أحياناً تغلب على كتابتي «المشهدية» أن أتصور الموقف كصورة أو حدث سينمائي فعلاً وأكتبه، لكن ذلك يكون غير مقصود، بمعنى أني لا أنوي كيف أكتب ولا في أي شكل ستخرج الفكرة، نص سردي أم مقطع شعري، ولا في أي إطار ستكون الكتابة. الفكرة تفرض نفسها عليّ فعلاً وتختار لنفسها الشكل الذي تخرج فيه.. أنا مجرد وسيط، خصوصاً أنني كائن شفوي في الأساس، والكتابة تأخذ جزءاً كبيراً من طاقتي، وأتغلب على ذلك بالتدريب المستمر على الكتابة وممارستها. وكثيراً ما أحكم بالإعدام على نصوص كتبتها.

الليل ضريح المجروحين، الليل وذاكرة تعتني بالتفاصيل، في الليل يهدأ كل شيء، كان الليل غراب، ينتصف الليل أحبك أكثر. يحضر الليل ويتعدد ويتشكل في المعنى ويأخذ أسماء أخرى. ما الذي يعنيه أو يهبه الليل لرضوى الشاعرة؟

أنا كائن ليلي، يتحسن مزاجي مساءً ويسترخي جسدي أكثر ويقل عندي القلق اليومي وتوتر المهنة، وأصبح أكثر استعداداً لاتخاذ قرارات أفضل، والإنصات لذاتي وأفكاري أكبر وأعلى تفاعلاً مع الآخرين وانسجاماً معهم، وأكثر قابلية لتبادل الحب. وفي الليل أيضاً أشعر بالحنين وتزور عقلي الذكريات وأشعر بالأفكار أكثر صفاء وقدرة على صياغتها. ولأني في الأصل أميل للتعبير الشفوي أكثر من الكتابة، ففي المساء يكون استعدادي للكتابة أفضل ربما لقلة المشتِّتات وانخفاض «الدوشة» النهارية، فغالباً ما أكتب ليلاً، وأنا طالبة كنت أحب المذاكرة مساءً.

أسكنك، لأجرب لغةً أخرى، لا يهب اللغة الأخرى إلا الإنسان الحي المتجدد، كيف لبوصلتنا أن تجده وسط هذا الزيف الكبير؟

قصدتُ هنا بتعبير «لغة أخرى»، لغة الجسد، تلك اللغة التي أراها أصدق وأقرب إلى التعبير الحقيقي عن مشاعرنا وأفكارنا، بعيداً عن زيف لغة الكلام التي لا يتجاوز التواصل بها يومياً الـ30% والباقي يكون عبر لغة الجسد، لكننا لا ننتبه إليها غالبا. نظرة عين مثلاً أو نبرة صوت أو حركة، تكفي عن ساعات من الكلام و تكشف كذب الحوار. وفي حالات الحب، حين نتواصل جسدياً، غالباً ما نصمت لأننا ننصت إلى أجسادنا ونستمتع بتواصلها الراقي والأصدق، ونغلق أعيننا لأننا نركز على رؤية القلب وإحساس الروح.

على طرف منديل، عنوان شاعري وحديث، كيف جئت به ليعنون ديوانك؟

عندي ما يشبه لجنة من الأصدقاء الذين أثق في موضوعيتهم وابتعادهم عن مجاملة الكتابة، أستشيرهم في النصوص التي أكتبها، وأول من لفت نظري لاستخراج هذا العنوان وأنا حائرة جداً، هو صديقي الشاعر الفلسطيني خالد الجبور، قال إن المقطع رقم (4) في الكتاب: أصرُّ أفكاري/صورتك/همساتك/في منديلٍ قديم/نقشته غجريةٌ أحرقَ البعادُ قلبَها. هذا المقطع أعجبه وقال لي إنه سيكون العنوان لأن فيه روح الكتاب. بعدها صغنا أكثر من عنوان وتناقشنا أنا وهو وصديقي شريف صالح، حتى وصلنا للعنوان الحالي.

