أكثر من رأى

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ د. كلاوس رينولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

فيصل حوراني

"حماس"

بين الغيب والواقع 

"حماس" هي جزء من حركة الشعب الفلسطيني ضد العدوانية الإسرائيلية. وهي في الوقت ذاته جزء من حركة الإخوان المسلمين الدولية. ولا يستقيم الحديث عن "حماس" إلا حين يولي هاتين الحقيقتين أتمّ الاعتبار. فهاتان الحقيقتان هما اللتان ترسمان موقع الحركة الإسلامية الفلسطينية في الوطن كما في الشتات، وهما اللتان تحددان حجم دورها في الحياة العامة.

يقترن بهاتين الحقيقتين حقيقتان أخريان: فإدراج "حماس" في عداد قوى الرفض الفلسطينية لا يطمس الفارق الجوهري بين رفضها هي المنطلق من عقيدتها الدينية وبين رفض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية. وولاء الحركة الفلسطينية للقيادة الدولية للإخوان المسلمين والتزامها واجب إطاعتها والانسجام مع سياستها العامة لا ينفيان أن القيادة الدولية ذاتها قد أقرّت بخصوصية الحالة الفلسطينية وأجازت لفرع الإخوان المسلمين الفلسطيني ما قد لا تجيزه لغيره.

هذه المقالة تتطلع إلى جلاء حالة "حماس" في ضوء هذه الحقائق وإلقاء الضوء على مواقفها وسلوكها، خصوصاً ما يتصل منها بمسائل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

قاعدة عقيدية ثابتة

تلتزم "حماس"، مثلها في هذا مثل الإخوان المسلمين في أي مكان، الموقف العقيدي الإسلامي بطبعته السنيّة المحافظة. ويظهر سلوك "حماس" أنها تميل في هذا السياق إلى المواقف الأشدّ  محافظة، فتقف داخل حركة الإخوان المسلمين الدولية ذاتها على يمين معظم فصائلها، وتفتقر إلى الدرجة من الاستنارة التي يتمتع بها عدد من هذه الفصائل. وبما هي حركة إتّباعيّة تنهج نهج تقليد الأسلاف، فهي تتبنى إجمالي التراث الإسلامي، دون أن تأذن بإخضاعه للنقد، وتميل إلى الأكثر دلالة على التشدد العقيدي والاجتماعي في تراث السنة. وبهذا، تستبعد "حماس"، شأنها في هذا شأن بقية الإخوان المسلمين، أطروحات الأسلاف الذين تحدّوا متزمتي أزمنتهم، وتحجب عن أعضائها وجمهورها حتى فرص معرفة هذه الأطروحات. وهي تستبعد، خصوصاً، أطروحات الأسلاف الذين أعلوا شأن العقل والعقلانية في مقابل الإتكاء على الغيب والغيبية، ولا تأذن لناسها بأن يدرسوا وقائع الجدل الواسع والغني والمثمر الذي انتعش في إطار ما اصطلح على تسميته باسم علم الكلام، العلم الإسلامي بامتياز.

الاتّباع التقليدي الانتقائي الحاجب لنوازع الاستنارة نجم منه أن تشكلت بين "حماس" وبين قوى المجتمع الفلسطيني الأخرى فجوتان: فجوة بين "حماس" وبين متدينين كثيرين؛ وفجوة بينها وبين علمانيين كثيرين أيضاً. وقد ضمت صفوف الذين يضيقون بتزّمت "حماس" الديني أو الاجتماعي متدينين وعلمانيين مفتونين بتشددها السياسي.

