2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

  1   

الولادة المتعثرة

 كثيرا ما نسمع في الهمس والجهر عن حاجتنا  إلى تكوين لوبي عربي في أوربا يستطيع أن يشد أزر القوى التي تعمل على تطوير المجتمعات العربية، وفضح القوى والأنظمة التي تنتهك جميع ما اتفق عليه البشر من قيم إنسانية نبيلة.

وحيث أننا تربينا وخرجنا من مجتمعات لم تعتاد على أي نوع من الروابط والتنظيمات الاجتماعية ماعدا العائلة والقبيلة والعشيرة، فإننا نقف في المجتمعات الأوروبية التي أصبحنا جزءً من نسيجها الاجتماعي، من دون أدوات   تساعدنا على تحقيق جزءً يسيراً مما نتوق إليه ونتمناه.  وعلى هذا فنحن أشبه بمن يقف على الشاطئ ليتمتع  بالسباحة دون القدرة والجرأة لأن ينزل إلى الماء وهو لا يتقن فن العوم والسباحة.

وهنا لابد لنا أن نفهم أنفسنا أولا، ونعمل على فهم المجتمعات التي نعيش فيها، ونبني القواسم المشتركة معها،    وننخرط في مؤسسات المجتمع المدني، ونفهم آلية العمل الاجتماعي والسياسي في أوطان الهجرة، ونعمل وبكل قوة على تفعيل القوى الخلاقة في جالياتنا، للبروز في المجتمعات الجديدة بوجه حضاري، وندحر الخوف الكامن داخلنا من أننا غير مقبولين في  هذه المجتمعات الغربية .

إننا نتمتع بإمكانيات ومزايا لا حصر لها، ونحتاج إلى المخلصين الذين يرون الأمور بعين المستقبل، ليبادروا بالتوعية بالحقوق والواجبات، والعمل على التواصل مع المجتمع الجديد من خلال الأبواب المفتوحة في المساجد، والنشاطات الثقافية والفنية والاجتماعية المشتركة، وعلينا المشاركة في المجتمع الجديد  في مناسباته الوطنية، والمساعدة في رفع المعاناة عنه  عند المحن والكوارث .

عندما نقتل وحش الخوف في داخلنا نستطيع أن نضع أقدامنا على بداية طريق طويل يحتاج جهد كل واحد منا مهما كان هذا الجهد زهيداً.

 

  2   

الرؤساء العرب.. ولعنة الكاريزما

الرئيس جمال عبد الناصر كان وبلا منازع الرئيس الذي استحوذ على قلوب وعقول القسم الأكبر من شعبه وأمته من خلال المذياع، ولحسن حظه فقد كان عهده قد بدأ مع بداية عصر الترانزستور، وفي ذلك العصر تمتع الكثير من جيلنا من خلال هذه النعمة بأغاني أم كلثوم وخطابات عبد الناصر.

 ومنذ وفاته  يحاول الكثير من الرؤساء أن يصلوا إلى ما وصل إليه هذا الزعيم عن طريق المذياع والتلفاز، ولكن دون جدوى، رغم أنه كان بينهم من هو أفصح منه لسانا.

تذكرت ذلك وأنا أرى الرئيس بدون دولة، محمود عباس، وهو يلقي كلمته الجامعة في منتدى الحوار الوطني في رام الله.

وذهلت من الإمكانيات الهائلة لهذا الرجل، فهو يستطيع أن يبكي الحضور ويضحكهم، ويتقمص شخصية أرسطو في الحكمة، وبرنارد شو في التهكم، ويسبق كل الديمقراطيون في حرصه على الديمقراطية.

ويصفق الجميع لهذه الكاريزما الدونكيشوتية عندما يقول في مؤتمر الحوار، أنه لن ينتظر الحوار حتى يصل إلى نتائج مرضية، بل سيصوت الشعب الذي جوعوه  بالسياسة الخرقاء على ورقة ضبابية بحاجة إلى جلسات وجلسات للحوار.

وفي اللقاءات الدولية فهو سيد من لعب حسب الأصول، ففي مؤتمر العقبة يبكي على آلام الشعب اليهودي وكأنه وشعبه سبب هذه الآلام، وفي البيت الأبيض تنشرح أساريره لوعد الرئيس الضبابي بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية على ما تبقى من أرض فلسطين التي جاد عليهم بها صقور الصهاينة خلف السور ويصرخ بملأ صوته يحيا العدل.

 

  3   

من عمرو بن العاص إلى أبو موسى الأشعري

 

محمود عباس يتصرف هذه الأيام ومعه عصابة من المرتزقة بمصير الشعب الفلسطيني وكأن الشعب الفلسطيني قد استسلم للعدو الإسرائيلي، وكأن فتح ونضالها وشهدائها قد وقعوا وثيقة الاستسلام وركعوا أمام أبو مازن، وقد انزل كل واحد منهم العقال عن رأسه ووضعه في رقبته كالطوق (كناية عن الاستسلام عند العرب) والشعب الفلسطيني بتاريخه الطويل من النضال والكفاح والآلاف من الشهداء العرب والمسلمين الذين ضحوا وما زالوا على استعداد للتضحية. جميع هؤلاء وقفوا مطأطئين الرؤوس يسالون الرئيس عباس أن ينقذهم من ورطتهم ويسلك بهم طريق الآمان.

هذا الكلام وهذه المقدمة لا تنطبق ولن تنطبق على الشعب الفلسطيني ، فهذا  الشعب استجاب لقدره كواحد من الشعوب التي تعرضت إلى أقسى التجارب البشرية وأعتى أنواع الاستعمار والاحتلال والظلم العالمي، وتأقلم مع حياته اليومية التي لا تطاق وصادق الموت والشهادة وحياة الخيام، واعتاد الوقوف على الحواجز وما فيها من دروس الكرامة والذل  والصبر.

فالرئيس محمود عباس يريدنا أن نعترف بإسرائيل، وطبعا هذا ما يثير الضحك ليس أمام الرئيس (المنتخب على برنامجه للسلام) ولكن أمام العالم الذي يتظاهر بأن ما تقوله إسرائيل قد انطلى عليه، إن إسرائيل تريد ارض فلسطين وبدون فلسطينيين، لأن وجود هؤلاء يذكرون السارق أن صاحب الحق مازال متربصا به.

ولكن وعلى سبيل الجدل العقيم نقول للعم أبو مازن نحن موافقون وأنت قبلنا وقبل حماس وقبل الجميع الرئيس الشهيد ياسر عرفات اعترف بإسرائيل وشطب في مهرجان كوميدي من الميثاق الوطني كل ما لا تريد أمريكا وإسرائيل سماعه، وكانت النتيجة أن إسرائيل لم تتزحزح قيد أنمله عن برنامجها الصهيوني القاضي باحتلال فلسطين خالية من الفلسطينيين.

فإذا أصر العم أبو مازن اليوم على تسليم وثيقة الاعتراف التي لم تحتاجها إسرائيل في يوم من الأيام وخاصة في عصر السفاح الأمريكي، فيكون أراد أن يقدم للدول المانحة ثمن الهبات التي تذهب في غالبيتها إلى جيوب من يشدون آزره في هذا الطريق الواضح المعالم.

 

  4   

 

عندما تصبح اللغة بلا معنى!

 

إن أصعب ما يواجهه المنطق هو فقدان اللغة للمعاني، فعندما نتكلم عن الظواهر ولا نستطيع أن نلمسها أو نستشعر وجودها، ونتكلم عن الحقيقة ولا نرى لهذه الحقيقة من أثر، ونتكلم عن حقوق الإنسان ولا نرى لهذا الإنسان من حقوق، هنا يفقد المنطق صلته بالحقيقة.

أشعر بهذه المفارقات وأنا أسمع عن محكمة العدل الدولية في لاهاي، وأرى كيف يمثل أعداء أمريكا أمامها، حيث يجرون كما يجر العبيد أيام حكم روما، أو أيام حكم الجاهلية في مكة، بينما لا نري أي صديق لأمريكا من عتاة المجرمين الذين استعبدوا شعوبهم وسلبوها مواردها وحرياتها، وأذاقوا من تجرأ على المعارضة منها كؤوس الذل والموت الزؤام يمثل أمام هذه المحاكم. 

وهنا تذكرت طيب الذكر وزير خارجية أمريكا في نهاية الخمسينات، من القرن الماضي،  السيد جون فوستر دالاس، الذي كان يعمل وبكل قوة من أجل تركيز الأحلاف ضد الاتحاد السوفيتي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث قال له أحد أصدقائه متسائلا عن سبب دفاعه عن دكتاتور كوبا السيئ السمعة قائلا: جون ألا تعرف أن باتستا هو ابن عاهرة ولا يمكن الدفاع عنه، فكان جواب جون فوستر دالاس. نعم أعرف ذلك،  ولكن يجب أن تعلم أنه ابن عاهرتنا، ولذلك لن نتخلى عنه.

وأسأل نفسي بمرارة إلى متى سيبقى الأمريكيون والإسرائيليون يعربدون على  مرأى ومسمع من العالم، ولا نجد من يستطيع أن يقدمهم للمثول أمام هذه المحاكم، التي فقدت حتى معنى العدل من اسمها.

أما عندما تقام محاكم غير رسمية ورمزية لمحاكمة هؤلاء المجرمون القتلة بإشراف حقوقيون وأكاديميون وسياسيون، شعروا أن القيم الإنسانية سوف تفقد أيضا معانيها، إذا ما تركوا لأمريكا العنان لتزييف كل ما اتفقت عليه الأديان والحضارات، نجد العالم، يقف من تلك المحاكم موقف التجاهل، وكأنه يقف أمام مسرحية خاصة، لها جماهيرها  من المشاهدين المتحمسين الذين يتوقون أن تتحقق المعجزة.

حقاً لقد فقدت اللغة معناها!!

 

  5   

حرب الثلاثة وثلاثون يوما ودروسها

 

كانت معركة بل لنقل جولة،  وكنا نحن المشاهدين نعد النقاط منذ بداية الجولة الأولى، الممثلون على المسرح لعبوا دورهم حسب قناعاتهم، وبعضهم حسب ما طلب منهم، أو لنقل حسب قدراتهم .

إسرائيل اللاعب الرئيسي قامت بالدور الذي أتقنته منذ إنشائها على أحسن وجه، فقد بدأت منذ اللحظة الأولى باستعمال طيرانها لتدمير كل ما يرمز إلى المدنية والحياة، وأرسلت جنودها إلى المعركة وهي تعتقد أنها نزهة، ولكنها لم تكن كما تخيلت وخططت، حيث تحطمت الغطرسة في الميدان رغم سيطرتها على الجو والبحر.

وقام حزب الله بدوره كقوة مقاومة وطنية ولعب دوره بشكل أسعد الأصدقاء وكدر الأعداء، حيث أدار المعركة على المستوى العسكري والتعبوي والسياسي بشكل كان مفخرة لأمة اعتادت الهزائم منذ قرون.

ومنذ اللحظة الأولى هرولت الدول "الصديقة" للبنان لتبكي على نكباته وتحمل حزب الله مسؤولية المغامرة وتبتسم في السر ابتسامة الرضا أن ساعة الخلاص منه قد دنت، وبيت العائلة  (الجامعة العربية) اجتمع ليعلن للمشاهدين أن هذه الأمة التي ينتظر منها المساعدة في رد العدوان حسب اتفاقية الدفاع المشترك، ترقد في غرفة العناية المركزة بعد أن توقف الدماغ عن أداء دوره، أما أمريكا وبريطانيا وكل من وضع استراتيجيته من اجل استعباد وتخلف هذه المنطقة، فقد عملوا بكل القوى المتاحة من أجل أن لا تخرج إسرائيل، التي تمثل جبروت الغرب في هذه المنطقة مهزومة.

وأما  شعبنا العربي الذي عودته أنظمة القهر والبطش والفساد، أن لا يرفع صوته إلا في مناسبات تمجيد الحكام، فقد قدم ولاءه وانحيازه منذ اللحظات الأولى من بداية المعركة إلى المقاومين، وبدأت حملات التبرع بكل شيء، والتظاهر رغم كل القيود، وفي سورية حيث أنها بلد الجوار، أظهر هذا الشعب الوفي لمبادئه وقيمه الوطنية والقومية ما يثلج الصدر ، حيث فتحت البيوت والمدارس وتفانى القائمون على الإغاثة وحولهم أعداد كبيرة من الجنود المجهولين الذين قدموا بكل تفان ما برهن على أن هذه الأمة ستنتصر لا محالة، عندما تستوعب دروس الحرب السادسة كما يحلو للعدو تسميتها.

 

  6   

نحن والانتخابات

 

ماذا ننتظر من الانتخابات، وما هو واجبنا تجاهها؟

كمواطن نمساوي من أصول غير أوربية، وخاصة عربية. فان نعمة الديمقراطية بكل ما لها وما عليها هي شيء طارئ،  نسمع بها كما يسمع فقير بلادنا عن الكافيار دون أن يدري كنهه وفائدته وطعمه.

ويقف الكثير منا متهيبين حتى من الولوج  إلى مراكز الاقتراع  ليجربوا هذه اللعبة الاجتماعية السياسية  التي يمارسها الغالبية من الأوربيون ويفتخرون بممارستها.

واسأل نفسي ونحن على أبواب الانتخابات، أين أقف من هذه اللعبة، وهل أقف كغيري من النمساويين الذين لا يعيرونها أي  اهتمام.

وهنا أجد لزاما علي أن أفكر  كانسان يعيش في هذه الدولة ويقدم كل ما يطلب منه من واجبات، هل حقوقي مصانة على نفس الدرجة التي يجب علي فيها أن أصون واجباتي تجاه الدولة والمجتمع، وبنظرة سريعة أشعر أنني استطيع أن أؤمن هذه الحقوق لي ولجاليتي من خلال تواجدنا السياسي ضمن التجمعات الحزبية،  التي تحتاج إلى صوت كل واحد منا في فترة الانتخابات.

وهنا يبدأ الفرز المنطقي  لشعارات هذه الأحزاب  وقربها أو بعدها عن الأهداف التي أسعى إلى تحقيقها والتي تحقق لي الأمان والاستقرار.

ثم أدقق النظر بالمرشحين على قائمة الحزب الذي اخترته، وهل هؤلاء المرشحون يمكن أن يشعروا بما أعانيه، وهل هم من النوع الذي يتجاوب مع القضايا الملحة التي أتعرض لمضايقاتها مع الكثير من أقراني.

وبعد هذا الفرز أقدم على الانتخاب وأذهب إلى صندوقه وأنا واثق أنني بدأت أشعر أنني فعلت كل ما علي أن أفعله في يوم الانتخاب، وعلي متابعة ذلك مع الحزب الذي انتخبته من خلال المرشح الذي فوضته عني من خلال الصندوق.

 وتجربتنا العربية في المهجر لا خلال السنوات الماضية قٌدمت من النجاحات ما يحق لنا أن  نقول أننا نسير على الطريق الصحيح،  وان المرشح الذي اخترناه أهل لأن نكمل المشوار معه، وسندعم وبكل قوة من وقف معنا، وكان دائما إلى جانب الجالية العربية والإسلامية.

 

  7   

من قال أن إسرائيل فشلت

 

إن الحكم على الأمور بخواتمها، فإسرائيل وضعت خطة منذ الانتفاضة الثانية وهي تسير حسب ما يخطط أصحابها، أما نحن الذين لا نستوعب الدروس إلا بعد انتهاء الامتحان، فهذا شأننا، وهي خاصية غبية قد تنفرد فيها منطقتنا.

وضعت إسرائيل خطتها لتصفية القيادات الفلسطينية التي أثبتت فعاليتها  وعقلانيتها على ارض المعركة، وذلك بتصفيتها جسديا أو زجها خلف القضبان (الشيخ ياسين، الدكتور الرنتيسي، الرئيس ياسر عرفات،  مروان البرغوتي، أحمد سعدات) وأعداد أخرى، حيث أن هذه القيادات وإلى حد كبير، كانت قد أثبتت جدارتها من حيث التعبئة والتنظيم والتحكم بجماهيرها، وحملت على عاتقها حرمة الاقتتال الفلسطيني، وخلق رأي عام لديه القناعة التامة أن المعركة الأساسية هي معركتنا مع الاحتلال وأن التناقض الأساس هو التناقض مع الدولة العبرية، المسئولة مسئولية تامة عن كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني خلال تاريخه الحديث.

ومع هذه الخطوة كانت آلة القتل الإسرائيلية تصفي خيرة الكوادر الفلسطينية المقاومة، وتحكم حصارها الجائر على شعبنا الفلسطيني (بمساعدة  قوة الظلم الأمريكية ورياء ألأوربيين ونفاقهم) وذلك بمنعه من العمل ومنع المساعدات الدولية والعربية عنه ومن خلال تهديد البنوك التي توصل المساعدات بالعقاب، وعدم دفع حصة السلطة الفلسطينية من جمارك واردات الضفة والقطاع.

واليوم بالاقتتال الداخلي في قطاع غزة يحق لإسرائيل أن تشعر بالفخر، فقد  نجحت خطتها، وهاهم الفلسطينيون يتبادلون التهم على شاشات الفضائيات،  ويتراشقون بالرصاص والقذائف في شوارع غزة.

أما حكماء هذه الأمة فما زالوا يصرخون ويحذرون فهل هناك من أمل،  بأن يصل صوتهم قبل فوات الأوان وحلول الكوارث.

 

  8   

"الحيطه  الواطيه"

 

هذا المثل العامي الدارج في بلاد الشام، يحتاج إلى قليل من الشرح قبل الولوج في الموضوع (فالحيط هو الجدار، وجدار الفقير والضعيف  يكون بالعادة غير مرتفع، لأن صاحبه لا إمكانيات لديه لأن يبنيه بالشكل الذي يمنع عنه الطامعين، ولذلك فكل من يفكر في السرقة لا يجد في الدخول إلى البيت أية صعوبات).

تذكرت ذلك وأنا أرى حرمات أمتنا تداس كل يوم، وأراضينا وأجواؤنا ومياهنا وحتى أعراضنا تستباح، من العراق إلى فلسطين ومن لبنان إلى السودان، وهذه الأمة اليتيمة لا تجد من يدافع عنها.

في العراق وحسب الإحصائيات الأمريكية فإن عدد القتلى منذ الاحتلال وحتى اليوم يزيدون عن ستمائة وخمسون ألف قتيل. هذا العدد من القتلى يساوي عدد سكان دولة هي الإمارات العربية، وفي لبنان وخلال ثلاثة وثلاثون يوما فقط دمر تتار العصر الحديث ما بناه اللبنانيون خلال سنين، وفي فلسطين حدث ولا حرج، فهناك كل شيء مستباح، لأداة القتل والتدمير الإسرائيلية استباحت  كل ما كان محرما.

