عودة إلى جسور

  1   

ڤيوليتا وصابرين!

بعد يوم مرهق كالعادة، وبعد يوم عمل يعكر المزاج ويجعلك تريد أن تقلب الطاولة في وجه أحدهم، ما أجمل أن تعود لتجد البيت في حالة لمعان تفوح منه روائح لونها وردي، فتنسى كل شيء وتتضاءل قيمة من أردت أن تقلب عليه الطاولة، ويعتدل المزاج ولا تريد سوى أن تجلس وتسترخي مع قطعة موسيقية هادئة.. اثنتان استطاعتا أن تقدما لي هذا الجميل ڤيوليتا البلغارية و صابرين المصرية رغم الفارق الشاسع بينهما!

فعلى مدار عامين ونصف في ڤيينا، كانت ڤيوليتا هي من أترك لها مفتاح الشقة، بل تركت معها نسخة من المفتاح حتى لا ألتزم بانتظارها لأنني لم أكن أملك الوقت الكافي، جاءت ڤيوليتا من بلغاريا ذات المشاكل الاقتصادية الكثيرة، لأن عندها طفل ولم تستطع أن تجد عملا مناسبا، رغم أنها متعلمة وتتحدث لغات مختلفة، فرحلت الى ڤيينا لتعمل في تنظيف المنازل.. وفي مصر، فإن ترك المنزل كان من نصيب صابرين التي تأتي من إحدى قرى الشرقية، تكد وتكدح حتى تسدد أقساط زواج بناتها، أصبحت جدة وهي ربما في بداية الأربعينيات، لم أر ابتسامه رضا مثل ابتسامتها!

تشاركت الاثنتان في تركي البيت لهما، رغم أن الفارق بينهما كبير جداً، رصد الفارق بينهما شيئاً يثير الاهتمام.. فڤيوليتا شخصية أوروبية متحررة، تناديني باسمي بلا ألقاب، إذا أتت وأنا في البيت نشرب القهوة سوياً ثم تبدأ في عملها، تتعامل كما أحب، بلا إحساس بالطبقية أو العُقد النفسية، فكلٌ منا يعمل بما أتيح له.. أما صابرين فشخصية قروية محافظة، تستحي أن تناديني بأي شيء غير "دكتُوره"، تطلب الشاي على استحياء شديد وعندما عدت للبيت ذات مرة قبل أن تنتهي وأحضرت معي الغداء أقنعتها بصعوبة شديدة جداً أن تجلس معي لتأكل، وعندما أقتنعت أكلت القليل جداً.. ڤيوليتا كانت تعمل في صمت، أو تضع "الهيد فونز" في أذنيها، أما صابرين فصاحبة مزاج عال، تعمل وهي تردد أغاني عبد الحليم وشادية وأم كلثوم، وتندمج مع أغانيها حتى تعتقد أنها على خشبه المسرح... في ڤيينا كنت أعود لأجد المنزل نظيفاً، لكن تماماً كما تركته، من أصغر قطعه لأكبرها في مكانها تماماً.. أما صابرين، فرغم النظافة واللمعان ففي الغالب تتبدل قطع السجاجيد مع بعضها، وتحل بعض كتب المكتبة محل قطع الديكور، وفي إحدى المرات اختفت قنوات التليفزيون تماماً واضطررت أن أحضر من يضبطها، وفي تلك المرة لم تكف صابرين عن الاتصال تحلفني بالله أنها تريد أن تدفع ثمن التصليح وأنا أهدئ من روعها حتى نست الأمر.. الاثنتان كانتا تعملان بجد وكد ومثابرة وأمانة لكن الفارق بين ڤيوليتا وصابرين ليس سوى ما تعلمته كل منهما وما تحياه أيضاً! فڤيوليتا، رغم الفقر والظروف الاقتصادية الصعبة، تعلمت ونشأت نشأة حرة جعلتها متحررة، تفكر بعقل، صلبة تعرف ما تريد. أما صابرين فلم تتعلم، لا تقرأ ولا تكتب، بالكاد تستطيع استخدام تليفونها المحمول، رغم ذكاءها الواضح، تزوجت وهي صغيرة جدا. و ظُلِمت من مجتمع طبقي يعاملها فقط كخادمة.. ڤيوليتا مهنتها تُعامل ككل المهن، لها تأمين صحي فلا تخاف إن أصابها شيء.. صابرين المسكينة عندما أصابها ألم في أسنانها، خلعت كل ضروسها بدلاً من معالجتهم لقلة المال لديها. تُبدِل صابرين بعض القطع مع بعض لأنها تنسى أو لأنها لم تتعلم كيف تتذكر، لكن في الحقيقة إذا قارنتها بمن هم متعلمين في مجتمعنا، بل ربما أساتذة جامعات، فسترجح كفتها بكل تأكيد! ڤيوليتا وصابرين هما الوجوة الحقيقية البسيطة الغير زائفة، هما المرايا التي تعكس الصورة الحقيقية بلا خدوش، وعندما تعرفهما عن قرب، تصاب بالحسرة، فهم من تتعامل معهم بثقة واطمئنان، بينما "عِلية" القوم ومن يتباهون بأستاذيتهم، ما هم إلا طبقيون مُشوهون، تكاد أن تقتلهم الغيرة، دورهم الوحيد تشويه الوجود وملئه بروائح كريهة تضطر آسفاً للتعامل معها معظم الوقت وليس لديك إلا أن تسد أنفك..!. أفتقد ڤيوليتا كثيراً وشكراً لصابرين، فالبيت اليوم كان رائعاً.

