أكثر من رأى

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ د. كلاوس رينولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

 

 د. صفاء رومايا

  1 

 

شهرزاد..

المطربة المصرية

 

ذكرى الماضي الذي قضى..

وعبق الزمن الجميل الذي بقى

 

شهرزاد المطربة المصرية..

سمراء النيل.. المنقوشة في الحجر

 

مطربة عصماء مترفعة في وداعة.. واثقة من نفسها، كما لو كانت فعلاً نقشاً في حجر كما ذكرت قبل قليل.. متعالية لأبعد الحدود، ولكن أي تعال.. تعالي الذين لا يسمحون لأحد بالتعالي عليهم.. عطاؤها ظلٌ دائم، وفنها مستديم، ومسيرتها واثقة.. لم تعرف في يوم من الأيام التبجح ولم يركبها الغرور.. لم تنوء في لحظة أو ساعة تحت انفعالات النفس، ولم تنتفخ أوداجها لأنها استمرت تغني أربعين عاماً بلا طبل أو زمر أو هتاف.. لحن لها عمالقة الملحنين من عبد الوهاب إلى رياض السنباطي إلى فريد الأطرش إلى أحمد صدقي إلى محمود الشريف، وغيرهم، من بقية عمالقة ذلك الزمان الوردي الزاهر المتنوع والدقيق والمدروس بكل عمق في كل ما قدم وسمعناه في تلك السنوات الغابرات الساحرات.

من شيمة شهرزاد التواضع، ونكران الذات، مع أنها وردة زاهرة وسط كثير من الأشواك.. مقيمة على حب الغناء، سخية فيه مضحية له، وأي إحساس إنساني أنبل من هذا الحب.

هذه هي شهرزاد، قد لا يعرفها كثيرون من إخواننا المغتربون هنا، أو حتى لم يسمعوا بها، ولكني آليت على نفسي، ومنذ زمن، أن أواصل إيصال هذه الرسالة الفنية السامية إلى كثيرين ممن يهمهم هذا المجال، وحتى من لا يحبون، قد يحبون مستقبلاً، أن يعرفوا الكثير عن تلك الحقبة الغنائية الزاخرة في القرن العشرين بكل ما له.. وسأحاول أن أكتب مستقبلاً عن أعلام الفن والغناء من العراق وسوريا وتونس ولبنان وبقية أقطار العرب. لكن مصر والنجوم الذين تلألئوا  في سماءها ظلوا محفورين في ذاكرتنا، واشتهروا أكثر بكثير من زملائهم وزميلاتهم في بقية الدول العربية لأن مصر كانت ولا زالت وستبقى "هوليود الشرق".

هل تصدقون أن "شهرزاد" هو اسمها الحقيقي، نعم، ولهذا الاسم قصة، فأثناء حمل والدتها بها قرأ أبيها للمرة الأولي حكايات ألف ليلة وليلة، وأعجب بها جداً، وتمنى على إثر ذلك أن يطلق على المولود القادم اسم شهرزاد؛ إن جاء أنثى، أو شهريار إن جاء ذكراً.. وحين وضعت الأم بنتاً أطلق عليها اسم شهرزاد. والتي غدت حين كبرت، صوت يأتي من أعماق مصر، وهو صوت يمتاز بعمق الأصالة والقوة والإحساس.. صوت منح ملايين المستمعين العرب المتعة السمعية، صوت مشحون مملوء يتدفق طرباً حتى الترنح.