ونأتي إلى السودان تتجه المؤامرة على هذا البلد إلى تقطيع أوصاله وتبديد كل مصادر القوة لديه، تارة عبر النزاع الديني وتارة عبر النزاع العرقي، وتارة عبر المذابح الجماعية.

أراقب جلسات ما يسمى ظلما وكذبا مجلس الأمن، فأجد أن الدول المشاركة تختلف فيما بينها عند يعمل على استصدار قرار إدانة أو شجب أو عقوبات على أية دولة من دول العالم: (إيران، كوريا، روسيا، الهند وباكستان)، أما العقوبات والقرارات التي تصدر لإزلالنا وقهرنا وقتلنا وتفتيت وحدتنا فغالبا ما تصدر بالإجماع .

والسبب، في تقديري أننا جعلنا من أنفسنا "حيطه واطيه" يسهل تسلقها..

أما آن لسكان هذا البيت أن يتعاونوا على رفع جدرانه، أما آن لهم أن يتعلموا من مآسيهم ونكباتهم!

ولكن هيهات هيهات..

فما لجرح بميت إيلام..

 

  9   

الأولويات ووحدة الهدف 

 

منذ وصول حماس إلى قمة السلطة في فلسطين، والساحة تشهد انشقاقات وخلافات لا عهد لنا بها، وحسب المنطق والعقل الذين لا مكان لهما على الساحة العربية، فان الحكومة التي تديرها فئة أو حزب أو تنظيم يتمتع بالأغلبية في المجلس التشريعي، تتمكن من إدارة شؤون الدولة وتنفيذ البرنامج الذي وعدت به مناصريها أو لنقل جزء منه دون صعوبات.

ولأن الوضع الفلسطيني شاذ عن المقاييس المنطقية والقانونية والمعرفية، فقد فشلنا حتى الآن من نشر الأمن بين ربوعنا ولا نتحدث عن اللاأمن القائم  والمروع بسبب الاحتلال ونكباته،

وهنا  يحق لكل إنسان غيور على حقوقه وحريته واستقلاله أن يسأل: هل هناك وحدة في الهدف والأوليات، هل الاستقلال والتحرر وإقامة الدولة الفلسطينية حسب القرارات الدولية أمر متفق عليه ويحظى بالأولويات، هل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لها تعريف موحد، هل هناك إستراتيجية مرحلية متفق عليها فلسطينيا وعربيا وتحظى بالإجماع، ولأن ذلك غير موجود، ولأن الكثير من شعبنا قد تاه وفشل في تحديد ألأوليات بشكل دقيق، فان الاستقرار  الداخلي  يحتاج إلى وقت (والوقت يجري لغير صالحنا)، وهذا الوقت يجب أن يستغل بسرعة وعلى الوجه الذي يعطي الأولية لإعادة بناء استراتيجيه متكاملة، لا تدع للعدو مجالا للمغامرة والمناورة، وتبعد تجار أوسلو والمستفيدين من تفسيراتها عن ساحات الإعلام.

 

  10   

 مغص دماغي

 

الإحباط  هو المرحلة البدائية في العمل العام ولكنها الخطرة، وخطرها يكمن أنها تتكرر على الألسن لهواة السياسة والعمل العام،

وأكرر قول "الهواة" لأن المحترف يعرف محيطه بشكل جيد، ويعرف المشاكل بشكل مدروس، ويعرف الأدوات المتاحة للخروج من هذه المشاكل والمعضلات، وذلك بالعمل على تنمية الأدوات الايجابية وتحييد وإزالة الأدوات السلبية. والعمل العام سواء كان سياسيا أم اجتماعيا فهو من الأمور التي تحتاج إلى بصر وبصيرة، فالهدف يجب أن يكون واضحا، والأسلوب يجب أن يكون متفق عليه لدى فريق العمل، فبدون إستراتجية واضحة المعالم وفريق صادق الإيمان والولاء لهذه المبادئ، لا يمكن الوصول إلى الأهداف والغايات التي يتوق إليها ويعمل للوصول إليها هذا الفريق.

أكتب هذه السطور وأنا أشعر بالمغص الدماغي مما أسمعه وأشاهده على الساحة الفيناوية، (التي تبلور لنا بصغرها شريحة من شرائح المجتمع العربي).

فقد فقدت تياراتنا السياسية الإستراتجية التي فقدت بفقدها ألأولويات، وأصبح أسلوب الرياء مألوفا ولا يجد من يندد به، وأصبحت المقالات ذات القيمة  تطبع إلى جانب المقالات التي لا قيمة لها، وأصبحت صور وجوه المجتمع معلقة إلى جانب مقالات يشمئز الإنسان من قراءتها. وبعد أن نستريح من العناء والمشاحنات التي تنفس عن العجز المختزن في الباطن اللاإرادي لدينا، نتراجع إلى الوراء ونبدأ ننعى جاليتنا وأمتنا وقدرنا ونرفع أيادينا مستسلمين للإحباط.

 

  11   

لك الله يا فلسطين

أقول هذا وأنا أشعر  بالكارثة تحل بأمتي كلها وليس بشعبي، فهذه الأمة التي بذلت وما زالت على استعداد للبذل من أجل فلسطين وتحرير فلسطين ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، ترى اليوم هذا الشعب وقد وقف بعض منه ضد بعضه الآخر. وانهال الرصاص والعصي على المارة والمحتفلين، وانتشرت الصور التي يخجل منها حتى من لم يعتد على الخجل.

هل أصبح الفلسطيني يتخندق  في أحلاف لا تدفع بالقضية إلى الأمام، هل وصول أموال إلى حماس جريمة! وحتى على سبيل الفرض أنها لن توضع في صندوق الحكومة الفلسطينية، أليست تحل أزمة لفئة من الشعب الفلسطيني، أليست أمريكا وصندوق نقدها الدولي هي التي شهرت بفساد السلطة الفلسطينية وضغطت من أجل أن لا تتابع الدول المانحة برامجها التنموية وهباتها للسلطة الفلسطينية، أليس الضغط الأمريكي هو الذي دفع الرباعية إلى وقف المساعدات عن الفلسطينيين بحجة أن الحكومة الفلسطينية غير مستعدة للاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقيات الدولية الموقعة معها، وهل تساءلت أمريكا ولجنتها الرباعية إذا كانت إسرائيل تعترف بالاتفاقيات الدولية أو تحترمها.

أين العقل الفلسطيني، أين أرواح الشهداء، أين تضحيات الأسرى الذين قضوا شبابهم خلف القضبان، هل انتصار فتح على حماس أو حماس على فتح هو انتصار للقضية الفلسطينية!

في ندوة عن الأزمة الفلسطينية الحالية وما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية في المنتدى الفلسطيني في فيينا قال الكاتب  فيصل حوراني في نهاية النقاش (لا خوف من حرب أهلية فلسطينيه لأن البنية الداخلية للشعب الفلسطيني لم تعرف التشرذم الطائفي والمذهبي)، ولكن هناك خوف من حرب الزعران (الأوباش والعربجية) وهذا خطر ممكن سوف يدفع ثمنه الشعب الفلسطيتي بكل فئاته ويعيد القضية الفلسطينية إلى المربع الأول.

 

  12 

تصبحون على خير

 

كل يوم أجلس ساعات طوالا أمام هذا الجهاز العجيب المسمى كمبيوتر، أطل من خلاله على العالم، من خلال الرسائل الالكترونية وصفحات المعلومات التي  هي نتاج العقل البشري، وكشخص في مثل عمري المتقدم، كان عندي وعند جيلي في مراحل الشباب أمل في وطن عربي موحد وقوي وديمقراطي، وتبددت تلك الآمال شيئا فشيئا، ثم أصبح من يحمل بعض آثار هذا الأمل متهما في ولائه وانتمائه ا لقطري، ومهددا في لقمة عيشه، ومطلوبا لدى زائري ما بعد منتصف الليل.

أقول هذا وفي قلبي من هموم أمتي ما يجعل اللبيب حيران (في حيرة)، وكما يهرب مدمني المخدرات من عالمهم إلى عالم آخر، تحولت إلى الفكاهة حيث تذكرت طرفة يرويها أهل مدينة جدة ممن تعودوا العيش على شواطئ البحر وتفننوا في أكل السمك ومعرفة أنواعه وأمراضه،

 والطرفة  تقول:

إن رجلا عجوزا دخل إلى سوق السمك وسأل البائع إن كانت البضاعة من الصيد الجديد،  وأمسك بالسمكة  وبدأ يقلبها وشمها من جهة الذيل،

فضحك بائع السمك وقال: يا عم السمك يفحص من الرأس وليس من الذنب، فابتسم العجوز وأجابه بهدوء متعمد، الرأس فاسدة منذ زمن طويل وما أريد معرفته  هو،  هل وصل الفساد إلى الذنب؟؟

أجل لقد وصل الفساد إلى قلوبنا وعقولنا وتصرفاتنا وبتنا كمن أصابه الجنون، نضرب ذات اليمين وذات الشمال دون وعي، لا نعرف أين نضرب ولما نضرب، وماذا ننتقد ولما ننتقد، وماذا نشتم ولم نشتم، وأصبحت هذه النعمة الكبرى وهي الكمبيوتر والانترنت وبالا علينا، وانتشر بيننا الغث وغاب عنا السمين، وبدل أن نرسل النصيحة  أصبحنا نتعمد التشهير.

ألسنا في بلاد الديمقراطية، إن الخيانة هذه الأيام هي وجهة نظر، وديمقراطية العراق وجهة نظر، والاقتتال في لبنان وفلسطين اقتتال ديمقراطي، ورجال من عهد توت عنخ آمون حكموا ولم يزل بعضهم يحكم هي قمة الديمقراطية.

وهنا أعود إلى هذه الشاشة الخبيثة التي فتحت أمامي عالم واسع، وطالبتني بعقلي المحدود أن أختار ما يحلوا لي، وأن أصدق ما أشاء، وان أترك ما أشاء.

وهنا ما كان مني، سوى أنني  أقفلت هذه الشاشة وقلت تصبحون على وطن.

 

  13 

 

رسالة مفتوحة

سعادة رئيس السلطة الفلسطينية في دولة فلسطين المحتلة

سعادة رئيس وزراء دولة فلسطين الديمقراطية الغير معترف بديمقراطيتها ولا بوجودها.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من مواطن حمل خيمته على كتفه ثلاثة أجيال، إلى أن وجد له مرتعا في منحدرات جبال الألب.

لقد صبر شعبنا خلال رحلته القاسية مع قدره كما لم يصبر أي شعب آخر، وتحمل من العدو والصديق ومن الأهل والأخوة ما يمكن أن تكتب فيه ملاحم، وكما أن الأخوة من حولنا صبروا وعانوا أيضا من مزاج ثورتنا، ما يحتاج إلى توثيق.

وكل ذلك جرى ونحن نرى أنفسنا نقترب من فلسطين خطوة ونبتعد خطوات، وكنا نعتقد أننا نتعلم الكثير من ذلك الكر والفر، وخلال هذه المسيرة كان هناك شعار يتمسك الجميع به وهو أن الدم الفلسطيني الفلسطيني خط أحمر لا يمكن لأحد تجاوزه، وإن كانوا في بعض  الأحيان، وعندما تتأزم الأمور وتخرج من يد الكبار لتؤول إلى المراهقين الثوريين والمغامرون، وكذلك ممن تجربتهم النضالية وأيديولوجياتهم النظرية تحتاج إلى وضوح وتوضيح، كان يضرب بهذه القاعدة عرض الحائط.

وكانت الديمقراطية التي كنا نشعر بالحاجة الماسة إليها وتبدو لنا ترفا لا يليق بنا،  نحن أبناء الثورات المتكررة من ثورة 1919 وعدد أو أختصر ما شئت، فقد كان الزعيم بالنسبة لنا قائدا ملهما لا يمكن مراجعته حتى لو قادنا من هزيمة إلى أخرى، فنحن الجيل الذين رضع مع حليب أمه قول "سيف الدين لحاج أمين"  وكذلك "حاج أمين لا تهتم عندك شعب بيشرب دم" ثم جاء عهد عبد الناصر وهتفنا كما لم يهتف أحد ورقصنا كما لم يرقص  أحد، ولا أريد ان أطيل، وأذكر كم هتفنا  لأبو عمار وكم تغاضينا عن الأخطاء.

واليوم لا تنتظروا منا أن نهتف فلم يعد لنا صوت، ولم تعد لنا قوة، ولم يعد عندنا أمل. فقد أوصلتمونا بارك الله فيكم الى عهود كنا نتصور أنها من عهود الجاهلية  البالية، وأن الشعب الفلسطيني الذي عرف طريقه في الكفاح لن يحيد عن هذا الطريق. وإذا بنا اليوم أمام معارك نخجل منها، ونخجل من أنفسنا، ونخجل إمام العالم من نتائجها.

ماذا سوف تقولون لأرامل الشهداء، وأبناء الشهداء، وإخوان الشهداء ورفاق سلاحهم، بأي وجه ستقابلون الأسرى إذا قدر لهم أن يفرج عنهم، ماذا نقول للأبطال من أمتنا الذين عاهدوا الله والوطن وعاهدونا أن تكون فلسطين منهم موقع القلب من الجسد، كيف يكون موقف الكثيرين من محبي الحرية، والذين دافعوا عن ثورتنا وشعبنا في جميع المحافل وبكل مالديهم من قوة وإيمان.

اتقوا الله في هذا الوطن واتقوا الله في هذا الشعب، فقد تلاشت محنة الوطن أمام محنتنا بقيادتكم وإستراتجيتكم وحتى بقواكم العقلية والفكرية.

 

  14 

 

 

حتى أنت يا بروتس

 

تذكرت هذه الجملة المشهورة، والتي ذهبت مثلا لعدم الوفاء والطعن في الظهر خلال عصور وعصور.

ودليل استعمالها حتى يومنا هذا إنما يدل على أن العنصر البشري بضعفه وقوته،  بظلمه وعدله،  بازدهاره وانحطاطه، لم يتغير أو يتبدل في مكوناته النفسية، وإنما جرى صقل بعضها عند من أتيح لهم فهم الكون من خلال موسوعة القيم السامية.

اضطررت إلى  هذه المقدمة وأنا أقرأ في الصحف الفييناويه،  والكثير الكثير من الرسائل الالكترونية عن الزوبعة التي قامت حول الشيخ عدنان إبراهيم، إمام وخطيب مسجد الشورى في فيينا، ومما لاشك فيه أن الفكر وتحليلاته يقود المفكر إلى الاختلاف والالتقاء مع محيطه، وهذه ظاهرة حضاريه في التاريخ الإنساني ساعدت على تطوير الفكر، ومن خلاله تطور المجتمعات البشرية.

ومما أشعرني بالحزن العميق أن الذين أثاروا هذه الزوبعة في الصحف لم يتصلوا بالشيخ عدنان ليلفتوا نظره إلى أخطائه، إذا كانت هناك أخطاء من وجهة نظهرهم،  أو إلى هفواته أن كانوا يعتبرونها هفوة أو لنقل زلة، بل عملوا وبمستوى لا يليق بأي إنسان عاقل ومتحضر، إلى إرسال الشكاوي إلى الصحف والنائب العام بأسماء إما وهميه أو بدون أسماء.

ولأن لكل عمل هدف فإنني أسال هؤلاء العقلاء ما هو المطلوب من زوبعتهم هذه؟.

هل المطلوب القضاء على ظاهرة الإسلام المتنور؟؟ هل المطلوب أن نذكر  العنصريين أن عليهم أن لا يهادنوا الوجود الإسلامي، أم المطلوب هو الشيخ عدنان إبراهيم كرجل استطاع أن يثقف نفسه ويغذي فكره من ينابيع متعددة، ومن خلال هذه الينابيع يثبت جودة ما يعتقد انه الينبوع  الأنقى والأعزب والأصفى،  وهذا حقه الذي تكفله له جميع الشرائع الكونية، باستثناء الشمولية.

وكنت أتمنى على القائمين على هذا المهرجان، لو عملوا وبشكل حضاري من خلال المنظمات العربية والإسلامية وما أكثرها، لتشرح  وتناقش بحضور خطباء المساجد ما يجب التركيز عليه وما يجب الابتعاد عنه درأ للفتن وصونا للتعايش المشترك في المجتمع الجديد.

أو من خلال رسائل مفتوحة ومعنونة بالشكل الصحيح، بحيث تكون مادة للنقاش بين المرسلين والموجهة إليهم، وكذلك بين المهتمين وعامة الجالية، اللهم إلا إذا كان أصحاب المهمة يرون أن الصحف ممكن أن تناصرهم على أبناء جلدتهم بالشكل الأفضل.

أما ما يقال أن الشيخ عدنان يحرم الزواج من أتباع الدين المسيحي واليهودي، فلا أريد أن أجيب عنه، وأن أضع نفسي مكانه، ولكن بمعلومات أي كائن عاش في المنطقة العربية وعرف شيئا من حضارتها، يعرف أن الرسول محمد بن عبد الله (ص) تزوج من مسيحيه ويهودية، وبقيتا على دينهما في بيته الذي كان مدرسة وإدارة حكم في ذلك الزمان.

أما الإرهاب هذه التهمة البشعة، والتي فقدت معانيها وبريقها لما اقترف باسمها من إرهاب وآثام، فالإرهاب هو الاحتلال وإشعال الفتن والظلم. والوقوف ضد الظلم والقهر والتعسف هو الطريق لقيام حضارة إنسانيه متوازنة. 

إنني أدعوا هؤلاء الذين أرادوا وعملوا أن تحرق الفتن الأخضر واليابس في الأرض العربية، أن يتركوا ساحة النمسا بهدوء وأمن وأمان، رحمة بنا وبأنفسهم، فالفتنة والحقد والتعصب لا حدود لجحيمها رغم أن مقدماتهم معروفة للجميع.

 

  15 

 

تسقط فتح تعيش حماس .. تسقط حماس تعيش فتح

 

الشعب الفلسطيني كجزء من أمته العربية يعاني ويواجه أزمة أخلاقية. هذه الأزمة تمتد من المحيط إلى الخلي. ولا يجوز أنت تترك هذه الأزمة بدون علاج. وإن لم يبادر المثقفون والعلماء المشهود لهم بالأمانة والحكمة وسعة الاطلاع  إلى قيادة الصفوف فعلى هذه الأمة السلام.

إن سياسة إقصاء الآخر في برامجنا الحزبية والوطنية والكفاحية قد تجذرت بشكل أصبح من الصعب علينا القفز عليها رغم صراخنا ومعاناتنا من نتائجها وويلاتها.