 

  2 

 

أمسك عليك "فهلوتك"!

 

تتردد كلمة “فهلوة” في مجتمعنا المصري أكثر مما تتردد في أي مكان آخر، أحيانا بمعناها السلبي وأحياناً أخرى بإيحاء إيجابي يعطي لصاحبها "الفهلوي" صفة مميزة، فهو من يستطيع مساعدتك والتغلب معك على ما تعانيه من صعوبات بيروقراطية.

ولكلمه "فهلوة" ومعناها تاريخ طويل في مصر، فيُقال أن أصل الكلمه فارسي وتعني المهارة أو سعة الحيلة، و يقول البعض أن الكلمة تقارب كلمه "بهلوان"، التي تعطي الإيحاء بالمعنى الأقرب، أي من يستعمل حيل مختلفة لإيصال معنى معين للغير حتى لو لم يكن حقيقياً. أياً كان أصلها التاريخي، فقد وقر في الأذهان أن الفهلوة "شطارة" وتعني أن تُنجز الكثير وتتقدم في أمور حياتك دون علم حقيقي وبدون محاولات جادة للتعلم، وبدون استخدام أسس مُتفق عليها، بل يمكن للفهلوي أن يضع أسسه الخاصة ويطبقها وهو مقتنع وسعيد أنه أنجز إنجازاً كبيراً، ويراه من حوله عبقري!

قد تصيبنا الحيرة ونحن نحاول أن نعرف لماذا انتشرت تلك الفهلوة بهذا الشكل في مصر بالذات، ربما يُرجِعها البعض لما مرت به مصر منذ قرون من احتلال متواصل، تعلّم خلاله الناس كيف يتحايلون على قهر وظلم المحتل حتى يستطيعون كسب عيشهم وإطعام أطفالهم، كما أن انتشار الفقر ونقص الموارد ربما كان سبباً آخر. ثم كتب البعض عن آثار انفتاح السبعينيات المفاجيء الذي حدث بدون تهيئة المناخ له فقفز الجميع لمحاوله اصطياد فرص الفوز والكسب. كما أن تدهور مستوى التعليم والثقافة ربما ساهم في ذلك. ومع احتمالية كل تلك الأسباب يأتي انعدام العدالة وعدم تطبيق القانون على رأس الأسباب التي ساهمت في انتشار تلك الظاهرة و تثبيت قواعدها.

وقد يُطلق على مجتمع أنه “فهلوي” إذا تخطى الموضوع انتشار الفهلوة بين بعض الأفراد ليصبح سمة أساسية لقياداتها والقائمين على أمورها السياسية والاقتصادية والتعليمية والعلمية، وعندما تصل المجتمعات لتلك المرحلة، فعادة ما يُشاع فيها أن تلك الفهلوة موهبة وهبة من الرب، ويصبح صاحبها عٓلٓماً يصل لأعلى المراتب ويصبح صاحب قرار. ويتم إحلال وتبديل التعليم والمنهجة بالتحايل والإدعاء. تسير تلك المجتمعات عادةً بشكل يشبه من يتطوع ليقدم عرض في سيرك، يمشي على حبل وهو غير مُدرّب ولا يمسك العصاه الطويلة التي تساعده على التوازن، يتقدم خطوة ويتأخر أخرى وهو يتلقى التهليل من المتفرجين ويظن أنه يؤدي عمل بطولي رائع ليس له مثيل، ثم يسقط لا محالة، ببساطه لأنه لم يتعلم قبل أن يتطوع وأصر أنه يستطيع. ويبدو أننا وصلنا لتلك المرحلة بالفعل وهو شيء يمكن أن ترصده بسهولة، من خلال عملك، أو تعاملاتك اليومية، أو ما تحاول تتبعه من قرارات المسؤولين فيما يخص شؤون البلاد.