بين «بغاء القاصرات» و«أطفال الشوارع: الجنس والعدوانية» وديوان «على طرف منديل»، تتعدد مواهب الدكتورة فرغلي بين البحث الميداني والمعالجة النفسية، ثم تدخل ميدان الشعر بشذرات شعرية، ما الرابط الذي تشعرين به، وهل الشعر مكمّل لخلق حياة أجمل؟

أحب مهنتي جداً، واخترتها لتكون هويتي، وكل ما يتعلق بها من كتب أو ترجمة أو أبحاث أو استشارات، هو في الأساس موجه لأكبر شريحة من الناس، وأتمنى أن تكون مفيدة لهم لأن ذلك هدفي الأساسي وتحقيقه يشعرني بالنجاح والمتعة. أما الكتابات الأدبية، فهي هواية وأحب أن تظل كذلك حتى وإن تكررت مراراً.. نافذة أخرى لرؤية الحياة.. محاولة للتحايل على ضغوط المهنة والواقع.. تواصل مع الذات والآخر من طريق مختلف.. تماس مع اللغة.. لعبة طفولية أستمتع بها مثلما أستمتع بالسباحة أو الموسيقى أو الرقص، أو السفر واكتشاف أماكن وأشخاص آخرين، أو مشاهدة فيلم، أو قراءة رواية، أو حتى النجاح في عمل «أكلة لذيذة». كلها أشياء تسعدني وتحررني من الفراغ.

............................................

المصدر: جريدة الحياة اللندنية

  4 

أربع نساء يبحثن عن الحب

 

في فيلم "سكر بنات" تكتب المرأة نفسها بوعي وصدق عميقين، حيث نسجت المخرجة نادين لبكي تفاصيل بسيطة وتلقائية تكشف من خلالها علاقة المرأة بنفسها وبالرجل، حيث نتابع قصص أربع نساء يؤرقهن الفقد، ويبحثن عن الحب في مساحة شائكة وعبر علاقات مرتبكة.. أما الرجل فغائب أو حاضر بشكل مشوه.

عنوان الفيلم، ومكان التصوير الأساسي، وتتر البداية، كلها أشياء توحي بخصوصية وعمق تفاصيل المرأة، فهو فيلم أنثوي بالدرجة الأولى. يطرح قضايا نسوية مؤرقة، جسدتها البطلات الأربع اللواتي يجمعهن صالون تجميل. ويأتي اختيار الصالون كمكان أساسي نظراً لطبيعته وطبيعة شخوصه. فمن المفترض أنه يمنح النساء جمالا ظاهريا، وهو ذاته ما يشهد أرق نسائه النفسي والعاطفي! أما العنوان "سكر بنات".. أو "كراميل"، فيعبر عن طقس أنثوي حميم، يلخص علاقة المرأة بجسدها وجسد الآخر.

علاقة مشوهة

المرأة الأولى متعطشة للمشاعر في حب رجل متزوج، يمنحها من فائض عواطفه ووقته، فمن الصعب أن تخرج من التجربة دون خدوش تجرح الروح. هذا ما حدث مع ليال (نادين لبكي) التي تعيش قصة حب مرتبكة مع رجل متزوج تمنحه من وقتها واهتمامها ومشاعرها الصادقة حتى أنها اضطرت لاستئجار غرفة في فندق مشبوه لا يطلب منها وثيقة زواج، حتى تحتفل معه بعيد ميلاده، وبعد أن أعدت التورتة والبالونات ونظفت الغرفة بنفسها، لم يهتم العشيق بالحضور واكتفى برسالة اعتذار باردة حطمت صورة متوهجة لعلاقة مشوهة، لتبدأ في نهاية الفيلم في الالتفات إلى يوسف (عادل كرم) الشرطي الذي يحاول منذ البداية استمالة مشاعرها.

ميول مثلية

المرأة الثانية تعيش رغبة مريبة وشائكة تنتاب بعض النساء أحياناً حين تجد نفسها تميل عاطفيا وجنسيا إلى امرأة وليس إلى رجل، فتتشبه بالرجال وتلتقط بإحساسها القوي امرأة تشاركها الرغبة مثلها، تتفتح روحها فرحا وتزهو ملامحها وكأنها وجدت ما تبحث عنه من زمن بعيد، هذا ما حدث مع ريما (جوانا مكرزل) فهي فتاة لديها ميول مثلية جنسية، تحرص على التعامل بخشونة غير مفتعلة، تقاوم مغازلة أحد الشباب بينما تستجيب عاطفيا لامرأة أخرى تواظب على الحضور للصالون بحجة تصفيف شعرها لتعيش لحظات إغواء صامتة واستمتاع رمزي.