أطلت في هذه المقدمة لأصل إلى موضوعي، وهو بيان صدر في فيينا تحت عنوان: "فلسطينيو وعرب النمسا يستصرخون كافة الأطراف المتناحرة لردم مستنقع الدم الفلسطيني ويطالبون بتحريم العبث بالوحدة الوطنية"

قامت رابطة فلسطين في النمسا وجمعية المغتربون الفلسطينيون بالدعوة إلى اجتماع للجاليات الفلسطينية والعربية ولبى النداء عدد لا بأس به من الجمعيات التي دعيت، وكان الأخوة الداعون إلى الاجتماع قد طلبوا إلى عدد كبير من مناصريهم حضور هذا الاجتماع المخصص بالأصل للجمعيات والمؤسسات. أما أنصار الفريق الآخر فلم يدعوا إلى هذا الاجتماع، ووزع الداعون إلى هذا الاجتماع بيانا مصاغا،  وقالوا هذا هو البيان ومن عنده اعتراض فليقل رأيه.

وهنا سألت نفسي وسألت الحضور، أليس من الحكمة أن يصوغ المجتمعون البيان بدل الاستهانة بقدراتهم وعقولهم!!! وفي النهاية اتفق المجتمعون أن تعاد صياغة البيان بعد التعديلات المقترحة عليه،  ويرسل إلى المشاركون بالبريد الالكتروني،  ومن يوافق عليه يعيده مع إضافة  تعليقه وموافقته، إذا كان موافقا أن  يظهر اسمه بين الموقعين على هذا البيان.

ولكن مع الأسف الشديد ظهر البيان على شاشات الكمبيوتر في الصحف الالكترونية ويحمل توقيع من يحق له ومن لا يحق له التوقيع.

وهنا يحق لي كمراقب على هذه الساحة النمساوية الفلسطينية والعربية أن أتساءل، هل هذه هي الطريق التي ستوصلنا إلى أهدافنا، إذا كان فرض الرأي  واستعجال النتائج، تأتي من أناس يعتقدون أنهم مثقفون ومسئولون ومنظرون لمستقبل أفضل، فكيف سيكون هذا المستقبل.  وهنا لذت بالصمت مع بيت من الشعر كان قد أرسله لي صديق من الذين نجحوا في الغرب نجاحا باهرا وعملوا دائما في الشأن العام في سبعينات القرن الماضي وكانوا يتوقون إلى مستقبل  أفضل بعد عودتهم إلى وطنهم..

عنون هذا الصديق رسالته بهذا السطر من الشعر:

دعوت على عمرو فمات فسرني

وعاشرت أقواما بكيت على عمرو

وسنبقى نبكي ونذرف الدموع  ما دام هذا التزييف والكذب والرياء والادعاء والانفراديه وضيق الأفق تسيطر على عقولنا وقلوبنا وتقتل ضمائرنا.

 

  16 

الخطر الداهم

 

الإنسان الذي لا يعرف أولوياته ويصنفها حسب الضروريات يسير على الأرض بغير هدى ، يخطئ كثيرا وقليلا ما يصيب. والمرحلة التاريخية المعقدة التي تمر بها أمتنا اليوم، تقتضي من قياداتنا ومفكرينا وإعلاميينا أن يكونوا على درجة عالية من الوعي والإلمام بقضايا  أمتهم، بحيث لا يتركون بوصلة التوجه بيد  من لا يريدون لأمتنا الخير والفلاح.

فأعداؤونا هم الذين يرسمون لنا صورة العدو، ووهمنا يجعلنا نسير في طريق مخططاتهم، نقول ما يقولون،  ونعمل ما يسعدهم بنجاح خططهم ويسعدنا بسماع آيات الإطراء على حصافتنا وقدراتنا المزيفة من قبلهم. وبعد أن تستهلك قوانا في المعارك التي خططوا لها  نكون بعد ذلك لقمة سائغة لهم، فيستكملون مخططاتهم ويحققون أهدافهم من خلال شعوب فقدت بوصلة التوجيه ودخلت معارك ليست ضرورية ولا مصيرية بالنسبة لها، بل هي معارك  تجلب على الأمة من الويلات ما لا تستطيع الأجيال القادمة إزالة أثارها. فالعدو الأساسي لأمتنا هي أمريكا المتصهينة وإسرائيل المتغطرسة المزهوة بالدعم الأمريكي اللامحدود، هي من تريد أن تسيطر على المنطقة وخيراتها، وهي التي لا مصلحة لها في نهوضنا وتقدمنا، وهي التي تعلم أن قوتنا هي ضعف لها وضعفنا هو قوة لها، ولذلك ستعمل مع أصدقائها وحلفائها على أن نبقى ضعفاء،  ومن مقومات الضعف الاقتتال الداخلي، والأعداء الموهومون الذين نجند قوانا لمحاربتهم مما يمزق جبهتنا الداخلية ويدخلنا في صراع مع أنفسنا وأهلنا وشركائنا في الوطن والمصير، وهذا كله استنادا إلى ما يروجه الغرب من الخطر الإيراني على المنطقة. ومنذ متى كان يهم الغرب مصير أهل المنطقة، وماذا قدموا حتى الآن من أجل أن  تعيش هذه المنطقة بأمن وسلام، هل  عملوا على تنفيذ القرارات الدولية في فلسطين رغم ما تحمله من ظلم فاضح، وهم الذين زرعوا أسبابه بدفن خطاياهم العنصرية في أرضنا. ألم يحرضوا شبابنا على الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ويدربوهم ويزودوهم بكل أنواع الأسلحة، ويفتحوا أمامهم أبواب البيت الأبيض والكونغرس ويفرشوا أماهم السجاد الأحمر، وتحتل صورهم الصفحات الأولى في صحفهم ونشرات أخبارهم. وتحملت أوطاننا من غلوائهم كما لم يتحمل أحد، وبعد أن أكملوا المهمة كانوا لهم بالمرصاد، أصبحت أمتنا كلها موصومة بالإرهاب.

ألم يحرضوا إيران ضدنا وحرضونا ضد إيران في حرب دامت ثمانية سنوات سميت آنذاك بالحرب المنسية، أهلكوا فيه دولتين كبيرتين من دول المنطقة، واستفادوا مليارات الدولارات من تجارة أسلحتهم وتطويرها على ارضنا، بحيث قضوا على الفوائض المالية لدول الخليج.

لماذا تحريض العرب اليوم ضد إيران، وتحريض إيران ضد العرب. أليس لإقحام المجتمعات العربية المتماسكة إلى حد ما، في نزاع سني شيعي لا يستفيد منه إلا من يريد تفتيت هذه الأمة وإضعافها، فنار الطائفية تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي على شيء .

إن إيران جارة لنا وعلينا أن نتعامل مع معها من خلال عقل سياسي يعرف لغة المصالح المتبادلة، ونقاط القوة والضعف، فإيران سوف تكون ضعيفة بدون جوار عربي  قوي، يعرف لغة المصالح والتعاون، والمنطقة العربية ستكون ساحة  للمستعمرين ومصاصي دماء الشعوب ولإسرائيل وعربدتها من دون إيران القوية والعزيزة والصديقة لأمتنا والواعية للتعاون المثمر والمشترك.

 

  17 

 

الطريق

إلى برشلونة

 

لا أدري لماذا كل هذه الضجة وكيل التهم جزافاً من الفريق المؤيد  وكذلك من الفريق المعارض لمؤتمر برشلونة .

وطبعا لكل حججه ومنطلقاته وحساباته، ولكن المطلوب منا جميعاً هو أن لا نفقد وضوح الرؤية وسلامة المنطق ولباقة الخطاب.

وتذكيراً لمن يريد أن يتذكر!!  فعندما انطلقت الثورة الفلسطينية في 1965 كان هناك من يشكك ومن يخون ومن يلقي بتهم العمالة عليها دون أن يرمش له جفن، ونفس التهم قوبلت بها ثورة 1936 وقيادة الحاج أمين الحسيني واللجنة العربية العليا.

وسؤالي للجميع: ما المانع أن يحصل هذا المؤتمر، كما حصل قبله مؤتمر الإسلاميين في هولندا، ومؤتمر المستقلين في بيروت؟

هل غرق السلطة الفلسطينية في بحر من الطين نتيجة عوامل كثيرة (لا نريد أن نفصلها حتى لا نحسب على فريق دون أخر) يبرر لها وقوفها بهذه الشراسة والعناد ضد انعقاد هذا المؤتمر،  وهل سيل الاتهامات التي لا منطق لها هو ما نحتاجه اليوم في ظل مثل هذا الضياع؟ هل يجب أن يحظى المؤتمر بمباركة أبو مازن ومستشاريه، وأن يبتعد عنه أبو اللطف ومساعديه حتى يكون مقبولا؟

دعوا المؤتمر والمؤتمرين يناقشوا ما يجدونه صالحا لقضيتهم، أليسوا جزءً من نسيج هذا الشعب الذي يشعر أنه أصبح بلا قيادة تمثله وتدرك احتياجاته الأساسية.. أم أن مهمة القيادة الحكيمة    أصبحت تذكيره باحتياجات وأوامر مغتصبيه، دعوهم يناقشوا   فنحن أمة مكبوتة تحتاج أن تتعود على النقاش وعلى تعدد الاتجاهات والأفكار، فالحجر على الفكر والرأي حولنا  إلى دواجن  تخشى الحركة لأنها تؤثر السلامة.

ونقول لإخواننا الذين  يعارضون: أن  الحكم على الأمور بخواتمها ونتائجها،  فليس من مصلحة الوطن أن نرسل العرائض المعنونة بأسماء منظمات ربما لم تجتمع هيئاتها الإدارية أو العامة منذ استشهاد أبو جهاد وحتى اليوم لتكون دليلا على معارضة الجاليات في أوربا لفكرة المؤتمر.

وعلى ضوء نتائج هذه المؤتمرات يمكننا أن نوحد الجهود في مؤتمر عام  نتفق فيه على القواسم المشتركة لهذه المؤتمرات بحيث نخرج بجبهة عريضة تضم معظم المنظمات الفلسطينية في الشتات، تضع خطط عملها على ضوء استراتيجيه واضحة المعالم لصالح الجاليات في أوربا، بحيث تستطيع حل مشاكلها في الشتات، وكذلك المساعدة في دفع القضية الفلسطينية إلى الأمام، والعمل على تطوير أساليب النضال والوصول إلى قيادة فلسطينية تمثل أماني ومعاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، قيادة منتخبة بطريقة ديمقراطية ونزيهة.. فالجاليات التي قاطعت المؤتمر لا يمكن أن تكون جاليات تشعر بمسؤولياتها، ونحن أعلم بأحوال الجاليات الفلسطينية في أوربا ومشاكلها وخلافاتها وقدرتها على التأثير في محيطها الفلسطيني والعربي، وإلى أن يصل الفلسطينيون في الشتات إلى القدرة على العمل الجاد والخلاق فلا بأس أن يترك المجتمعون في برشلونة علامات وإشارات على طريق طويل وشاق. 

 

  18 

النفق المظلم

 

الاقتتال الفلسطيني بين فتح وحماس هل هو سمة بارزة من سمات عالمنا العربي الذي بدأ بالتراجع والانحدار دون ضوابط وكوابح وأصبحنا من حيث ندري أو لا ندري نسير مع أعداء أمتنا على منهاج تمزيق وتخريب كل ما يترك للمواطن العربي أمل في وطن أو ملجأ؟

فهاهو العراق دماء تنزف ووطن يتفتت وجماجم تبني العزلة والخوف والتمترس في خنادق الطائفية الحاقدة، وتهدم الثقة بالمستقبل، وسياسيون يلهثون خلف الثراء قبل فوات الفرصة، أو حاقدون وضعوا أنفسهم والغاصبين في خندق واحد للقضاء على حصن له شواهد في الدفاع عن هذه الأمة.

وهاهو لبنان يتفجر من داخله بعد أن حقق نصر الصمود أمام العدو الصهيوني وآلته العسكرية ومعسكره الامبريالي الداعم لرغباته. فهل عجز بلد العلم والنور والتنوير وأهله عن الجلوس والتفاهم حول مصير سفينة لو غرقت لغرق الجميع، ألم يتعلم سياسيو هذا البلد من حرب أهلية دامت طويلا وأكلت الأخضر واليابس وشردت مئات الآلاف في أصقاع أوربا وإفريقيا والخليج، وهدمت بلدا كان يفتخر العرب بزيارته، هل الطريق إلى بناء الوطن هو الهدم والانفراد والإقصاء؟

أما فلسطين فحدث ولا حرج، الزاهدون في الحكم دفعوا رغبة وقسرا إلى المبارزة في انتخابات لاختيار حراس للاحتلال، صدق الكثير أحجية الديمقراطية، ونجح من نجح وفشل من فشل، ودارت دورة من الظلم الدولي والتعسف الداخلي،  وتشابكت حرب المصالح وحرب المبادئ، ودعم الاحتلال كل المعارك بلا استثناء، وها نحن في النهاية نصل إلى ما كانت تتمناه جولدا مائير واسحق رابين من أن يبتلع البحر غزة بمن فيها، رحم الله فلسطين إذا كان هؤلاء هم أصدقاؤها وأهلها  فقد كفاها الله شر الأعداء.

 

  19 

 

فتح وحماس

ولعبة عض الأصابع

 

لقد نسيت فتح وحماس، أنهم   أخذوا شرعية وجودهم واحترامهم من خلال  تبنيهم لقضية عادلة واستعدادهم للدفاع عنها، من خلال تبنيهم للكفاح المسلح طريقا للتحرير،  حيث قدموا الكثير من التضحيات والشهداء وقوافل من القادة السياسيين والميدانيين الذي استشهدوا وهم يضمون راية المقاومة إلى صدورهم.

واليوم بعد أن حدث ماكان يجب أن يحدث على يد السلطة وأجهزتها الأمنية من بسط الأمن في ربوع قطاع غزة، حصل بطريقة مختلفة، حيث قامت حماس بذلك، واستطاعت خلال أيام أن تقوم بما عجزت عنه السلطة خلال فترة ليست بالقصيرة.

لاشك أنه ليس من حق أي فصيل أن يفرض مايراه أحقية وطنية وقومية دون مشاورة شريكه في الوطن والأرض والحكم، ولكن حسب الكثير من المناورات والمؤامرات والمكائد لم يكن بإلامكان أحسن مما كان، وحدث الكثير من التجاوزات والحماقات والشطحات التي لا تمثل قيم  هذا المجتمع، ولا تمت إلى قيم العروبة ولا الإسلام بصلة.

وقامت حرب داحس والغبراء، وتمترس كل فريق في خندقه، كل يريد رأس خصمه ولو بمعاونة من لا يريد الخير لفلسطين والفلسطينيين، حتى وإن وصل الأمر إلى الاستعانة بالعدو الصهيوني، الذي أصبح فجأة يوزع شهادات حسن السلوك ويصرف من أموال الشعب الفلسطيني على الموالين له.

وكان أبو مازن يحاول معظم الوقت أن يكون رئيسا لكل الفلسطينيين، وخاصة بعد أن عانى كرئيس وزراء من الكثير مما عانى منه السيد إسماعيل هنيه وحكومة حماس.

وكان الأجدر به بعد استيلاء حماس على السلطة في غزة، أن يصل فورا إلى غزة، وبصفته القائد العام أن يطلب من حماس إعادة الاعتبار إلى أجهزة السلطة ومؤسساتها، فان لم تفعل فسوف تكون قد خرجت بنفسها عن الإجماع الوطني، وأبعدت نفسها عن الثقة التي وضعها فيها الشعب الفلسطيني.

ولكن وللأسف الشديد، فقد تمترس أبو مازن في خندق المنتفعين والفاسدين من فتح وجمع حوله كل من لا مصلحة له في بناء دولة فلسطينيه، وأصبحت المكائد والدسائس والاستقواء بالإسرائيليين والأمريكيين وحتى الأوربيين من أجل تجويع القطاع وأهله وتركيع حماس ومناصريها، وهنا وجدت إسرائيل في الرفيق أبو مازن خير من يستطيع أن يعيد أمانة ما تبقى من الضفة الغربية إلى الحكم الهاشمي تحت مسميات كثيرة، كان العارفون بالتاريخ الفلسطيني يذكرونها ويذكروا معها مؤتمر أريحا وقيام المملكة الأردنية الهاشمية على أراضي الضفتين، أما غزة فكل التمنيات الإسرائيلية من تمنيات جولدا مائير وبعدها تمنيات اسحق رابين أن يبتلع البحر غزة فلم تستجب..

فهل تمنيات أبو مازن مستجابة!!

 

  20 

 

أمة لا قيمة لها بين الأمم 

 

المشهد العراقي المفزع ومشاهد القتل والدمار اليومي في فلسطين  والصومال، لم تستقطب أي تعاطف أو استنكار جدي محلي أو دولي، لا من أنصار حقوق الإنسان ولا من أنصار البيئة ولا حتى من أنصار الرفق بالحيوان.

ودموع الأمهات الثكلى والأرامل والمشردون الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها بدون مأوى أو لاجئين في بلادهم أو في بلاد الجوار.  لم يجدوا من أمتنا نداء إلى اجتماع  للشجب أو التنديد أو  مؤتمرا للبحث  في مشاكلهم أو لمواساتهم سواء ماديا أو معنويا.

أكتب هذه الآهات وأنا أشعر بالخجل من نفسي ومن أمة تسير بتسارع خطير نحو النهاية، حيث أن مؤتمراتنا وإرادتنا وكذلك عواطفنا   هي رهن إشارة من يريدون لنا الهلاك؛ فشرم الشيخ وجدول أعمال مؤتمراتها، يقول أن أولويات أمتنا لا قيمة لها أمام أولويات أعدائها،  فأولويات  الأعداء  في المقدمة وعلينا أن نكون حريصين كل الحرص على التجاوب مع متطلباتها سواء بالنسبة للخطر الإيراني المزعوم، أو أمن إسرائيل الذي لم يكن مهددا يوما ما،  وكذلك أمن القوات الأمريكية الغازية في العراق.

أما أوليات الأمن القومي العربي، وأوليات شح المياه الصالحة للشرب، وأولويات إيجاد فرص عمل لملايين العاطلين والبؤساء، وأولويات تطوير نظام تعليم يخرج الكوادر القادرة على إنجاح برامج التصنيع الوطني واجتذاب المستثمرين والشركات التي تبحث عن الأسواق المؤهلة من حيث العمالة الماهرة والسوق الاستهلاكي الواسع.

فكل هذه الأولويات التي أصبحت أكثر من ضرورية لا تجد لها حيز؛  ليس في عقول المسؤولين فقط ولكن حتى في حقول الإعلام، لأن الهم الأكبر أن يبقى المواطن في سباته العميق، وأن لا يصحو سوى على الكوارث التي تصيبه بالشلل الفكري وتجعل منه أشلاء إنسان.

وهنا، لابد لنا أن نتساءل، والعالم ينظر إلى الأقوياء ومنجزاتهم، بأي عين يقيم منجزاتنا.