فإذا كنت تعمل في هيئة حكومية مثلاً (أو حتى خاصة)، فمن السهل أن تتابع تحايل البعض في البيع والشراء والمناقصات والعطاءات، ومحاولة وضعها في شكل قانوني، بينما هي في مضمونها غير قانونية، وذلك بسبب بعض القوانين العقيمة أو بسبب بعض “فهلوية العاملين” الذين يعطلون الأمور. وإذا كان عملك له علاقة بتعليم أو تلقي العلم، فمن السهل أن تقابل يومياً من هو خبير ومتمكن في مجال ما، ربما لأنه استمع ذات مرة لمحاضرة أحتوت ما له علاقة بذلك المجال. أما إذا تابعت تصريحاً واحداً في اليوم لأحد المسؤولين، وهي بالمناسبة جرعة أكثر من كافية، مثل تصريح المسؤول عن رأي زوجته أو عن دعوات أمه، أو مثل التصريحات الخاصة بالغلاء والارتفاع الغير عادي في الأسعار وأن الفقير يجب أن يتحمل، أو مثل ما يخص تدهور التعليم والصحة وإرجاع هذا للمجانية بدلاً من التحدث عن خطط علمية للإصلاح. كل هذا يثبت بشواهد واضحة أننا لسنا في حالة فهلوة أفراد، بل في حاله مجتمع “فهلوي” بجدارة تتزايد احتماليه سقوطه في أي لحظة.

ولكن لكي تتعامل في مجتمع فهلوي، هل يجب أن تتصف بنفس الصفة حتى تتعايش ولا تقف أمورك؟! ربما من أكثر الأمثلة تعبيراً عن معنى الفهلوة وأثرها وكيفية تعاملك معها هو حاله المرور في مصر. فقبل أن أقود بنفسي في شوارع القاهرة، كنت أقول أن من يستطيع القيادة في شوارع مصر، يستطيع حتماً القيادة في أي مكان في العالم، كنت أدّعي هذا بسبب الزحام الشديد وطرق القيادة الغريبة التي لا تحترم أي قواعد والتي تُحوِل الشوارع لما يشبه السيرك، إذاً فلابد أن من يستطيع أن يتغلب على هذا ويمر بسيارته بسلام، لابد إذاً أنه يستطيع أن ينجو، بل ربما سيكون من المتفوقين إذا فعل نفس الشيء في أماكن ليست بمثل ذلك الزحام ولا يتم فيها كسر القواعد بذلك الشكل. أما بعد أن تغير الوضع وأمسكت بعجلة القيادة في مصر، أعترف أنني كنت مخطئة تماماً، فالحقيقة هي أن ما يحدث في مصر ليست قيادة بل “فهلوة”، و هي انعكاس حقيقي تماماً لسلوكيات وحالة المجتمع الحالية.

أعترف أنني كنت مخطئة لأن من يتعلم أن يقود حياته (وليس فقط سيارته) بطريقه الفهلوة، لن يستطيع أبداً أن يقود أي شيء في مكان تتم إدارته بأسس وقواعد يحترمها الجميع ويُعاقب من يحيد عنها، قد ينجح مرة وتمر أخرى بسلام، لكنه لن يستطيع أبداً الحفاظ على الاستمرار في طريقه بدون خسائر. بل ربما أدّعي (عن تجربه شخصية) أن من يتعلم أسس القيادة و حِرفية أداءها، يصبح من أسباب النجاة بنفسه من كوارث محتملة على الطريق هو أن يتمسك بما تعلمه، وينطبق هذا على كل الأمور الأخرى وليس قيادة السيارات فقط.

