
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69
|
|
خواطر |
|
راسلونا |

|
1
تأملات في مسألة "العزل السياسي"
تطالعنا هذه الأيام على شاشات القنوات الفضائية والأرضية وجوه كالحة كئيبة قبيحة مقبضة، كنا قد اعتقدنا أننا ارتحنا منها إلى الأبد مع شروق شمس الحرية والكرامة على مصرنا الحبيبة في يناير الماضي، ولكنها ولعظيم الأسف والأسى خرجت من جحورها مرة أخرى وبدأت تزاحم الشرفاء بكل ما أوتيت من وسائل مشروعة وغير مشروعة لتضمن لنفسها مكانا في الحياة السياسية التي تتشكل ملامحها على مدى الشهور القادمة. لن أذكر أسماء بعينها فلن أساهم في التعريف ببعضهم مفضلا أن يظلوا مجهولين لمن لا يعرفهم.. ولكنهم يتشدقون بالحرية على وتيرة واحدة، ويرددون نفس العبارات وبنفس الحجة، كأن هناك من لقنهم جميعا في ذات الوقت ما ينفثونه من سموم في وجه شعبنا النقي العفيف، محاولين كسب تعاطفه، والظهور بمظهر المظلوم الضعيف الذي تريد الثورة المفترية أن تسلبه أهم حقوقه وهو حق ممارسة الحقوق السياسية. وأكثرهم تأدبا يسوق نموذج ثورة جنوب أفريقيا التي طبقت المصالحة. أما أكثرهم دهاء فيعلن موافقته على العزل السياسي ولكن بشرط وجود حكم قضائي بموجب قانون الغدر. يعني بيننا المحاكم وحتى صدور الحكم في سنة 2035 يستمر هذا "الفل" في ممارسة "حقوقه السياسية" عادي جدا كأن شيئا لم يكن. أما الوطني منهم ممن قلبه على مصر وشعبها الغلبان فهو يرفض أن "يكوش" الإسلاميون على المجلس، ولهذا فهو يرى "ضرورة" أن يسمح للجميع بالترشح (تذكروا اسطوانة المخلوع أنا أو الإرهاب) وكأن عضوية المجلس مغنم ينبغي توزيعه بالعدل وليست تكليفا قاسيا لخدمة الشعب. أما "شجيع السيما" المرعب منهم فلم يتمكن من ارتداء أي من الأقنعة السابقة، وكشف بسرعة عن وجهه الحقيقي، وهدد بإعلان جمهورية الصعيد حيث العصبيات والقبليات وسطوة العائلات، ومضى يطلق تهديدات بإشعال الحرائق والاستيلاء على منشآت الدولة، ولعله تناسى في غمرة النشوة والزهو بالقوة الخيالية أن صعيد مصر الشريف كان شريكا أساسيا في الثورة ضد أمثاله، وأن ميدان التحرير استقبل المئات من الوفود التي استقلت قطار الصعيد متجهة إلى القاهرة للمشاركة في كل فعاليات الثورة حتى اعتصام 8 يوليو الماضي. ولنقارن الآن بين شباب الثورة من الشرفاء ممن قدموا لخدمة مصر الغالي النفيس ووضعوا أرواحهم على أكفهم أمام بنادق القناصة وتحت سنابك الخيل، ممن استأجرهم نواب الوطني يُدفعون دفعا للترشح لمجلس الشعب رغما عنهم، وتقدم لهم كافة التسهيلات لتأسيس الأحزاب، آخرها تمويل المجلس العسكري لإعلانات الصحف التي كانت آخر العقبات في وجه تأسيس الأحزاب وهي رغم ضآلتها النسبية تفوق مقدرة هؤلاء العظماء في الغالب.. وبين هؤلاء الفاسدين المفسدين ممن يحاربون وينفقون الغالي والنفيس لتأسيس الأحزاب الجديدة (وطبعا ماعندهمش أي مشكلة ومش محتاجين تمويل) ويهددون بحرق البلد من أجل الفوز بإمكانية شراء الأصوات للجلوس تحت القبة ليناموا أثناء الجلسات و(يقزقزوا اللب) ويمنحوا أصوات الموافقة لمن يدفع ويتسابقوا للحصول على توقيعات الوزراء وهذا فقط هو تصورهم السقيم للحياة البرلمانية. لو افترضنا حسن النية وأنه ليس هناك قوى خفية من مصلحتها تواجد هذه الحيَّات في البرلمان القادم فإني أود أن أتوجه إليهم وإلى كل من قد يتعاطف