عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

من كل مكان

 

mulham2612@gmail.com 

  1

أوروبا أكثر عرضة للمخاطر 

لم تكن بروكسل غريبة عن الإرهاب، فقد تردد اسمها دائما في الهجمات التي طالت أوروبا. وبعد اعتقال صلاح عبد السلام منفذ هجمات باريس وكشف الشبكات المتعاونة معه لم يعد الإرهاب يعتبر بروكسل عاصمة آمنة له في أوروبا.

سُلطت الأضواء على بروكسل منذ الهجمات على صحيفة شارلي ايبدو، وبعدها هجمات نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 على باريس التي أسفرت عن مصرع 130 شخصا. كما تزايد التركيز على بروكسل منذ تسربت أنباء غير مؤكدة من أجهزة الإعلام والأمن الألمانية بأن منفذي عمليات التحرش الجماعية في ساحة الدوم بمدينة كولونيا ليلة رأس السنة المنصرمة جاءوا غالبا من بروكسل بعد أن منعت السلطات البلجيكية مراسم الاحتفالات تحسبا من هجمات واعتداءات إرهابية.

المداهمات التي جرت في ضاحية مولبيك (مولنبيك كما تلفظ بالألمانية) قبل أيام هي التي أسفرت عن إلقاء القبض على صلاح عبد السلام قاتل باريس المطارد دوليا، من هنا وضع الإرهاب هذه الضاحية على قائمة أهدافه. هكذا يخلص تحليل كتبته صحيفة "يو أس أي توداي" قبل ساعات.

"الحكومة البلجيكية تعاملت بتسامح كبير مع انتشار الأفكار المتطرفة"

لكن لا يمكن لمراقب الأحداث إغفال أن أكبر مسجد في العاصمة البلجيكية بروكسل يجري تمويله من طرف السعودية، أي من قبل نظام سلفي.

كما كتبت باربرا فيزل على صفحة DW الألمانية بعد هجمات صلاح عبد السلام في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 التي أغرقت باريس بالدم والحرائق، هذا غير أن أغلب المشاركين في هجمات باريس عاشوا لفترات ما في ضاحية مولنبيك ببروكسل.

من جهته عبّر الخبير في شؤون الإرهاب والصحفي البلجيكي كلود مونيهClaude Moniquet في حوار مع DW الألمانية عن اعتقاده أن "الحكومة البلجيكية تعاملت بتسامح كبير مع انتشار أفكار متطرفة في السنوات الماضية، بسبب اتساع فضاء الحريات الليبرالية في بلجيكا".

وفي الخامس عشر من شهر آذار/ مارس الجاري أعلنت شرطة بروكسل مقتل أحد المتهمين في غارة نفذت في ضاحية بروكسل الشمالية "فوريست"، الغارة استهدفت 11 بلجيكيا شاركوا في هجمات باريس كما أشارت وكالة الأنباء الفرنسية.

من هنا مر صلاح عبد السلام!

في كانون الأول/ ديسمبر 2015 عثر على بصمات أصابع صلاح عبد السلام وعلى 3 أحزمة ناسفة في مداهم لشقة في محلة شاييربيك في بروكسل، في حينها أشارت السلطات البلجيكية إلى أن الشقة كانت مصنعا للعبوات والقنابل والأحزمة الناسفة التي استخدمت في هجمات باريس، كما اتخذها صلاح عبد السلام مخبأ له لبعض الوقت.

وطالما اعتبر خبراء مكافحة الإرهاب في بلجيكا وفي عموم أوروبا ضاحية مولنبيك مرتعا للحركات الجهادية. ففيها سكن الشخص الذي اعتقل في قطار مسافر من أمستردام قاصدا باريس، في أغسطس/ آب المنصرم وهو يحمل بندقية آلية محاولا أن يفتح نيرانها على ركاب القطار المسالمين العزل.

وفيها سكن القتلة الأربعة الذين هاجموا المعبد اليهودي في بروكسل عام 2014 ، كما سكن في مولنبيك عناصر خلية فيرفيه التي ألقي القبض على أفرادها في يناير/ كانون الثاني 2015. كما أن أحد منفذي تفجيرات قطار مدريد عام 2004 التي أسفرت عن مصرع 191 مسافرا بريئا، كان أحد سكان هذه المحلة، حسبما نقل تقرير لصحيفة "يو أس أي توداي" الأميركية.

وزير داخلية بلجيكا "لابد من تنظيف مولنبيك"

وطبقا لوكالة الأنباء الفرنسية فقد سمحت موجة الاعتقالات الأخيرة في بلجيكا في إطار التحقيق في اعتداءات باريس في تشرين الثاني/ نوفمبر (130 قتيلا) بتفكيك قسم كبير من الشبكة التي أرسلها تنظيم "الدولة الإسلامية" من سوريا لكن بعض المشتبه بهم لا يزالون فارين. وأثبت منفذو اعتداءات الثلاثاء أنهم قادرون على التحرك.

ويرى توماس هيغهامر الخبير في مؤسسة "نورويجن دفانس ريسترش استابليشمنت" أن اعتداءات بروكسل "تثبت أنهم على جاهزية كاملة. لا أحد يستطيع التخطيط لعملية من هذا النوع في 48 ساعة (...) ولنقر بأن هذه الهجمات مرتبطة نوعا ما باعتداءات باريس، إنها المرة الأولى التي تتمكن الشبكة نفسها من الضرب مرتين بهذا الحجم". الحقائق التي كشفت عنها التحقيقات في هجمات باريس 2015 دفعت وزير داخلية بلجيكا جان جامبون إلى القول بصراحة " لابد من تنظيف مولنبيك".

لماذا تلام أجهزة الأمن في بلجيكا؟

وقبل أن يقتل، أقر الزعيم المفترض للمجموعة التي نفذت اعتداءات باريس عبد الحميد اباعود لأقارب له أنه دخل فرنسا "دون وثائق رسمية" مع 90 رجلا آخر، هم سوريون وعراقيون وفرنسيون وألمان وبريطانيون".

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسؤول فرنسي كبير رفض الكشف عن اسمه القول "الأمر الذي يثير قلقا كبيرا هو أن اعتداءات الثلاثاء تثبت أن لديهم انتحاريين يتحركون على الفور. ولا يمكننا التصدي لذلك. لا يمكن لأحد التصدي لذلك. حتى أن الدوريات العسكرية غير كافية. وستكون ضربة حظ أن نشاهد رجلا يحمل حقيبة يثير الشبهات فنفتشه ونكشف المخطط. لكن في مطار في ساعة ذروة يمكنكم التصور أن هذا الأمر مستحيل. وإذا فتشتم الأمتعة عند مدخل المطار ستتشكل طوابير انتظار في الخارج لتكون هدفا مثاليا والأضرار بالتالي أسوأ".

 

 2

ألمانيا ..

حيث يتعرى الجنسان أحياناً

بلا حرج

  

لا يخلُّ التعري بالأعراف ولا يخدش الحياء في ألمانيا. فهناك آلاف الأماكن التي تسمح بالتعري الكامل المختلط. ولكن هذا التعري يرتبط بتقاليد بسيطة وأماكن محددة. أما في البيت فللمرء أن يتعرى كما يشاء إذا لم يعترض جيرانه.

رغم أنّ ألمانيا معروفة بمجتمعها المحافظ مقارنة بجارتها فرنسا وبإيطاليا الدافئة، فإنها في نفس الوقت تبيح التعري طيلة أشهر السنة رغم أن معدلات درجات الحرارة السنوية تدور حول 13 درجة مئوية سنويا. في ألمانيا أماكن كثيرة يمكن أن يتعرى فيها المرء ويرى الآخرين أيضا عرايا حوله دون أن ينتابه الخجل ودون أن يتعرض للمساءلة القانونية.

