ملفات

1 / الاندماج

2/ بنك البافاج

3/ الانتخابات النمساوية/1

4/ الانتخابات النمساوية/2

5/ الانتخابات النمساوية/3

6/ الانتخابات النمساوية/4

 

 

 

الحكومة النمساوية الائتلافية الـ 23

في الجمهورية الثانية 

وتمر المائة يوم التي حددها رئيس الجمهورية د. هاينز فيشر لرئيسي الحزبين الكبيرين في النمسا، الحزب الاشتراكي بقيادة د. ألفريد جوزينباور ـ الفائز في انتخابات البرلمان بشقيه المجلس الوطني والمجلس الاتحادي في الأول من أكتوبر 2006- وحزب الشعب بقيادة د. فولفجانج شوسل لينتهوا من مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية في الثامن من يناير 2007، تلك التي تعثرت مراراً وتكراراً على صخرة الصلف المعهود لحزب الشعب ورئيسه السياسي المخضرم، والصراع المحتدم بين الحزبين في محاولات مستميتة لقولبة الحكومة حسب أيدلوجية كل منهما ووفق وجهة نظره، في الأسلوب الأجدى لإدارة شئون البلاد، ولكن فيشر بخبرة دستورية وبمساعدة مستشاره، رئيس المحكمة الدستورية السابق بروفسور د. آداموفيتش، وحنكة سياسية اكتسبها من عمله الحزبي في الحزب الاشتراكي قرابة الأربعين عاما، عاصر فيها أقطاب السياسة النمساوية المعاصرة وعلى رأسهم المستشار الأسطورة د. برونو كرايسكي في ثمانيات القرن المنصرم، فقد كان عضواً في شبيبة الحزب وناشطاً في اتحاد طلاب الجامعة ثم وزيراً للتعليم وليس أخيراً أثني عشرة عاما رئيساً للبرلمان، ولكن قبل هذا وبعده البعد النفسي المؤثر، ألا وهو احترام كافة الفصائل العاملة في الحقل السياسي النمساوي ـ بل والأوروبي ـ  للرجل وإجلالها لمكانته على الساحة المحلية والإقليمية، وهو الأمر الذي لا يمكن لناظر في الشأن النمساوي الآني بحال إغفاله أو التغاضي عنه. ولكن ما هي العقبات الكئود التي كادت تعصف بالمفاوضات ـ ولا تزال في حقيقة الأمر تزلزل أركان الائتلاف بعد تشكيله ـ والتي بسببها اجتمع رئيس الجمهورية مع رئيسي الحزبين؛ مرة في بيته الخاص بالحي الثامن الفيناوي في الأول من نوفمبر ثم مرة أخري في مطعم إيطالي فاخر في قلب المدينة في الأسبوع الأخير من ديسمبر.

العقبة الأولي هي: شراء ثمانية عشرة مقاتلة أيروفايتر لمراقبة المجال الجوي للبلاد، بمبلغ يربو على 2.5 مليار يورو، وهو التعاقد الذي مر على توقيعه سنوات أربع في عهد حكومة شوسل الثانية، وبدأت الدولة النمساوية بالفعل تسديد مستحقات أقساطه، ويرى الحزب الاشتراكي ألا داعي يوجب إثقال كاهل ميزانية الدولة بهذا المبلغ والذي تحتاجه البلاد ويمكن استثماره في شئون شتى، على رأسها: الإنفاق في مجال الأبحاث وفي استثمارات سوق العمل لتخفيض نسبة البطالة وأيضاً لإلغاء رسوم الدراسة الجامعية ويمكن في هذا الصدد ـ وفق ما يراه سياسي الحزب الاشتراكي ويتفق معهم فيه حزب الخضر وحزب الأحرار -  أن تؤجر طائرات من سلاح الجو السويسري للقيام بهذه المهمة ـ كما هو جاري حالياً في الفترة الانتقالية بعد تكهين طائرات ساب "دراكن" والتي عملت في الجيش النمساوي طيلة 25 عاماً، بينما يرى حزب الشعب أن الأمر من صميم الشئون السيادية للدولة والتي لا يجب أن تترك لأيدي غير جيش البلاد الوطني.