معهم بالنداء التالي: المسألة يا سادة ليست ضد أشخاص بعينهم ولكنها ضد أداء متدنٍ أعاد مصر عشرات السنين إلى الوراء وقد آن الأوان لتغييره. آن الأوان ليمتلئ البرلمان المصري برجال ونساء ممن يملكون مقومات الأداء البرلماني السليم المتمثل في: ـ ثقافة سياسية عالية. ـ برامج حزبية تتنافس في خدمة المواطن البسيط. ـ قدرة على سن التشريعات ومراقبة تنفيذها بتجرد كامل وبكل ما تحويه كلمة المراقبة من معان وآليات. ـ نظرة شاملة تضم مصر كلها وتخرج عن نطاق بناء مدرسة في الدائرة التي يمثلها النائب إلى خطة شاملة لإصلاح منظومة التعليم، ومن الحصول على إمضاء السيد الوزير لشراء جهاز غسيل الكلى في القرية مسقط رأس النائب، إلى خطة للقضاء على مرض الفشل الكلوي في أرجاء مصر قاطبة. ومن ظلوا لسنوات ينتظرون إشارة من أحمد عز ليصوتوا مع القوانين لتمريرها، ومن كانت نتائج لجان تقصي الحقائق في عهدهم توضع في الأدراج فور صدورها، ومن انتخبوا سرور رئيسا للمجلس بنسبة 100% عام 2010 وما قبلها ليسوا بالتأكيد رجال المرحلة القادمة، ولا يملكون شيئا مما ذكرته آنفا من مقومات. ولهذا أرجو منهم ألا يعتبروا المسألة شخصية وأن يجلسوا أمام شاشات التليفزيون ويستمتعوا بإجازة لمدة 5 سنوات يشاهدوا خلالها الأداء البرلماني الذي أرجو أن يكون متميزا عندما يجلس تحت القبة ممثلون حقيقيون لإرادة الشعب لم يدفعوا مليما واحدا لشراء أصوات الناخبين .. انتخبهم المصريون بمحض إرادتهم .. قادرون على محاسبة الحكومة من ناحية وخائفون من التعرض لمحاسبة الشعب من الناحية الأخرى. وما أقسى محاسبة الشعوب.
2 حمدا لله على سلامتك يا ليبيا وانزاح الكابوس الذي جثم على صدر الشعب الطيب منذ سبتمبر 1969 وحتى اليوم.. أعترف أنه في بداية عهده كان زعيما مثاليا محبوبا من الجميع.. فقد كتب لي أن أعيش في ليبيا من يناير 1970 وحتى سبتمبر 1974، حيث كان والداي يعملان في التدريس في العاصمة طرابلس، تلك المدينة الساحرة النظيفة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة. كان القذافي في بداياته زعيما غير تقليدي بابه مفتوح للجميع.. وكان يخطب الجمعة بنفسه في معسكر باب العزيزية الشهير، وكانت الخطبة تستمر ساعات دون أن يمل السامعون.. وزاد من إعجاب العرب به دعوته المستمرة للوحدة العربية، ودخوله بليبيا في اتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وسوريا عام 1972، وكانت ليبيا تسمى عند ذلك الجمهورية العربية الليبية، وكان علمها قبل الاتحاد شبيها بعلم مصر بدون النسر (أحمر وأبيض وأسود) واستمر الاتحاد حتى 1977. في الواقع بدأ القذافي في "اللسع" مبكرا أثناء وجودي في ليبيا في حدود 1972، حيث بدأ بتشكيل ما يسمى باللجان الشعبية، وهي هياكل متدرجة يتم انتخابها تبدأ من اللجان الشعبية المحلية وتنتهي باللجنة الشعبية العامة التي تماثل مجلس الوزراء. نظام معقد بعض الشئ لا مجال هنا لتفصيله، أهم عيوبه هي استحالة اتخاذ قرار مع الأعداد الضخمة لهذه اللجان. وكان هدف هذه "الافتكاسة" القذافية المدمرة هو حكم الشعب نفسه بنفسه دون وسيط أو نواب. وهكذا ألغى الآليات الديمقراطية المتعارف عليها دوليا، وأديرت البلاد بهذا الأسلوب الفاشل تماما كما أثبتت الأيام فيما بعد. وفي عام 1977 اكتمل "المورستان" رسميا عندما أعلن القذافي "التخلي" عن