اشتهرت ألمانيا بعلامتها الفارقة FKK وهو المختصر لتسمية (ثقافة الجسد العاري)، وقد استمر العمل بهذه الثقافة على مدى عقود رغم الفوائد المعروفة للملابس لاسيما توفيرها الدفء ووقايتها من عوامل المناخ (البارد الممطر غالبا في هذا البلد). وقد دخل العري كممارسة جماعية عامة إلى ألمانيا نهاية القرن التاسع عشر مع زوال التقاليد المحافظة من خطوط الموضة في ملابس النساء أولا وتلتها البساطة في ملابس الرجال.

النازية وضعت قيودا على حركة (ثقافة الجسد العاري)، ولكنها عادت إلى الحياة بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا الغربية والشرقية (سابقا)، بل أنها شهدت انتشارا واسعا في ألمانيا الشرقية.

في عام 1963 انضمت الجمعية الألمانية للتعري إلى اتحاد الرياضة الاولمبية الألماني، فسمح ذلك بإنشاء رابط بين التعري وبين أنواع من الرياضة. ورغم سعيها لاستقطاب أعضاء جدد في السنوات الأخيرة، فإن عدد أعضاء الجمعية لم يتجاوز 40 ألفا من جميع الأعمار، تجمعهم أندية خاصة يمارسون فيها كل الرياضة بدءا من المشي مرورا بالكرة الطائرة وصولا إلى السباحة ببزاة الميلاد.

أندية الساونا المختلطة

تمثل ينابيع المياه المعدنية ومسابحها أحلى أماكن التمتع بأشعة الشمس الغالية النادرة في ألمانيا . وبجانب الأحواض المسقفة الكبيرة، توجد غرف الساونا والبخار التي يشتد عليها الإقبال في هذه الأماكن خلال فصل الشتاء، ولابد من القول أن غرف الساونا في الغالب مختلطة، وطبقا لإحصاءات اتحاد الساونا الألماني فإن نحو 30 مليون ألماني ( 17 مليون رجل و13 مليون امرأة) يزورون حمامات الساونا العامة البالغ عددها 2300 في عموم البلد بانتظام.

وفيما يبقى لباس السباحة ( حتى إذا كان بكيني خيطي ) إجباريا غالبا في أحواض السباحة، فإن نزع اللباس في حمامات الساونا إلزامي دائما لأسباب تتعلق بالصحة العامة. وهذه نصيحة لمن يزورون حمامات الساونا المختلطة ويجدون حرجا في حضورهم مع الجنس الآخر: ارتدي نظارات شمسية مظلمة – رغم أن الضباب سيغطيها في ثوانٍ- ولا تتحدث إلى الزملاء مرتادي الساونا وهم عراة!

العري في البيت وشرفة البيت و حديقته

مباح للناس التعري الكامل في بيوتهم وشققهم الخاصة بالطبع، هذا يسري نظريا على الحديقة الخلفية أيضا، حيث يسمح للناس أن يأخذوا حمامات شمس وهم عراة في حدائقهم الخلفية أو في شرفات بيوتهم ولا يستطيع مالك البيت أن يطردهم على أن لا يزعجوا الجيران، وهذا يعني أن بوسع الجار أن يشتكي منك إذا تعريت في شرفة بيتك أمام نظره، فحاول هنا أن تفعل ذلك في غيابه.

على كل حال فإن قانونا صدر في عام 2006 يتيح للإنسان أن يضع حاجزا يفصل مساحة سكنه عن أنظار جيرانه، وهذا قد يوفر مساحة حرية تعرٍ أكبر في حديقة البيت أو شرفته، لكن الحل الأسهل والأقل كلفة هو أن يضع الإنسان قطعة تستر وسطه أثناء تمتعه بحمام شمس في حديقة أو شرفة بيته.

شواطئ العراة

مع تحرر ملابس الناس وتطور العلوم الطبية، شاع بين الأوروبيين عموما والألمان خصوصا اعتقاد مفاده أن تعريض الجسم للشمس ولرمال سواحل البحر الملحية مفيد لعلاج أمراض الروماتيزم والتهاب القصبات والأكزيما وأمراض المفاصل، وهكذا يلوذ الألمان في فصل الصيف القريب بسواحل شمال ألمانيا على بحر الشمال والبلطيق عراة لتمتص أجسادهم أشعة الشمس الخجولة.

أول ساحل عراة رسمي افتتح في ألمانيا سنة 1920 على جزيرة سيلت على الحدود مع الدانمارك، كما خصصت مناطق بوركم ونورديرني وامروم شواطئ للعراة. كما أن سواحل بحر البلطيق أيضا فيها شواطئ اوزديم ورويغن للعراة وكانت تابعة لألمانيا الشرقية سابقا. الغريب في ألمانيا، أنه بوجود كل هذه الأماكن للعري التام المختلط فإن التعري في الأماكن العامة غير المخصصة للتعري يعتبر منافيا للعرف ويثير غالبا صرخات استهجان واستنكار الآخرين.

متنزهات العري

نجمة هوليوود مارلين مونرو كانت تعتبر ذات الجسد الأمثل لملابس السياحة، كما كان يقال عنها. هذه الصورة لمونرو في أربعينيات القرن الماضي، إذ كانت حينها تعمل عارضة أزياء قبل دخولها عالم الفن والتمثيل. موضة ملابس السباحة بدأت بالانتشار قبل نحو 150 عاماً من ارتداء الحسناء مونرو لها.

خارج هذا التصنيف، يمارس ملايين الألمان التعري أو التعري الجزئي في الباركات والمتنزهات القريب منهم كلما أشرقت شمس ساخنة ساطعة، فترى حدائق المدن والجامعات والأندية تغص بالمتعرين والمتعريات من الجنسين تلذذا بشعاع الشمس. ولكن هذه المتنزهات والحدائق لا تعتبر ملاذات رسمية للمتعرين وهي ليست جزءا من (ثقافة الجسد العاري). وعلى وجه العموم فإن الحديقة الانكليزية في ميونيخ، وحديقة الحيوان في برلين هما من أشهر حدائق العراة في ألمانيا.

أما العري الاباحي الخليع، فهو ممنوع قانونا إثناء ساعات ذروة البث التلفزيوني لمنع تعرض اليافعين والأطفال لمشاهده. ولكن مشاهدي برامج التلفزة العادية قد يمرون على مشهد عري جزئي أو على مشهد عري تام لا تظهر فيه الأجزاء التناسلية للمتعري، ولكن العري هنا له ما يبرره روائيا وفيلميا ولا يعد عريا إباحيا ولا يمنع.

ولابد من القول إن عرض الأفلام الإباحية التجارية ممنوع في قنوات التلفزة الألمانية، لكن بعض القنوات تعرض أفلام تعرٍ نصف إباحية في أوقات معينة من الليل.

................................................

عن موقع دويتشه فيلله

 3

الأمريكية ـ السعودية

في مهب الريح

 

ما كان ثابتا في العلاقات الأمريكية السعودية بات يخضع اليوم لقاعدة المتغير، فرياح التغيير محملة برائحة النفط والبارود، تعصف بخرائط المنطقة العربية. فهل تباعدت سفن حلفاء الأمس لتدفع بالسعوديين والأمريكان إلى موانئ أخرى؟

لا تبدو الولايات المتحدة الأمريكية إبان الولاية المنتهية للرئيس أوباما راغبة في استمرار تحالفها التاريخي اللامحدود مع السعودية، فيبدو أن المصالح التي جمعت البلدين على مدى عقود طويلة (النفط، صادرات السلاح، الموقف من الأنظمة القومية في المنطقة، الموقف من إسرائيل، السياسة المحافظة في المملكة إزاء الأنظمة اليسارية العربية التي تحالفت مع الكتلة الشرقية) قد باتت جزءا من التاريخ وفق المتغيرات الجديدة.