لكن، في الحديث عن الفجوات التي تحيط بالحركة الإسلامية الفلسطينية، يوجب واقع الحال الانتباه إلى أن الحجوم الفعلية لهذه الفجوات هي أقل من الحجوم التي يوحي بها توصيفنا الوجيز لها. فالحدود بين شرائح المتدينين المتعددة ليست باترة. والحدود بين المتدينين بإجمالهم وبين العلمانيين بإجمالهم ليست هي الأخرى باترة. وينطبق هذا على الحدود بين الرافضين وبين القابلين أيضاً. وما أشدّ ما تتداخل المواقع وتختلط على الساحة الفلسطينية أو حتى داخل الفرد الواحد. الفصائل العلمانية لا تفتقر إلى متدينين في داخلها مثلما أنها لا تفتقر أبداً إلى محافظين اجتماعياً. وكثيراً ما يكون الشخص الواحد مغرقاً في التدين في بعض المسائل وقليل دين أو غير متدين في مسائل أخرى. وعلى الجانب الآخر، لا يخلو الأمر من حمساويين يتطابق سلوكهم مع عقيدتهم الدينية، مثلما أنه لا يخلو من آخرين يتكئون على هذه العقيدة اتكاءً، ويتباهون بإيمانهم بالغيب ويسلكون في الوقت ذاته أكثر المسالك واقعيةً ليظفروا بمنافع دنيوية.

وفي مجتمع لم يستكمل التطور الذي يجعله راسخ العلمانية، تظل العقيدة الدينية مؤثرة في الحياة العامة كما هي في الحياة الشخصية. أما عمل العلمانيين فيقصّر في مثل هذا المجتمع عن تحقيق الغلبة للفكر الواقعي على الفكر الغيبي. وسواء نشأت في مثل هذا المجتمع حركةٌ دينية سياسية أو لم تنشأ، فإن تأثير الدين والفكر الغيبي لا يتوقف.

بكلمات أخرى: وجود "حماس" يستند إلى واقع قائم ترسمه سويّةُ تطور المجتمع الفلسطيني. يعزز هذا الوجود عوامل أخرى يمكن إدراجها في حزمتين: تأثير الوضع المحيط الممتد عميقاً في الساحتين العربية والإسلامية؛ وفشل جهود م.ت.ف. في التوصل إلى حل مقبول للمسألة الوطنية. وواضح أن حجم هذا الوجود يتطور، زيادة أو نقصاناً، وفق حصيلة تأثير هذه العوامل مجتمعة، لكنه غير مرشح للانخفاض إلى ما دون الحجم الذي تفرضه سوية تطور المجتمع. وبكلمات أبسط: إن كان متعذراً على "حماس" أن تلغي وجود الفصائل الأخرى، فإنه من المتعذر على هذه الفصائل أن تلغي وجود "حماس".  ومن تحصيل الحاصل أن نستنتج أن ما من طرف من الطرفين بقادر على إلغاء فكر الطرف الآخر أو وأد تأثيره في المجتمع. هذا يعني أن نهج التناحر لن يحقق الغلبة المطلقة لأي من المنهمكين فيه. فلا مناص، إذاً، من التعايش وإيلاء أتم الاعتبار لنهج التحاور والتشبث بقاعدة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والقبول بتداول مواقع المسؤولية.

فهل يمكن في الواقع الفلسطيني الراهن وما يحيط به التعويلُ على إمكانية انتهاج السلوك الذي لا يبدد جهود الجميع ولا يوهن قوى المجتمع كلها؟

الإجابة على هذا السؤال توجب تسليط الضوء على نقاط الاختلاف بين "حماس" وبين فصائل م.ت.ف. وتفحُّصَ الفرص الواقعية لتجسير خلافاتٍ وتجميد أخرى، حتى يمكن توفير فرص العمل المشترك وفق الهوامش المشتركة المتاحة.

وأول الخلافات وأشدها استعصاءً على التجسير هو الخلاف بين الذين يتكئون على الغيب ليسوّغوا سلوكهم على الأرض وبين الذين يدعون إلى الواقعية. الغيب عند الذين يتكئون عليه محدد منذ الأزل وثابت إلى الأبد، وهو غير قابل للنقد أو النقض، ورافضو التسليم به كفّار، إنها عقيدة الذين يرون الحاضر بعيون الغابرين ولا يقيمون وزناً كبيراً للتبدلات العيانية التي تجري على أرض الواقع. والواقعية عند الطرف الآخر، بصرف النظر عما إذا كان ناسها من المتدينين أم من غيرهم، توجب الانتباه إلى مجرى التطور وأخذ المستجدات بعين الاعتبار ونبذ المُطْلَقات، إنها عقيدة الذين يحلّون العقل والعلم محل الغيب، ويرون الحاضر بعيون ناسه وليس بعيون من غبروا. وعلى كثرة المحاولات التي جرت للتوفيق بين الغيبيين والواقعيين، فإن مسار التطور في كل مكان قد انتهى إلى واحد من مآلين لا ثالث لهما: الحيلولة دون أن يتدخل الغيب في مجرى الحياة العامة، وذلك في المجتمعات التي اكتملت فيها شروط التحول إلى العلمانية؛ أو الجمود وحتى التراجع إلى وراء في المجتمعات التي لم تكتمل فيها مثل هذه الشروط.