خداع جسدي

أما المرأة الثالثة فتعيش هواجس "العذرية" كواحدة من أبرز المشاكل التي تعاني منها المرأة في المجتمعات العربية، فحين تتورط الفتاة في تجربة عاطفية أو جنسية تفقد فيها بكارتها، لا يبقى أمامها إلا مداراة الأمر وبدء علاقة جديدة بخداع جسدي ونفسي في مجتمع يفضل الخديعة على الصراحة، ولا يغفر للمرأة تجاربها السابقة، هكذا تصرفت نسرين (ياسمين المصري) ابنة الأسرة التقليدية المحافظة، التي تواجه مشكلة فقد عذريتها مع رجل آخر غير خطيبها الذي ستتزوجه قريبا، فتضطر لعملية "ترقيع" حتى تتجاوز المأزق.

أزمة السن

وأخيراً تتأمل المرأة الرابعة نفسها في المرآة فينتابها إحساس بالشجن وترى على ملامحها بصمات الزمن. إنه إحساس مؤرق من الصعب تجاوزه، خصوصا إذا لم تحقق ذاتها وطموحاتها على المستويين الشخصي والأسري. لقد مر العمر وتركها تدور حول نفسها، تغزل الوهم أساطير لتقنع الآخرين أنها مازالت فتاة صغيرة لم تجف نضارتها بعد.

إن تقدم السن أزمة حقيقية تعيشها نساء كثيرات، منهن جمال (جيزيل عوّاد) التي تعيش علاقة زوجية هي أقرب إلى الانفصال منها إلى الزواج، ولا تجد ما يملأ فراغها النفسي والعاطفي والعملي، فتحاول بكل الطرق مداراة آثار الزمن لا عن طريق المكياج ونوعية الملابس غير المناسبين لسنها فقط، إنما من خلال تفصيلة أنثوية دقيقة توضح عمق الأزمة، فجمال التي شارفت الخمسين حريصة على وضع سائل أحمر في ملابسها الداخلية، وحريصة أكثر أن "تزين" بقعة حمراء، بديلة عن دم الدورة الشهرية. وملابسها الخارجية توحي للآخرين بأنها مازالت صغيرة في السن! 

روز وليلي

وثمة شخصيتان أخريان لا تقلان أهمية عن الشخصيات الأساسية، هما روز (سهام حداد) الجارة الخياطة، وقد ترك الزمن على ملامحها بقايا جمال لا يخلو من مسحة حزن وشجن نبيل، تحاول الاستجابة لمشاعر ناعمة تربطها بأحد زبائنها لكنها تستيقظ بسرعة، وتستعيد واقعها مع أختها ليلي (عزيزة سمعان) التي قدمت ببراعة وحرفية عالية دور العجوز المضطربة عقليا، التي يدور هذيانها حول حبيب مجهول يدعوها على العشاء مرة، ويعدها بالسفر بعيدا مرة أخرى، ويرسل لها دوما رسائل حب تجعلها تلملم كل ورقة تجدها في الشارع.

حالة ناعمة

من الوهلة الأولى يأخذنا الفيلم في حالة سينمائية ناعمة بدءا من الملابس، خصوصا في شخصية ليال ذات الوجه الفيروزي والملابس الأنثوية البسيطة. أما الحوار والحركات الجسدية فحفظا لكل شخصية حيزها النفسي والتعبيري دون خلط أو تشويه.

وفي مشاهد قليلة ومكثفة، دان الفيلم الأسرة كمؤسسة تربوية تهمل أفرادها عاطفيا وتربويا أحيانا، وتحرص على الشكل الخارجي دون اهتمام بالجوهر في أحيان أخرى. ويلاحظ المُشاهد حركة الكاميرا ببطء وسلاسة، فتترك مساحة كافية للعين لكي تتأمل الحركات الهادئة البعيدة عن الانفعال المصطنع، والحوار القليل، والإحساس الطاغي على المشاهد، والتفاصيل التي تحتل الصدارة. فالفيلم يحتفي بالمرأة في كافة تفاصيله، و يضع علامة استفهام كبرى أمام قضاياها المؤرقة، وإن لم يطرح لها حلا، لكنه يُعريها بعيدا عن الإدانة أو الدفاع عنها.