وفي حديثه لـDW عربية وصف خطّار ابو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، العلاقات الأمريكية السعودية اليوم بأنها "تبقى علاقات حيوية مفصلية بالرغم من أزمة الثقة التي تصيبها وبالرغم من الحذر الذي ازداد خلال فترة الرئيس الحالي باراك أوباما".

أوباما 2002: السعوديون هم "ما يسمى بحلفائنا"

الرئيس باراك أوباما وقبل توليه منصبه، وصف السعوديين بـ"ما يسمى بحلفائنا"، وبقيت هذه العبارة معلماً محسوساً في علاقات البلدين. جاء ذلك بعد أقل من عام على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي نفذها 19 من عناصر تنظيم القاعدة، 15 منهم كانوا سعوديين. والخطاب الأمريكي والغربي عموما بات يشير اليوم علناً إلى علاقات إيديولوجية وثيقة بين الوهابية والتعاليم السلفية وبين تعاليم التنظيمات الإرهابية كالقاعدة و"داعش".

ويرى بيري كاماك الخبير في مؤسسة كارينغي للسلام الدولي بواشنطن "تحولاً بنيوياً عميقاً في علاقات الولايات المتحدة مع ممالك الخليج وإماراته، فالولايات المتحدة اليوم تطور مصادرها من الطاقة، بما في ذلك النفط الصخري، وباتت تصدّر إنتاجها إلى كثير من بلدان العالم، وهكذا فقد تقلصت إلى حد كبير أهمية نفط الخليج بالنسبة لتجارة الولايات المتحدة وصناعاتها". ويضيف كاماك أن الحروب الإقليمية في الشرق الأوسط وتداعيات هجمات 11 سبتمبر قد غيّرت المعادلة.

وعلى خلفية مطالب متعاظمة باستصدار قانون أمريكي يُلزم السعودية بدفع تعويضات مالية عن هجمات 11 سبتمبر، تعالت تهديدات مقابلة في المملكة أبرزها تحذير وزير الخارجية السعودي عادل الجبير خلال زيارة إلى واشنطن في آذار/ مارس المنصرم من أنّ إقرار القانون المشار إليه سيدفع بالرياض أن تبيع سندات خزينة أميركية بقيمة 750 مليار دولار فضلاً عن أصول أخرى تملكها المملكة في الولايات المتحدة كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً. وهو أمر يضيف مزيداً من التعقيد لزيارة أوباما إلى الرياض رغم إعلانه في مقابلة مع شبكة "سي بي اس" الأمريكية معارضته لاستصدار القانون قائلاً: "بالضبط، أنا أعارضه".

ويتيح مشروع القانون لعائلات ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر 2001 أن تلاحق أمام القضاء الأمريكي الحكومة السعودية لمطالبتها بتعويضات، رغم أنه لم تثبت بعد أي مسؤولية للرياض عن هذه الاعتداءات، ورغم أن المملكة نفسها كانت هدفاً لهجمات تنظيم القاعدة في مناسبات عديدة لحد بلغ استهداف الأمير محمد بن نايف بثلاث محاولات اغتيال.

المسألة الأخرى التي تتعارض مع المبادئ الديمقراطية التي يقوم عليها الدستور الأمريكي والتي قد تكون نقطة افتراق مع المملكة النفطية الأكبر في المنطقة العربية وما حولها، هو ما سجل المملكة في حقوق الإنسان، فهي تملك واحداً من أسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم. فقد ارتفعت حالات الإعدام في المملكة في عام 2016 لتصل إلى 84 حالة في الربع الأول من العام فقط. كما أنّ هناك انتهاكات أخرى بشأن حقوق المرأة التي تعد أوضاعها في المملكة ضمن الأسوأ في العالم، وكذلك حقوق العمالة الوافدة وحقوق الأطفال.

"العربية السعودية باتت أكثر اعتماداً على قدراتها"

مفترق الطرق الحيوي هو الموقف الأمريكي من إيران بعد حسم قضية ملفها النووي وفي ضوء التردد الأمريكي الواضح في دعم وتسليح المعارضة السورية، بما تعتبره السعودية انحيازاً إلى نظام بشار الأسد المدعوم من إيران.

السعودية اختارت أن تتدخل عسكرياً في اليمن وجوياً في سوريا وبريا في البحرين رداً على ما اعتبرته تقاعساً وخذلاناً أمريكياً، وهذا تطور حدث منذ اعتلى العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز عرش المملكة، وهو ما يعده الخبير السياسي السعودي جمال خاشقجي (المقرّب من العائلة المالكة) دليلاً على أنّ "العربية السعودية باتت أكثر اعتماداً على قدراتها وأكثر ثقة بإمكاناتها وأكثر استعداداً لأخذ زمام المبادرة في قضايا المنطقة".

ورغم أنّ برلمان الاتحاد الأوروبي صوّت في شباط/ فبراير المنصرم بأغلبية كبيرة على منع تصدير الأسلحة إلى السعودية بسبب ما وصفه بـ"الوضع الإنساني المروّع الناجم عن التدخل العسكري السعودي في اليمن" إلا أن الويلات المتحدة لم توقف صادرات السلاح إلى المملكة ولم تخفضها، وبلغت مبيعات القنابل وحدها 1.29 مليار دولار حتى نهاية 2015، فيما كانت القاصفات والمقاتلات السعودية تقصف مدن اليمن كل يوم.

خطار أبو دياب يركز في حديثه إلى DW عربية على أن "العلاقة بين البلدين قامت على أساس اتفاقية كوينسي وهي التي ربطت أمن المملكة العربية السعودية وحمايتها بتدفق الطاقة"، ومضى إلى القول: "هناك شكوك متبادلة بين الطرفين، فكل طرف يعتبر أنّ الطرف الآخر لا يحترم مصالحه الإستراتيجية، ومنذ دخول قوات المملكة إلى البحرين في عام 2011، وصولاً إلى حرب اليمن إلى مسائل أخرى لم يكن هناك تفاهمات سعودية أمريكية على طول الخط".

وأكد أبو دياب أنّ علاقات البلدين لن تعود إلى شهر العسل، لكن الخبير السعودي جمال خاشقجي يرى في حديث مع وكالة الأنباء الألمانية أنّ زيارة أوباما "ستكون مناسبة لتوضيح الموقف السعودي والخليجي ومناسبة لاستماع الرئيس أوباما إلى رأي المسؤولين حول صعوبة تعاون المملكة العربية السعودية مع إيران".

أولويات السعودية محاربة إيران وأولويات أمريكا محاربة "داعش"

هل يعيد تغيير الرئاسة في الولايات المتحدة للعلاقات مع المملكة العربية السعودية دفئها وقوتها؟ يرى الأستاذ خطار ابو دياب أنّ" الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات ونظام سياسي معقد، وأظن أن هناك اتجاه عاماً للتحول وإعطاء منطقة آسيا والمحيط الهادي الأولوية فيما يسمى بنظرية الاستدارة، وعدم إعطاء الأولوية للشرق الأوسط، (هذا الاتجاه) سيبقى مسألة هامة أياً كان الرئيس الذي سيأتي". ومضى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس إلى القول: "سيصبح هناك نوع من إعادة التقييم للسياسة الأمريكية في المنطقة، لتصبح العلاقة بين البلدين أكثر نضوجاً".