ثاني الخلافات هو الخلاف المجتمعي، وهو مرتبط بالخلاف العقيدي وناجم منه في صورة أو أخرى، لكنه ليس مرتبطاً به وحده. فالتدين العادي قد يفرز سلوكاً اجتماعياً محافظاً إلا أنه قد يجيز سلوكاً منفتحاً. وحده، التزمت الديني، هو ما يفرز سلوكاً اجتماعياً متزمتاً يضيق به المتدينون غير المتزمتين مثلما يضيق به العلمانيون. غير أن هناك عوامل أخرى غير دينية ترسم السلوك الاجتماعي، تزمتاً أو انفتاحاً، وهي عوامل تتأثر بها المجتمعات التي توجد فيها حركات دينية سياسية والمجتمعات التي لا توجد فيها حركات كهذه. وفي الحالة الفلسطينية، يمكن أن نرصد عاملاً يكاد يخصّ هذه الحالة وحدها، وهو التهديد الذي تعرض له وجود الشعب الفلسطيني ذاته منذ الشروع في تنفيذ المشروع الصهيوني لتحويل فلسطين إلى دولة لليهود وحدهم حتى يوم الناس هذا. فتعرّضُ الوجود ذاته إلى محاولات الإبادة جعل التشبث بالموروث وسيلة من وسائل الحفاظ على الوجود وصيانة السمات الوطنية من التبدد. وقد ينبغي القول هنا إن فجوة الخلاف في هذا الشأن بين "حماس" وسواها هي أضأل مما تبدو في الظاهر. فاختلاط المواقع قائم هنا أيضاً في نحو أوسع وأكثر تشابكاً. ووهن العلمانيين في ترويج النهج التقدمي للحياة الاجتماعية لا يقل عن وهنهم في ترويج الفكر العلماني. والتناقض المتواتر بين ما قد يدعو إليه تقدميون بارزون وبين سلوكهم الاجتماعي يكاد أن يكون فاضحاً في حالات كثيرة.

السياسة أقل عسراً

ثالث الخلافات هو الخلاف السياسي. وهو مرتبط بالطبع بالخلافين آنفي الذكر، لكن ليس بهما وحدهما. فتأثير الظروف الراهنة في الشأن السياسي هي أوسع على الدوام وأعمق غوراً من تأثيرها في الشأنين العقيدي والاجتماعي. وفي الحالة الفلسطينية بالذات، حيث الارتباط وثيق بين مسائل الصراع مع إسرائيل وبين تأثير الظروف السياسية المحلية والإقليمية والعالمية، يصير تأثير الظروف الراهنة شديد الحضور بحيث لا يمكن لأي طرف أن يتجنبه. وفي هذا ما يوفر الجوّ الذي يأذن بأن تتضاءل مساحة الاختلاف بين القوى المتعددة بمضيّ الوقت وتتسع الهوامش المشتركة وتتوفر فرص العمل المشترك، إذا توفرّ الفهم السديد والرغبة في التعاون.

في هذا الشأن، يتركز الخلاف بين فصائل م.ت.ف. بسماتها العلمانية وبين الحركة الإسلامية بسمتها الدينية حول الموقف من الشرعية الدولية واستحقاقاتها. ويشتد الخلاف، خصوصاً، بين "فتح" ولفيفها الساعيين على إنجاز تسوية سياسية مع إسرائيل قوامها دولتان لشعبين وبين "حماس" الرافضة لمثل هذه التسوية، في سياق رفضها للشرعية الدولية وتشبثها بما تعدّه هي الشرعية الربانيّة التي لا تجيز الإقرار بأي حق لليهود في أرض فلسطين.  ولا يحتاج المراقب إلى إمعان نظر كثير لكي يدرك أن الظروف الراهنة غير مسعفة للحركة الإسلامية الفلسطينية حين يتعلق الأمر برفضها مبدأ التسوية. فالظروف الراهنة والقوى التي تصنع التطورات القادمة تدفع جميعها الفلسطينيين دفعاً إلى نشدان تسوية ينقذون بها ما يمكن إنقاذه من حقوقهم وأرضهم ووجودهم الوطني ذاته. ومما لا شك فيه أن "حماس" تدرك ما يدركه سواها، وهو أن الظروف ليست مسعفة للرفض.