فالمليارات من الدولارات تتدفق إلينا جراء ارتفاع أسعار النفط  وتتكدس في مصارفنا  وفي البنوك الغربية بحيث لا نستطيع التحكم بحركاتها وتحويلاتها،  ورغم ذلك فان دولنا لا تحاول أن تضمد جرح جريح أو تمسح دمعة يتيم أو أرملة أو تقيم مشروع علمي أو صناعي يشهد المختصون بأنه سد فراغا في حاجات الأمة وما أكثرها، أو تقيم مشروع استراتيجي يسد ثغرة في جسم وافي الثغرات!.

 

 

  21 

أين المفر

مسكين هذا المواطن العربي الذي يتاح له القليل من القدرة ليفكر بهموم أمته، إنه محاصر من الجهات ألأربع، يتأمل من الداخل فيرى جحافل الشر ومواكب المرتزقة المتحالفة مع قوى الخارج المعتدية والمغتصبة والمدمرة تكتسح المشهد السياسي من جنوب الوطن العربي حتى شماله ومن شرقه إلى غربه،  بقوة لا تقل عن قوى العواصف الطبيعية المدمرة.

وبالمقابل مشهد القوى التي ترى الكارثة وهي تعمل بكل ما لديها من جهد ووعي للوقوف أمامها ومقاومتها، ولكنها في كثير من الأحيان تنجر خلف النظريات والأيدلوجيات من دون تحديد للأولويات بالدقة المطلوبة، والاتفاق على القواسم المشتركة التي لا يمكن التفريط بها، وزع بذور المحبة والتوافق وقيم العمل المشترك البعيدة عن الأنا المدمرة، لأن الوطن المستقل المزدهر والحر يتسع لجميع أبنائه على اختلاف أفكارهم ودياناتهم ومذاهبهم وتطلعاتهم.

هل هي إذا معركة نضوج فكري!!!، هل هي معركة مفاهيم وأولويات لم يتم التوافق عليها!!!، وإلا لما هذه الانقسامات على الساحة العربية من اليمن إلى الجزائر ومن العراق إلى فلسطين ولبنان.

التحديات القاتلة تقف في وجوهنا فاغرة أفواهها  مذكرة أن هذا العصر حكر على من يقبل التحدي ويكسب رهانه. وتنشب أظفارها في لحومنا وعقولنا.

فالفقر توسعت مرابعه في بلادنا، وشح المياه وندرة الكهرباء وعدم الحصول على السكن الذي يحفظ للإنسان إنسانيته  وما يرافق ذلك  من تكدس البشر في المدن للبحث عن عمل  وترك القرى والأراضي الزراعية للبوار، ناهيك عن المدارس ومستوياتها التي لا ترقى إلى كتاتيب الشيخ أو الخوجة في الأزمان الغابرة.

أما مثقفونا والواعين منا فقد انسلخوا في أغلب الأحيان عن مجتمعاتهم وتركوا هذه المجتمعات نهبا للمستغلين والمرتزقة واللامنتمين أو أصبحوا جزءً منهم.

وهنا يتبادر إلى ذهني السؤال المحير، هل نحن مخلصون لهذا الوطن؟ هل هو جزء منا ونحن جزء منه؟ هل كرامتنا مرهونة بتقدمه ورفعته؟ أم أن ما نتشدق به لا يعدو كلمات لا تمس القلب والعقل.

إن من يغار على وطنه يخجل من الانقسامات الموجودة حيث  وجدت، ويعالج أسبابها ليمنع حدوثها حين يشعر أن هناك ما يستوجب  ذلك.

ولنا في حكمة سليمان مثل، فحين ادعت امرأتان بنوتهما لطفل واحد، فما كان منه وهو المعروف بالحكمة أن حكم بقطع الطفل إلى قسمين وأن تأخذ كل واحدة النصف وبذلك يكون الحكم. فما كان من الأم الحقيقية إلا أن تنازلت فورا عن نصيبها من أجل أن يبقى ولدها على قيد الحياة كاملا معافى.

فليتنا جميعا نرقى إلى مستوى هذه الأم لنصون أوطاننا موحدة ونحافظ على وجودنا أولا وعلى السفينة التي تحملنا وفيها كرامتنا ومستقبلنا وعزتنا.

 

  22 

قنديلنا الذي رحل

 

اليوم، ننعي الدكتور حيدر عبد الشافي، ونحن في أحوج مانكون الى أمثاله، الذين أصبحوا من الندرة بمكان، في عهد العهر السياسي والفساد والمحسوبية وعدم وضوح الطريق والاختلاف على الثوابت وبيع المقدسات.

رحل أبو الأمة وحكيمها، رحل بعد أن رأى كل أحلام شعبه تتساقط كما تساقطت أصنام مكة. كان كشجرة الصفصاف في أرضنا بجذورها المغروسة في تراب الوطن، هاجر معظم المتعلمون والمثقفون الى الخليج وغيره، طلبا للمال وردا للعوز، ولكن فقيدنا آثر البقاء بين فقراء شعبه، يضمد جراحهم ويعالج مريضهم  ويعطف على مسنيهم.

أما في السياسة فكان دائما في المقدمة؛  ففي الاتحاد القومي كان الفارس صاحب الرأي السديد، وفي عهد الاحتلال كان الرجل الذي يجمع قلوب الرجال، وفي مدريد حيث اختير رئيسا للوفد الفلسطيني ـ المرافق للوفد الأردني ـ كان صاحب الرأي السديد والموقف الصلب.

وعندما سحبوا البساط من تحت قدميه من أجل اوسلو المخزيه، كان مثال العاقل المتزن والمتريث، فلم يتعرض لهم بالهجاء كما تعودنا في تاريخنا النضالي، رغم قناعته الكاملة أن الصهاينه لايريدون السلام ولايمكن للسلام في المنطقة أن يمر بموافقتهم بل رغما عنهم.

رحلت أيها الفارس النبيل، رحلت وأنت غير راض عنا، رحلت وأنت ترى صفحات  صحفنا وقد نسيت العدو المحتل  وجندت كل مالديها من كتاب ومفكرين وأدباء            لتغطية  أخبار  حرب داحس والغبراء.

لقد ذهبت وأنت النطاس مداوي الجروح، في وقت لانجد فيه من يداوي الجراح، كان الجميع  يمالقون من أجل التقرب إليك، لا ليتعلموا منك الحكمة والاتزان  وبعد النظر، بل لأخذ الصور التي يستغلونها لتبيض صحفهم السوداء.

واليوم بعد أن نحروك، هاهم يركضون خلف نعشك من أجل أن ننسى ونصفح عن سيئاتهم.

 رحمك الله أيها البطل، فقد كنت قنديلنا، بعد ليالي أوسلو المظلمة.

 

  23 

كل عام وأنتم بألف خير

 

هذا ما أتمناه لنا جميعا على الصعيد الشخصي، وكذلك بل وأكثر على صعيد الأمة والأوطان، فمما لاشك فيه أن عام 2007 كان عاما مليئا بالنكسات والفشل؛ فلا نجاحات في مجال السياسة ولا الاقتصاد ولا السلام الداخلي، في مجتمعات تتآكل الطبقة الوسطى فيها  كما تتآكل ضفاف الأنهار الرملية أمام الفيضانات الجامحة.

وودعنا عامنا القاسي بالتذمر والشكوى وندب الحظ.  وهنا يجب أن لا نفتري على الحظ كثيرا، فقد كان إلى جانبنا في طفرة أسعار النفط، التي آمل أن لا تذهب كغيرها من الطفرات لتمويل حروب لا ناقة لنا بها ولا جمل.

وهنا لابد لي من أن أتذكر قول الشاعر:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

فشعوبنا سلمت زمام أمورها إلى حكومات غير مؤهلة وغير ديمقراطية، حيث أن هذه الحكومات أصبحت ترى في أي احتجاج أو رفض أو استنكار لأي مرسوم من مراسيمها التعسفية خروج عن طاعة ولي الأمر، يعاقب القائمون عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وبعد أن فقدنا الأمل بالتغيير من فوق، وأصبحت البرلمانات العربية تملأ مقاعدها حسب مزاج الحكام  ومصالح القوى الهامشية التي توافقت مصالحها ومصالحهم وأهدافها وأهدافهم.

هل نبقى على قناعتنا أن لا أمل بالتغيير من الأسفل، بعد أن وصلت المدارس إلى مستوى أشبه بزرائب الأغنام، وأضحى المدرس براتبه الضئيل أشبه بالراعي الذي لا يملك من  القطيع الذي يرعاه ولا حتى نعجة واحدة،  وأصبحت الجامعات البعيدة عن البحث العلمي أشبه بمدارس محو ألأميه. وأضحت السجون المأوى الأخير لكل صاحب رأي إذا ما فشل في الهجرة أو رغب عنها، وعاد رغيف الخبز ليحتل سلم الأولويات.

هل نحن في العام الجديد قادرون على مقارعة قوة من البيروقراطية استفادت وما زال وضعها في تحسن مستمر في غياب الشفافية والمحاسبة وسلطة القانون.

هل الإقطاع السياسي الذي انتشر من خلال رؤساء يجلسون على كرسي الحكم مدى الحياة ويصدرون القوانين التي تثبت وحدانيتهم ولياقتهم وأهليتهم لمرحلة لم تخلق لسواهم، وعندما يستبشر الشعب بالخير وأن منيتهم قد اقتربت،  تخرج عليك جوقات الممثلين والمهرجين واللصوص المتكاتفة مع الحكم لتقنعك  بأن ولده سيكون خير خلف لخير سلف.

وهنا علينا اليوم ومن هنا ومن بلاد المهجر أن ننظم صفوفنا ونوحد القوى الديمقراطية الوطنية منها والإسلامية، لنكون من هنا اليد القوية التي تساعد قوى المجتمع المدني المتناثرة على مساحة الوطن العربي لتستطيع مقارعة الظلم والتعسف والفساد، ونبني سويا وطنا لنا وللأجيال من بعدنا بعيدا عن التدخلات الأجنبية يواكب روح العصر بديمقراطيته وازدهاره العلمي والاجتماعي والاقتصادي.

 

  24 

 

نحن وغزة والحصار

 

غزة خرجت كما لم تخرج من قبل، خرجت لتقول للموت جوعا لا وألف لا، فإذا كان لابد من الموت فلسان حالها يقول: دعوني أختار كيف أموت. وغزة اعتادت على الموت  كما اعتاد عليه الفلسطينيون جميعا، دماء مباحة ومستباحة رغم كل ما يقال عن حقوق وقوانين وقيم يفرضها القوي على الضعيف.

وهذا الشعب الصغير بعدده، الكبير بأمته، أمته التي نسيته أو تناساه قادتها خوفا أو ترهيبا أو ترغيبا، قد تعايش مع الموت ومع مفرداته.. وأراد هذه المرة الإفلات من الموت الجماعي بعد أن مات الضمير العالمي، وأصبحت الأمم المتحدة ومجلس الأمن ألعوبة في يد الأقوياء.

هربت الجموع باتجاه مصر.. معتمدة على أنه إن نسي العرب حق الأخ على الأخ، فان ذاكرتهم مازالت قادرة على أن تتذكر حق الجار على الجار، وهكذا وجد الغزاويون قارب النجاة في دك السور الذي يفصل الرفحيين عن بعضهم، وكان ذلك عرسا قوميا وطنيا وحياتيا، كل أخذ منه ما يريد وكل فسره كما يريد.

الواقع الجديد فرض على المنطقة آلية جديدة؛  فكل أراد أن يستفيد ويتحرك إلى مركز  أفضل، ودعت القاهرة إلى اجتماع للمسؤولين الفلسطينيين من فتح وحماس، للاتفاق على صيغة جديدة لإدارة المعابر، ووجد أبو مازن الفرصة مناسبة لتكرار شروطه وإرضاء من يريد إرضائهم، وأصبح أبو مازن صقرا من الصقور الكاسرة في هذه المفاوضات التي يحتاج إليها الشعب الفلسطيني والأمة العربية بفارغ الصبر، في مواجهة العجز والإذلال أمام الطغيان والتعسف الإسرائيلي على بوابات المعابر من والى غزة.

والسؤال اليوم على كل لسان، ماذا يريد أبو مازن، ولماذا هذه السياسة ذات الوجهين؟؟.. سياسة الحمل الوديع والناسي والمتناسي لألام شعبه ومعاناته ودماء شهداءه وآلام معتقليه، والظلم الفادح في الاستيطان والحواجز والتنكيل والقتل بدون رادع أو مسؤولية.

مقارنة مع الوجه الأخر في رأب الصدع الفلسطيني الذي  نحن أحوج ما نكون فيه إلى الحكمة والاتزان ومراعاة الأولويات والقفز فوق الكثير من الجراح من أجل فلسطين، إذا كانت فلسطين الحرة المحررة والمستقلة بأقل ما يقال بها حتى حدود 1967 مع القدس كعاصمة لها، لماذا لا يشعر أبو مازن أن هذا الوطن للجميع؟ وأن ما حدث بغزة كان نتيجة لتراكم أخطائه وأخطاء من سبقوه ومؤامرات الاحتلال، وأن الظلم والتعسف سواء جاء من حماس أو فتح أو أي فصيل آخر فان نهايته معروفه، وإن كان غباء مقترفيه قد أفقدهم  رؤية المخاطر  وضخامة المسئولية.

وإذا ما استمر الخلاف الفلسطيني الفلسطيني واستمر كل فصيل يدافع عن شرعية كاذبة فعليهم أن يعرفوا أن الشرعية الحقيقية دفنت مع الشهداء في قبورهم، وتركت لنا الشرعية المزيفة التي يريدها أصحاب المصالح المادية والمكاسب  بعيدا عن آلام ومعاناة الشعوب.    

 

  25 

إمبراطورية غزة العظمى

 

شغلت أحداث غزة الأخيرة الصفحات الأولى في معظم صحف العالم، واحتلت الصدارة في نشرات الأخبار، وسيطر بعدها الإنساني على عقول الكثير  من المهتمين بالشأن العام. وكذلك على اهتمام الكثير من الناشطين في مجالات حقوق الإنسان، والرفق بالحيوان.

فجأة، تحول هذا الزحف الجائع، الخائف، المكون من مجموعات من المرضى الذين يبغون العلاج، وزوار  هاربون من الحصار، يودون العودة إلى البلاد التي جاؤوا منها، وجوعي يحلمون  بشراء حوائجهم اليومية مهما بولغ في أسعارها.. تحولت هذه الجموع المقهورة والمحبطة والمنهارة إلى غزاة، مجهزين بصواريخ القسام الفتاكة والأحزمة الناسفة والقنابل العنقودية التي تحملها طائراتهم، يهددون الأمن القومي  لمصر العزيزة على قلب كل عربي ومخلص، وانبرت الصحف والمحطات الفضائية في توظيف كل من يعرف ومن لا يعرف عن القضية الفلسطينية، والأمن القومي المصري، شريطة أن يكون حاقداً على العروبة وعلى المستقبل المشترك لهذه الأمة، ومؤمنا بحق إسرائيل بالوجود والاحتلال والتوسع، وأن يبين للجماهير العربية الخطر الكاسح والمصيري التي يمثله اختراق الحدود من قبل جيوش الإمبراطورية الغزاوية العظمى على السلم والأمن المصري، ومن بعده السلم العربي والعالمي!.

وهنا تذكرت حادثة ذات دلالة في هذا الشأن؛ ففي العشرينات من القرن الماضي، حين كان الزعماء العرب رغم اختلافاتهم السياسية يتزاورون، ويناقشون خلافاتهم بعيدا عن الصحف والإذاعة والفضائيات، قام أحد القادة في الجبهة الوطنية السورية، وهو الدكتور عبد الرحمن الشهبندر بزيارة إلى الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن، الذي أصبح فيما بعد ملكا للمملكة الأردنية الهاشمية، وعندما وصل إلى قرية من قرى سهل حوران في ذلك الزمن، يقال لها الرمثا، تقع على الطريق بين عمان ودمشق، تنبه الرجل إلى وجود لوحة تشير إلى حدود الإمارة الأردنية، فما كان منه إلا أن ترجل وطرحها أرضاً، ودخل على الأمير عبد الله غاضبا متسائلاً: أمن أجل هذه (يشير إلى اللوحة) قمنا بالثورة العربية الكبرى يا شريف؟!

واليوم غزة التي كانت على مسار التاريخ والجغرافيا جزءً من أمن مصر، أصبحت اليوم، وبخبرة أمريكية صهيونيه سلطوية تمثل الخطر الداهم على هذا الأمن!!.

 

 

  26 

هل هناك حرية رأي حتى يأخذوها

 

انتهت المهمات التي أوكلها الرؤساء العرب إلى وزراء داخليتهم بالنجاح والتوفيق، فهناك في تونس واحة الحرية الفكرية والسياسية والعقائدية!، استطاع هؤلاء الوزراء وعلى مدى سنوات من العمل الشاق والطويل على تدارس أحسن الطرق لمنع أي ازعاج لأولياء أمورهم، بتحسين الأنماط الجهنمية للتحقيق مع الخارجين عن بيعة السلطان، وتسجيل أسماء المشتبه بوجود موروثات ثورية أو سلفية، أو ممن يتوقون إلى نظام ديمقراطي يرفع شأن العلم والتعليم ويؤسس لدولة المؤسسات.

وبعد أن اكتملت  المهمة الشاقة وأصبح كل مواطن عربي يصل إلى حدود أي بلد عربي يعرف أن رجل الحدود هذا   أمام الكمبيوتر قد وضحت أمامه صورة هذا الزائر، وأمامه ثلاث احتمالات: أما أن يختم الجواز مع كلمة تفضل، أو عليك غدا ومنذ الصباح الباكر مراجعة دائرة المخابرات لاستلام جوازك (وهناك العديد من الخيارات في تللك الدائرة)، وإما أنت ممنوع من الدخول لأنك خطر على أمن مولاي السلطان.

وخلال انجاز هذه المهمة برزت على السطح قضية لم يكن جلادونا يحسبون حسابها، أجل لقد سيطروا على سياج مزارعهم بالشكل التام ولكن أن يأتي الخطر على موجات الهواء فهذا مالم يكن في الحسبان.