ويكشف موقف المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب إلى أي حد تقف العلاقات الأمريكية السعودية في مهب الريح، فقد أعلن ترامب أنه سيدرس وقف شراء النفط من السعودية إذا لم تقدم الرياض قوات لقتال تنظيم "داعش"، معتبراً أن مشكلة بلاده الحالية هي تنظيم داعش، وليس بشار الأسد.

أما موقف المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكية فلم يبتعد كثيراً عن موقف ترامب بشأن العلاقات بين البلدين، فقد نقلت صحيفة الحياة السعودية تأكيد هيلاري كيلنتون أنّ "المملكة العربية السعودية تركز على محاربة إيران ومن تدعمهم من أذرعها، أي الحوثيين وغيرهم في اليمن"، معتبرة أنّ "المد الإيراني من طهران إلى بغداد إلى دمشق هو "مسألة يجب أن نبحثها مع حلفائنا في إطار جهود محاربة تنظيم داعش". ولا يفوت أي متابع للمشهد ملاحظة أن كلينتون اعتبرت أولويات السعودية محاربة إيران، فيما أكدت أن أولويات بلادها هي محاربة تنظيم"داعش".

الصور والابتسامات التي ستجمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز البالغ من العمر 80 عاماً وهو يستقبله في الرياض، ستضاف إلى عشرات الصور التي وثّقت التحالف الاستراتيجي القديم بين البلدين، لكنها لن تكشف بوضوح عن حجم التباعد بين موقف البلدين والى أين سيقود.

................................................

عن موقع دويتشه فيلله

 

 4

هزيمة الإعلام

أمام إعلام الشعوب

والهاتف المحمول!

 

بحلول الألفية الثالثة بدأ الزحف المرعب للتقنيات الجديدة وأخذ الاعلام ينطلق من عدسات الهواتف المحمولة للمراهقين عبر العالم وهم يسجلون بها الوقائع اليومية.

هذا عصر جديد في كل شيء، والثقافة التي تطورت من الرسم على جدران الكهوف الى النقش على الرقم الطينية الى الكتابة على ألواح الخشب فالكتابة على صحف البردي فالكتابة على الورق، تغادر هذا العالم الى كوكب آخر اسمه التواصل الاجتماعي.

منذ عقدين تقريبا ينظر الناس الى التلفزة باعتبارها متقدمة على الراديو والى المواقع الإلكترونية باعتبارها الجيل الذي يطرح الصحافة الورقية بالضربة القاضية.

ولعل انطلاق فضائية "سي أن أن" وبعدها فضائية "الجزيرة" في تسعينات القرن الماضي يؤشران نقطة التحول من قنوات التلفزة المحلية المحدودة الى عالم القنوات الفضائية الأكثر انفتاحا وتنوعا والعابر لسلطات الحكومات المستبدة، ومن عالم الصحافة الورقية الى عالم الصحافة الرقمية وما رافقها من بث اذاعي وتلفزيوني محمول على الإنترنت.

الألفية الثالثة تطلق إعلام الشعوب

فجأة حلت الألفية الثالثة ليتغير كل شيء، فبدأ الزحف المرعب للتقنيات الجديدة التي تغير المعادلة وأخذ الإعلام ينطلق من عدسات الهواتف المحمولة للمراهقين عبر العالم وهم يسجلون بها وقائع يومية باتت تحتل واجهة اهتمام الناس شاء الإعلام أم أبى.

مؤسسات الإعلام المحترفة (تلفزة، صحف ورقية ومعها مواقع الكترونية ملحقة بها، إذاعات على النت وعلى إف إم رقمي) تنفق ملايين الدولارات وتشغل ألوف الصحفيين لتصنع مواد خبرية وفيديوهات تقصد أن توصل بواسطتها الأخبار والقصص ضمن سياستها الإعلامية (وتدعى أحيانا الخطاب الإعلامي).

كل هذا الجهد يضيع اليوم أمام إعلام غير رسمي غير موجه، لا يحمل أي رسالة، ولا يروج لأي ثقافة لكن تداوله مليوني. الأسماء الكبيرة اليوم هي (فيسبوك، واتس آب، تويتر، انستغرام والأوسع انتشارا يوتيوب).

لنقف على ذلك بالأمثلة:

*داني جيزدن، شاب (19 عاما)، مجهول الهوية، أنشأ لنفسه قناة على يوتيوب ويضع عليها فيديوهات هي عبارة عن ألعاب فيديو يعشقها الصغار (من سن 8 الى 20 عاماً) ويعلق عليها بلغة شارع ألمانية من نوع "اللعنة، ماذا يفعل هذا الأحمق؟ الى أين تتدحرج السيارة، انتبههههههه، واوووووووو، ماذا تريد بهذا الجنون؟ هلو ألمانيا! واواواو". حجم المشاهدة أكثر من مليون مشاهد! وضع على يوتيوب نهاية عام 2015.

https://www.youtube.com/watch?v=tQKjfhYSlBA

* صاحبة أجمل صوت في العالم بلا منازع. فيديو مجهول المصدر لطفلة تغني بطريقة أوبرالية (سوبرانو)، وضع على يوتيوب عام 2011، حجم المشاهدة العربية 11.6 مليون مشاهد.

https://www.youtube.com/watch?v=H7nSk0V6XCw

*فريق بنات مدرسة ثانوية في كندا، يصنعون فيديو يصوره أصدقاؤهم، وترافقه موسيقى مسجلة لأغنية شهيرة. اسم الفريق "Problem" by Ariana Grande - cover by CIMORELLI!

وضع على الشبكة في تموز 2014. حجم المشاهدة 13.7 مليون مشاهد.

https://www.youtube.com/watch?v=z_pkqLb3kq0

إذا أردنا أن نقارن هذا مع الجهد الإعلامي، علينا أن نذهب الى أمثلة واقعية:

*حوار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسى مع سكاى نيوز العربية، تموز 2015. حجم المشاهدة حوالي ألفي مشاهد.

https://www.youtube.com/watch?v=6YW-2HeOnpk

* رشا قنديل تحاور المعارض السوري محيي الدين اللاذقاني "بي بي سي" وضع الفيديو على يوتيوب في 7 أيار/ مايو 2011. حجم المشاهدة 159 مشاهداً.

https://www.youtube.com/watch?v=uerNfpMhNrA

لنقارن بشيء غير سياسي من الوسط الفني.

*عفاف راضي ـ وحدي قاعدة في البيت... حفلة كاملة وضعت على يوتيوب في عام 2013. حجم المشاهدة 470 ألف مشاهد.

*نانسي عجرم. نانسي عجرم ـ في حاجات/ Nancy Ajram - Fi Hagat (Official Clip أيار/ مايو 2014. حجم المشاهدة 163 ألف مشاهد.

https://www.youtube.com/watch?v=5w50CRhJRA8

إعلام الشعوب مجاني واقعي خالٍ من أي خطاب إعلامي

هذه الأرقام ومقارنتها تكشف عن حقائق مذهلة بالنسبة للناس ومرعبة بالنسبة للإعلاميين:

*حين تصنع المؤسسات الإعلامية العريقة موادها الإعلامية فإن تكلفة ذلك العمل كبيرة والجهد المبذول لإنجازها كبير، لكن ذلك لا يتناسب مع حجم المشاهدة الذي تحصل عليه في يوتيوب.