حاجة الفلسطينيين إلى نشدان تسوية تظل قائمة حتى مع استمرار إسرائيل في سدّ طريق التسوية العادلة. والبقاء على خط التسوية لازم من أجل تخفيف الكوارث الحالة بالفلسطينيين وتجنب كوارث أضخم ستحل إن ارتدّوا إلى الرفض. ولأن "حماس"، وهي التي تصدرت قوى الرفض منذ تبنت الجبهة الشعبية الدعوة إلى تسوية تستند على الشرعية الدولية، لم تكن مهيأة للاستجابة للظروف، فقد أفرطت في الاتكاء على العقيدة الدينية لتسوّغ استمرارها في الرفض وتوسع دائرة مناصريها بما تضيفه إليها ممن خاب أملهم في الفصائل الأخرى. لكن، في الواقع، حتى مع إفراط "حماس" في الاتكاء على الدين، لم تهمل هذه الحركة الإسلامية السياسية العمل على إقامة علاقات منفعة مع قوى وأنظمة تقبل التسوية، ولم تهمل، خصوصاً، العمل على جني منافع دنيوية لا تظفر بها إلا إذا ظلّت رافضة.

فهل يمكن اختراق هذا الرفض وحمل "حماس" على لبس القبع الذي لبسه الربع الفلسطيني قبلها والانتقال من معارضة مجهودات التسوية إلى الانهماك فيها؟

قبل الإجابة، يجدر أن نتذكر أن تحرر "حماس" من الرفض هو المفتاح الذي لا بدّ من توفره لإيجاد هامش سياسي مشترك مستقر بين القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية المحلية، ولتوفير الأمل بالاحتفاظ بالوجود، وتجنب الكوارث التي قد تلغي هذا الوجود. وبين يدي الإجابة، لا بدّ من الانتباه إلى الأمور التي تساعد في جعل هذه الإجابة أقرب ما يمكن إلى الصواب. وأول ما ينبغي الانتباه إليه هو أن الربط بين المعتقد الديني والسلوك السياسي ليس عصياً على التفكيك. وفي التراث الإسلامي كما في تراث أي دين حالات كثيرة أفضت الحاجة السياسية فيها إلى تجاوز معتقد ديني. وبالإمكان استحضار واقعة صلح الحديبية على الدوام باعتبارها الأشهر بين وقائع عدّة مماثلة. لقد محا محمد بن عبد الله صفته بوصفه رسول الله من مسودّة اتفاق احتاج إلى إبرامه مع كفّار زمانه، مع أن إسلام المسلم لا يتحقق إلا إذا أقرّ بهذه الصفة. وفي الاتفاق ذاته علّق الرسول أداء فريضة الحج، مع أن أداءها ركن لا غنى عنه من أركان الإسلام الخمسة.

يرتبط بهذه الملاحظة أن الحماسيين في مستويات تنظيمهم جميعها قد لا يكونون متساوين في التزمت العقيدي. وليس بين هؤلاء من قد يزعم أنه أعمق إيماناً بعقيدة الإسلام من رسول الإسلام. هذا يعني أمرين معاً: أن في "حماس" من قد يتكئون على الدين لتحقيق منافع دنيوية، وأن صحيحي العقيدة في "حماس" لن يعجزوا عن تفكيك التزمت العقيدي لصالح الانفتاح السياسي حين تتوفر الظروف الملائمة لتفكيكه.