والعقبة الثانية: هي إلغاء رسوم التعليم الجامعي، والمسألة في الأساس مسألة مبدأ أيدلوجي بالنسبة للحزب الاشتراكي كما وأنها ليست مسألة مبدأ لدي حزب الشعب، ولن تأتي بالكثير من الأموال التي نغطي شيئاً ما من ميزانية التعليم وإن كانت الحكومة اليمينية السابقة قد قررت هذه الرسوم إما لحمل الطلبة الجامعيين على الإسراع في الانتهاء من دراستهم في أقصر وقت ممكن أو لتخفيض عدد الطلاب المتباطئين في الدراسة، ومن ثم فالإشكالية صورية أكثر منها منهجية.

والعقبة الثالثة: هي تخفيض العجز في الميزانية للوصول به إلى الصفر، وهو المشروع الذي طالما ملأ وزير المالية الأسبق كارل - هاينز جراسر به الدنيا ضجيجاً، وأنى له النجاح فيما يرنو إليه وقد عجز عنه أساطين المالية لعقود طوال، ومرجع ذلك أن تخفيض عجز الميزانية ـ في حالة جراسر ـ إنما يمر عبر معبرين الأول هو مسار الخصخصة، ومن ثم تراجع الدولة عن معظم ملكيتها الإنتاجية المتمثلة في القلاع الإنتاجية التي تم بناؤها خلال عشرات السنين لتمثل جناحاً مهما في الدولة المعاصرة ألا وهو رأسمالية الدولة، وسيرد ذكر مهمة هذا القطاع لاحقاً، والمعبر الثاني هو تفاقم مشكلة البطالة إلى الحد الذي يستحيل معه السيطرة على قوي الإنتاج البشرية إلا بكثير من الإجراءات - والتي غالباً ما تكون تعسفية ممثلة لتسليط سيف الدولة على رقاب الشعب ـ والتي تؤدي انتهاء ً إلى انهيار سوق العمل. وما امتلاك الدولة لمؤسسات إنتاجية عملاقة إلا ـ كواحد من الأسباب ـ للتغلب على هذه المشكلة من خلال استثمار القوى البشرية تدريباً وعملاً فيها وقت الرخاء أو لاستغلال هذه القوي حال الانهيارات في سوق العمل - لسبب أو للآخر - في مشاريع البنية الأساسية باستخدام هذه الشركات العملاقة.

والعقبة الرابعـة: هي إعادة النظر في وتطوير النظام الضرائبي.

والعقبة الخامسة: هي إعادة جدولة وتحديث قانون المعاشات.

والعقبة السادسة: هي إصلاح وتجديد نظام التأمين الصحي.

والعقبة السابعـة: هي قانون الأجانب والهجرة.

هذا غير عدد من المشاكل الفرعية مثل مخصصات الأسرة والطفل وضريبة الوقود وقانون الانتخاب وغيرها التي تولت بحثها اللجان المنبثقة عن لجنة المفاوضات الرئيسة بين الحزبين في إطار تشكيل الحكومة الائتلافية.

وفي ظهيرة يوم 9/1/2007 يظهر ملف من 167 صفحة يُوّصِف برنامج عمل الحكومة المقترح للدورة البرلمانية 23 في الجمهورية النمساوية الثانية، وفيما يلي بعض نقاط البرنامج والتعليق عليها:

الأيروفايتر:

يتفق المؤتلفون على ضرورة مراقبة المجال الجوي للبلاد. و لكن لا يحدد خطة ثابتة، إذ يترك الأمر لوزير الدفاع  نوربرت دارابوش ـ حزب اشتراكي - لإنجازه حسب ما يراه مناسباً.