*هذا لا يعني أن المادة الإعلامية سيئة أو أنها لا تحظى باهتمام المشاهدين على شاشة القنوات التلفزيونية أو القراء على المواقع الالكترونية أو قراء الصحف الورقية، بل يعني أن جمهور يوتيوب لا تهمه مواد المؤسسات الإعلامية الكبرى، هو جمهور يبحث عن إعلامه الخاص بعيدا عن الميديا.

*جمهور يوتيوب هو جمهور الشباب ابتداء من عمر 10 سنوات فصاعدا.

*الوسائل الأخرى الأكثر انتشارا هي تويتر في الخليج خاصة، وفيسبوك عبر العالم العربي. ويوتيوب وواتس آب بشكل متنامٍ في الغرب والعالم.

*عدد زوار فيسبوك الناشطين شهريا 1.59 مليار مستخدم حسب إحصاء آذار/ مارس 2016. طبقا لموقع التسويق زيفوريا وهو الأشهر حاليا في عالم التسويق الرقمي.

*عدد زوار موقع تويتر الناشطين شهريا عبر العالم 241 مليون مستخدم في الربع الأخير من عام 2015 حسب موقع ستاتيستا الاحصائي.

*يظن كثيرون حتى اليوم أنّ التلفزيون هو أفضل وسيلة للوصول الى الجماهير (ويؤمن الساسة في البلدان غير الغربية بهذه الفرضية على وجه خاص)، لكن الإحصاءات تكشف أنّ الناس بين عمري 18 و34 عاما (في الولايات المتحدة وفي أوروبا ويتنامى هذا التوجه في العالم العربي ومحيطه الاقليمي أيضا) يشاهدون أغلب الوقت يوتيوب ومنه يحصلون على ما يفضلونه وهم لا يزورون شبكات التلفزة المعروفة إلا بمعدل 10 الى 20 دقيقة في الأسبوع، وللبرامج غير السياسية.

جمهوران بإعلامين والفجوة تكبر

الخلاصة التي لن تستقر على رقم نهائي بهذا التسارع الرقمي الذي لا نهاية له هي أنّ هناك جمهورين اليوم، جمهور وسائل الإعلام التقليدية الذي يتضاءل ويتناقص عدده كل ساعة، وجمهور وسائل التواصل الاجتماعي غير المحترفة الذي يتنامى عددا كل ساعة. وناقوس الخطر يقرع مؤذنا باندثار وظائف كثيرة وتساقط مؤسسات عريقة متعددة ما لم يتكيف الإعلام والإعلاميون والصحفيون للتغيير المتسارع.

الأُسر التي تتحلق حول أجهزة التلفاز ليلا سيغيب عنها الشباب وهم مشغولون بوسائل إعلام أخرى لا يراها الأهل، ومن اعتادوا قراءة جريدة الصباح الورقية سيفقدون سراعا هوايتهم التاريخية التي اعتادوا عليها منذ عقود. الصحافة الورقية التي يراها كثير من الناس حتى اليوم "برستيجا" ذا وقع خاص تحتضر للأسف، وقريبا سيغادرها الجمهور الى وسائل أسرع في الوصول الى الأخبار الواقعية وبدون جهد صحفي، ما لم يسارع القائمون عليها الى ابتكار وسائل تلحق بها وتبقيها على قيد الحياة. والمواقع والصفحات الالكترونية التي يراها كثيرون صحافة الألفية الثالثة، باتت جزءاً من تاريخ يتساقط سراعاً.

.............

عن موقع ميدل ايست أونلاين

 

 

 5

قراءة عصرية سريعة في "آية النفقة"

 

فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة. (النساء 24)

تستوقفني هذه الآية كلما مررت على سورة النساء، فأقرأها غالبا على أنها دعوة للبغاء، مدعومة بنص سماوي. وهي بالتأكيد لا تتعلق بالزوجة، لأن الرجل دفع الحقين لزوجته (المتقدم والمتأخر) عن كل التمتع الجاري معها حتى يموتان أو ينفصلان، لذا يوجب الفقه الجعفري على الرجل أن يدفع لزوجه مهرها المتأخر قبل أن يحصل فراق أو طلاق بينهما.

ألا يشرّع الكتاب الكريم في هذه الآية صناعة الدعارة التي تسمى في كل العالم المتحضر اليوم صناعة الجنس؟

ألا يقرّ كتاب المسلمين أنّ المرأة تملك جسدها ولها أن تبيعه أو تؤجره كما تشاء؟

ألا يؤجر الرجل جسده وقوة عضلاته حين يعمل حمّالا؟

ألا يبيع الرجل جسده حين يعرض عضلاته في عروض رفع الاثقال وكمال الأجسام؟

ألا يبيع الرجل جسده في عروض القتال الياباني والآسيوي والملاكمة والمصارعة؟

ألا يبيع الرجل جسده وقوته الجنسية في مهنة الجيغولو؟

فلماذا لا يحق للمرأة أن تبيع جسدها وهو ملكها بنفس الطريقة إن لم تجد لنفسها عملا تعيش منه؟

وإذا كان البعض يتذرع بعلل أخلاقية، فكل الحضارات تقول إن الدعارة هي أقدم مهنة في التاريخ (لأنها مهنة الجسد).

سينبري لي المفسرون ويقولون إن الآية المذكورة تتحدث عن نفقة المرأة الواجبة شرعا، والرد هنا أنّ ابن عباس يقرأ الآية هكذا:

(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً).

وبهذا ندخل في خلاف التفاسير الذي يندرج تحت عنوان القراءات والنسخ المكررة والناسخ والمنسوخ، ولست أقوى أن أجول في هذا المضمار ولا وقت عندي لذلك، إنما هي ملاحظة مبينة على قراءة واضحة لظاهر النص القرآني وليس لباطنه. (فما استمتعتم به منهن) "ما" هنا يمكن أن تقع على المرّة فتكون بمعنى "كلما" أي في كل مرّة استمتعتم بهن، فعليكم أن تفوهن حقهن "أجرهن".

ويمكن تفسيرها أيضا في نوع التمتع، فقد يعني إذا اكتفيتم بالتقبيل والتفخيذ واللمس فادفعوا حقا بقدر هذه الخدمة، أما إذا حصل الفعل الجنسي كاملاً "وشُهد كدخول الميل في المكحلة" فعلى الرجل أن يدفع حق ذلك وهو أعلى من الحق الأول، وإذا حصل القذف داخل المرأة فالأجر هو الأعلى. وربما هناك ظروف مواقعة تفصيلية يتفق عليها طرفا الفعل الجنسي حسب ميولهما ويحصل الدفع بموجب ذلك.

الرجل بموجب الآية الكريمة ملزم بأن يؤدي للمرأة حق تمتعه بجسدها، هذه خلاصة القول، وهذا يثير أسئلة مطوّلة عن الزنا (وهو الفعل الجنسي بين الرجل والمرأة خارج إرادة المجتمع "الزواج" دون مقابل) وعن الدعارة والبغاء وهو تجارة الجسد. الأول محرّم في الإسلام وكل الأديان والثاني مباح في الإسلام كما تكشف الآية.

 

6  

مهاجرون ولاجئون سابقون من العراق وسوريا

إلى إيران والسعودية والغرب

الهجرة واللجوء شرقاً وغرباً

خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية

 

باتت هجرات الناس علامة فارقة لا تفارق العولمة، ربما لأن العولمة مرحلة تصاغ فيها المجتمعات كما صيغت في عصور ظهور الأديان وفي عصور تشكُّل الأمم وفي عصور الهجرات الكبرى التي غيرت العالم. فمنهم من هاجر شرقا بحثا عن وطن قريب، ومنهم من عبر البحار غربا بحثا عن وطن صعب. ملهم الملائكة يسرد لموقع قنطرة خواطر شخصية ومشاهدات ذاتية بألسنة أصحابها.

