أكثر من رأى

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ كلاوس ريتولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

 

ماري تيريز كرياكي

 

 

الإرهاب الفكري

 

قد يظن البعض منا أنه قد تأثر بأفكار البلد المضيف، وأنه وبشكل تلقائي قد بدأ يمارس حريته بوعي كامل، وغاب عنا أننا نحمل كل بذور التخلف والتردي تحت طيات الجلد وفي الجينات.  فقد جاء معظمنا من بلاد لا تتمتع بالحرية ولا بالوعي وينتشر فيها الظلم والاستبداد، حيث لا تتاح لنا فرص التعبير عن أفكارنا دون خوف أو قلق، مما يجعل التربة خصبة لنشوء كل أنواع الإرهاب من إرهاب الدولة إلى الإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري.  وهذا الأخير يقوي من سلطة الرقيب، مما يحد من عملية الإبداع الفكري.  وخوفاً من هذه السلطة يلجأ المفكرون إلى استعمال اللغة الرمزية لتحاشي الوقوع في مطبات تؤخذ عليهم ويعاقبون عليها، مما يولد لديهم حالة من التقوقع والنزوع إلى الباطنية وبالتالي إلى التخلف الثقافي والحضاري.

والإرهاب الفكري موجود في كل المجتمعات بنسب متفاوتة.  وهو ظاهرة عالمية ولكنه ينتشر في المجتمعات المنغلقة وذات الثقافة المؤدلجة والشمولية، ويتجسد في ممارسة الضغط أو العنف أو الاضطهاد ضد أصحاب الرأي المغاير أفراداً كانوا أم جماعات، وذلك بدعم من تنظيمات سياسية أو تنظيمات دينية تحرض عليه وتؤججه، والهدف هو إسكات الأشخاص وإخراسهم ليتسنى لهذه التنظيمات نشر أفكارها دون أي معارضة من التيارات الأخرى، والويل لمن تسول له نفسه الخروج عن الخط المرسوم له.

وأخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب الفكري المُمارس علينا والذي حوّل واقعنا العربي إلى يباب، وهو بطش بالوعي وبالفكر، وبالذاكرة، وبالحلم، كما أن الإرهاب الدموي الممارس يومياً هو بطش بالجسد وتخريب البيئة وقطع العلاقة مع الأرض والتاريخ والذاكرة. وبالإمكان القول إن هذا النوع من الإرهاب الفكري هو استخفاف بعقولنا. فمشاهد القتل والاغتيال والإبادة والتّفجير والتّخريب والتّدمير والاعتقال والإذلال والظّلم تفضي إلى حالة من الخوف والهلع والشّعور بالقلق وانعدام الأمن والاستقرار في النّفس.

ومن الغرابة ملاحقتنا ونحن في دول الاغتراب ومحاولة كم أفواهنا باستخدام كل الطرق اللا أخلاقية ليصل التهديد في أقصاه إلى استعمال العنف، وهذا ليس بغريب علينا فنحن كما أوردنا سابقا نحمل العنف في الجينات ولا نعرف أسلوبا آخر للحوار، فمن ليس معنا فهو ضدنا.  هذا العنف الذي يمارس بدأ من المنزل الكبير على الصغير والرجل على المرأة والحكومة على الشعب.. الخ.

وتلتقي مصالح التنظيمات السياسية والدينية على أرضية واحدة، رغم وجود كل منهما على طرف نقيض للأخر، وذلك في إتباع النهج الفكري والأسلوب ذاته عندما يتعلق الأمر بالإرهاب الفكري، والفروق بين الجهتين شكلية إذ أنهما يلتقيان في أسلوب ممارسة التهميش والطغيان، مهما اختلفا عقائديا وفكريا.

وفي حال عدم القدرة على تدجين صاحب الرأي الآخر وتحويله إلى ببغاء يردد ما يقال له من كلام تافه فإن التهمة جاهزة:  إما بعميل لأمريكا أو لأوروبا أو لإسرائيل، وإما كافر، وفي كلا الحالتين يصفى هذا الإنسان من كل مضامينه وقد يضطر في معظم الأوقات إلى التراجع دفاعاً عن وطنيته وعقائده وإيمانه والانضمام إلى القطيع، فهو فرد في مواجهة تنين يملك المال والبوق الإعلامي، والويل لمن يتجرأ ليصرخ كالطفل ليقول عاليا: "ولكن الملك عار"*.