السلطة وبدء "سلطة الشعب" لتصبح البلاد كيانا هلاميا ليس له رأس، ويغوص الليبيون في سنوات من التخلف والعزلة وتدهور البنية التحتية ومستوى المعيشة في بلد يسبح على بحيرة من البترول. وغني عن الذكر النهب المنظم الذي مارسه القذافي وعائلته على مدى العقود الأربعة. واليوم وبعد أن تنقشع السحب السوداء الكئيبة من سماء ليبيا، ويعيش الليبيون أياما من الاحتفالات بالنصر الثمين.. سيحاول قادة الثورة ـ وهناك قادة للثورة هذه المرة ـ العودة بالبلاد إلى النظام الطبيعي للدول كما تعرفه البشرية منذ مئات السنين.. دستور ورئيس جمهورية ومجلس وزراء ومجلس نواب ومؤسسات مركزية ومحلية كالتي يعرفها مخاليق ربنا.. وهذا هو التحدي الأول، ولنا أن نتخيل مدى صعوبته. وبمناسبة قيادة الثورة لا ينبغي أن نغفل المساعدة العسكرية التي تلقاها الثوار من حلف شمال الأطلسي، وكانت عاملا حاسما في إضعاف مقاومة القذافي، أو "الجرذافي" كما أسماه أحد الثوار في اتصال على الجزيرة. هذا الدعم العسكري تكلف مئات الملايين، تحملتها الدول المشاركة حتى الآن، ولم يتوفر هذا الدعم لا لمصر ولا لتونس، والسبب طبعا مفهوم: البترول. والسؤال الآن ما هو المقابل؟ يتحدث المحللون الغربيون عن دور مهم للغرب في إرشاد ليبيا إلى المسار الديمقراطي، بالنظر إلى ما ذكرته من قبل، من الغياب الكامل للوعي الديمقراطي بسبب التركيبة العجيبة التي اخترعها القذافي وتجرعها الشعب المسكين. والرعب كل الرعب أن تكون الديمقراطية هي مسمار جحا الذي يتغلغل الغرب بحجته في أوصال ليبيا ويمتص دماء الشعب الليبي.. أقصد نفطه.. كما نقول نحن "بصنعة لطافة"، وتصبح ليبيا هي المقابل الأوروبي للعراق، ليحل بها أزماته الاقتصادية.. وهذا هو التحدي الثاني والأضخم. الشعب الليبي شعب طيب، بدوي التركيبة، ومن مننا قضى الصيف في مرسى مطروح يعرف جيدا هذه الطبيعة، فالتشابه شديد بين شعب مطروح وشعب ليبيا، مع فارق مهم هو خفة الدم التي لا يضارعنا فيها شعب آخر. هل رأى أحدنا لافتة واحدة في ثورة ليبيا كالآلاف التي صاغتها عبقرية المصريين في ميادين التحرير؟
3 الفرصة ذهبية فلا تضيعوها مضت بضعة أيام على فتح باب التسجيل للتصويت في انتخابات مجلس الشعب للمصريين خارج وطنهم الحبيب وهي إحدى إنجازات ثورة يناير البديعة التي أعادت للمصريين المغتربين حقا ظل مسلوبا منهم على مدى عقود مظلمة مرت علينا ككابوس مرعب لا أعاده الله علينا ولا على أجيال مصر القادمة. أتحدث هنا عن حوالي 7 ملايين مصري يعملون في الخارج ويحملون الجنسية المصرية (حسب تقديرات وزارة الخارجية 2010). هاجروا من مصر لأسباب مختلفة ترجع في معظمها إلى فشل سياسات النظام القديم في احتواء أبناء شعبه وتوفير حياة كريمة لهم . حفروا في الصخر واجتهدوا حتى أسسوا لأنفسهم وأسرهم حياة لائقة واكتسبوا ثقة ومحبة البلاد المضيفة ودورهم لا يغفل في إنعاش الاقتصاد المصري على مدى السنوات. فهم يساهمون بحوالي 9 مليار دولار في موارد الدولة (العام المالي 2009-2010). كل هذا لم يشفع لهم عند ساسة مصر ـ إن جاز أن يطلق عليهم هذه الصفة ـ الذين اكتفوا باختزالهم إلى مجرد رقم في ميزانية الدولة. لقد فتحت الثورة الباب أمام تحول ديمقراطي بدأت ملامحه تتضح رغم التعثر الواضح في سياسات المرحلة الانتقالية والتشرذم المؤسف للقوى السياسية وضبابية الرؤية