والآن يجتمع وزراء إعلامهم الميامين، لإصدار وثيقة شرف لا تحمل  من الشرف شيئا، تبتغي تكميم الأفواه ومصادرة الآراء والتجهيل والتعتيم. إنهم يملكون الكثير من العوامل المساعدة، فالمال الوفير قد تجمع في خزائنهم، وقوى الظلم والعدوان تشعر أن خسارتهم إنما هي خسارة لمصالحها وإستراتيجيتها، أما نحن والمطلوب أن نكون رؤوسا خاوية، فلن نستسلم وسنعيد صياغة إستراتجية جديدة على غرار نكتة أبونا.. حيث كان في أحد قرى جبل لبنان خوري "زفر اللسان" (يتكلم ويتهجم بشتائم سوقية عندما لا يعجبه أمر ما)  واحتجت الرعية على أسلوبه، وانقسمت القرية بين مؤيد ومعارض، وأخيرا اتفقوا معه على أن يضع بحصة في فمه حتى لا تفلت الكلمات النابية وتقلق من يقلق من سا ميعيها، وسارت الأمور على أحسن مايرام حتى جاء يوم إلى الكنيسة شخص لم يحترم ما اجتمع الناس عليه وأثار وجوده البلبلة، فما كان من الحشد أن هتفوا بصوت واحد يا أبونا بق هالبحصة (أي أبصق البحصة خارج فمك واشتم كما يحلو لك)..

والآن هل يحق لنا أن نشتم؟.. فقد حرمونا الأدب والفن والتعليم والأمن، وقبل هذا وذاك حرمونا لقمة العيش الهنية.

 

  27 

هل السلام المنشود سراب

كانت أوسلو استراحة محارب، لمن يعتقدون أن السلام مع العدو الصهيوني ممكن، إذا ما قمنا ببعض التنازلات الأليمة في محيط حق العودة والقبول بدولة في حدود 5 حزيران 1967.

ولا أدري إن كان هذا التصور  نابعا  من بساطة في التفكير وعدم فهم التاريخ بما حمل من معلومات عن أهداف وأمال وأيديولوجيات وتصورات لهذه الدولة المزروعة في الجسم العربي التي تخدم أهداف شريرة أقلها تمزيق الوطن العربي وفصل شماله عن جنوبه واستنزاف إمكانياته في حروب لانهاية لها إلا بتغيير ثقافته والتنكر لحضارته والرضوخ التام وغير المشروط لإملاءات أعدائه وجلاديه.

أقول هذا وأنا أراجع ما نتج عن المبادرة اليمنية التي نحتاجها لرص الصفوف ومراجعة المسيرة (الأسلوية) بما لها وما عليها، وكذلك مراجعة أسلوب المقاومة ونهجها والطريق الأنجع لتفعيل أدائها ورفع مستوى المقاومة بين صفوف الشعب الفلسطيني، وتنشيط وتنظيم الدعم العربي والعالمي ليرفد مسيرتها التحريرية.

فعندما وافق الرئيس جمال عبد الناصر على مشروع روجرز  هرع رئيس الدبلوماسية المصرية محمود رياض إلى الجنود المرابطين على قناة السويس يطالبهم بأقصى درجات الاستعداد والجهوزية لأن السلام المطلوب وحدوده ترسم من خلال ما نستطيع تحقيقه على الأرض من انتصارات وتنغيصات واستنزافات لعدو متغطرس مدعوم من قوى لا تقيم لنا وزنا.

وهنا لابد لنا في فلسطين من توحيد جهودنا لأن الطائر الفلسطيني لا يستطيع التحليق بجناح واحد، فقوته تكمن في جناحيه القويين اللذان يقودهم رأس حكيم ومتزن ومخلص يعرف مصلحة الوطن والمواطن ويحلق للوصول إلى الهدف بثبات ووعي كاملين.

وهنا نتذكر قول المتنبي:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلي

مضر كوضع السيف في موضع الندى

 

 

  28 

هل نحن واعون

لما يجري حولنا

الهموم العربية أصبحت أكبر من أن يتحمل مسؤوليتها رئيس أو مسئول أو مؤسسة كالجامعة العربية، التي انبرى الجميع على قذفها بالحجارة بعد مؤتمر قمة دمشق. فالعمل العربي المشترك والأمن العربي المشترك والمستقبل العربي المشترك، وضعوا  جميعهم في ثلاجة تحت درجة شديدة البرودة، أما في منتجع طابا أو منتجع شرم الشيخ، وممنوع الوصول إليهم تحت طائلة العقوبات الاقتصادية، وهدم القصور على رؤوس الحكام وتجميد الأرصدة التي سرقت من الشعب الكادح أو الثروات المنهوبة، وتقليب فئات الشعب وتجييشها ضد بعضها وتمزيق الأوطان أو احتلالها. لقد أدخلونا إلى القفص في اتفاقات كامب دفيد، وادي عربه وأوسلو، وأجزلوا لنا العطايا والهبات بحيث استراح الكثير من اللا مسئولين أن حساباتهم البنكية سوف تبقى في نماء مستمر يقيهم وذريتهم شر الجوع وجور القدر، ونام مثقفونا وروادنا على فراش من حرير وهم يناضلون ضد هذه الطبقات الطفيلية أما من الداخل وبخجل شديد أو من الخارج مدعومين أحيانا من منظمات معروفة دوليا بانحيازها ضد مصالح شعوبنا، أو معتمدين على تنظيمات عربية تصرف من أوقاتها في معالجة خلافات أعضائها الكثير من الوقت والجهد، والتي هي بأمس الحاجة إليه للتوعية والتنظيم والقيام بالمبادرات الخلاقة التي يمكن لها أن تتبلور على شكل مشروع وطني إنقاذي.

إن الجراح المفتوحة والتي تحتاج إلى التدخل العربي الجماعي بهدف الحل سواء كان ذلك عن طريق الجامعة العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو أصحاب معاهدات السلام والوئام العربي الإسرائيلي، أو جبهة الاعتدال والحكمة برئاسة المملكة العربية السعودية، كما يحلوا لهم أن يسموها  أو جبهة المدرسة الأمريكية كما يسميها نسبة لا بأس بها من الشعب العربي.

لقد فشل مؤتمر دمشق أو كاد أن يقارب الفشل بسبب المبادرة العربية حول لبنان، وهل كانت لبنان يوما ما بدون خلافات ومناحرات، دولة تعيش على المحاصصة الطائفية في زمن العولمة، دولة يحكمها أمراء حرب أهلية حصدت الأخضر واليابس، وهدمت بلدا كان يمكن أن يكون نموذجا للتعايش بين أبناء الوطن، هذا الوطن الذي فصل عن أمه بقوة جبروت المستعمر وأهدافه التي مازالت تتحرك وتبدو ظاهرة للعيان في كل خلاف سياسي أو غير سياسي يطفو على سطح الممارسات العادية لأصحاب النفوذ.

فسوريا جزء من لبنان كما أن لبنان جزء من سورية، أمنهما واحد وهمومهم أكثر من واحدة، فإذا عطس لبنان أصيبت سورية بالحمى والالتهاب الرئوي، وهنا يطلب من سورية أن لا تتدخل وأن تترك التدخل للآخرين  ليشعلوا بيدر لبنان وتحترق بلهيبه سورية والمنطقة بكاملها وبعد ذلك لا نجد من له مصلحة بإطفائها.

أما العراق الهم العربي الكبير والجرح المفتوح لكل المكروبات الفتاكة، فلا يجد يدا عربية واحدة تمتد إليه، رغم أن العرب لم يتفقوا يوما خلف أمريكا كما اتفقوا معها على ذبح العراق، وكانت حجتهم في ذلك ديكتاتورية صدام حسين والتي كانت أقرب شبها إلى ديمقراطياتهم المزيفة.

ألا يستحق هذا العراق الذي ساعدوا في تمزيقه وتركه نهبا للنزاعات الطائفية والشعوبية والتدخلات الأجنبية الإيرانية والاحتلال الأمريكي الصهيوني المدمر، من يمد له من العرب  يد المساعدة والعون، أم أن الصديقة أمريكا لن تسمح لأنها ترى انفرادها في العراق حق مشروع  لها، وكذلك أيضاً الحال في لبنان.

أليست نار الفتنة الطائفية والشعوبية التي اكتوى العراق بنارها نموذجا لما يمكن أن تصدره أمريكا إلى جيران العراق، هل الحكام العرب في غفلة عما يجري حولهم، أم أنهم غير قادرين على استيعاب الدروس والمحن، وإذا كانوا قد فقدوا الشعور بالمسؤولية القومية والأخلاقية تجاه جيرانهم في العراق، فليشعروا بالمسؤولية تجاه شعوبهم في بلدانهم ومحمياتهم، لأن نار الفتنة الطائفية في العراق سوف  تحرق المنطقة العربية  شرق البحر المتوسط وحول الخليج.

 

  29 

رحم الله

عبد الوهاب المسيري

 

ورحم الله من قال:

وكم رجل يعد بألف رجل، وكم رجل يمر بلا عداد.

كان المسيري رجل حكمة وفكر، وكان همه منذ نعومة أظفاره المعرفة، وقد تنقل في رحاب المعرفة وتمتع بثمارها، فبدأ مع الفكر الماركسي، وتشعبت معارفه وأهواءه، استثمر كل ما لديه من طاقه في ميادين المعرفة

حتى أصبح واحدا من مفكري أمته وعلما من أعلامها، وانحاز إلى حضارته ودافع عن ماضيها العريق دون أن يخشى النقد لحاضرها وعناصر جهالاتها، انحاز إلى الفلاح والعامل المعدم على أرض الكنانة، كما انحاز إلى محمد الدرة وجيل المقاومة بالحجر، وبقي إلى جانب المقاومة حتى عندما وسموها بالإرهاب. كانت همومه أكبر من قدرة جسمه على الاحتمال.

ورأى العراق القوي يذبح وبعض ذابحيه من أهله، ورأى الجزائر بلد المليون شهيد وشهداؤها يسقطون على أيدي أبناء جلدتهم لا لشيء سوى الجهل والأنانية.

حاول أن ينفخ في هذه الأمة من خلال ما كتب وترجم وألف، وحاول أن يعيد للعقل مكانته وللعلم سطوته ونفوذه

ولكنه رحل والمعركة على أشدها بين العلم والجهل والعقل والأهواء والولاء للوطن والولاء للدخلاء.

رحمك الله ايها الفارس فسوف تبقى رايات هذه الأمة، التي كنت من أبرز المدافعين عنها خفاقة؛ في العراق وفلسطين، في لبنان ومصر، في الأردن والشام، في اليمن والخليج، وفي مغربنا العربي قاطبة.

رحلت عنا ونحن بأشد الحاجة لأمثالك، ولكن مآثرك ومناقبك لن تنسى.

 

  30 

عصر انحطاط!

هل نحن في عصر انحطاط فلسطيني بامتياز، بعد أن غزا هذا الانحطاط كل ما يحيط بأمتنا حتى الهواء لم يعد صالحا للتنفس.

ولولا بعض النجاح الذي تحققه كوكبة من الفرسان ما تزال رافعة لرايات الدفاع عن هذه الأمة ضد الهجمات المدروسة والمعروفة من زمن طويل بأهدافها التي ترى أن أي تقدم لهذه المنطقة خطر على هيمنتها ومصالحها وحتى شيفونيتها التي لا تريد الاعتراف بالأخر ندا لها، بل عبدا عليه السمع والطاعة لكان حالنا اليوم أسوأ مما يمكن للعاقل أن يتصوره.

وكما أصبح معروف للأعداء كما للأصدقاء، أن السلم والحرب في منطقتنا العربية ينبع من الصراع العربي الإسرائيلي، وأن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات كان على الدوام حاملا للشعلة ومتصدرا للنضال مع أبناء أمته الذي يتطلعون إلى وطن عربي حر وقوي له مكانته بين شعوب الدنيا.

ولكن في الآونة الأخيرة بدأ العد العكسي لمسيرة النضال وأصبح كل عاقل في هذه الأمة حزينا لما آل إليه النضال الفلسطيني من انزلاقات ومناكفات وحتى عداوات يمكن في مجملها أن تقود إلى ضياع القضية المقدسة وسط الضباب الذي ينشره المتاجرون بها من إسلاميون وفتحاويون تركوا الوطن نهبا لغطرسة الأعداء وشمروا عن سواعدهم لمعركة داحس والغبراء، ونسوا أو تناسوا أن السجن الذي يتقاتلون على زعامته لاحق لهم في امتلاك مفتاحه، كما أنهم نسوا الحروف الأولى من مبادئ النضال الوطني وهي أن الظلم والقهر والتعسف الذي تمثله فتح وحماس كل في محميته ويكابد من جرائه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات بدأ يضعنا على طريق آخر غير طريق التحرير، وأصبح المواطن العادي الذي حمل السلاح يوما ما من أجل قضيته إما ملاحقا أو ملاحقا (بفتح الحاء وكسرها) حتى أن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان باتت تقارن بين ما تعرض له شعبنا على أيدي الاحتلال وما يتعرض له اليوم من أبناء جلدته.

إننا هنا نصرخ بصوت عالٍ ضد أهل السلطة الذين اغتصبوها من فتح الثورة والنضال والذين لم يحترموا إرادة شعبهم في تجربته الديمقراطية، وكذلك ضد ضيق الأفق والتناحر الكيدي وغياب الأفق السياسي لبعض المنطويين تحت راية حماس. ونقول للجميع أن كل فلسطيني هو هدف إسرائيلي للتدمير والقتل فلا تجعلوا أعمالكم مطية لتنفيذ سياسة إسرائيليه مشرعة فوق رقابنا.  

إن الوضع الحالي لن يقود إلا إلى خسارتنا لجميع الانتصارات التي حققناها حتى اليوم، والى إيصال شعبنا إلى مرحلة من اليأس والضياع والقنوط.

إن الصور التي تبث من خلال الفضائيات لرجال الشرطة في غزة ورام الله وهم يقتادون منافسيهم أو منتقديهم لا تنم عن أي حس حضاري أو وطني وإنما تعطي العدو الفرصة للعبور من هذه الثغرات إلى كل مكامن الضعف فينا حتى يجهز على البقية الباقية من وحدتنا وتماسكنا وإرادة المقاومة فينا.

إن التعسف الذي يمارس في المحميتين في الضفة وغزة سيحيل الإنسان الفلسطيني إلى عبد خنوع مهيض الجناح، وهذا النوع من المواطنين لا يستطيع أن يحمي نفسه ولا أن يدافع عن حقوقه ولا يمكن أن يكون مناضلا لوطن هو فيه مسلوب الإرادة والحرية.

وهنا نناشد القوتين الفاعلتين على الساحة الفلسطينية وعلى كوادرهما الشريفة والعاقلة، التصدي لهذا الانزلاق الخطير قبل فوات الأوان.

 

  31 

غياب القيادة الحكيمة

 

عندما أتصفح الصحف في الصباح الباكر اشعر بالتعاطف مع محرري الأخبار  في صحفنا العربية، فمنذ زمن لا بأس به لم يعد هناك سياسة عربية ولا حتى تعاون عربي أو إقليمي، وفقط وبزيارة كونديزا رايس تصحوا المنطقة من غفوتها، إما على توزيع الجوائز على المتفوقين في خدمة سياستها أو التهديد والوعيد، وأقل ذلك التنديد بمن لم ينفذ ما طلب منه على الوجه الصحيح.

وأصبح كل ما يصدر عن حكوماتنا منوط  بتصريح من مصدر رسمي أما ينفي أو يشجب أو يتبرأ، أو يصرح بعد علم حكومته بهكذا تصريح، أو مماحكات صبيانية لا تلبث أن تهدأ عندما يتم الاتفاق على ما يدور حولها في دوائر صنع القرار الأمريكية الأوربية. وعندما تهرب إلى وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة ترى مالا يسرك وتسمع مالا يطربك، وجوه محنطة قد نسيها الموت (في زحمة عمله في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان ولا ننسى الجزائر ولبنان)، فأخبار الموائد والاستقبالات لاتهم المواطن العادي بشيء  فكيف بمن يتوق منهم إلى التصدي للأخطار والأمل بخطط لمجابهة مستقبل مظلم وقاس.

فأزمة أولمرت وحكومته، وتصريحات الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة ضد إيران، وليس آخرها الاستعدادات الإسرائيلية لضرب إيران تسيطر على فضائياتنا. ولا أريد أن أعرج على القوقاز وأصوات المحللين والصحفيين من عرب ومستعربين وسياسيون انتهت مدة صلاحيتهم للإدلاء بالرأي السليم، إلا أنهم مازالوا صالحين لأضواء الفضائيات العربية.

وبعد هذه المقدمة المحبطة، أسال نفسي  إلى أين؟ وإلى متى؟ وماذا بعد هذا الذي نراه ولا يصدقه عاقل.

دولنا تتحطم وتتمزق ونحن ننظر إلى الوضع وكأن ما يحدث في عالم آخر،  أين وحدة السودان ووحدة أراضيه، أين وحدة لبنان ووحدة شعبه، أين وحدة الاهتمام بقضية العراق التي تكالبت عليه كل قوى المنطقة ونحن نراقب الوضع بعيون عاجزة عن التعبير، أين نحن من حصار غزة، وأين نحن من ردم الأنفاق التي توصل الهواء إليها، أين أموال النفط في مد يد العون لشعب مصر الذي هزمه الفقر والفساد والاستبداد، أين استثماراتنا التي تعين الشباب على إيجاد فرص العمل، أين استثمارات دول الخليج في مشاريع استراتيجيه تستقطب شريحة مهمة من شرائح أمتنا تربت في الغرب واستفادت من الخبرات المتوفرة لديه ،وأما جامعاتنا التي تعيش بدون أبحاث وبدون مختبرات وبدون تبرعات من أموال النفط لدعم الأبحاث والتطوير فمصيرها أن تتحول إلى كتاتيب لمحو الأمية.

إننا عاجزون ومشلولون وفاقدون للإرادة، متخلفون في كل ما يمت إلى العلم  والحضارة والمنطق السليم. فليست لنا القدرة على تجنب ما حصل في العراق وليست لدينا الرغبة للتحاور مع الجارة إيران، وليست عندنا الإرادة لفرض الحوار الفلسطيني، وليست لدينا النية في مساعدة محاصري غزة. وليس لدينا الجرأة على المصالحة الجزائرية المغربية، كل هذه المشاكل أوصلت العمل العربي المشترك إلى ثلاجة الموتى في ساحة دولية لا مكان فيها للعجزة والأموات.

هذا هو طريق الهلاك والاندثار والزوال ولا عجب، فكل من سار على هذا الطريق وصل إلى هذه النتائج.

أين بابل وأشور والفراعنة وروما والمغول ومملكة الإسكندر وخلافة الأمويين والعباسيين والفاطميين وآل عثمان وإمبراطورية النمسا ومملكة هتلر، لقد غابوا جميعا عندما غاب الرأي الحر والقدرة على البناء للمستقبل وقبل هذا وذاك غياب القيادة الحكيمة التي تستنير برأي النيرين والمتنورين من أمتها من أجل حاضر آمن.