وليس الأمر بالسهل إذ يصرح فولف - ديتريش هوفلر رئيس لجنة ـ قومسيون ـ اتحاد الموردين "لا تعليق؛ لدينا عقد ساري المفعول لتوريد 18 مقاتلة حتى عام 2009، وهو تعاقد ملزم" ولكن الاشتراكيون يأملون في استئجار مقاتلات إف-5 من سلاح الجو السويسري للقيام بمهمة مراقبة المجال الجوي النمساوي أو تخفيض العدد إلى 12 مقاتلة بدلاً من 18 وشعارهم في ذلك "كل مقاتلة أقل نجاح لنا". وصعوبة الأمر تكمن في أن 400 شركة في كل أوروبا قد أخذت أمر التشغيل الفعلي للبدء في تصنيع أجنحة وهياكل الـ 18 مقاتلة. وأقصى ما يطمح إليه الاشتراكيين هو انتهاء لجنة تقصي الحقائق في البرلمان من عملها قبل أبريل 2007 ليكون القرار النهائي صادراً من السلطة التشريعية والذي لا يمكن في هذه الحالة التراجع عنه.

التعليم والتدريب:

اتفق المؤتلفون على بقاء رسوم التعليم الجامعي لكل طالب بمقدار 363.36 يورو لكل فصل دراسي، ومن لا يستطيع دفعها فتتوفر إمكانية الحصول على مساعدة اجتماعية في شكل قرض بدون فوائد يسدد بعد الانتهاء من الدراسة، ومن لا يرغب في القرض فعليه أن يؤدي عملا اجتماعيا بأجر 6 يورو في الساعة ومن ثم فعليه أن يوفي 60 ساعة من العمل الاجتماعي لكل فصل دراسي والعمل المقترح هو إما مساعدة ورعاية كبار السن أو مصاحبة مرضى الأمراض المستعصية المؤدية للوفاة.

ولكن المنظمات الطلابية من كافة التوجهات السياسية تقرر التظاهر السلمي في الشارع الدائري حول الحي الأول ـ رنج شتراسيه - قبالة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء معبرين عن سخطهم من الاتفاق المبرم بين المؤتلفين في شأنهم التعليمي. وتصرح رئيسة اتحاد طلاب الجامعة - الثورية ـ باربارا بلاها ـ الحزب الاشتراكي ـ ورئيسة الشبيبة الاشتراكيين "لا أدري من يؤيد هذه المقترحات، إنها واحدة من الأفكار الحمقاء النادرة". ويعلق رئيس شبيبة المحافظين هيسبرجار ـ حزب الشعب ـ "إن الأجر 6 يورو للساعة لهو الأجر الزهيد جداً". أما رئيسة جناح الخضر في اتحاد الطلاب لينا اشبيلباور فتقول: "إنها مهزلة تدعو للسخرية". ويصرخ رئيس اتحاد المؤهلين للخدمة الاجتماعية جيورج ديمتذ "إن مساعدة ورعاية كبار السن لهي المهمة التي تحتاج إلى التأهيل المناسب قبل القيام بها، وإلا فإن الواحد منهم سيقتل المريض أثناء نقله بعد حادثة". وقد استمر التظاهر يوماً قبل تكريس الحكومة ويومها ويوماً بعدها.

التأمين الصحي:

اتفق الطرفان على رفع قسط التأمين الصحي بمقدار 15 %. وهو ما يعني عبئً  إضافياً على أصحاب الدخول في حدود 900 يورو شهرياً بمقدار 8 يورو وعلى أصحاب الدخول في حدود 3800 يورو شهرياً بمقدار 35 يورو. وهو ما يعني أن التأمين الصحي سيكون أغلى للعمال والفلاحين بمقدار 7.65 % ولموظفي الدولة بمقدار 7.45 % وللعمالة الحرة بمقدار 7.25 % ولأصحاب الأعمال الحرة بمقدار 9.25 %. ومن المتوقع تقديرياً أن تأتي هذه الزيادة بمبلغ يقدر بـ 150 مليون يورو لخزينة التأمين الصحي المعتلة.