والإحباط الذي يسود مزاج الشارع العام في مصر بل وفي أوساط المغتربين أيضا قلقا على بلدهم. رغم كل هذا فإن المراقب للساحة السياسية في مصر إذا وضع مشاعر اليأس جانبا فإنه يرى جيوشا من الشرفاء وأفاضل المفكرين والنشطاء والشباب الواعي متوقد الحماس من مدارس فكرية مختلفة أطياف ومتنوعة تعكس ثراء المجتمع المصري وقوته والطاقة الكامنة التي تنتظر من يحسن استغلالها لتصبح مصر بثروتها البشرية في مصاف العالم الأول وتبشر ببرلمان جاد واع لمقتضيات المرحلة يضع مصلحة مصر فوق مصالحه الشخصية. لقد حان الوقت لسبعة ملايين من سفراء مصر غير الرسميين في كافة بقاع الأرض أن يدلوا بدلوهم في سياسة وطنهم وأن يساهموا بفعالية في تشكيل مستقبل مصر الذي نحلم به لنا ولأحفادنا. فقد فتحت اللجنة العليا للانتخابات باب التسجيل على صفحتها https://www.elections2011.eg باستخدام الرقم القومي حتى يوم 19 نوفمبر الجاري وسيبدأ تصويت للمصريين في الخارج قبل الموعد الرسمي بثلاثة أيام أي يوم 25 نوفمبر للمرحلة الأولى وسيكون التصويت عن طريق البريد بحيث لا يضطر من لا يسكنون العواصم أن يسافروا إلى مقر البعثات الدبلوماسية وهو نفس الأسلوب الذي تتيحه النمسا وألمانيا لمن يتعذر عليهم التواجد في المقار الانتخابية أيام التصويت ويطلق عليه مصطلح Briefwahl. وبعد سبعة أيام من فتح باب التسجيل لتحويل المقر الانتخابي إلى بلد الإقامة والذي يسري على هذه الانتخابات فقط وصل عدد المسجلين 180 ألف من إجمالي 7 ملايين أي بواقع 2.5% فقط وهي نسبة هزيلة للغاية. ومن المؤسف أيضا أن عدد المسجلين من النمسا لم يتعد 420 من بضعة آلاف مصري يقيمون في هذا البلد الجميل. لقد فتحت وسائل الاتصال والإعلام لنا أبواب السماء على مصراعيها ومكنتنا من متابعة ما يجري في وطننا لحظة بلحظة ومعرفة اللاعبين على الساحة السياسية وسماع أفكارهم وبرامجهم والحكم عليهم فلنلتحم بهم ولنتواصل معهم ولنمارس حقنا وحق أبنائنا علينا في المساهمة في تشكيل المستقبل وحماية حريتنا وكرامتنا التي دفعنا ثمنها غاليا من عمرنا.. فالفرصة تأتي مرة واحدة لمن يستحقها.
4 شعوبنا المعدلة وراثيا في البداية كنت متشككا للغاية في صدق المسئولين فيما يتعلق بالسماح للمصريين بالخارج بالمشاركة في التصويت خاصة بعد الجدل القضائي والدستوري العقيم الذي أغرقونا فيه ليل نهار عن شبه استحالة الإشراف القضائي على التصويت في الخارج والذي يهدد غيابه بعدم دستورية الانتخابات بطلانها من الأساس. ولم أصدق إلا عندما خرجت من باب السفارة المصرية في فيينا بعد أن سلمت بيدي المظروف الذي يحتوي على أوراق التصويت بعد أن اختفت بين يوم وليلة بقدرة قادر كل العقبات والتعقيدات. وبعد أن أعطيت صوتي لمن أراه مناسبا للمرحلة سواء من ناحية تاريخه المشرف أو حماسه الثوري الذي مصر في أمس الحاجة إليه اليوم أكثر من أي يوم مضى تفرغت لأتابع سير الانتخابات في مصر وليتملكني شعور غامر بالسعادة والفخر يرقيان لما شعرنا به جميعا يوم الحادي عشر من فبراير في مقتبل هذا العام لا يكدر صفوه سوى بعض الأنباء المتناثرة عن مخالفات هنا أوهناك تهدف إلى التأثير على الناخبين البسطاء وتوجيههم للتصويت لتيار أو مرشح بعينه وذلك أثناء وقوفهم في طوابير اللجان. وعلى أي الأحوال فأنا رغم ألمي وحزني لانتشار المعايير والممارسات