المهم هو كيفية الخروج من هذا المأزق الذي وصلنا إليه وهو حقيقة أننا أصبحنا جميعاً “فهلويه”، نعالج أمورنا بأقل القليل من العلم، ونرى الكثير مما نرفضه ولا نستطيع مقاومته أو رفضه. أؤمن تماماً أن ما سيساعد على التغلب على كوارث الفهلوة ليس كما يُظن أن تتعامل بفهلوة مضادة لأن هذه هي اللغة المتداولة والمفهومة، بل لن يتم التغلب على تلك الكوارث إلا بأن تُمسِك على ما تعلمته من علم وحِرفية في الأداء وتعلم المزيد والمزيد دائماً حتى تنجو بنفسك وربما تساعد في نجاة من حولك.

أما إذا كنت مقتنع تماماً أنك يجب أن تسير مع التيار و"إذا كنت في روما فافعل كما يفعل أهلها" فأنت في الغالب تعلم أن التيار لا يستمر وروما ربما تتغير وتصبح مدينة أخرى، وبالتالي فأنت من أنصار الحلول المؤقتة والقفزات السريعة، وليس أمامك إلا أن تُمسِك عليك “فهلوتك”، فهي ما ستضمن نجاحك لوقت محدود خلال تلك القفزات، ولكن التاريخ والواقع لا يكذب فيمن يفضلون تلك القفزات، فهم لا يبنون بلداً ولا يصنعون تاريخاً!

 

  3 

معضلة "دعم" البحث العلمي

 

يشمل مصطلح "دعم" البحث العلمي مفهوم دعم المشروعات البحثية، سواء في مجال العلوم الطبيعية أو الاجتماعية. ويتم الحصول على هذا الدعم عن طريق عملية تنافسية تخضع للتحكيم بين المشروعات المقدمة حتى يصل الدعم إلى ما يستحق منها.

وللدعم مصدران رئيسيان، إما مؤسسات خاصة كبيرة أو مؤسسات حكومية. والحقيقة أن المؤسسات الحكومية هي عادةً الداعم الأكبر. وقد يأتي جزء صغير من الدعم في صورة تبرعات من منظمات خيرية، خاصةً فيما يتعلق بأبحاث تتعلق بعلاج بعض الأمراض مثل السرطان والإيدز. ولأنها أموال ممنوحة، يصبح من الضروري وجود آليات للتأكد من عدم إهدارها وضمان الاستفادة القصوى منها.. فهل يحدث هذا في مصر؟

إذا تحدثنا عن وسائل دعم البحث العلمي في مصر فسنجد مصدرين رئيسيين: الأول، صندوق دعم العلوم والتكنولوچيا التابع لوزارة البحث العلمي، والثاني أكاديمية البحث العلمي والتكنولوچيا. وتبدأ العملية بأن تُعلِن تلك الجهات عن مواعيد التقدم وشروطه. ثم يتقدم الباحثون من الجامعات الحكومية والخاصة ومراكز البحوث بمشروعاتهم حتى تخضع للتحكيم. وهنا يبدأ تداخل مجموعة الخيوط التي تكوِّن نسيجًا غير محدد اللون أو التصميم.

أول تلك الخيوط هو اختيار المُحكمين، فمع محدودية عددهم في مجتمع علمي صغير نوعًا ما يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً، تصبح عملية التحكيم قائمةً على معرفة المُحكَّم الشخصية بالمتقدِّم أكثر منها على قيمة البحث نفسه. ثم يأتي ثاني الخيوط وهو الوقت الذي تستغرقه تلك العملية، ففي أغلب بلاد العالم تستغرق عملية التحكيم ستة أشهر على الأكثر، وأحيانًا ما يكون موعد إعلان النتيجة محددًا في الإعلان عن المنحة.

أما في مصر، فقد تستمر عملية التحكيم لعامين أو ثلاثة دون إبداء رفض أو قبول أو حتى تواصل. مما يضطر الباحث إلى الشروع في العمل باستخدام مصادر أخرى تُعرِّض الجهد المبذول للإهدار وتعظِّم من خسائر المشروع، لأنه في حال قبول المشروع بعد تلك المدة الطويلة، ففي الغالب سيتم توجيه الدعم إلى شيء مختلف تمامًا عما كان مخططًا له في الأساس.