ضرائب الوقود:

اتفق الطرفان على زيادة الضريبة على الوقود بمعدل سنت واحد على لتر البنزين وثلاثة سنتات على لتر الديزل. وهو ما يعني أن سائق سيارة ديزل يقودها بمعدل 10000 كم سنوياً سوف تزداد تكلفته بمقدار 32.4 يورو، ومن يقود سيارته 15000 كم سنوياً فعليه أن يدفع زيادة قدرها 48.6 يورو، أما لـ 20000 كم سنوياً فالزيادة قدرها 64.8 يورو. وإن كان على قائدي سيارات البنزين أن يدفعوا أقل قليلاً من نظرائهم قائدي الديزل، فقائد سيارة بنزين لمسافة قدرها 10000 كم سنوياً عليه أن يدفع زيادة قدرها 10.8 يورو، ولمسافة 15000 كم زيادة قدرها 16.2 يورو، أما لمسافة 20000 كم سنوياً فالزيادة قدرها 21.6 يورو. ومن حصيلة ما تقدم يتوقع الخبراء دخلاً سنوياً لخزينة الدولة قدره إجمالاً 300 مليون يورو. وليس فقط، ولكن أيضاً سيتم رفع رسوم المرور على الطرق السريعة ـ ماوت ـ من 22 سنت إلى 26 سنت لكل كيلومتر.

مستحقات الطفولة:

وعلى الآباء مستقبلاً أن يختاروا بين أن يحصل أحد الأبوين على 800 يورو شهرياً لمدة أقصاها 15 شهر على أن يرعى الطرف الآخر الطفل لمدة لا تقل عن 3 شهور. وفي هذا الحل ـ من وجهة نظر الحزب الاشتراكي ـ دافعاً إيجابياً في المستقبل لسرعة العودة إلى الحياة العملية وخصوصاً بالنسبة للنساء. أما الاقتراح الآخر فهو أن يأخذ الأبوان  إجازة رعاية للطفل لمدة 36 شهراً بحد أقصى ويحصل كل منهما خلالها على 436 يورو شهرياً.

قانون الانتخاب:

وقد أتى الائتلاف في هذا الأمر بمفاجأة للجميع إذ اتفقوا على تحديد السن الأدنى للانتخاب مستقبلاً بـ 16 سنة كاملة بدلاً من 18 سنة حالياً. كما واتفقوا على أن تكون مدة الدورة البرلمانية 5 سنوات بدلاً من 4 سنوات كما هو الحال حالياً. على أن يبدأ العمل بهذه التعديلات بداية من سنة 2010 وهذا بالطبع إذا ما استمر الائتلاف قائماً حتى هذا التاريخ. وأيضاً مجدداً اتفقوا على جواز التصويت بالبريد لمن يتعذر عليه الحضور شخصياً للجنة الاقتراع كما ويتم العمل بنشاط لإنشاء وتفعيل الاقتراع الإلكتروني.

قانون الأجانب:

وفي لقاء وكالة الأنباء النمساوية مع وزير الداخلية جونتر بلاتر ـ وزير الدفاع الأسبق ـ يصرح أنه ورغم الانتقادات الحادة للحزب الاشتراكي بخصوص قانون الأجانب، فسيظل العمل بالقانون المتشدد الحالي الذي تم اعتماده في الدورة البرلمانية السابقة دون أي تخفيف، ويؤكد رفضه القاطع لأيِ من مقترحات الاشتراكيين في هذا الشأن، فلن يتم زيادة عدد المهاجرين بل وعلى العكس فربما يتم تخفيض العدد والحكم في ذلك سيكون هو احتياج سوق العمل. ويقول: "لقد استطعنا فعلياً تخفيض عدد المهاجرين بشكل حاد وأعتقد أن هذا مفيد لبلادنا". وأيضاً سيستمر الالتزام بالسياسة المعمول بها بخصوص اللجوء السياسي تلك التي أدت إلى انخفاض حاد في طلبات اللجوء المقدمة للوزارة. وسيتم تفعيل إجراءات حصول الزوج أو الزوجة ـ من غير بلدان الاتحاد الأوروبي ـ على تصريح الإقامة من بلد المنشأ ويقول الوزير: "هنا تظهر الخطورة ومن ثم استغلال الزواج كأداة للإقامة غير المشروعة".    