 

  32 

 

نحن وإيران والعالم

مبروك على إيران ثورتها، وكذلك ألف مبروك لها تقدمها العلمي، باتجاه كل ما من شأنه رفع قدرها بين ألأمم.. هكذا تكون الدول التي تحترم نفسها وتتقدم إلى الأمام، من أجل أن يكون لها الكلمة العليا في تحديد مستقبلها؛  غير آبهة بالتهديد والوعيد.

هناك الكثير مما يجمعنا إلى الشعب الإيراني، الجار المسلم، وهناك خلافات ونزاع على الأراضي والنفوذ يمكن أن تحل وبسهولة، إذا كان المسئولين من الطرفين على نفس القدر من الوعي للتحديات والمطامع والأخطار التي تتربص بهم جميعا، وبمنطقتهم ومواردهم وطاقاتهم ومستقبل أجيالهم..

ولكن لنقارن مسيرتنا نحن العرب على طريق التقدم والديمقراطية والتصنيع، ومسيرة جمهورية إيران الإسلامية.

من سوء الحظ والعمى السياسي لدى الطرفين أن يبدأ عهد الجمهورية الإسلامية بحرب ضروس بين إيران والعراق، أتت على الأخضر واليابس، واستنزفت قدرات العراق وإيران ومعهما مدخرات الخليج، ولتخرج العراق وإيران من هذه الحرب مدمرتين داخليا، تترنحان تحت عبء الديون الخارجية، مما أسس لحرب الخليج الأولى وسهولة الاستفراد بالعراق في حرب الخليج الثانية، وتصفيته بشكل أضعف الأمة العربية بشكل مفزع وألغى أي كلام عن توازن للقوى في المنطقة، ودفعت دول الخليج من أرصدتها واضطرت أن تستدين، ولتفوز أمريكا وإسرائيل بالربح المادي والاستراتيجي الوفير، ولتكرس حكم الفرد والشلل والعصابات في الوطن العربي، ولتنتشر موجة من السخط أخذت شكل الإرهاب في النهاية، وقضت على الكثير من الأحلام بمستقبل معقول وليس مزدهر بالنسبة للأجيال القادمة.

أما إيران فقامت من كبوة الحرب وخسارتها لها، وبدأت في بناء صرح دولة حديثه، فبنت نوع من الديمقراطية يناسب أيديولوجيتها وتشبثت به، فهناك برلمان إيراني منتخب، حتى لو رأى البعض أنه من لون واحد. وهذا مما لاشك فيه، ولكنه من أطياف متعددة ولها مصالح وأوليات مختلفة، ولكنها تصب في النهاية في خدمة الدولة والشعب الإيراني من أجل المستقبل  الواعد، حيث يعيش فيه الفرد الإيراني دون خوف على  غده ومستقبل أبنائه.

أما  سدة الرئاسة فقد تناوب عليها عدد لا بأس به خلال الثلاثون عاما الماضية، بينما بلادنا مازالت تهتف.. إلى الأبد.. إلى الأبد.. لكل زعيم يجلس على كرسي الرئاسة وحوله عصابة من المستفيدين والمتزلفين، وتصبح وسائل الإعلام وكأنها لا عمل لها سوى تمجيده والتحضير لخليفته المنتظر، فان لم يكن من نسله  فلولد محظيته الحظ الأوفر، وهنا نتساءل: أليس لإيران أطماع  وسياسات قد نختلف معها وقد نتفق، نعم، وأي عاقل لا يقول بغير هذا، فكل العلاقات الدولية تبنى على المصالح، وبقدر قوة هذه الدولة تستطيع المحافظة على مصالحها والتمتع بأفضل المزايا ضمن المعاهدات والاتفاقيات التي تعمل على انجازها، وهذه الاتفاقيات تحدد مصير العلاقات بين الدول، أما الخوف من ملء الفراغ والخوف من النفوذ،  فهذا أمر واقع لا يمكن التصدي له إلا بقوة دول لها منهاج ذاتي، وتبني قدراتها  بشكل يقضي على الفساد السياسي، منهاج يمهد الطريق لبناء الدولة الحديثة القوية، التي تستطيع المحافظة على استقلالها، ويطلق العنان للقوى الفاعلة في المجتمع، لتحقيق الكثير من الأماني والأهداف النبيلة،  وها نحن نتابعها اليوم كأضغاث أحلام في ظل حكومات مستبدة وفاسدة.

إن قوة إيران قوة لنا، إذا عرفنا كيف نتعامل معها، ونبني معها المصالح المشتركة، ونوضح لها تخوفاتنا ونعمل من أجل بناء جبهة داخلية قوية ومتماسكة ليس من السهل اختراقها، وإقامة دولة الحق والقانون في مجتمعاتنا، بحيث يصبح ولاء المواطن للوطن أولا وأخيرا.

وفي الختام لابد من التنويه، إلى أننا فقدنا القدرة على الحركة في عالم متسارع الخطى لا يأبه  إلا بالقوي الذي ينافسه على النجاح والصدارة.

 

  33 

والآن جاء دور السودان

 

السودان سلة الخبز العربية، هذا هو الشعار التي تعودنا على سماعه دون أن نستطيع  تحويله إلى واقع يستفاد منه، كانت مصر في يوم من الأيام، تعتبر أن السودان ابتداءً من جنوبه ـ ومن منابع النيل بالضبط ـ هي مركز الأمن القومي المصري، هذا  ما خبره محمد على باشا وعمل على تثبيته في السياسة المصرية قبل مائتي سنة،  أي قبل أن يتحول هذا الأمن القومي المصري إلى حدود غزة وبوابة رفح بزمن طويل.

إن ما يجري على أرض السودان ليس بجديد، فمنذ بدأت مصالح إسرائيل تتصدر واجهة المصالح الأمريكية، ومنذ أصبحت الولايات المحتدة الضامنة لأمن إسرائيل،   خرج إلى النور برنامج أمريكي واضح المعالم، يعمل على إتمام ما فشلت به "سايكس بيكو" أو لنقل في أحسن الأحوال إتمام ما لم تستطيع إتمامه على عجل.

لقد بدأ الغرب بمقارعة ثورة يوليو منذ ألأيام الأولى، وعندما بدأت هذه الثورة تخطط من خلال برنامج وطني طموح لبناء السد العالي والتصنيع ومجانية التعليم وتحرير الفلاحين من يد الإقطاع وتسليح الجيش.

سعوا لإفشال هذه التجربة من خلال حرب عام 1956، التي خرجت منها الثورة المصرية منتصرة، واستطاعت أن تجمع حولها أحرار العرب والعالم، فكانت ضد حلف بغداد حتى قضي عليه، وكانت ضد الإنزال الأمريكي في لبنان حيث فشل، وكانت ضد مشروع إيزنهاور حتى دفن، وكانت مع ثورة الجزائر والجنوب العربي واليمن حتى تم خروج  المستعمر من أراضيهم، وفي هذا المد الوطني والقومي قامت الوحدة بين مصر وسوريه، وأسس لدول عدم الانحياز في باندونغ، وهنا شعر الأعداء أن أمتنا بدأت تملك زمام أمرها، وأصبحت الآمال العربية على الطريق الصحيح.

ومن هنا بدأ الهجوم المضاد، فقضي على الوحدة بين مصر وسوريا، وبدأت حرب استنزاف لمصر في اليمن، وتعرضت سوريه والعراق إلى موجة من الانقلابات وعدم الاستقرار السياسي، مما أوصلنا إلى الوضع الذي أصبحت معه هزيمة 1967 أمراً حتمياً.

وخرجت الأمة من الهزيمة تلملم جراحها، وتجمع قواها وتعيد بناء نفسها، ووقفت الأمة العربية في الخرطوم رافضة نتائج الهزيمة، وعاملة من أجل أن تكون سيدة في منطقتها وعلى أرضها، وبدأ تعاون جلي بين الدول العربية البترولية ودول الطوق، وكان انتصار 1973، الذي توج باتفاق كامب ديفيد الذي أخرج مصر من دائرة الصراع  العربي الإسرائيلي.

وعندما تخلى الأمريكان والإسرائيليون عن صديقهم شاه إيران، حيث أصبح يشكل قوة غير مرغوب بها.

وعندما جاءت ثورة إيران الإسلامية بقيادة الخميني، وجدوا في حرب إيران والعراق الفرصة المواتية لدفن هاتين القوتين ومعهم المدخرات البترولية الخليجية، واستمرت هذه الحرب ـ التي أطلق عليها بحق الحرب المنسية ثمان سنوات كان المستفيد الأول منها إسرائيل.

وهكذا أصبح العراق فريسة سهلة بعد حربين ماحقتين وحصار ظالم لم يعرف له العالم مثيلا. وهكذا شطب العراق بعد مصر من دول الموجهة.

والآن جاء دور السودان الذي كبلوه بحرب أهلية طاحنة بين الشمال والجنوب، شلت قدراته على متابعة التنمية،  وحل المشاكل الناتجة عن الجفاف والمراعي والهجرة،  بفعل التطاحن السياسي الداخلي، والمشاكل المتفاقمة مع دول الجوار، والتدخل الأجنبي، وخاصة بعد ظهور البترول في الجنوب ودارفور.

والآن بعد أن أصبح السودان قاب قوسين أو أدنى من التقسيم.

ـ هل ستكون الجزائر والسعودية واليمن جاهزة  لنفس المصير؟ أم أن هناك فسحة في العقل العربي لتفادي النكبات، وما يبيت لنا من مشاريع خبيثة تفقدنا استقرارنا ووحدة شعبنا وتنمية موارده الوطنية.

 

  34 

 

في ذكرى النكبة

مع متابعتي لفعاليات الفلسطينيين في الداخل، والجاليات العربية في الخارج، بمناسبة مرور واحد وستون عاماً على النكبة الأولى، سألت نفسي أي النكبات أولى بالذكرى، وأي النكبات تستحق أن نقف أمامها لأخذ الدروس والعبر؟ وهكذا وجدت أمامي سيلاً من النكبات؛ بدأت منذ النكبة الأولى، وتسلسلت بعدها ذاكرتي الضعيفة باستحضار بعض ما تختزنه من نكبات، وبدا لي الأمر، وكأن بناءً متصدعاً واجهته رياح عاتية، فانهار السقف ثم النوافذ والأبواب، وبدأت الحجارة المتصدعة تلاحق الانهيار وتتسابق إلى الحضيض. فتحت عيوني على النكبة الأولى قبل واحد وستين عاماً، ورأيت هذا العدد الكبير من الفلسطينيين يهجرون ويهاجرون إلى محيطهم العربي الفقير، فيحتضنهم هذا المحيط على أنهم جزءاً منه رغم الإمكانيات الاقتصادية الشحيحة. ثم طاف بي قطار الحياة، لأرى من النكبات ما لم يكن يخطر لي على بال. ولأرى ثلاثة آلاف لاجئ فلسطيني من العراق لا يجدوا على ساحة الوطن العربي من ملجأ، فتحتضنهم أمريكا اللاتينية. لنرى جيوشنا تفشل في ساحات القتال، فتترك العمل العسكري لتتحول إلى قيادة سياسية، ثم لتستمر في الفشل السياسي والعسكري، لينتج عنه فوضى اقتصادية واجتماعيه وتعليمية، ولتتحول إستراتيجية هذه الجيوش من استراتيجيات الدفاع والهجوم في ساحات المعارك دفاعا عن الوطن، إلى استراتيجيات المحافظة على الحاكم ودرء أي انقلاب مناوئ، ومحاصصة قوى في خيرات وطن لا يهمها من أمره شيئاً، ولنصل إلى مجتمع ينفصل ماضيه عن حاضره، وينغمس في نزاعات داخلية ونقاشات سفسطائيه، تهدر قواه وإمكانياته وتحوله من قوة مهابة إلى غنيمة يتقاسمها الأقوياء. نكبة 1948 التي لم نستوعبها ولم نعطها حقه؛ لأن استيعابها كان يقتضي منا شعوبا وقبائل ومسئولين، أن ندرس أسبابها ومسبباتها، ونستخلص العبر ونحصن مجتمعاتنا من كل الآثام والمسببات التي قادتنا إليها. فنحارب الفساد والفاسدين وننبذ الفرقة والمفرقين ونبتعد عن الجهل والجاهلين، ونبي أنموذجاً للحكم يتحمل فيه الجميع مسؤولية الوطن، ويتمتع الجميع بحق المواطنة. نبني الأجيال من خلال المدارس والجامعات ومناهج التعليم المتقدمة ومراكز الأبحاث المتطورة، وحرية الفكر التي لا تترك الفرصة للعقل أن يتحجر، وللأفكار أن تصبح آسنة ومجترة، علينا استعمال مخزوننا الحضاري لصنع مستقبل زاهر لنا وللأجيال من بعدنا، يكون للمؤسسات القانونية ومنظمات المجتمع المدن، ومن ثم الديمقراطية والشفافية، الأولية في صنع قراراته. نكبتنا الكبرى في أنفسنا، لأننا لم نستوعب الوطن، ولم نحبه بالعقل والجوارح ولم نتعامل معه كوطن وأم لنا جميعاً، نستشعر دفئه، ونتغزل بحنانه، ونسعى من أجل عزته وتفوقه وسؤدده. لقد تعاملنا مع هذا الوطن وكأنه مزرعة فردية الملكية، للحاكم وزبانيته والمحسوبين عليه. ولذلك شعر عامة الشعب أنهم ليسوا معنيين وأنهم في وطن يفرض على كاهلهم الواجبات ولا يعطيهم مقابلها شيئاً من الحقوق، وإن حصل، فهي منة من الحاكم يسترجعها متى رأى ذلك ضروريا لوجوده. نكبتنا أيضاً أن هذه العقول التي تخرجت من جامعات أشبه ما تكون بمدارس محو الأمية لم تستوعب أن العلم بحر لا تعرف له شواطئ، وأن الدولة هي مؤسسات تحمي الفرد وتقومه وتسهر وتعمل من أجل الخير والنجاح والعزة له وللشعب والأمة. عندما نستوعب دروس النكبة، سوف نحمي أنفسنا من الكثير من النكبات المتربصة بنا، وسوف نجد أنفسنا متحدين أمام المصاعب والأزمات أقوياء في اقتصادنا وعلومنا وقيمنا وجيوشنا، ولنا مكانتنا على هذه البسيطة، لا يستطيع أن ينازعنا فيها وعليها غاصب أو دخيل.

 

  35 

 

انتخابات البرلمان الأوربي

 

هل سنبقى بعيدين عن التفاعل مع الديمقراطية المتاحة لنا في بلدنا التي نعيش فوق أرضها،  حيث نعيش ونعمل ضمن قوانينها، والأطر التي صاغها ممثلوها في مجالس صنع القرارات، من برلمانات ومنظمات أهليه حكومية أو غير حكومية.

 إننا نتوق إلى الديمقراطية ونتغنى بها، وننسب جميع مشاكلنا في أوطاننا التي نشأنا فيها إلى عدم ممارسة هذا الحق، الذي أصبح في الغرب ركنا أساسياً من أركان النظام السياسي، فمن خلال صناديق الاقتراع يتحول الحكم من يد حزب إلى حزب آخر، و من تكتل أحزاب إلى تكتل أحزاب أخرى تتفق فيما بينها على قواسم وبرامج مشتركة.

إن مشاركة الجاليات المهاجرة في العملية الديمقراطية يعطي هذه الجاليات القدرة على بروز تيار ضمن هذه الأحزاب سواء كانت في الحكم أو في المعارضة للدفاع عن مصالحها ووجودها، من خلال صياغة القوانين التي ترعي حقوقها في العمل والإقامة وعدم التمييز بينها وبين غيرها، بسبب اللون أو الدين أو العرق أو حتى غطاء الرأس.

أتمنى على  الجميع في الجاليات العربية والإسلامية أن لا يدعوا فرصة تفوتهم من أجل إظهار قوة أصواتهم في صناديق الاقتراع، بحيث تعكس هذه القوة تمسكهم بالديمقراطية وتقوية معسكرها، في وجه المعسكر العنصري الذي يحارب وجودنا، ويقنن علينا الحقوق التي  ينص عليها الدستور وتبيحها لنا القوانين، وذلك من خلال إثارة البغضاء والكراهية والعنصرية.

إننا نستطيع مقاومة هذا التيار عندما ننتخب القوى المناوئة له ولبرامجه، ونعمل على تشجيع ودعم القوى الداعمة للتعايش المشترك والتسامح الديني والحضاري.

إن هناك من الأحزاب شخصيات معروفة بتصديها للأبواق والهستيريا العنصرية، وبتبنيها للحقوق العادلة لشعبنا في فلسطين والعراق، وذلك من خلال تصريحاتها عندما نتعرض للعدوان أو من خلال زياراتها المتكررة لغزه المحاصرة، وكسر مبدأ عدم التعامل مع الحكومة المنتخبة شرعيا هناك.

إنني أهيب بجميع العاقلين والمهتمين من الذين يحق لهم ولأبنائهم حق الاقتراع أن لا يفوتوا هذه الفرصة حتى لا ندع للتيار العنصري القدرة على التفوق وتنفيذ مشاريعه في تقييد حريتنا في العمل والعبادة والتمتع بجو حضاري متسامح يعيش فيه الجميع في وئام، حتى يتسنى للأجيال القادمة أن تعيش بعيدة عن الخوف والكراهية والعنصرية.

إن بروز جاليتنا كقوة مهتمة بالمسار الديمقراطي وبممارسته من خلال حقها في الانتخاب، سوف يوجه الأنظار إليها ويعمل الجميع على طلب ودها، ففي اللعبة الديمقراطية كل صوت له وزنه وقوته، وفي المقابل له مطالبه ومصالحه، وإن عظم شأنه فله لوبيات ترعى تلك المصالح وتوظف هذه الأصوات وصناديق الاقتراع  لترعى من خلالها مصالح هذه الجالية في الداخل والخارج.

 

  36 

المصير المحتوم

 

نحن نعيش في منطقه غنية، وموقع استراتيجي هام،   والله وحده يعلم إلى أين نسير؛ فالقيادات السياسية في هذه المنطقة استطاعت  وبدرجة عاليه من الدقة أن تلغي كل أشكال المشاركة الشعبية في الحكم، واستبدلت الشعب كله بطبقة من المرتزقة والمنافقين والمتزلفين، واستطاعت هذه الطبقة أن تحاصر الحاكم كالسوار الملتف على المعصم وأن تصور له أن رغد العيش الذي تنعم به ينعم به الشعب كله، وأن عبارات الثناء والمديح والتزلف التي اعتادت على تداولها في حضرة الحاكم ماهي إلا السيمفونية التي تعزف للحاكم من قبل الشعب الشاكر لنعمة الله الذي وهبه هذه القيادة الحكيمة، وأما الأصوات المحذرة من مغبة انحدار التعليم وغياب فرص العمل وعدم المشاركة الشعبية ماهي إلا أصوات مأجورة تتعامل مع العدو الصهيوني وأعداء البلاد من امبرياليين وطامعين وحاسدين، وأن السجون هي المكان الطبيعي لمثل هؤلاء المتطاولون، والأحكام العرفية هي اللغة الوحيدة التي يفهمونها وتستطيع أن تريح البلاد والعباد من شرورهم.