ورثت عن أبيها حب الغناء وعشقت أم كلثوم وأغانيها، وكانت تردد تلك الأغاني على مسمع من زملائها في المدرسة، وتلك كانت بدايتها في الغناء، وأهم أسباب تعلقها بعالمه فيما بعد.. كانت شهرزاد حريصة كل الحرص على متابعة الحفلات الشهرية لأم كلثوم..  وفي أحد الأيام دعتها زميلة لها في المدرسة لحضور حفلة عيد ميلادها، وكانت والدة صاحبة الحفلة ممثلة.. وحضر وقتها كبار الفنانين، أنور وجدي وزوزو شكيب وزكي طليمات وغيرهم.. وفي الحفلة غنت شهرزاد رائعة أم كلثوم "يا طول عذابي" وبعد أن أبدعت في غناءها عرض عليها المخرج المسرحي زكي طليمات تمثيل وغناء دور البطولة في أوبريت "العشرة الطيبة" على مسرح الأوبرا ـ في حينه ـ مع كارم محمود وحسين رياض، ورفض والدها في البداية فكرة احترافها الفن، لكن طليمات نجح في إقناعه، وحضرت أم كلثوم حفلة الافتتاح وأعجبت بصوتها واستدعتها بعد نهاية العرض لتحيتها، ووقفت شهرزاد أمامها مبهورة.. وتشاء الأقدار أن تكون أم كلثوم السبب في زواجها من محمود رمزي، عازف التشيللو الأول في فرقتها، وكانت شهرزاد  قد تعرفت عليه في معهد الموسيقى العربية وطلبت منه أن يأخذها لتحضر بروفة من بروفات سيدة الغناء العربي، وفعلاً أخذها معه مستجيباً لطلبها، وقدمها لأم كلثوم التي كانت قد رأتها من قبل كما أسلفنا، لكن محمود رمزي قدمها بقوله: هذه شهرزاد، وهي مجنونة بك يا ست الكل، فقالت أم كلثوم: أعرفها وسيكون لها مستقبل فني كبير، لماذا لا تتزوجها.. رد رمزي ضاحكاً: موافق، بشرط أن تغني في فرحنا، وفعلاً حدث ذلك، واحتفلوا بالفرح في بيت الشاعر أحمد رامي، وغنت لهما أم كلثوم "افرح يا قلبي لك نصيب، وأنا في انتظارك" وكانت ليلتها شهرزاد أسعد عروس لأن أم كلثوم أحييت فرحها وليلة زفافها.

في بداية حياتها الفنية قدمت مجموعة كبيرة من الأوبريتات مثل "العشرة الطيبة" و"ليلة من ألف ليلة" وغيرهما.. والصوت الذي يجيد الغناء فن الأوبريت لابد أن يكون صوتاً قوياً ومدرباً على الغناء الشرقي والغربي، ولذلك التحقت شهرزاد بمعهد الموسيقى العربية لدراسة السولفيج، على يد الفنان الإيطالي "بروتيتي" عازف التشيللو في فرقة الأوبرا المصرية، وعبره تعرفت على الشيخ بدوي ناصر الذي علمها عبر تدريباته الصوتية كيف تبحر بأدائها أعلى الصوت وأسفله.

أهم المحطات الغنائية في مشوارها الفني:

? المحطة الأولي:

تعرفت شهرزاد على العملاق رياض السنباطي قبل احترافها الغناء عبر شقيقها شفيق، الذي كان يدرس العود في معهد الموسيقى العربية، وكان صديقاً للسنباطي، ويومها غنت له "النوم يداعب جفون حبيبي" وهي من روائع ألحانه لأم كلثوم، كما غنت له "يا طول عذابي" وهي أيضاً من الروائع التي لحنها لأم كلثوم، فأعجب بصوتها ووعدها مؤكداً أنه سيلحن لها عندما تكبر.. وكان أول لحن قدمه لها السنباطي "أول ما جيت في الميعاد" كلمات حسين السيد، وبه تقدمت لامتحان الإذاعة ونجحت بهذا اللحن وبدأ اسمها يشتهر ويتردد في الوسط الفني.. وتوالت ألحان السنباطي لها إلى ما يزيد عن عشرين لحناً، منها "اديني من وقتك ساعة" و"حكاية المنديل" و"كدابين"، لكن رائعة الروائع السنباطية لشهرزاد كانت "يا ناسيني" ومقدمتها الموسيقية بمثابة سيمفونية شرقية عزف خلالها السنباطي خلف شهرزاد وانفرد بصولو منفرد على العود. كانت تلك النغمات تضيء وتبرق وبعد النجاح المدوي الذي أحدثته "يا ناسيني" طلب عبد الوهاب أن يراها عن طريق زوجها عازف التشيللو  محمود رمزي، وبالفعل ذهبت إليه وقابلته ولحن لها أغنيتين "في ظل الورد" و"في القلب هنا" ونجحا معاً، وبعدها لحن لها فريد الأطرش أغنيتين كذلك هما "أديني ميعاد وقابلني" التي غناها هو أيضاً كما لحن لها أغنية "خللي بالك مني".