شيء آخر لا بدّ من الانتباه إليه. فالحوار مع القوى الدينية حول شؤون العقيدة يسدّ فرص التوصل إلى هوامش مشتركة. أما حول الشأن السياسي فإن فرص التوصل إلى هوامش مشتركة تظل قائمة. ولكي لا يشكل الخلاف العقيدي عقبة تحول دون صياغة مثل هذه الهوامش، لا بد من العمل على اجتذاب "حماس" دوماً إلى الحوار السياسي، وتجنّب إقحام الغيب في شؤون الأرض. وعلى مشقّة الحوار مع "حماس" حول أي شأن بما في ذلك الشأن السياسي، يظل صحيحاً أن الحركة الإسلامية تتجنب في الوقت الراهن إرغام الناس على مجاراتها في تزمتها العقيدي وسلوكها الاجتماعي المحافظ. إنها تتقصد تأجيل فتح هذا الملف. صحيح أنها لا تهمل الشأن الاجتماعي، لكن تجنبها وضعه على جدول الأعمال الملحة يعكس أموراً كثيرة ويبيح استمرار الأمل بتيسير الوصول إلى هامش سياسي مشترك.

أمر ثالث في هذا السياق يجدر الانتباه إليه، وهو يتصل بالمسألة الساخنة في الواقع الراهن، مسألة الحل المتوخّى للقضية الوطنية وما يثيره من شؤون وشجون. ولأن هذه هي المسألة الأكثر إلحاحاً والأقوى حضوراً في اهتمام الجميع، فإن تركّز الحوار حولها تمليه دوافع كثيرة بما هو أفضلية أولى. يعزز هذه الأفضلية أن الحوار حول المسألة الوطنية ينطوي على فوائد للجميع ويحمل فرصة نجاح معقولة.

فمنذ عشرين سنة، أي منذ أدرجت الحركة الإسلامية الفلسطينية مسألة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي على جدول نشاطها، وبتأثير عوامل أشبعت بحثاً، انتهت "حماس" إلى تصدر قوى الرفض الفلسطيني، وبرزت بوصفها الأكثر تشدداً في معارضة أي تسوية سياسية تشتمل الاعتراف بدولة إسرائيل أو الموافقة على تخصيص أي جزء من فلسطين لليهود. لكن مسيرة "حماس" لم تتجمد عند هذه النقطة. فالاعتراض على تسوية أوسلو استتبع رفض "حماس" الاشتراك في أي هيئة من الهيئات الوطنية التي أباح اتفاق أوسلو وجودها. وقد أبت "حماس" أن تشارك في انتخابات العام 1996 بل دعت إلى مقاطعتها، كما أبت المشاركة في الحكومات التي تتالت منذ ما بعد هذه الانتخابات، وواصلت رفضها الاشتراك في هيئات م.ت.ف. لكن "حماس" لم توقف تعاونها مع فصائل أيدت أوسلو، ولم ترفض عقد تفاهمات من نوع أو آخر مع "فتح" التي أنشأت نظام أوسلو الفلسطيني. ومع تجدد الانتفاضة في العام 2000 واستمرار "حماس" في العمل ضد الاحتلال، خطت "حماس" خطوةً أخرى لم تقدم على مثلها في الانتفاضة التي سبقت أوسلو. فقد شاركت "حماس" في هيئة وطنية عليا تعنى بشؤون الأنتفاضة ضمت فصائل معظمها مؤيد للتسوية.  وخطت خطوات أخرى في عقد تفاهمات مع "فتح" أو مع هذا أو ذاك من فرقاء "فتح" المؤيدين للتسوية، وأوهنت مشاركتها في تجمع الفصائل العشرة المعارض لأوسلو. وفي المحصلة، وبتأثير الواقع وليس بتأثير الغيب، جاءت "حماس" بقضّها وقضيضها إلى الهيئات التي سبق لها هي ذاتها أن أدانت منشئيها والمشاركين فيها. وصار للحركة الإسلامية أغلبية المجلس التشريعي وكل مقاعد الحكومة المحكومين بنظام أساسي وقوانين تتفق مع اتفاق أوسلو. ثم آل الأمر، تحت ضغط الواقع وليس بتأثير أي عوامل غيبية، إلى اتفاق مكة وتشكيل حكومة "فتح" و"حماس" معاً.  ووجدت "حماس" نفسها مدفوعة دفعاً، بحكم الواقع وليس بحكم الغيب، إلى اللحاق بالربع الذي سبقها على طريق البحث الشاق عن تسوية مع إسرائيل.