وفيما يلي تعليقات مقتضبة من أقوال المعارضة:

رئيس الخضر ألكسندر فان دير بيلين يقول: "لقد أخذ الاشتراكيين الناخبين بوعود براقة في الحملة الانتخابية، حاملين إليهم الآمال بكل ما يطلبون، والآن لا نرى شيئاً منها في برنامج الائتلاف المقترح، غير أن الحكومة الحالية ليست إلا تكميلاً لنفس خط حكومة شوسل ـ أسود / برتقالي السابقة فقط رئيس الوزراء اشتراكي. لقد خيب الاشتراكيون ظن ناخبيهم ولم يفوا بوعودهم".

رئيس حزب الأحرار هاينز- كريستيان اشتراخى يقول: "لقد باع الاشتراكيون الجمهورية لحزب الشعب بأبخس الأثمان، ألا وهي أن يكون رئيس الحكومة اشتراكي ـ أحمر- وإننا حزب الأحرار ـ الزرق ـ مترقبون كيف ستنتهي المفاوضات بشأن الأيروفايتر وكذلك تطبيق الاقتراحات الخاصة برسوم التعليم الجامعي. وليس فحسب ولكن أيضاً كيف سيسوق جوزينباور نفسه لأعضاء الحزب الاشتراكي بعدما خيب أمال ناخبيه وبتنازله عن وزارتي المالية والداخلية لحزب الشعب".

رئيس اتحاد مستقبل النمسا، بيتر فيستنتالر يقول: "إن الاتفاق المبرم بين المتآلفون ليس إلا تسليم كل طرف بشروط الطرف الآخر ورضوخ لضغط الظروف. لقد سقط جوزينباور في اختبار الأيروفايتر وأيضاً في امتحان رسوم التعليم الجامعي حتى لقد خلع سرواله تماماً في الأيام الأخيرة لمفاوضات الائتلاف، بينما استطاع حزب الشعب أن يفوز ويؤكد سيادته في استمرار سياسته في زيادة الأعباء الاجتماعية وفي سيادسه في تقويض السياسة التعاونية للحزب الاشتراكي.

وفي 10/1/2007 يقترح الحزبان أسماء الوزراء الستة عشر وستة وكلاء وزراء بالمناصفة وقبل ظهيرة يوم الجمعة 12/1/2007 يقف د. ألفريد جوزينباور ليؤدي ـ ووزارته الأولى - اليمين القانونية أمام رئيس الجمهورية د.هاينز فيشر.

 

الانتخابات البرلمانية 2008

نهاية الائتلاف الحاكم 2006

 

وفي يوم السابع من يوليو 2008 يقف فيلهيلم مولتيرار رئيس حزب الشعب، ونائب المستشار النمساوي منفردا ليعلن نهاية ائتلاف حزبه مع حزب الاشتراكيين. الأمر متوقع وليس بغريب. ولكن الغريب هو تعليل فك الارتباط الائتلافي، ألا وهو أن حزب الشعب لا يمكن له أن يتعامل مع حزب له رئيس غير المستشار، وكأن أمر اتحاد المركزين ضرورة لازمة للعمل الحزبي والسياسي في الدولة، سيما واستمرار الائتلاف، ونسي ذاكرة التاريخ يوما كان فيه المستشار فرانز فرانسكي مستشارا للنمسا في ائتلاف ناجح مع حزبه بينما كان المستشار الأسبق فريد سينوفاتز يرأس الحزب، وظل الأمر كذلك لمدة عامين دون مشاكل بين الحزبين المؤتلفين.