? المحطة الثانية:

كانت من ألحان محمود الشريف، وهو صاحب اللحن الأول الذي غنته في حفلة على الهواء من مدينة كفر الشيخ في أوائل الخمسينيات وهو لحن اشتهر جداً "بعتلك جوابي وليه ماجاني الرد"، كما لحن لها "أحب اسمك" و"أحلى الذكريات" وغيرها. ثم التقت بالملحن القدير أحمد صدقي الذي لحن لها الكثير من الأغنيات التي مست أوتار القلوب مثل "سألت على البخت" و"جاني مرسالك" و"3 وصفات" و"في قلبي حكاية".

? المحطة الثالثة:

كانت  عبر ألحان آخر جيل العمالقة، كمال الطويل وبليغ حمدي وعبد العظيم محمد ومنير مراد ومحمد سلطان وحلمي بكر..

لم تقدم شهرزاد ولم تشترك في أفلام سينمائية، بالرغم من ظهور صوتها في مجموعة من الأفلام مثل أفلام زينب وأمير الدهاء وأمير الانتقام.. وعذر شهرزاد في ذلك انشغالها الشديد بالمسرح الغنائي.. وتعليقي أنا على ذلك: يا ريت يا ريت اعتنت شهرزاد بقوامها أكثر وقللت من مكياجها، وعجبي كل العجب أن أحداً لم يتحدث معها في هذا الشأن من مدير أعمالها إلى زوجها إلى كل العظماء المحيطين بها.. شهرزاد لو كانت قد فعلت ذلك لكان لها شأن آخر في مسيرة الغناء العربي.

أطلق عليها لقب "مطربة الثورة" ولهذا اللقب قصة أوردها الرئيس السادات في كتابه "صفحات مجهولة" حيث دعيت للغناء قبيل الثورة في سلاح المشاة، وقبل صعودها على المسرح فوجئت بسحب الميكرفون من أمامها، فنزلت غاضبة، مما اضطر محمد نجيب الذهاب إليها ومراضاتها وأفهمها أنها ليست المقصودة، واستطرد يقول لها: يكفيك شرفاً أنك ستغنين أمام آلاف الضباط، وفعلاً ظهرت من جديد على المسرح واستقبلها الضباط بعاصفة من التصفيق.. وحكاية سحب الميكرفون التي لم تنتبه لها شهرزاد كان وراءها أسباب سياسية، فحيدر باشا قائد الجيش آنذاك أمر بعدم إذاعة الحفل على الهواء من الإذاعة المصرية بسبب صراعه نع مجموعة الضباط الذين كانوا ضد القصر ومن بينهم نجيب.

والحفلة التي لم تنساها المطربة شهرزاد حفلة تونس التي أحيتها أمام الحبيب بورقيبة وزوجته، وكان المسرح الذي غنت فيه لا يتسع لأكثر من 8000 كرسي، لكن الجمهور الذي حضر فاق الـ 12000 وسهر بورقيبة إلى الساعة الواحدة صباحاً. ورغم أن عبد الحليم حافظ كان قد جاء إلى تونس قبل أسابيع ليحيي حفلة مماثلة، فلقد استأذنه بورقيبة في تمام العاشرة مساء وذهب لينام لأنه مريض.