ونتيجة لهذه السياسة العمياء، انقسم الشعب بين حاكم ومحكوم، واتسعت الفجوة والجفوة وتعطلت لغة التفاهم واستبدلت بأنواع من الشك والريبة والحذر، وأصبحت دوائر الأمن والمخابرات هي دوائر الاتصال بين الحاكم والمحكوم، وهنا عرف العدو مكامن العجز والضعف لدينا، وهنّا عليه ووجدنا طعما سهلا بعد أن كان يخشى وحدتنا وقوتنا، وبدأ بالضغط علينا من مكامن الضعف،  وأصبح الابتزاز وسيلة الفاهم من قبل أعدائنا، وأخذوا يفرضون علينا كل ما يرون أن الفرصة سانحة لفرضه، وباتت الظواهر الاجتماعية السيئة تتفشى في المجتمع؛ فنهب المال العام، وترهل جهاز الدولة وندرت الخدمات، وتفشت الرشوة والفساد، وتحولت المدارس التي تربي الأجيال من خلال منشآتها ورجالها أقرب إلى المؤسسات الاجتماعية التي ترعى المتخلفين، وأصبح المعلم الذي كان العمود الفقري في عملية بناء الأجيال أشبه بالمتسول، لا يستطيع أن يقدم لأسرته لمتطلبات الأساسية  التي تعينها على الحياة الكريمة، وبذلك حق عليه القول فاقد الشيء لا يعطيه.

وبهذه الطريقة عاد المجتمع إلى عصور الجهل والتخلف وضاعت القيم التي كان يلتف حوله ويؤمن بها، وأصبح الشعب كقطيع أغنام لا كلب يحرسه ولا راعي يوجهه ويهتم به، فتكالبت عليه الوحوش واستغلت جهله، فعاد قسم منه إلى التعصب الديني وقادته في هذا الاتجاه فئة فقدت البصر والبصيرة، وجعلت من القتل وسفك الدماء منهاجا  دون وعي، لا تدري أين تسير والى أين ستصل بمثل هذه الممارسات، والكثير منها أصبح مخترقا من أجهزة استخباراتيه معاديه لطموحات الأمة وآمالها دون وعي أو دراية، وحلت الضبابية محل وضوح الرؤية، وسيطرت علينا الغيبيات والاقتتال الداخلي، بينما عدونا يتسكع على أرضنا ومن حولنا، أمين على نفسه ومخططاته.

وقسم آخر رجع إلى الدين على الطريقة الصوفية ووجد في بعده عن هذا المجتمع الموبوء والانكفاء  واللجوء إلى الجوامع والكنائس والعبادة هو خير ما يحصنه من غضب الله الذي نزل على الأمة نتيجة عصيانها لأمر ربها. وبذلك شلت قدراته عن التفاعل والفعل الذي نحن بأمس الحاجة إليه.

وأما البقية فانقسموا بين من استطاع أن يتأقلم مع الفساد وأدواته ويستفيد منها ويخرج بما يستطيع أن يتغلب به على مصائب الدنيا، وقسم أصبح لا حول له ولا قوة، تتقاذفه الرياح حتى إذا ما حانت الفرصة له من خلال أي جهة تساعده على إعالة أسرته فهو مستعد للعمل معها.

أما المثقفون ومن الأفضل أن نقول المتعلمون ـ وهنا الطامة الكبرى ـ فمعظمهم تركوا الباخرة تغرق ولم يفكروا إلا بأنفسهم.

وبعد هذه الظواهر بدأت موجة الكوارث:

ـ بدأنا نرى الانقسام الداخلي في اليمن بدون أية بادرة من الحكام للشعور بالمسؤولية، وأن ما حصل كان نتيجة أخطائهم، وأن البطانة السيئة من المستشارين والمستوزرين والسماسرة قد أبعدتهم عن هموم شعبهم ومشاكله ومتطلباته.

ـ  وفي السعودية تفشى القهر، حتى خرجت فئات من كل الأشكال؛ بعضها يدعو للإصلاح الدستوري وبعضها يدعو إلي العودة للدولة الإسلامية وتحكيم الشرع، وبعضها يريد المزيد من الحقوق المدنية والدينية، مع غياب كامل لرؤية واضحة لمعالجة كل هذه المشاكل المتراكمة.

ـ وأما مصر أم العلم والتنوير، مصر التي كانت دائما تمسك بمفاتيح الشرق، وخيرها يعم الكثير من الدول التي كانت محتاجة إلى مساعدتها، أصبحت بفعل الفساد والفاسدين مشلولة حتى عن تقديم المياه النظيفة لشعبها.

ـ لا أريد أن أعرج على السودان ومشاكله المستعصية، نتيجة غياب الحكومات الرشيدة،  التي لم تستطع الاتفاق حول الحلول، فتفاقمت المشاكل حتى استعصت على الحلول.

ـ والجزائر، وتجربة الديمقراطية التي دفنت تحت أقدام الفساد.

ـ وفلسطين التي تحولت سلطتها من الثورة لتحرير الأرض والشعب، إلى حارس أمين لينعم المحتل بالأمن، بينما الفلسطيني لا أمن له ولا أمان، ولم يعد يأمن حتى على جثث شهدائه؛ حيث تباع أعضاء أجسامهم على يد المافيات الإسرائيلية في بورصات عصابات السوق السوداء.

وإذا استمرت هذه الأمة متفرقة تحكمها طغمة من المتخلفين والفاسدين والعجزة، وبقي الشعب متفرجا  مختلفا ومتخلفا ومتمسكا بسلبيته وعدم أخذ زمام المبادرة، فالكارثة آتية لا محالة، وقد تصبح الأمة كلها  جزء من الأمم البائدة.

 

  37 

 

الوراثة والتوريث

التشبث بكرسي الحكم ومحاولة توريثه في العصر الحديث هي سياسة الجماعات البشرية التي أفلست فكريا سواء من جهة القيادة أو القاعدة الملتفة حولها، فإذا كان القائد الجالس على مقاليد الحكم واعيا لمسؤولياته تجاه شعبه، فأول هذه المسؤوليات أن يزرع بهم الثقة بالنفس ويربيهم عليها من خلال نظام للتعليم متكامل المواصفات، فبدون هذه العملية الهامة والجذرية لا يستطيع أن يطور البلد ويحفز الإنتاج، ويدافع عنها ضد الأخطار الخارجية.

وإذا ما أفلح في غرس الثقة وبناء مجال من الحرية، يتيح للشعب ومن يمثله من المنظمات أن يشعروا أنهم   يشاركون في بناء الوطن ومستقبل الأجيال. هنا يمكن لهذا الشعب أن يتعاون في دفع من هو أحسن وأجدر إلى المقاعد القيادية وصولا إلى سدة الحكم، بحيث يصبح مصير البلد وصنع مستقبله في أيد أمينه ومنضبطة، ضمن المؤسسات التي تسهر على أمن الفرد والمجتمع.

فالوطن هو وطن الجميع، وعندما تحل الكوارث بالوطن لا سمح الله يتحملها الشعب بكل فئاته، وقد يحتاج  إلى عهد أو عهود لتعود له عافيته ويتفرغ للبناء  من جديد، فعندما تصل القناعة بالجميع حكاما ومحكومين؛ أن الوطن ليس مزرعة وليس ملك شخصي، تتوزع المسؤوليات على القادرين والمؤهلين، بينما العكس حين يشعر الحاكم أن الوطن مزرعة له ولأتباع فإنه يتصرف  على هواه ومزاجه، بعد أن ضمن حوله شلة من المنافقين والفاسدين والمرتزقة التي يهمها مصالحها وثرائها الواسع بغض النظر عن مصلحة الوطن والمواطن. هذه الطبقة ترى في استمرار النظام سواء الحالي أو القادم الذي سيحكم بموجب التوريث أو التعيين أو قبضه  العسكر المتحالفة مع هذه التركيبة استمرار لامتيازاتها واستثماراتها في ظروف غياب دولة الحق والقانون.

ومن الملفت للنظر أن ظاهرة التوريث بدأت تسير بشكل عادي ودون مشاكل وخاصة بعد أن يكون هذا الحاكم قد حطم في الشعب إرادته وقوته وقبل ذلك حطم اقتصاده وجعل لقمة عيشه هي بازار المساومة على كرامته.

ومما يجدر الانتباه إليه: أن بعض هؤلاء الحكام خرجوا إلى شعوبنا ببدعة جديدة ومسليه وكرنفال لا يصدقه اقرب القريبون اليهم، فهم يظهرون على الملأ ويصرحون أنهم زاهدون  في كرسي الحكم  وناسكون في محراب الفضيلة، ويتطلعون إلى من يتحمل المسؤولية عنهم، بعد أن قتلوا وشردوا كل من هو أهل لذلك، وزهدهم هذا بالمناصب يدفعهم إلى عدم الترشح إلى الانتخابات (التي فبركوها وزوروها) وفصلوا قوانينها بما يناسبهم ويناسب مصالحهم.

وهنا يخرج المنتفعون إلى الشوارع بالمظاهرات ويجمعوا حولهم من عمالهم ومحاسيبهم  والمغلوبين على أمرهم، ما يظهرون للقوى الداعمة لهم خارجيا أنهم مازالوا أهلا لتكملة المسيرة، بعد أن خلت الساحة تماما بفعل القمع والترهيب وتكبيل الحريات من المنظمات التي تمثل تطلعات الجماهير وأمانيها في الوطن الحر الكريم.

وهنا لا أريد أن أتابع  هذه المسيرة  من أول طريق الشرور وحتى  الكارثة والكوارث التي أصبحت تحيط بنا من كل جانب، فكل من يهتم بالشأن العام يرى كيف أن هذه الدول قد فقدت قوتها الاقتصادية وفقدت احترامها في المحافل الدولية وبدأت الحروب العقائدية والطائفية والانفصالية ومصالح القوى الخارجية تعمل لتقزيمها واستغلالها وحتى استعبادها بعد أن انحط التعليم  وتفشى الجهل وتحول الإنسان  إلى مهرول وراء غرائز الجوع والأمن،  وها نحن نرى بوادر الحروب الأهلية  التي اكتوينا بنارها في لبنان وقد أطلت  علينا في العراق واليمن، ولا أريد أن أزيد على ذلك غزة والضفة حيث البعد الجغرافي قد حجم الفرقاء،  ولكن ما هو قادم أسوأ من قدرة خيالنا على رسم ملامحه، نزاعات وحروب سوف تعيدنا إلى عهد العشيرة والقبيلة والطائفة.

حروب ونزاعات سوف تأكل الأخضر واليابس وتجعلنا كما مهملا على خارطة عالم يلهث وراء النمو والتقدم، في زمن تبني فيه الدول على التكتلات والتحالفات الكبرى.

 

 

  38 

إلى الوراء سر!

نعم نحن نسير إلى الخلف، وعادة من يسير إلى الخلف ووجهه بعكس ذلك يسير ببطء، ولكننا تعودنا السير إلى الخلف وأصبحنا  نبذ كل الأمم المتأخرة والمتراجعة فيه، ومن الممكن لو أن هذه البضاعة مطلوبة لكان لدينا  من تصديرها رأسمال كبير.

أجل إنه محزن ومبكٍ ويصل في كثير من الأحيان إلى مستوى النكبات أن تتربع أمة على موقع جغرافي وسط الكرة الأرضية متعدد المناخات، أرضه تختزن في باطنها كل ما يحتاج له العالم المتطور من خامات، قامت على أرضه أرقى الحضارات، ويعيش على أرضه  أتباع الديانات السماوية جنبا إلى جنب منذ المئات من السنين، يتكلمون لغة واحدة، يزيد عددهم عن الثلاثمائة مليون من البشر، معظمهم في مقتبل العمر، ورغم كل هذه الميزات فقدوا القدرة على وضع قدمهم بين الشعوب المؤثرة.

تحكمهم دمى، فقدت كل صلة لها بمجتمعاتها   وتطلعات الأجيال القادمة وكرامة من وجدوا أنفسهم مسئولون عن أقدارهم.

ضاعت فلسطين على أياديهم وذبح العراق بمشاركتهم وسكاكينهم، وتقطعت أوصال السودان وهم ينظرون إليه بشماتة قل مثيلها وصعب فهم أسبابها، أما اليمن ومشاكله وأزماته فالكل ينظر إليها من خلال مصالحه أو لامبالاته، حتى أصبح نهبا لكل ما يمكن تصوره من كوارث، حتى أن الأخطار الإستراتيجية في مياه الأنهار لم تعد إستراتيجية، وأصبحت أزمات المياه هي ما يخشاه نافذي البصيرة، ورغم كل هذه المآسي المهم أن لا نعادي أمريكا ومخططاتها، وكأن صمودنا أمام حقوقنا وثوابتنا الوطنية يغضب العم سام، وغضبه ينذر بعواقب تحمل معها الأخطار على كراسي الحاكمين.

مبروك على إسرائيل هذا الجار الوديع، فقد سرقت وطن وطردت شعب ودمرت في المدن العربية ما يذكر بهيروشيما ودرسدن، ورغم ذلك فهذا الجار العربي المحب لأمريكا ومغرم بخدمتها يعتبر إسرائيل دولة من دول الشرق الأوسط (حيث ألغت أمريكا كلمة الوطن العربي أو المنطقة العربية)، ولها الحق في التوسع والاستيطان والتهويد وكتشجيع لها على سياستها فقد وصلت إليها برقيات التهنئة من رئيس أكبر دولة عربية بمناسبة مرور اثنان وستون عاما على إنشاء دولة على أراض مسروقة، يطمئنهم فيها أن السلام الذي بناه الإسرائيليون على أسنة الحراب وعلى الاغتصاب والقتل والإرهاب والعجز العربي  سيبقى دائما على سلم الأوليات في السياسة العربية.

إن الأمم  التي صنعت الحضارات لا تستسلم بسهولة، وإن العودة إلى السير إلى الأمام لم يعد سرا من أسرار الخالق.

وها نحن أمام قوتين ناشئتين في منطقة الشرق الأوسط هما إيران وتركيا تعيدان لشعوبهما تاريخ أمجاده رغم التباين في النهج والأسلوب، ولكن القواسم المشتركة لنهضة الأمة من قيادة صالحة ومناهج تعليم ترفع قدرات المواطن وتوسع استيعابه لحقوقه وواجباته في وطن تحكمه مؤسسات تسهر على أمنه أولا وتقدمه ورفاهيته وإطلاق إمكانياته الفكرية من أجل مستقبل مزدهر.

 

  39 

النكبة والتشرد والعودة

 

في مثل هذه الأيام، قبل اثنين وستين عاماً، حدث في المنطقة العربية ما لم تستطع كوابيس الأحلام الوصول إلى مآسيه وفظاعته، في هذه الأيام من شهر أيار استطاعت الصهيونية، تنفيذ حلم لم تكن تتصور إمكانية تحقيقه بهذه السهولة، على الرغم من دعم  دولة الاحتلال البريطاني، التي قدمت كل ما لديها من إمكانيات غير شرعية،  من تنكيل وتكبيل  وتعسف  ضد الشعب الفلسطيني، من أجل تمكين الصهاينة  من تثبيت أقدامهم على أرض فلسطين.

في مثل هذه الأيام شرد نحو ثمانمائة ألف فلسطيني عن أراضيهم، ولم يدر في خلد هؤلاء المطرودين المهجرين تحت وطأة الخوف والمذابح أن دروب الاغتراب واللجوء والعذاب سوف تطول.

وكيف لهم أن لا يتوقعوا العودة والجيوش العربية تحت قيادة الجامعة العربية قررت دخول الحرب من أجل عودتهم، جيوش بعضها لدول عربية مستقلة اسميا، بينما القواعد البريطانية تجثم على أراضيها والسياسة البريطانية المعادية لتطلعات المنطقة تفرض عليها، كالعراق والأردن ومصر، ودولا حققت استقلالها للتو ولم تمارس السلطة بمعناها المتكامل كسورية والسعودية، حيث كانت الضغوطات الخارجية تمارس ضد أي سياسة قومية من وراء الستار دون رحمة.

لقد دخلت الجيوش العربية ارض فلسطين تحت قيادة الملك عبد الله الأول بن شريف مكة المغدور، كانت جيوش تفتقر إلى العتاد والعدة، وكذلك إلى القيادة صاحبة الرؤيا الموحدة في الهدف  والغاية، ونتيجة لهذه المعطيات لم تستطع هذه القيادة أن تحسم المعركة لصالحها، ووافقت في النهاية على وقف إطلاق النار ومن بعده الهدنة، ومن ثم مؤتمر شتورة والموافقة على قوات الطوارئ الدولية .

كانت وضع الزعامات العربية ليست بأفضل حال من وضعها هذه الأيام، رغم الشعور العام لدى الشعب العربي بأنه غدر به في ساحات القتال من قبل قياداته المتواطئة والمتآمرة والمتناحرة والفاسدة. وما قضية الأسلحة الفاسدة وماكو أوامر إلا جزءً من مسلسل دامي ومأساوي. 

فالملك عبد الله الأول (كان منذ بداية لجوئه إلى شرق الأردن بعد أن ضاعت أحلامه في تحرير سوريا من الفرنسيين والجلوس مكان أخيه فيصل ملكا عليها) وإعطاء بريطانيا أمارة شرق الأردن  إرضاء له ولبعض العناصر القومية التي حاربت  إلى  جانب لورنس من أجل تحقيق حلم الدولة العربية الواحدة، والتي لم تر النور، حيث وجد هؤلاء القوميون أنفسهم أمام معاهدة سايكس - بيكو وتقاسم النفوذ في المنطقة الشرقية من الوطن العربي.

أنشأ البريطانيون أمارة شرق الأردن ليتخلصوا أولا من مطالبة فرنسا بهذه المنطقة، ولتكون حزاما آمنا يساعد في تنفيذ مشروع ما وعد به بلفور بإقامة وطن قومي لليهود.

وكان طموح عبد الله  لا يقف عند هذه الحدود، ولكن بريطانيا لم تكن لتسمح لأحلامه أن تتبلور، غير أن النكبة أوجدت واقعا أخر، التقت مصالح الأمير الذي أصبحه لتوه ملك شرق الأردن والمصالح  البريطانية تجاه فلسطين، و تعهدت بريطانيا بأن لا تعارض ضم ما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية إلى مملكته إذا ما وافق على التنازل عن اللد والرملة للدولة اليهودية، رغم وجودهما خارج القسم اليهودي في قرار التقسيم.