 

وربما رجحت وجهة النظر القائلة أن السياسيين في هذا الزمان كانوا يمارسون سياسة ترعى مصالح الشعب وتلتزم بالمصالح العليا للدولة، أما في بداية القرن الواحد والعشرين فقد أفسد تزاوج المال والسلطة كل ممارسة سياسية صحيحة، بغض النظر عن مصالح الشعوب، وإنما تثبيت الطبقة الحاكمة، والتي هي في حالتنا طبقة الرأسماليين، شديدة الشراسة في إبقاء النفوذ متحدا مع السلطة، حفاظا على مآربهم من السلطة واستمراراً لمصالحهم الطبقية.

رئيس حزب الشعب لا ينتظر كثيراً، إذ ما لبث أن أعلن انهيار الائتلاف، إلا ويفتح نيران الحملة الانتخابية الشرسة، في نفس التوقيت، مع إعلانه منفردا انحلال ما كان بين حزب الشعب وحزب الاشتراكيين من ائتلاف حاكم، في كلماته الواضحة للصحافيين في مؤتمره، العاشرة صباحا يوم الاثنين السابع من  يوليو: السيدات والسادة كفاية، إذ لم يعد ممكنا العمل في حكومة اتحادية، مثل هذه الحكومة، ولقد قررت الهيئة العليا للحزب إنهاء الائتلاف الكبير، ونقترح انتخابات سابقة لميعادها. إنه قرار صعب، ولم يكن من السهل علىّ أن أقدم على هذه الخطوة، ولكنها خطوة في مصلحة النمسا، النمسا بشكل أفضل. ولا يمكنني من خلال اختصاصاتي ومسئوليتي تجاه الدولة، أن أقف متفرجا وأزمة حزب الاشتراكيين تنتقل من داخله لتكون أزمة للدولة، النمسا. ويوضح السبب: أنه تخبط الحزب الاشتراكي فيما يتعلق بأمور الاتحاد الأوروبي.

مولترار يجيب على سؤال صحافي بالكاد، أنه سيكون على رأس قائمة حزبه في الانتخابات المزمعة. ويوضح في أسباب ما ذهب إليه من حل الائتلاف الحاكم، أن حزبه يريد حزبا واحدا يحكم البلاد، حزب له خط واضح في مختلف القضايا التي تخدم مصلحة بلادنا، بلادنا النمسا على حد قوله. ويقول إن القضايا المطروحة هي الغلاء وتخفيض الضرائب. ثم يردف القول: نحن لا نعد بما لا يمكن أن نحققه. الخبراء الاستراتيجيين لا يرجحون صيغة جديدة لائتلاف أسود أزرق، وربما نما اعتقاد متزايد بأفضلية ائتلاف أسود أخضر على غرار الائتلاف في النمسا العليا.

وعلى بعد مائتي متر من مقر حزب الشعب تنعقد جلسة خاصة للهيئة العليا لحزب الاشتراكيين، لاتخاذ ما يلزم تجاه خطوة حزب الشعب المنفردة، والذي بدوره يؤيد تحت تأثير الصدمة ـ وإن كان مولترار قد أخبر الاشتراكيين قبل وقت قصير من مؤتمره الصحافي بعزمه ـ يؤيد إقامة انتخابات برلمانية سابقة لأوانها، ويقرر أن يكون رئيس الحزب فايمان على رأس القائمة، فيما يعلن جوزينباور استقالته من منصب المستشار.

2-     وفي النهاية يقرر مولترار منفردا حل الائتلاف

حزب الشعب يقرر بصعوبة إجراء انتخابات جديدة حيث يأخذ رئيس الحزب مولترار قراره منفردا بمساندة ذوي النفوذ الحزبي. وفيما يلي بروتوكول القرار كما نشر في الصحف  يوم الثلاثاء 08 يوليو 2008.

الجمعة 26 يونيو:

في يوم الخميس قبله يرد الثنائي الاشتراكي فايمان - جوزينباور على خطاب لقارئ في صحيفة نيو كرونى يؤيدون فين الاستفتاء الشعبي على مسار الاتحاد الأوروبي، مما صدم حزب الشعب. في اجتماع مصغر لقيادة حزب الشعب ضم رئيس الهيئة البرلمانية فولفجانج شوسل ووزيرة الخارجية أورسولا بلاسنيك ووزير الزراعة يوسف برول والجنرال هانز ميسيتون يشرح مولترار استراتيجيته لطرح انتخابات مبكرة كما فعل رئيس الجمهورية في عام 1995.