ترفض شهرزاد رفضاً باتاً توزيع أغانيها القديمة. هي ترى أن التوزيع الجديد لا يضيف شيئاً إلى عراقة التوزيع القديم.

شهرزاد راضية تماماً عن كل ما غنته لأنها كانت تختار دائماً أغنيات لها معنى وهدف، وكل أغانيها كانت تختارتها بدقة وعناية.

هذه هي شهرزاد، ولو كانت غير شهرزاد لكانت أكثر بريقاً أمام الأعين، ولكنها تعتقد أن هذا بريق لا تكبر به ولا يمكن أن يعكس صورة أخرى لها مغايرة.. شهرزاد وحدها ظلت تقاوم الزمن وتقاوم الفن الرديء، وظلت راسخة القدم شديدة المراس، إنها فنانة مختلفة عن غيرها، لكننا لا نختلف أبداً في أنها من أقدر المطربات في الغناء وفي قهر الزمن وأنها عسل وسكر، عسل حبيبها زي العسل وغناؤها وصوتها وأدائها زي العسل.

 

 

  2 

واحة ذكريات الزمن الجميل.. والفن الجميل

أمير الكمان.. سامي الشوا

 

ربما كان إعدادي لإحياء ليلة محمد عبد الوهاب (28 حزيران/يونيه 2007) وتركيزي في المركز الثقافي المصري بفيينا، ودراستي وقراءتي أشهر طويلة في سجل ذلك الموسيقار العملاق وتركته الثمينة، وإصغائي لنقرات العزف والمرافقة من قبل كبار وعظماء العازفين ذلك الزمان.. كل ذلك جعلني أكتب هذه المرة عن أمير الكمان الموسيقار "سامي الشوا" الذي كان له دور وشأن كبيران في تعليم عبد الوهاب موسيقار الأجيال النوتة الموسيقية ومرافقته إياه في بدء حياته الفنية في قسم من روائعه على آلته الكمان.  وسامي الشوا هو بحق مُنطقُ الوتر وابن حلب الشهباء الفذ وفخرها.

وُلد في شهر تموز/يوليو من العام 1885، ورحل عن دنيانا في العام 1965. وقد نشأ في أسرة موسيقية عريقة.  ومن شواهد عبقريته أنه كثيراً ما كان يرتجل الألحان ارتجالاً فإن أطربته النغمة وطرب لها سامعوها كررها فحفظها من دون أن يرسمها.  وله كتاب طبع سنة 1946 بعنوان "القواعد الفنية في الموسيقى الشرقية والغربية".   فليس غريباً أن يلقى سامي الشوا الحفاوة والتكريم في كل بلد جاء إليه في الوطن العربي وبلاد المهجر، وأن يخصه كبار وعظماء الشعراء بالثناء والتقريظ والحديث عن مآثره وفنه وعبقريته الموسيقية أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم وشيوخ الشعر ذاك الزمان من العراق معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي وشعراء من لبنان "خليل مطران، وإيليا أبو ماضي، وأخيراً وليس آخراً شاعر الأطلال الدكتور إبراهيم ناجي، وغيرهم كثير.  وإن كنا قلنا أن سامي الشوا من حلب فلا أحد يستطيع أن ينكر أن هذه المدينة الخالدة قدمت لنا لفيفاً من الموسيقيين يُفاخر بنبوغهم الفن الصادق الأصيل.  وكل من ألم بتاريخ اللحن والوتر يجاهر بأن حلب كانت في الطليعة التي أولت فن الغناء والموسيقى عنايتها، وأنها أهدت إلى عالم الفن عازفين وملحنين ومغنين طبعت أسماؤهم في سجلات الخلود منهم "أنطون الشوا"، والد سامي الشوا، وجميل عويس، وزكي مراد والد "ليلى مراد"، وعمر الفقش، وبكر الكردي، وغيرهم.  وقد أنجب "أنطون الشوا" والد سامي الشوا ثلاثة أبناء كلهم نوابغ موسيقيون في مقدمتهم سامي الشوا.  كما نبغ الوالد نفسه في عزفه على آلة الكمان وكان يُدعى إلى عواصم عربية كثيرة.  وربما كان جميل تذكير أهل حلب الكرام بأن سامي الشوا ولد وترعرع في دار ملاصقة لجامع حي الهزازة بحلب ما زالت تُعرف إلى اليوم بـ "حوش بيت الشوا".  نشأ سامي في هذا البيت العريق بالفن فأحب الموسيقى حباً ملك عليه جميع مشاعره، وأدرك بذكائه الوقاد أن بقاءه في حلب لا يُرضي طموحه ولا يوسع دائرة فنه وإبداعه، فتوجه عام 1905 إلى القاهرة واحة الفن وقلعته، وما هي إلا بضع سنوات حتى عمت شهرته جميع أنحاء مصر، فتسابقت شركات الاسطوانات على تسجيل إبداعاته في التقاسيم والبشارق والسماعيات، وفي طليعتها "شركة بيضافون"، وكذلك شركات أخرى أمثال جرامافون واوديون وكولومبيا.  كما فتحت أمامه أبواب القصور الملكية، فقلد أرفع الأوسمة، وأطلق عليه لقب "أمير الكمان". والحق أنه كان أميراً في دولة الفن والموسيقى.. ولم يعرف الشرق أقدر منه في إخضاع تلك الآلة الموسيقية التي كانت تتكىء بجانب أذنيه باسترخاء وحنان تستوحيه الروائع. وإلى ذلك يشير أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدة طويلة عصماء حيّاه بها، نأتي ببعض الأبيات منها هنا:

هذا أوان الثناء العـدل قد آنا

لولا بنانك لم تجعل لها شأنا

بجانب الأذن تستوحيك شيطانا

من كل ناحية ينساب أشجانا

ضم الوليدة إشفاقا وإحـسانا

يا واحد الفن في أشجى معازفه

تلك اللعيبة من عود ومن وتر

قد آنست رحمة في الصدر فاتكأت

كأنها عش طير هاج أهله

ضممتها وتواصت راحتـك بها

وكما أسلفنا من قبل، فإن شوقي لم يسكر وحده بسلاقة فن الشوا، وإنما شعراء آخرون كثيرون ذكرناهم من قبل سكروا وترنحوا وانتشوا بآلته ورنحتهم نشوتها، فوصفوا عزفه وصفاً دقيقاً رائعاً، وتغنوا برقة ألحانه وأغاريد كمانه، وأجمعوا على أنه ذو مقدرة خارقة في تطويع الوتر الأصم، وكان الشوا خير سفير للموسيقى العربية، فرحل إلى معظم البلاد الأوروبية، وزار الأميركيتين مراراً حاملاً رسالة الفن العربي. وكان أينما حل يقابل بأروع مجالي الحفاوة والتكريم. وسمع به كبار العازفين الألمان فدعوه إلى الكونسرفتوار الألماني، وما كاد يعانق كمانه ويداعب الأوتار حتى تملكهم الإعجاب الشديد وهزتهم النقرات الناعمة والأوتار المطيعة والألحان الجديدة المعبرة أصدق تعبير عن كوامن النفس وعواطف الفؤاد، وقد كرموه بأن سجلوا معزوفاته وحفظوها في معهدهم بين معزوفات بيتهوفن وموتسارت وشوبرت وباخ، وهذا لعمر الحق أكبر فخر لأمته وبلاده.