بساطة

رُسمت الشخصيات بدقة وبساطة، وقامت كل شخصية بأداء دورها بحرفية منحتها بطولة فردية دون اعتبار لمساحة الدور وكم الظهور أمام الكاميرا. وتميزت ليال، الفتاة التي تتورط عاطفيا في علاقة غير مشبعة ويشغلها كامرأة التعرف على زوجة عشيقها، لتجيب لنفسها على سؤال محير: ما الذي يغريه بعدم الانفصال عن زوجته؟ وتتقن التعبير عن انفعالاتها المحبطة والمقهورة حين تدخل بيت حبيبها وترى ابنته وتُزين له زوجته، تخرج من بيته لتنزوي عند الباب باكية مثل طفلة صغيرة فُطمت في غير الأوان، وغيرها من الانفعالات التي أجادت ليال التعبير عنها.

أما ريما، فجسدت دور الفتاة المثلية بفهم عميق جعلها تظهر تلك الميول دون مبالغة أو خلط بينها وبين الممارسات المثلية، وكيف تتقابل الأحاسيس المثلية بين طرفين بطريقة حساسة ومتقنة وضمنية كأن هناك قرون استشعار بينهما.

وتألقت ليلي، العجوز المريضة عقليا في غزل تفاصيل الاضطراب الذهاني بمهارة وعفوية تجعل المُشاهد أمام تجسيد حي لإنسانة هزمها الفقد وسلب منها عقلها ليتركها تبحث طوال حياتها عن رجل شرد بعيدا ولم يترك لها إلا رسائل حب لا تصل، ومواعيد غرامية لا تتم، وملامح هلامية تراها في كل رجل تقابله.

جمال أيضا تجبر المشاهد طوال الفيلم على التورط معها في مشكلتها مع الزمن وإحساسها أن العمر ينفلت منها دون جدوى حقيقية، فنكاد نسمع لهاثها وأنفاسها المتقطعة طوال الفيلم من خلال مشاعر أتقنت التعبير عنها بقوة.

غياب الرجل

عانى الرجل في الفيلم من الغياب الفعلي كما في حالة عشيق ليال الذي لم يظهر إلا مرة واحدة دون وضوح، وزوج جمال الذي عبر عن وجوده في مكالمة هاتفية واحدة.

وحينما حضر الرجل، كان حضوره ضئيلا ومشوها، كما في حالة الشرطي الذي ظهر في صورة هشة وذائبة في شعوره بالحب وتتبع حبيبته (ليال) دون ملامح محدده لشخصيته أو هوية واضحة له كرجل.

والظهور الثاني للرجل في شخصية خطيب نسرين الذي يخضع للتقاليد ظاهريا بعيدا عن الالتزام بها فعلياً، فلا يجد حرجا من أن يصر على أن تظهر خطيبته بصورة محتشمة، بينما يتحسس جسدها من تحت مائدة الطعام!

مشهد أخير يختتم به الفيلم حكاياته الصغيرة باستبصار ضمني من معظم شخصياته لذواتهم، وأغنية "مرايتي" التي توحي باكتشاف الذات ومتابعة تفاصيلها، ليال ترقص مع يوسف كإشارة إلى القبول النفسي له نوعا ما والرضا به تعويضا عن عشيق متجاهل لها، ونسرين تتزوج في موعدها لتبدأ حياة أخرى واقعية، وريما تؤثر في صديقتها حتى تجرأت على قص شعرها وكأنها تحقق نفسها وتتمرد على خوفها من أسرتها بطريقة أو بأخرى.

 وينتهي الفيلم حين تصطحب روز أختها ليلي للتمشية في الشارع وتلملم لها روز الأوراق من الأرض كمصالحة نفسية لحالة من الصعب علاجها أو النفور منها، وكأن الفيلم يترك لنا رسالة مختصرة: ما أجمل الحياة حين نتقبل أنفسنا والآخرين.. حين نرى الجمال في أنفسنا فيتجسد في الآخر.

 

 

Bookmark and Share

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

الصحة النفسية

أشعار