هل يطول الطريق

لكي تتوفر فرصة التنبؤ الصائب بما قد ينتهي إليه تطور موقف "حماس" من التسوية، من المفيد أن تستحضر أهم وقائع تطور مواقف الآخرين من هذه المسألة ذاتها. فخلال ثلاثين سنة هي عمر الاحتلال البريطاني لفلسطين، كانت فصائل الحركة الوطنية جميعها رافضة. ولئن كبّل هذا الرفض حركة الفلسطينيين السياسية، فقد انطوى على ايجابية أيضاً: صيانة حق الشعب الفلسطيني في المطالبة بحقوقه حين يتبدل ميزان القوى. وبعد 1948، نسخت م.ت.ف. مقولات الرفض السابق دون أن تأخذ التبدلات التي طرأت على الواقع بعين الاعتبار. وكان في الظن أن تجدد الكفاح الوطني الفلسطيني سوف يسهم  في تبديل ميزان القوى لصالح العمل من أجل استعادة عروبة فلسطين. لكن هذا الرفض المتجدد حمل، مع كل سلبياته، ايجابيتين: أنه كان جزء من حركة رفض عربي وعالمي؛ وأنه تعمد عرض مواقفه بلغةٍ معاصرة واستخدم خطابا سياسياً توخى أن يدرج نفسه به في سياق قوى العصر الأكثر تقدمية: الحركة المناهضة للإمبريالية، حركة تحرر الشعوب من الاستعمار القديم، الكفاح من أجل تقدم البشرية..الخ. هاتان السمتان وما وفرتاه للحركة الوطنية الفلسطينية المجسدة في م.ت.ف. من علاقات مع قوى البشرية الأشدّ جذرية في مناهضة الاستعمار والصهيونية أذنتا بأن يتطور الموقف الفلسطيني السياسي بتأثير الواقع وفي ظل المواءمة بين هذا الواقع  وبين الأهداف المتوخاه. وفي المحصلة، انبثقت من داخل قوى م.ت.ف. التي كانت رافضة التياراتُ التي دعت إلى حل القضية الفلسطينية في ضوء الشرعية الدولية، ثم لم يلبث أن انعقدت الأغلبية لهذه القوى.

هذا التطور اقترن بتعقيدات لا حصر لها، وأحدث آلاماً، وأجج بين قوى م.ت.ف.  صراعات كان بعضها داميا،ً وشهد كبوات، وأخطاء، وحتى خطايا، لكنه لم يتوقف ولم تغب عنه السمتان الايجابيتان اللتان أشرنا إليهما. وهكذا، حين انهارت جُدُرٌ كثيرة كانت تسند الكفاح الوطني الفلسطيني، بقي للفلسطينيين ما يتكئون عليه وظل بإمكانهم أن يصولوا ويجولوا، كراً وفراً، دون أن ينهاروا.

الإخوان المسلمون بمسمياتهم المتواترة وآخرها "حماس" ظلوا على مدى عقود بعيدين عن مجرى التطور هذا. وبعد احتلال إسرائيل أرض الضفة وقطاع غزة، بقي هؤلاء في ما كانوا فيه: مناوأة م.ت.ف.  وهي رافضة وكذلك وهي قابلة، خصوصاً قوى اليسار فيها، وتجنبوا الاصطدام بالاحتلال. وحين بدأت الانتفاضة الكبيرة في العام 1987 وبدا لكل ذي بصرٍ وبصيرة أنها ستكون انتفاضة عارمة، خطا إخوان فلسطين خطوتهم الأهم في تاريخهم كله، إذ قرروا أن يعطوا لمقاومة الاحتلال الأولوية وأنشأوا ذراعهم المقاوم "حماس". وكان في هذا الفاتحةُ التي تبعتها التطورات التي نحاول التنبؤ بما قد تؤول إليه.