ويأخذنا هذا للخيط الثالث، وهو المتابعة من قِبل الجهات المانحة، فالوسيلة الوحيدة للمتابعة دائمًا هي المطالبة بإرسال تقارير دورية ربع سنوية على أقصى تقدير، وهي مدة قصيرة نوعًا وليس من المتوقع الحصول خلالها على نتائج حقيقية، بينما الحد الأدنى للحصول على نتيجة مقبولة لا يقل عن ستة أشهر على أي الأحوال. وفيها تتم كتابة التقارير وإرسالها وإخضاعها للتحكيم ثم إرسال النتائج، وهي عملية تستهلك الكثير من الوقت والجهد، وأهميتها تكمُن في التأكد من توظيف أموال المشروع بشكل صحيح.. فإذا كان هذا هو السبب، فلماذا لا تُوضع جداول زمنية منطقية للمتابعة؟

وترتبط عملية المتابعة مباشرة بآليات صرف الدعم، إذ لا يتم منح مبلغ الدعم كاملاً  دفعةً واحدة، بل يجري تقسيمه على أربع مراحل أو أكثر، مما يؤثر بشدة على معايير الكفاءة البحثية وبالتالي النتائج، وهذا هو الخيط الرابع في السلسلة، فالمفترض أن تلك المشروعات تقوم في الأساس على عمل باحثين صغار يجري اختيارهم بواسطة صاحب المشروع، وهم مكلفون من الهيئة المعاونة للتدريس، أي المعيدين والمدرسين المساعدين، وبعضهم غير معيَّن لدى أي جهة، فيصبح عملهم هذا هو مصدر الدخل الوحيد، وبالتالي فإن الطريقة التي يجري بها صرف الدعم على شرائح متعددة، ربما يتعطل معها توفير السيولة المالية اللازمة نتيجة لإجراءات روتينية. وقد يؤدي ذلك إلى توقف مرتبات هؤلاء الباحثين الصغار، فتكون النتيجة توقفهم عن العمل لتراجع حماسهم وإحساسهم بعدم جدواه، أو للظروف المادية التي تضطرهم إلى البحث عن عمل آخر، والنتيجة هي تعثر المشروع وعدم تحقيقه للنتائج المرجوة، وبالتالي إهدار قيمة الدعم المالي وفقدان طاقة عملية هائلة يتمتع بها هؤلاء الباحثون.

تتشابك تلك الخيوط الأربعة بشكل كبير، وتشكيلها للنسيج الحالي ينتج عنه العديد من المعضلات التي يمكن التغلب عليها إذا ما تمت إعادة النظر في أول تلك الخيوط وآخرها وإعادة ترتيبها. فتلك الخيوط لن ينسجم بعضها مع بعض دون وضع آلية محددة من قِبل تلك الجهات بهدف التغلب على البيروقراطية العنيفة. ربما بزيادة عدد الموظفين الأكْفاء ذوي الخلفية العلمية الذين يستطيعون تصنيف المشروعات وإرسالها إلى المختصين بسرعة وكفاءة، وفرز ما تم دعمه في السابق بحيث لا يتكرر دعمه في نفس الأماكن، والكف عن التغيير السريع للقيادات، الذي لا يتيح تطبيق سياسة محددة ومتكاملة لمدة معقولة. كما يجب أن تقوم تلك الجهات بعمل إحصاءات دورية لاتجاهات تلك المشروعات حتى تحدد أيها أحقُّ بالدعم.

كذلك فإن دائرة التحكيم يجب أن تتسع لتشمل عددًا أكبر من الباحثين في مصر (أو حتى من خارج مصر إذا تطلب الأمر)؛ حتى ننأى بالتحكيم عن شبهة المجاملات، ولضمان إدخال آراء متعددة تأخذ في الاعتبار الخبرات المختلفة، وذلك لإنهاء حالة الجمود الحالي في الوسط العلمي. أما بالنسبة لضمان استمرارية المشروع والقائمين عليه، فلن يُحل ذلك إلا بالتنسيق المكثف مع الإدارات المالية في الجهات الممنوحة، وضمان سرعة شراء مستلزمات المشروعات وعدم توقف صرف مستحقات الباحثين الصغار ورواتبهم أو تعطيلها.

ومن الواضح أن فك عقد هذا النسيج ليس بالأمر الصعب، بل هو ضرورة حتمية لضمان الكف عن إهدار الملايين من أموال المنح كل عام تحت مُسمى دعم البحث العلمي!

........

عن موقع للعلم

 

 

amal.kasry@bue.edu.eg

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69