هجرات القرن الحادي والعشرين، باختلاف أسبابها، اتجهت غربا، حيث العلمانية والمجتمعات الديمقراطية التي تعيش قيم الليبرالية لأمم فصلت واعيةً بين الدين والسياسة، فاستقرت سياساتها، وانصرف الجميع إلى البناء والإعمار وبناء الذات. أما هجرات القرن العشرين فتنوعت مساراتها، بحسب تنوع الأهداف. المشرق العربي شهد هجرات نحو تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران، وقبلها كانت الأردن ولبنان ومصر والعراق وسوريا هدفا لهجرات الفلسطينيين السياسية بحثا عن ملاذ آمن.

في هذا المقال يتحدث 5 مهاجرين أجبرتهم ظروف السياسة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين على الهجرات، فجاءت أقوالهم هنا شهادات صادقة عن تجارب اللجوء باختلاف الظروف واختلاف الأزمنة واختلاف دول اللجوء.

 

الشاعر والكاتب والناقد محمد المطرود

هاجر من سوريا إلى ألمانيا عام 2013

كلُّ تجربة تنطوي على مغامرة، وكل مغامرة هي نحتٌ في الصعوبة، والكتابة خارج هذا وحش أدرد، في غياب الحرية تستحيل الحياة، أو تكون ناقصة وأشبه بالوظيفة وشتان بين ما هو علاقة تفاعل وندية مع الأشياء تأثيرا وتأثراً وبين ما يؤدّى على أنّه فرضٌ واجب، تقتضيه مصلحة ما.

شخصياً تخلصت من الآخر/ الحسيب نحو فضاء الآخر المتلقي بفضل الاغتراب، وكذلك استطعت بفعل القراءة للمكان الجديد الذي أنا فيه أن أتخلص إلى حد من المقابلات: مقابلة طرف هش غادرته إلى طرف أكثر صلابة له نظامه وقوانينه ومنظومته الإنسانية التي حولّت (النظام) إلى ثقافة وسلوك يومي، وهو ما أكسبَ نصي جسارة جديدة من خلال خياراته التقنية وكذلك مواضيعه المنافسة لأدب كنا نقرأه على أنّه أدبٌ يصنعهُ معلمون كبار، حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم. أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضاً فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن، وننظر إلى ذواتنا كمنتجين لا كمتلقين فقط وكذلك معلمين وصانعي نصوص سنقرأها ويقرأها الآخر الذي نحن بين ظهرانيه الآن، نصوص أعتقد أنها لها الجَلَد الكافي على الحضور والاستمرار.

محطة أوروبية جديدة في حياتك، ماذا ترى فيها؟

على ضوء هذا الاختراق للمكان الجديد بكل طبقاته الكتيمة من اللغة إلى العادات إلى الانضباط الذي لم أعتده في بلداننا أجدني أتمتعُ بالقدرة على تطويع أسئلتي الوجودية المرتبطة بالحياة أساساً لصالح حياتي الجديدة كما لو أني أخوض تحدياً للمداومة والاستمرار، وبالتأكيد هذا نابع من شعور تكوّنَ بفعل مظلوميات سابقة كان ديدنها غياب الحرية، واليوم في توفر هذا الشرط يعني أن إمكانية البقاء -ككاتب جيد وفي المحصلة كإنسان صالح- ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

وأخيراً للاغتراب أوروبياً وجهان: جميل لتمثلّه قيم الحرية والعدالة، وقبيح ينطوي على الصرامة والبيروقراطية المتمثلة في تهميش الروح لصالح العمل والآلة!.

................

الصحفية والإعلامية والشاعرة صابرين كاظم

لاجئة من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية

إذاً بعد 12 سنة من التغيير قررتِ فجأة اللجوء؟

بعض ما يجري في حياتنا هو ليس نحن،  في بلاد منهوبة وجدتُ نفسي في بغداد أدور بين أزقتها، أصاب بالطفح الجلدي من حرارة الشمس و بالخذلان يتقرح قلبي، و كأي نخيل يُجرف دون هوادة، مثله النساء اللائي ﻻ يرتدين لباس الحمقاوات.  ﻻ إجابات حاسمة لديّ على حياتي،  لدي قصص و إحتمالات. قد يكون هو يوم جديد يريد أن يبدأ؟ قد تكون هي سنوات خلت حان وقت حصادها، أو ربما هي لعبة المصائر و الأقدار التي سبحت طويلا خارج مقدراتها، كيف حصل هذا وأنا كان مقدرا  لي أن أتزوج مبكرا ابن عمي،  ربة بيت مضطهدة ﻻ تعرف سوى أن تندب وتبكي تحت رحمة الجلد. صرتُ و ولدتُ من نفسي، طفتُ بلا رحم عشيرة أو وصاية، وخرجت من المصائر المؤبدة، تلاحقني حتى الآن، علها تضع لي حدا لأعود البنت البارة المرتجفة.

أقول لك الآن أنظر من بعيد للظلمة و النفق المرعب والضوء في نهايته، أنا أرقص على المنبر الأسود وهذا الرقص يعني أنه دمي، دمي عاجلا أم آجلا ، و في هذه المواجهة الحقيقية غير المتكافئة، حلمتُ بجناح، بفضاء آخر فحسب. إلى أي ينتمي و أين يكون، بساط الريح حكايتنا الأسطورية، الذي سأعتليه وأحلق به بعيدا لفضاء آخر، لغة أخرى، لنفسي، إذ أريد اكتشافها لأ طمرها تحت أغلال الخوف و الهرب و القصاص. حلمتُ ألا أكون جنديا، أن أتوقف عن القتال، أن أخرج من الجبهة التي جعلتني أصارع و أُمتهن، أنجو من تلك الفخاخ المهلكة دون رحمة و ﻻ أسى. أحمل معي يوميا عشرات اللحظات من الفزع و الهلع، أرتجف إن سقطت في المطبخ سكين، أو دخلت حجرتي قطة، يخفق قلبي، وأوردتي تقترب من الانفجار، بعد هذا آخذ وقتا كافيا للعودة الى الماضي من هذا المقعد المؤقت، أتذكره بشدة، كل شيء يعود إليّ مجددا، الصراخ، أصوات الانفجارات، ملاحقة الميليشيات، ضغائن و أحقاد مرضى كثر، فشلي الذريع بالوصول الى السعادة، الليالي التي ﻻ أنام بها، يعود كل شيء مكثفا و حارسا مثاليا يبعدني عن السكينة، لأنتشل ما حصل لامرأة عاشت ببغداد أسيرة و مشاكسة، مسحوقة و منتصرة، كئيبة و تخفق بالسعادة ، كلّ ذلك أتوقف عنده، أحاول أن أرممه، أستغرب كثيرا من جسدي، كان له إزاء ذلك أن يتلاشي، كيف أحتمل أن يبقى، ويُبقي عليّ معه.