الخاطئة التي قد لا تنتج البرلمان الذي يليق بمصر هذه المرة إلا أنني من أكثر المؤيدين لما أسميه "التطور الطبيعي للشعوب" بمعنى أن الشعوب تصحح أخطاءها وتطور من أساليبها في الاتجاه السليم إذا تركت وشأنها دون تلاعب بمصائرها أو بتركيبتها الاجتماعية أو العقائدية أو الفكرية. فلن ننسى ما كانت تمارسه الأنظمة السالفة نتيجة إفلاسها السياسي وضحالتها الفكرية من ضرب طوائف المجتمع وتياراته ببعضها البعض كأن يطاردوا اليساريين ليضطروهم للعمل تحت الأرض ثم يؤيدوا الإسلاميين ليدحضوا بهم اليساريين ثم يزجوا بالإسلاميين في السجون بعد أن قويت شوكتهم وأصبحوا مصدر قلق للحاكم فكانت النتيجة أن أجيالا نشأت في تركيبة مشوهة وشكل معدل وراثيا للنسيج المجتمعي المصري نظرا لغياب أحد مكوناته أيا كانت في عتمة الزنازين. واليوم وقد اكتملت تركيبة المجتمع المصري لأول مرة منذ عقود طويلة وبات كل تيار يستكشف التيار الآخر ويحاول كل منهم أن يفرض سطوته على الآخر ويستعرض قوته أمام الآخر ويحصل على تأييد أكبر قدر من المصريين في هذه المرحلة البينية التي ليس لها صاحب في تطور طبيعي جدا وسلوك صحي متوقع أشبه بالعلاقة بين الزوجين في بدايتها. الملعب الانتخابي يكتظ بلاعبين يزيد عددهم عن الحد الذي يمكن للمواطن البسيط استيعابه مما ينبئ بتشكيلة برلمانية فريدة من نوعها يتوقع أن يحوز التيار الإسلامي على نصيب كبير منها فالكثير من الناخبين البسطاء مضطرون إلى استخدام مبدأ "اللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفوش" وهم يظنون أنهم عرفوا المرشح لمجرد علمهم بأنه ذو توجه إسلامي. مما لا شك فيه أن صلاح المرشح أمر حميد مرغوب فيه ولكنه في الوقت نفسه غير كاف للحكم على كفاءته وقدرته على أداء برلماني سليم ينهض بالبلاد من كبوتها. على أي الأحوال لازلنا نحبو ومن حقنا أن نختار من نشاء دون وصاية من أحد أيا من كان. فإذا أثبت من فازوا في هذا البرلمان أنهم على قدر المسئولية وقدموا أداء على مستوى المرحلة أثمر في النهاية تصحيحا لمفاسد العهد البائد وأعاد للمواطن المصري كرامته وللشارع المصري انضباطه وللقانون هيبته وسيادته فقد كانوا هم الخيار الصائب وهذه هي مصر وهذا هو توجه غالبية شعبها وسيشكرهم الخصوم قبل الأصدقاء. أما إذا خيبوا آمال ناخبيهم وثبت عدم كفاءتهم وفشلهم في التغيير فسوف يلفظهم المصريون في المرة القادمة وسوف يعيد الناخب حساباته ويدرك بعد نضج التجربة أن هناك معايير أخرى يجب توافرها في المرشح بالإضافة إلى انتمائه لتيار معين. وسيكون التنوع الكبير في تركيبة البرلمان القادم فرصة كبرى للأحزاب بكافة تصنيفاتها لتمارس السياسة لأول مرة كما يجب أن تكون الممارسة ليتضح بعد فترة تطول أو تفصر من منها الأصلح لخدمة هذا البلد العظيم ومن سيرسب في أول اختبار وينزوي في دائرة النسيان. وكلما شاهدت طوابير الانتخابات الطويلة في البرد القارس والمطر الشديد وتوافد كبار السن والمعاقين بهذا الشغف وهذه اللهفة على التصويت لأول مرة في حياتهم وأخذهم بالأسباب كما أمرهم الله أدعو الله مخلصا ألا يضيع تعبهم هباء وأن يثمر هذا الجهد برلمانا وحكومة ورئيسا من الشرفاء يتعاونون على تحقيق الحياة الكريمة التي يستحقها هؤلاء البسطاء الذين عانوا عقودا من التهميش وأهمس من أعماق قلبي "ربنا يبعد عنهم ولاد الحرام" |