الأحد 29 يونيو:

تجتمع لجنة الائتلاف الحاكم حيث نرتفع الأصوات في مناقشة صاخبة، ولكن الحزب الاشتراكي يبقى محافظا على خطه السياسي تجاه الاتحاد الأوروبي.

الثلاثاء 1 يوليو:

تلتئم نخبة حزب الشعب من مولترار ويوسف برول وشوسل وبلاسنك لتلتقي الرئيس الاتحادي فيشر متوقعين المساعدة منه. لكن الرئيس فيشر يقرر أن سياسة البلاد تجاه الاتحاد الأوروبي لا يقررها الرد على خطاب لقارئ في إحدى الصحف. ومن ثم قرر مولترار زيادة الضغط على الحزب الاشتراكي ويبلغ خطته لذوي التأثير في الحزب تليفونيا.  

الجمعة 4 يوليو:

بعدما حاول رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الاشتراكيين يوسف تشب تليين موقف حزبه تجاه مسألة الاتحاد الأوروبي، بقوله: لا قرار بشأن الاتحاد الأوروبي بدون نعم صريحة من حزب الشعب، ليزيد الطين بله بمعارضة هذا التصريح بشكل سافر لما أدلت به سابقاً الأمين العام للحزب دوريس بوريس من تصريحات في مؤتمر صحافي لم يجف مداده بعد. ومن ثم حسم مولترار رأيه. لم يعد يصلح الائتلاف لقيادة سياسية للبلاد، كاف ما حدث وزيادة. وعليه فقد دعي مجددا رؤساء المقاطعات لاجتماع عاجل على مستوى القمة.

الأحد 6 يوليو:

يذهب مولترار إلى اللقاء الأوروبي بـ جوتفايج وفيه يهدد ويتوعد الحزب الاشتراكي مجدداً. وفي إفطار لمدة ساعتين يبارك مولترار الخطط القديمة لحاكم مقاطعة النمسا السفلى اروين برول الذي كان متشككا من قدرة الاشتراكيين للحكم تحت إمرة جوزينباور، ورغم ذلك قرر مولترار وقتها بدء المفاوضات لقيام ائتلاف بين حزبه والاشتراكيين. وفي الساعة السابعة والنصف من مساء اليوم ذاته يجتمع نائب المستشار مولترار مع حكام المقاطعات بغياب اروين برول. مولترار يشرح للنافذين في حزبه وجهة نظره ومفادها أن يعاجل الاشتراكيين بضربة استباقية قبل انعقاد الهيئة العليا للحزب يوم الاثنين التالي، والتي تتمخض عن عرض سخيف بديلاً عن الانتخابات السابقة لأوانها، وهو الأمر الذي يرغبه مولترار وأقره عليه النافذين في حزبه. 

الاثنين 7 يوليو:

يلتقي مولترار جوزينباور في مكتب المستشار ويبلغه بما ذهب إليه وقرره، ثم يبلغ قراره لـ فايمان رئيس حزب الاشتراكيين وللرئيس الاتحادي تليفونيا.

ويخرج مولترار إلى الصحافة في العاشرة من صباح الاثنين ليلقي بيانه وينهي الائتلاف مع الحزب الاشتراكي، ويعلن موافقة الاشتراكيين على إعلان الانتخابات قبل موعدها والتي ربما تكون في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2008.

ومن الأعراف غير الملزمة التي استقرت، أن الانتخابات تكون بعد واحد وستين يوما من الإعلان الدستوري الرسمي لفك الارتباط الائتلافي الحاكم، وعليه يكون الميعاد حسب هذه القاعدة هو الأسبوع الأخير من سبتمبر حيث من المنتظر أن يكون الإعلان الدستوري في الأسبوع الثاني من يونيو.

 

 

أعداد : مهندس ياسر شلال

 

 

الأرشيف