لماذا أمريكا وكل العراقيين وجهتهم أوروبا؟

قرعت الأجراس داخلي، لم أكن أصغي لأصوات النهاية، حملت أشيائي في حقيبتي، ودعت حجرتي،  لم أفعل مع أي آخر.  قلتُ أنه قد يكون هذه المرة على غير سابقه سفرا طويلا، حمـلت لي الأخبار أن الأشداء بالثياب السود حانقون عليّ، و أن ما حدث لم يكن إحدى الحوادث العديدة لي معهم. الوداع حصل هنا، من وﻻية إلى وﻻية أميركية أخرى أتنقل وأغني مع الشجن العراقي، أسلي نفسي، و تارة أبكي معها، و أخرى أبحث عن بيت. هل هذا حقيقة؟ أم أنه فيلم متقن الصنع قرر مخرجه أن يغير الأحداث؟ و بعد تدفق سنوات من الفرح المرير في تلك الأزقة العتيقة والأيام المرعبة الحميمة. فتاة على عتبة الثلاثين وجهها لامرأة مسنة، وروحها تتمسك بالأحلام عليها أن تمضي هذا ما أقوله و أكرره لنفسي، لصابرين، عبر المرآة أحيانا حين أضيّع كل شيء آخر وﻻ أعود أتعرف علي، لكن هذا ليس جديدا فسابقا في بغداد لم يكن لي وقت، مشغولة بالانهزام و بالمراوغة و الثبات واليأس.

هل تعتبرين الهجرة محطة ستعودين منها، أم وطن النهاية؟

سأكون بلادا، معي حريتي و جسدي الصلب ﻻ خائرة القوى، أظن دائما أن أسمي الآخر بغداد، المدينة، و كلتانا في المحنة السوداء، في القيامة العصيبة منذ ثلاثة عشر عاما و قبلها بعقود، نقف ﻻ نقع، لو أنني كنتُ ﻻ أؤمن بهذه المدينة وقوتها الساحرة، لتوقفت ولسقطت قبل سنين، من مثلها شغفي وحبوري ونجاتي، سأكون بلادا مبتهجة مقدَّراً  لها أن تغني دون شجن.

......................

أمير علي حيدر

كاتب عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين

في 29 آذار/ مارس1991 عبرت الحدود من العراق -الذي لم يكن قط بلدا يحبني- إلى إيران التي لم أفكر قط في أن أحبها وأتخذها سكنا. عبرت الحدود دون جواز سفر.

كل ما عندي نزعته على الحدود، وكانت غرفة جندي صغير في فوج يحمل اسم موسى الكاظم على قمة جبل مقابلة لقمة جبل عراقية تطل على حوض بنجوين أول مأوى ألوذ به. الغرفة المبنية في حضن جبل لها جدار موشح بصورة لرجل إيران الجديد (آنذاك) الخامنئي. بقيت طيلة الليلة الأولى أتأمل شكل المعمم بابتسامته الغامضة والذي سوف أستظل بسلطته لزمن قادم لا أدري حتى متى يستمر.

أول تجربة لي مع الابتسامة الغامضة الإيرانية كانت مع رجل اسمه محمد كاظمي مسؤول مكتب الأمن (اطلاعات مريوان) في مركز التدريب العسكري  بمدينة مريوان. دخل الرجل إلى المركز الذي جمع فيه نحو 500 عراقيا لجأوا إلى إيران في تلك الأيام وهو يقود سيارة تويوتا مسروقة من الكويت، استخدمها الجيش العراقي ووصلت بطريقة ما إلى الرجل الإيراني الغامض. ونجح بابتسامته المعلّقة فوق لحيته الغامضة في إقناع جمع الثائرين على صدام الهاربين إلى إيران في أن يسلموا كل ما عندهم قبل نقلهم إلى مركز إيواء اللاجئين في مدينة كرج جنوب طهران العاصمة.

تعلمت الدرس المر من الكاظمي الملتحي الباسم، لا تصدق أبدا ما يقوله أي موظف حكومي إيراني، فهو يقول ما لا يعني، ويبتسم حين يكشر عن أنيابه، ويعبس حين يمعن التفكير. وإذا منحك شيئا فهو مقدمة لكارثة ستصيبك، ويريد أن يبرّئ ضميره منها مقدما.

رست بي سفينة اللجوء ممزقة الأشرعة إلى مخيم إبراهيم آباد الواقع شمال مدينة آراك وسط إيران. معي في المخيم  نحو 300 عائلة من مختلف عشائر جنوب العراق، هربوا وأسرهم من بطش قوات الحرس الجمهوري التي هاجمت مدن الجنوب المنتفضة.

الرزق ضيق، والعراقي ممنوع من كل شيء

لا يحق للاجئ في إيران العمل المحترم لأنه ينافس الإيرانيين في رزقهم الضيق، ولا يحق له الاختلاط بالمجتمع الإيراني، ولا يجوز له الدراسة في الجامعات والمعاهد الإيرانية ولا يحق لأبنائه الدراسة في المدراس الإيرانية. والأغرب لا يحق له الزواج من امرأة إيرانية والعكس صحيح.

هربت من المخيم، لأعيش مشردا لا أحمل مستمسكا قانونيا في أروقة مدينة قم باحثا عن عمل لن أجده سوى في المؤسسة الدينية. كعراقي أمامك طريقان، إما تكون جزءا من أحزاب المعارضة الشيعية العراقية (حزب الدعوة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية "بدر" ، منظمة العمل الإسلامي)  وإما أن تعمل في المؤسسات الدينية العراقية وهي بالعشرات تنتشر في مدينة قم حصرا وترتبط بالمرجعيات الشيعية النجفية والكربلائية.

القلة التي تخرج عن هذين الخيارين تعمل مع مكاتب المخابرات الإيرانية الكبرى الأربعة المعروفة آنذاك وهي: قراركاه رمضان، قراركاه الحمزة سيد الشهداء، وقراركاه خاتم الأنبياء، وقراركاه عاشورا.

زنزانات الصمت أو ثكنات السباه!

كان بعض العراقيين يختفون فجأة دون أثر، وعرفنا لاحقا أنهم أما يُجندون لصالح أجهزة الأمن بحسب مستويات ولائهم (ولا يُنظر بجدية إلى كفاءاتهم، فالولاء لخط ولاية الفقيه فوق كل شيء)، أو يُعتقلون في سجن ايفين أو في الستاد المشترك (مقر العمليات المشتركة) بِتُهَم مختلفة أقلها التجسس على النظام! ويسجنون في زنازين منفردة يقضون فيها شهورا طوالاً، ويستبعدون بعدها إلى العراق ليواجهوا مصيرا مجهولا. ثم عرفنا بأن أسلوب التعذيب المتّبع والذي لا يترك أثرا هو الصمت، زنزانة الصمت حيث لا يجوز للمعتقل أن يفتح فمه، فتذوي أوتار حنجرته ولا يعود قادرا على الكلام. وهناك من تحدث عن معتقلين منذ 20 سنة في زنزانات الصمت لم يعودوا يدركون الفرق بين السنين والفصول ولا يعرفون كم بلغوا من العمر.

في هذه العجالة كيف لي أن أوجز قصة 13 عاما من الخوف والحزن والبكاء والعويل على من قتلوا قبل 1400 عام دون أن يحق لي البكاء على ما جرى لي. كنت أرى أبناء العراقيين يفقدون الأمل فيتطوعون للعمل كمقاتلين في صفوف السباه أو الباسدران ليقاتلوا في أراضٍ بعيدة دفاعا عن عقيدة غامضة ترتبط بالابتسامات العالقة فوق لحى المعممين.

اكتشفت خلال كل سنين العذاب أكذوبة "الإيرانيون يحبون شيعة العراق" بالعكس، فهم يرون أنّ فارس هي أرض التشيع، ويرون شيعة العرب بمجملهم غير متدينين وكذّابين ومنافقين، وإذا خضت مع أحدهم نقاشا وأفحمته بأن النجف هي أرض التشيع والنجف عراقية يقول لك، ولكن النجف (الكوفة) هي من غدرت بالإمام علي وقتلته، وأهل الكوفة هم من عاهدوا الإمام الحسين وغدروا به فقتله الجيش الأموي.