نستخلص من هذا أن انهماك إخوان فلسطين المسلمين في العمل ضد الاحتلال قد وضعهم في المجرى الذي ترسمه ظروف العصر بعد أن ظلوا طويلاً مولعين بالظروف الغابرة ومسكونين بالرغبة في استعادتها. ومن شأن أي معنيّ بالخلاص من الاحتلال الإسرائيلي أن يعطي لهذه الحقيقة الاعتبار الذي تستحقه. ومن واجب الوطنيين، خصوصاً تقدميّيهم، أن يتعاملوا مع الفصيل الإسلامي كما تعاملوا مع سواه: تشجيع الإيجابي، وفضح الأخطاء وألحث على تجاوزها، وتنحية الخطايا.  وهذا يتمّ في العادة بالنقد المثابر وبشتى الضغوط الآخرى المشروعة، وليس بتأجيج روح العداء والدعوة إلى تدمير هذا الفصيل.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دفع "حماس" نحو التحرر من تزمتها السياسي، من مجافاة سلوكها لروح العصر، من افتقارها إلى الموازنة بين ما هو مطلوب وما هو ممكن التحقق.  وتشتد الحاجة إلى توعية الجمهور على مخاطر هذا النوع من الرفض الذي تشبثت به "حماس".  وإذا اقتضى الأمر إيراد أمثلة فلنأخذ مسألة الاعتراف بإسرائيل بما هي مثل سافر الدلالة. فرفض "حماس" الاعتراف بإسرائيل ليس موقفاً يحتمل الخطأ أو الصواب، بل هو رفض للعصر بأكمله، لقيمه، لقوانينه وأنظمته، للشرعية الدولية التي تَعدّ وجود إسرائيل وحقها في الاستمرار أمرين لازمين وتضع الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل شرطاً لا بد من توفره كي يستعيد شعب فلسطين بعض حقوقه وأرضه وليس حتى كلّها. ومن المدهش أن يرفض أحد ما واقع عصره فيما هو عاجز عن تبديله أو حتى عن لجم التطورات غير المواتية له. كما أن من المدهش أن ترفض قوة سياسية ما منطق عصرها وشرعيته وقيمه ثم لا تكف عن مطالبة ناسه بأن ينصفوها وينصفوا شعبها.

وفي يقين كاتب هذه السطور أن انهماك "حماس"، ولو متأخرة، في ما انهمك فيه الآخرون قبلها سوف ينبت أولاً بأول البذور التي تأذن للحركة الإسلامية بأن تهبط بسمائها نحو الأرض بدل الدعوة إلى رفع الأرض إلى مستوى السماء. وكل ما في الأمر أن تطور "حماس" في اتجاه الواقعية السياسية سوف تصاحبه تعقيدات وآلام وأخطاء وخطايا أين منها تلك التي صاحبت انتقال "فتح" أو غيرها من الرفض إلى التسوية. وفي الأماني أن تُقصّر قيادةُ "حماس" درب الآلام. لكن حتى لو لم تفعل قيادة "حماس" ما يشير به الفهم السديد لواقع عصرنا فإن من شأن الراغبين في تطوير موقف "حماس" أن لا يفقدوا صبرهم.  وعلى هؤلاء، خصوصاً، أن يقاوموا المحاولات الجارية باتجاه هذه النوع القبيح من العداوة التي يؤججها ضيق الصدور أو تمليها مصالح لا صلة لها بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.

في المقابل، مطلوب من كل حمساوي أن يدرك ما لا يجوز إهماله، وهو أن بقاء "حماس" قوة محترمة مرهون باحترامها هي قناعات الآخرين وكفّها عن الاتكاء على ما تنسبه إلى السماء في تعاطيها مع مسائل أرضية. فشؤون الأرض تعالج بهدى ما هو متفق عليه من معايير دنيانا، وليس بهدى ما هو متوخى في عالم الغيب.

وفي اليقين أن في "حماس" كثيرين يتطلعون إلى تقليص الفجوة بين حركتهم وبين روح العصر. وحرص الآخرين على أسلوب الحوار المثابر مع "حماس" من شأنه أن يعزز نفوذ هؤلاء.

................................

كاتب فلسطيني، مقيم في النمسا

عن: فلسطينيات، رام الله، العدد 2، حزيران/يونيو 2007

 

الأرشيف