وأما الملك فاروق فكان يشك في نوايا الملك عبد الله ولا يريد لأحلامه التوسعية أن تتحقق، فباشر فورا مع مفتي القدس الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني وأحمد حلمي باشا بإنشاء حكومة عموم فلسطين في غزة،  والتي تضم ما تبقي من فلسطين خارج السيطرة اليهودية.

 وأما العراق وحكومة نوري السعيد، ورغم جيشها القادر في ذلك الوقت، إلا أنها لا تقوى ولا ترغب في إثارة عداء الملك الهاشمي والوقوف أمام طموحاته  وإثارة أحقاد عائلية هاشمية لا تخفى على المتابعين، وكذلك مع بريطانيا التي كانت قواتها ما تزال تجثم على أرض العراق، والتي كانت تدعم دولة إسرائيل الوليدة بكل قوة، حرصا منها على أمن قناة السويس.

أما الملك عبد العزيز فكان عداءه للملك عبد الله وتوجسه من نواياه حيال استعادة ملك آباءه وأجداده يقلق مضاجعه.

وهكذا كما يتوقع أي عاقل في مثل هذه الظروف والأحوال دخلت الجيوش حربا لم يتم الاستعداد لها ولا النية الصادقة للنصر فيها.

وتحمل الشعب الفلسطيني مهانة اللجوء والعوز، وبدا مرحلة الكفاح من أجل الحياة والتغلب على أعراض النكبة القاتلة، وسار وما زال يسير على الطريق من أجل من أجل تحرير أرضه واستعادة حقوقه  جنبا إلى جنب مع المخلصون من أبناء أمته.

واليوم بعد أكثر من ستين عاما على النكبة أصبحنا في وضع عربي أسوأ من وضعنا عام 1948.

وأصبحت هناك دول تقيم سلام مع الصهاينة، وتقوم بدور الشرطي الأمين لحماية حدودهم التي فرضوها  بالقوة، والتي ينطلقون منها  لتدمير كل  ما يستطيع الإنسان العربي المناهض لبرامجها والمقاوم لتوسعها وتعسفها أن يبنيه، ورغم كل ما جرى ويجري على الأرض العربية من تخاذل فان الواعين من أمتنا مصممون على اقتلاع قاعدة العدوان الاستيطانية المتوحشة، وسيقفون بالمرصاد  للقوى الضامنة لأمنها والمعادية لإرادة شعبنا العربي، إن المساعدات والهبات والرشاوى التي يغدقها أصدقاء إسرائيل لن تجدي شيئا، وسوف يقف شعبنا وأمتنا صفا واحدا، من أجل رفع الظلم وعودة الحق وبناء الدولة العربية التي تستطيع الحفاظ على مصالح أمتنا ورفاهية شعوبنا.

 

  40 

تركيا والعروبة اليتيمة

وصلت العربة التركية إلى الأيتام العرب، محملة بالكثير من الأماني، واليتيم الذي يشعر بالظلم والإهمال والاحتقار وضياع الحقوق، يحلم بمنقذ من السماء، يهبط فينشر العدل ويرفع الظلم ويعيد للإنسان إيمانه بالقيم التي شك في وجودها أثناء معاركه الحياتية اليومية.

وصلت العربة وترجل منها السلطان التركي متفرنج اللباس يعيد للسلطان عبد الحميد هيبته.

ويذكر الأيتام أن ذلك السلطان رغم خزائن حكومته الفارغة، ورغم ضغوط الأصدقاء والأعداء على حد سواء، رفض أن يعطي أو يبيع شبرا واحدا لليهود في فلسطين.

وبدأت الهتافات والزغاريد، وتحول الذين كانوا بالأمس من أعداء النظام العثماني إلى متحمسين للقيادة التركية العقلانية  الواعدة، ورأى الكثير من المراقبين أن الفراغ الذي صنعه العجز والتخاذل والجبن العربي لابد أن يملأ  من قبل القوى الصاعدة في المنطقة وهي إيران أو تركيا أو كلاهما معا.

ولكن خيبات الأمل التي تلاحقنا نحن الأيتام بدأت تترك لنا حيزا للتفكير، بعد أن هتفنا لأوباما الأسمر الذي يحمل سحنة وجوهنا ولون بشرتنا ويفهم ديننا وحضارتنا التي كانت يوما ما حضارة ودين أسلافه، ثم تركنا نعيش على آمال ليس بوسعه تحقيقها حتى لو كانت في مصلحة أمريكا وشعبها.

وهنا تساءل بعضنا، إلى أي مدى يمكن لتركيا العقلانية البرغماتية أن تحمل أماني وأحلام أيتامنا في بحر متلاطم الأمواج تغوص فيه الحيتان الكبيرة ولا تقبل أن يكون للأسماك السمينة دور فيه.

أن تركيا لا تستطيع أن تستمر في هذا الدور الذي يرضي تمنيات الأيتام العرب، فتركيا شريك في حلف الناتو وعسكر تركيا شربوا من لبن هذا الحلف حتى قويت أجسامهم وتفتلت عضلاتهم، وهناك تحالف أمريكي تركي يستفيد منه اقتصادهم وتستفيد منه أسواق الاستثمار لديهم، ناهيك أوروبا وعلاقتها بإسرائيل بحيث ستنحاز تلقائيا ولن تقف علي الحياد في هذا المجال، وسوف تستعمل الجزرة والعصا على طريق ماراثون وصول تركيا إلى بروكسل، وفوق هذا وذاك هناك شبكة من الأحزاب العلمانية التي لا تنظر بارتياح إلى تحرك تركيا نحو الجنوب وإحياء مشاعر سكان الأناضول تجاه   الخلافة العثمانية.

ورغم كل هذه المحاذير، فقد استطاعت تركيا أن تحرك المياه الراكدة في المشرق العربي.

وتبلور العجز في القيادة السياسية العربية بحيث لا يمكن الدفاع عن مثل هذه القيادات العاجزة الخاملة التي رهنت مستقبل وجودها بأيدي أعدائها.

وتحركت المياه الراكدة في المحيط العربي، وهرع المدافعون بخجل عن فلسطين العربية الإسلامية إلى الواجهة ليقولوا بصوت عال نحن مستعدون للنضال من أجل فلسطين ولو كان ذلك خلف قيادة تركية.

وتنفست حماس ومن ورائها الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي والمدافعين عن حقوقه رائحة بزوغ فجر جديد وتفتحت أنظار العالم فيه على مآسي كان العالم يغمض عينيه عن رؤيتها حتى الأمس القريب، تجنبا لإغضاب إسرائيل وأصدقائها من صناع القرار في أمريكا وكندا ودول أوربية أخرى.

وها نحن الأيتام، وكعادتنا، في معارك يوجهها الإعلام   نسينا القضية الأساسية وهي الاحتلال، ونسينا أن الاحتلال هو المشكلة، وما الحصار والاستيطان والحقوق المغتصبة سوى نتائج لاحتلال عنصري استيطاني بغيض. إن الحصار يمكن بسهولة ويسر الالتفاف حوله، بحيث يعطينا نحن الأيتام شبه انتصار واللجنة الرباعية جاهزة لحل المشكلة بطريقه إسرائيلية  وموافقة   تركية أوروبيه أمريكية، وقبل كل شيء بغطاء دولي. بحيث يرفع الحصار نظريا، ويبقى السجن الكبير بأسواره العالية وبواباته التي يشرف عليها من لا مصلحة له بدولة فلسطينيه مستقلة.

وسوف تقبل تركيا بخلخلة الحصار، بحيث تصبح دول الترويكا ألأوربية مسئولة عن مراقبة البضائع والمواد التي يحتاجها أبناء القطاع، وتعود السلطة الوطنية وشرطة دايتون إلى مشاركة الأوربيون بالمهمات الأمنية على المعابر. أما القضية الرئيسية وهي الاحتلال فستبقى

تراوح مكانها، والخلاف الفلسطيني الفلسطيني سيزداد سعيره، وسوف تجد تركيا نفسها في ساحة قتال مترامية الأطراف، كل من حولها من الزعماء العرب والأوربيين والأمريكان غير راض عن  الدور الجديد الذي تسعى للقيام به.

ولن تستفيد تركيا من المنطقة العربية سوى الأسواق المفتوحة والرغبة في شراء البضائع التركية من قبل الأيتام العرب الذين لا تساعدهم مدخرات جيوبهم شراء الماركات الأوربية المسجلة، أما الرأسمال العربي فسيبقى في البنوك السويسرية والأمريكية، ومن هناك سوف يصل إلى تركيا، ولكن بشروط أمريكية أوروبية   تفرض على تركيا بحيث لا تستطيع أن تلبي معها  طموحات وأماني الأيتام العرب.

 

  41 

الجالية العربية

وانتخابات فيينا المحلية

صحت الجالية العربية من نومها العميق على أصوات الطبول التي تجيش لحرب ضد الإسلام والمسلمين في النمسا، وحيث أن اليمين النمساوي في غالبيته غوغائي يتوجه إلى الطبقة ضحلة الثقافة من المجتمع، التي تؤثر فيها عوامل بث الخوف ضبابية المستقبل.

فحزب الأحرار النمساوي الذي لا يملك من  روح اسمه نصيب، ترك جميع الأمور التي تهم الفرد النمساوي،    وهي أمور أساسية  تحتاج إلى أصحاب الرأي والحكمة، منها على سبيل المثال لا الحصر انحدار مستوى الجامعات وزيادة أعداد الطلاب وعدم تناسب عدد الأساتذة والمختبرات إلى عدد الطلاب، والغلاء الذي بدا يقزم الطبقة الوسطى في المجتمع، و تحجيم دور الدولة في التكافل الاجتماعي وصناديق التقاعد والتامين الصحي.

ودخل إلى معترك إثارة المخاوف من الجالية الإسلامية وأسلمة المجتمع وبناء المساجد وما يتبعه من مآذن شاهقة قد تؤدي إلى بزوغ فجر إسلامي جديد حسب هواجسه وهلوسته.

كان لابد لنا أن نسأل عن هذا الحدث بضوضائه ولافتاته الدعائية التي تصيب العاقل بالغثيان حين يتدبر معانيها ويفكر بما قد تجلبه من دمار وفرقة في مجتمع يعيش بسلام ووئام.

المعلم شتراخه يريد أن يحمي المرأة المتحررة، وكأن المرأة المتحررة في أوربا بحاجة إليه ليحميها، ويريد أن يدافع عن إسرائيل في وجه المظاهرة التي يعتقد أن عمر الراوي كان وراءها كما كان وراء إدانة إسرائيل في برلمان مقاطعة فيينا، وهو اليميني العنصري الذي يتمنى لإسرائيل ما يتمناه للعرب والمسلمين.

هنا وقفت الجالية العربية، وكان هناك  اجتماعات على مستوى القبائل والعشائر والأقطار ولا ننسى اليمين واليسار. وكانت لحسن الحظ نتائج فيها الكثير من التعقل والحكمة، إن الجالية الإسلامية في مدينة فيينا تقدر بأربعمائة ألف  بين مقيم ومواطن، فلا ضيم عليها أن ترشح منها عدد مناسب لثقلها في المجتمع.

الكثير يرى أن للديمقراطية أدواتها وإذا عجزنا عن استعمال هذه الأدوات فلن يكون لنا المكان الذي نصبو إليه، والأداة الأولى في المجتمعات الديمقراطية هي صناديق الاقتراع، وصوت المواطن هو الأمانة التي يحملها المواطن أمام مجتمعه، والوقوف  موقف سلبي منها سواء بالتكاسل أو التهاون في إعطائها القيمة  والتأثير الحقيقي هي خطيئة تتحمل الجالية أوزارها ونتائجها، وعلينا في المدة الباقية أن نجند أنفسنا للتوعية   والحث على المشاركة.

النائب عمر الراوي أصبحت لديه الخبرة والحنكة التي تحتاجها الجالية لتمثيلها ولذلك فنحن نعطي الأولوية له وعليه التنسيق مع بقية المنظمات الإسلامية من أجل تشكيل جبهة موحدة قادرة على رص الصفوف وتعبئة الجالية بحيث نستفيد من جميع الأفراد اللذين لهم حق  الإدلاء بأصواتهم على أتم وجه، وإذا ما سارت الأمور على هذا الوجه فيكون لدينا عدد لا بأس به يستطيع أن يعطي للجالية وزن يمكن أن يساعدها في حل الكثير من الأزمات والمشاكل، سواء ما كان بينها وبين الدوائر الحكومية، أو ما تعانيه من مشاكل الاندماج وكذلك التواصل مع الوطن ومتابعة همومه وتطلعاته، وهنا على الجميع كل حسب تأثيره ودوره عدم التواني في أخذ زمام المبادرة بأن لا يدع صوته وأصوات أصدقائه تذهب هدرا لأن ذلك ما يتمناه اليمين المعادي لوجودنا ومستقبل أولادنا.

 

 

  42 

الشرق الأوسط الجديد

 

إنه الاسم  البديل عن العالم العربي، فحسب رؤيتهم   تتألف المنطقة من فسيفساء لأقليات دينيه وعرقيه،  أوجد الإسلام لها حضارة مشتركه ونموذج للعيش المشترك. انطلقت في ظله كل قوى المجتمع لتحافظ على وجودها في فترات الضعف ولتحمي ثوابتها واستقلالها وتقدمها في فترات الكفاح ضد التأخر والهيمنة.

إن قوى الاستعباد والعنصرية والتطهير العرقي وجدت في هذا النسيج المتناغم صخرة صلبة أمام تطلعاتها، ورأت أن عليها أن تعمل بكل قوة ودهاء على تفكيك مكونات هذا الصخرة إلى مكوناتها الأساسية، وزرع الفتن وعدم الثقة والخوف بين هذه المكونات، وبذلك تستطيع أن تزيل القوة الرئيسة في المقاومة والبناء والتعايش المشترك.

أن ما نلاحظه في هذه الأيام أن هذا المخطط بدأ يحظى ببعض النجاح؛ فقد نجحوا في العراق، واستطاعوا أن يحولوا هذا البلد إلى تكتلات دينية وعرقية ومذهبية تتناحر فيما بينها، مما كبل مسيرة النمو والتقدم، وترك الباب مفتوحا للتدخل الأجنبي، الذي لا يريد مصلحة العراق وأهله.

ويبنى مثالا آخر للتناحر بين الأديان والمذاهب والإثنيات بعد تجربة لبنان المريرة.

وها نحن اليوم نرى ذلك بين صفوفنا، وكذلك في إعلامنا الذي أصبح صدى للإعلام المعادي دون أن يفكر ولو لحظة واحده بالنتائج الكارثية التي تتربص بالوطن. وهنا أصبحنا فريسة سهله، بعد أن تكالب علينا أعداء الداخل والخارج.  

إن النسيج الاجتماعي الموحد الذي عشنا في كنفه بأمان واطمئنان خلال القرون الماضية لم يهتز  رغم كل ما تعرضنا له خلال تاريخنا من غزوات التتر والمغول والصليبين خلال القرون الماضية، ولكن هذا البناء المتماسك بدأ يترنح خلال ضعف الدولة العثمانية، وما رافق ذلك من جهل وتناحر،   وتمكن الأعداء من استغلال أماكن الخلل وأطلوا برؤوسهم كحماة لفريق دون فريق، مما يهيج المشاعر الغريزية في الإنسان المنغلق، فالفرنسيين  أخذوا على عاتقهم حماية الموارنة والانكليز حماية الدروز والألمان حماية اليهود والروس حماية الأرثوذكس، وهذا مهد الطريق بعد مؤامرة (سيكس وبيكو) لانفصال لبنان، ولو استطاعت فرنسا أن تنفذ ما كانت تخطط له، لوجدنا دولة في جبال العلويين، ودولة في حلب ودولة جبل الدروز، ودولة دمشق.

ولكن هذا النسيج الاجتماعي المتماسك حال دون  خططهم والنجاح، ممال هيأ لنا أن نرى سورية موحدة بدرجة ما، بعد أن اقتطعت بريطانيا ما أطلق عليه إمارة شرق الأردن، لأهداف ظهرت أهميتها في المخطط البريطاني فيما بعد، وفلسطين التي وضعت تحت الحكم البريطاني توطئة لتنفيذ وعد بلفور.

واليوم وقد عاد الخطر القديم الجديد، وأصبحنا مهددين أكثر من أي وقت مضى بوحدتنا، وبعد أن رأينا كيف تتمزق الأوطان في السودان والعراق واليمن. على العقلاء والمفكرين والسياسيين من خلال أحزابهم المصرحة والغير مصرحة، أن يقفوا وقفة رجل واحد، من أجل الضرب بيد من حديد  على كل يد تحاول أن تنال من الوحدة الوطنية وتلاحم هذا النسيج الذي يمثل تراثنا الحضاري وأن يقف بالمرصاد لجميع القوى التي تحاول نشر الخوف وعدم الثقة بين مكونات المجتمع الواحد.

إن علماء الدين من مسلمون ومسيحيون، مثقفون ومفكرون، سياسيون ووجهاء، مطالبون اليوم بالوقوف صفا واحدا، ورفع الأصوات عاليا، والإشارة إلى مواضع الخلل بدون خوف أو مجاملة، من أجل وحدة الوطن والمحافظة على أمنه وسلامه الاجتماعي، ومن أجل أن نتمكن من المحافظة عليه كوطن نتجمع في ربوعه وتحمينا وحدته وقوته من المؤامرات والمكائد.

ومن المؤلم وخطير على مصيرنا أن حكامنا رغم النيران المشتعلة في جنبات دولهم  يغطون في سبات عميق، ولا هم لهم سوى البقاء أطول مدة ممكنة  على كراسي الحكم ليتمكنوا مع حاشيتهم من التمتع بخيرات وطن ليست لديهم القدرة على حمايته، وقد برزت مواهبهم وتجلت قدراتهم في تزييف الانتخابات، حتى يكون هناك مجلس نيابي يمثل أمانيهم ورغباتهم ومصالحهم ويعطي الشرعية لتفرد الحاكم واستبداده وديمومة حكمه وحكم سلالته من بعده.

وهنا على المواطنين الواعين أن يهبوا لمقاومة هذا الفساد الذي يوصلنا إلى حتفنا، وأن يرفعوا شعار الوطن لجميع أبنائه، وأن تقوم دولة الحق والقانون، التي لا تميز بين الفقير والغني وبين أبناء دين ودين، أو عرق وعرق، فالمواطن حر كريم ومكرم في وطنه وبقدر عطائه وتفانيه من أجل الوطن وحماية مؤسساته الدستورية  والدفاع عنه، يصبح الوطن قلعة يحتمي بمنعتها جميع أبنائه، ويصعب على الأعداء النيل من عزمنا وقدرتنا في الوصول إلى الأهداف التي تضعنا في مصافي الشعوب المتقدمة.

 

 

kahdra@jusur.net  راسلوني

 

 

مقالات أخرى