كل إيران كانت سجنا يعتقل العراقيين الذين خُيروا بين الولاء للجمهورية الإسلامية وخط الولاية وما حولها من أحزاب المعارضة العراقية، وبين العيش مهمشين على دخل شهري لا يتجاوز 60 دولارا في الشهر!! وبين التهديد بإعادتهم إلى نظام صدام حسين الذي كان سيفتك بهم بالتأكيد.

أما سؤالك ماهي أجمل لحظة لي في إيران فجوابي هو: لحظة مشهد الهجوم على برجي التجارة العالميين في نيويورك وعلى مبنى البنتاغون في 11 سبتمبر2001، حيث شعرت من لغة الإعلام الإيراني والعراقي آنذاك أنّ لهما يداً طولى فيما جرى، وكنت متيقنا أنّ ساعة إسقاط نظام صدام والنظام الإسلامي في إيران قد أزفت بعد أن انتهت مرحلة سياسة الاحتواء المتفق عليها. لذا فإن عمليات تحرير العراق عام 2003 لم تكن مفاجئة، وإسقاط نظام صدام حسين هو الذي فتح أبواب السجن الإيراني مترامي الأطراف فعاد عشرات ألوف العراقيين  إلى الحرية، وأفلت مئات ألوف الأفغان إلى العالم الأوسع. ما تبقى هو لحظة إسقاط نظام إيران، متى تحين؟

......................

قاسم المرشدي

إعلامي عراقي لجأ إلى إيران في تسعينيات القرن العشرين

لا تخلو تجربة الهجرة لدولة ذات تاريخ وحضارة من فائدة، وإيران فتحت أبوابها للعراقيين الهاربين من نظام صدام حسين دون شروط، أو طلب فيزا، وفي نفس الوقت إيران لم تسمح للعراقي بحق العمل القانوني والدراسة أو التملك والزواج والارتباط القانوني بمواطنة إيرانية ولهذا وجدنا آلاف العراقيين الذين هاجروا لإيران بعد أن مسهم ضر نظام صدام حسين يفكرون بالهجرة منها بحثا عن مستقبل واضح وآمن لأبنائهم الذين حرموا من التعليم والدراسة باللغة العربية، ففي إيران لا توجد مدرسة ابتدائية مرتبطة بالنظام التعليمي بعهد صدام حسين أو بعهد من جاءت بهم أمريكا للسلطة عام 2003 وأغلبهم كان يُقيم في إيران. وبالتالي لا يمكن لإيران أن تكون بلدا بديلا للوطن الطارد وهنا الحديث عن العراق.

......................

كريم بدر

إعلامي وكاتب عراقي لجأ إلى السعودية في تسعينيات القرن العشرين

100 ألف سجين/لاجئ في الصحراء لمدة 13 عاما!

كريم بدر هاجر منذ آذار/ مارس1991 إلى المملكة العربية السعودية هاربا من وطنه العراق الذي طارده وأسرته حتى الموت، وتردد كثيرا وهو يحدثنا عن سنوات الصحراء كما أسماها.

"في البداية لابد من القول إني لم أذهب مختارا إلى السعودية، بل مجبرا تحت حراب وبنادق الحرس الجمهوري العراقي الذي طاردنا حتى حدود السعودية، فدخلنا إليها، وكان وجودنا منذ اليوم الأول هناك وجود أسرى وليس مهاجرين، فقد ألقي بنا في وادٍ سحيق بعمق الصحراء في خيام بمخيم مسور بأسلاك شائكة وبأبراج الحراسة التي ترابط عندها دبابات سعودية. قريبا من مدينة رفحة الصحراوية، وقد بقيت 4 سنوات، وبقي البعض 17 سنة. بقينا هناك بعنوان لاجئين، وفي السعودية لا يوجد لاجئون ولا قوانين تحمي من يحملون هذه الصفة. كنا في مواجهات مستمرة مع الجندي السعودي، الذي كان يقتل اللاجئ لأتفه سبب. وهكذا قُتل شباب كثيرون، ومنهم شاب قتل أمامي، كان ملثم الوجه بسبب رياح الصحراء المحملة بالرمل الحارق، وطلب منه أحد ضباط المخيم أن يرفع لثامه بلغة آمرة"اِرفع لثامك يا كلب"! فرد عليه الشاب، "أنت الكلب"، فسارع الضابط ومن معه إلى إطلاق النار عليه.

خلال أربع سنوات لم أغادر حاجز الأسلاك الشائكة، كنّا أسرى يأتون لنا بالطعام والماء دون أن يتاح لنا الخروج والعمل أو الذهاب إلى أي مكان ولكن بحكم الحاجة نجحنا في بناء ما يشبه الأكواخ الطينية، جدران من الطين المفخور، تسقفها الخيام، هكذا عشنا . كنا نسميه معتقل رفحة لأننا لم نغادره، وكان في المخيم مركز طبي، وفتحوا مدارس في المخيم، يدرس ويدرّس فيها اللاجئون بأنفسهم. كان عددنا 100 ألف "سجين".

شاحنات الموت

وكنا مخترقين من قبل عناصر المخابرات العراقية، التي كانت تتوغل في المخيم بعناصر متخفية، وتنفذ عمليات اغتيال أو خطف مدبّرة بالاتفاق مع السلطات السعودية المسؤولة عن حماية المخيم. وكتبت عن ذلك كتيبا أسميته "شاحنات الموت" فقد كان زوار الفجر يطلون على السجناء ليلا، ويخطفون عشرات منهم لينتهوا في المقابر الجماعية على الحدود السعودية في العراق.

بعد سنتين من شاحنات الموت، وسوء معاملات السجان السعودي الوحشية، وقعت انتفاضة كبرى في المخيم، وبسببها تدخلت الأمم المتحدة، وفتحت لها مكتبا في المخيم، ثم جرى تنظيم وترتيب الأمور، وقدم ممثلو دول أوروبية وغربية متعددة، وأخذوا مجاميع من اللاجئين لبلدانهم، ونتيجة هذا نجحت في مغادرة المخيم إلى بلدي الآمن الذي أعيش فيه الآن هولندا، أوروبا هي التي أنقذتني من جحيم الوهابية السعودية. من أجرى المقابلة التي أنقذتني هولندي يهودي، أجرى لي لقاء وأوصى بنقلي الى هولندا. وقد خرجت برفقة 119 عراقيا، مخفورا ويرافقني سجانو المخيم المسلحون، ونُقلنا بالحافلات، وصولا إلى طائرة كي إل إم. ولم يختفِ الحارس عن المشهد إلا حين أصبحنا داخل الطائرة الهولندية.

طيلة أعوام الاعتقال، لم يزرنا أي مسؤول سعودي، هم اعتبرونا سجناء وتركونا نتعفن في الصحراء المحرقة طيلة سنوات. أذكر أن الأمير سلطان بن نايف - لست متأكدا من اسمه- سأله أحد الاعلاميين عن مصير اللاجئين العراقيين بعد سنوات من مكوثهم في رفحة، فقال عبارته الشهيرة "اللي يبيهم ياخذهم" بمعنى أن بلاده لا تريدنا.

خلال هذه الأعوام الطويلة، تزوج كثيرون، كما ولد كثيرون في "مخيم الاعتقال"  السعودي رفحة، وأعتقد أن شهادات ولادتهم اليوم تشير إلى هذه الحقيقة (مسقط الرأس مخيم اللاجئين العراقيين في رفحة). ومن توفوا دفنوا في مقبرة رفحة القريبة من المخيم.

 ....................

عن موقع قنطرة