في القاهرة، التقى بأئمة الشعر والفن والنغم، ودخل أشهر أندية القاهرة حيث كان يتطوع بالعزف في الحفلات الخيرية والمهرجانات القومية والأدبية. ويكفي أنه رافق عبد الوهاب عزفاً على آلته في جل روائعه الغنائية والموسيقية.  في العام 1931 سافر إلى برلين والتقى بالعازف العالمي على آلة الكمان الشهير "كوجليك" الألماني الذي كانت أبرز مزاياه أنه كان يعزف القطع الموسيقية لأشهر الفنانين العالميين دون الاطلاع على أوراق النوتة، وتلك معجزة فنية فذة أسبغت عليه لقب "شيطان الكمان". وقد سمع هذا الأخير سامي الشوا حين عزف قطعة "جفته تيلي"، المشهورة ببدوي في الصحراء من مقام الحسيني وجال بقوسه بين المقامات المطربة فأبدع حتى رسا على مقام "نواكردي" وهو مقام لا يستعمل في الموسيقى الغربية.  وقد أعجب "كوجليك" بإبداعات سامي الشوا أيما إعجاب.

شارك سامي الشوا أشهر العازفين على آلات العود والقانون والناي، أمثال علي الرشيدي ومحمد القصبجي وإبراهيم عبد العال، والد عبود عبد العال، عازف الكمان الشهير في زمننا الحالي وكذلك محمد العقاد الكبير وإبراهيم العريان. تراثه لا يمكن حصره فهو تركة كبيرة وعظيمة وثمينة بين البشارق والتقاسيم والتحميلة والرقصات منها ماهو واضعها ومنها لمؤلفيها من الفنانين الأتراك والمصريين، ومن أشهرها "رقص بنات الليل" مع تخت سامي الشوا، لونكا فرح فزا مع سامي الشوا ونوري الملاح وإبراهيم عبد العال.  كما اشترك هؤلاء الثلاثة في سماعي بستنكار، كما شاركه علي الرشيدي في بشرف حجاز همايون عزفاً على القانون، تغريد العصافير صولو لسامي الشوا وحده، مارش رمسيس مع منصور عوض، تهليل الولد صولو لسامي الشوا، ورقص الهوانهم مع شحادة سعادة، ولا مجال لتعدادها جميعها أو حصرها.  كما رافق كبار المطربين والمطربات في النصف الأول من القرن العشرين وعلى الأرجح الربع الأول منه.  من أولئك المطربين عبد الحي حلمي والشيخ أبو العلا محمد "أستاذ أم كلثوم" الذي كان موسيقياً وملحناً ومبدعاً بنفس الوقت، وكذلك عبد الوهاب وأم كلثوم وفتحية أحمد وخيرية السقا وسكينة حسن وغيرهم صدحوا على ومع آلة سامي الشوا.  وحين أتت فرقة رباعية من العازفين الإيطاليين في عهد الملك "فؤاد الأول" وأقاموا حفلة على شرف الملك، طلب الملك من الشوا أن يسمعهم قطعة شرقية على كمانه، فقال هو للملك:  يا صاحب الجلالة، سأسمعهم القطعة التي عزفوها، ذاتها، وهذا يدل على الاعتداد بالنفس والمقدرة الفائقة.

ويحل مساء الجمعة 31 كانون الأول/ديسمبر، نهاية عام وبداية عام، ويرحل سامي الشوا عن دنيانا بعد عمر زاهر طويل ملئ بالعطاء الكبير، يرحل صاحب معزوفة الله أكبر الشهيرة.  استأثرت المنية بروح العازف العبقري وألحد الثرى مع أسرار.... ويتخلى أمير الكمان عن كمانه، ويبتعد عن أهله وخلانه وعشاق ألحانه، بعد أن أدى رسالته الفنية على أكمل وأجمل وجه وأشرف قصد وبعد أن ارتفع بموسيقاه إلى مصاف الموسيقيين العالميين الخالدين على مر الزمن.

كتب عنه الكثير، ونعته كل المحطات العربية، وكتبت عنه أقلام عربية كثيرة، وكذلك بعض المجلات والجرائد الأجنبية والعالمية وأشادت بعبقريته الفنية، رحمه الله بقدر حبه لوطنه وفنه وأهله وآلته وقوميته العربية.

ورحم الله معه كل الخالدين.

 ..................................

* صيدلي ومطرب ومؤرخ فني، مقيم في العاصمة النمساوية فيينا

الأرشيف