ويمكن للجميع أن يتهامسوا سراً فيما بينهم عن كل القضايا ولكن لا يُسمح لهم البحث فيها علانية، وفي حال حدوثها يكونوا قد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء، وعلينا كلنا أن نتعلم سياسة الكيل بمكيالين، علماً بأننا ننتقد الغرب والشرق لنفس السياسة.

إن معالجة الإرهاب والذي يهيئ بدوره البيئة المناسبة للإرهاب لا يمكن أن تتم دون إشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر، والحيلولة دون أي انتهاك لهذه الحريات من قبل الحكام أو التنظيمات أو رجالات المال.

إنَّ العلاقة بين الآثار النّفسيّة للإرهاب وأشكاله المختلفة متلازمة، بمعنى أنَّ زوال تلك الآثار من حياة الإنسان مرتبطٌ جوهريّاً بزوال الإرهاب نفسه، الأمر الّذي يستدعي تضافر كافة الجهود للتّخلّص منه.

وبالتأكيد إن الإرهاب الفكري، الذي يأخذ أشكالا عدة، هو واحد من أهم البني التحتية للإرهاب المتجسد في العنف، ويجب تفكيك تلك البنية التحتية وذلك الفكر بإظهارها للسطح ومناقشتها عبر الحوار الموضوعي لكي تستطيع المجتمعات والدول معالجة الظواهر السلبية السائدة فيها وإيجاد الحلول لها بدلا من توخي أسلوب النعامة وإنكار هذه الظواهر.

 

 ــــــــــــــــــ

* وهي قصة الملك الذي تصفق له الرعية وتعجب بأدائه مهما كان هذا الأداء، إلى أن جاء يوم وأراد أن يرتدي فيه ثوب مميز، فكان أن أقنعه خياطه الخاص بأن جسده عارياً هو أفضل ثوب له.  ونزل الملك من عربته وتلقته الرعية بصرخات الإعجاب، لكن الطفل البرئ صرخ واصفاً حال الملك "بأنه عار"، ولا يغطيه أي ثوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  2  

 

 لماذا لبنان؟

 

قد يتسأل البعض لماذا كانت ردة الفعل الإسرائيلية بهذا العنف، وليس كما يقول العالم العنف المبالغ فيه، على لبنان عقب اختطاف الجنديين الإسرائيليين، وهل ما تقوم به آلة الحرب الصهيونية من تدمير مبرمج لكل البني التحتية للبنان، يبرره هذا الاختطاف...

الجواب لا بالتأكيد، لأنه واضح تماماً بأن خطط استهداف لبنان عسكريا كانت معدة مسبقا، وموضوعة في الأدراج، انتظارا للحظة الحاسمة لتطبيقها، وهذه اللحظة أتت خصوصا، بوجود حكومة إسرائيلية ضعيفة، مما مهد للعسكر بأخذ زمام المبادرة، وإطلاق العنان لخططهم التي تستهدف لبنان أولا ومن ثم العالم العربي وراءه.

وقد شكل لبنان دائما على إسرائيل خطرا كبيرا رغم عدم امتلاكه أي من أدوات الآلة العسكرية، وذلك من خلال التحدي الحضاري بالمعنى الكامل لوجودها، كما نرى فإن:

 لبنان هو البلد الديمقراطي العربي الحقيقي والوحيد، من هنا لم تعد الديمقراطية في المنطقة حكرا على إسرائيل كما تدعي أمام المجتمع الدولي.

 لبنان بقيامه ببناء مؤسساته الثقافية والعلمية والاقتصادية وبجو الحرية التي يتمتع بها هو من سيقوم على قيادة العالم العربي نحو نهضة حضارية وهذا ما لا تريده إسرائيل.

 لبنان هو البلد العربي الوحيد الذي استطاع تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي وأجبرها على تطبيق القرار 425، وهذا ما يعطي إسرائيل المبرر لتفجير حقدها عليه من خلال تدميره وتدمير بناه التحتية بشكل شامل ومنهجي.

وقد أعلنت الحكومة اللبنانية أن لبنان وطن منكوب، إذ أن حصيلة الأضرار البشرية والمادية حتى مساء ليلة أمس قد بلغت:

100 قتيل.

266 جريح معظمهم من المدنيين.

تدمير أكثر من 18 جسرا.

قطع الطرق البرية كاملة بين لبنان وسوريا.

قصف جميع المطارات وتدمير مدرجاتها.

ضرب محطة الكهرباء.

ضرب القناة التلفزيونية (المنار) وراديو (النور) التابعين لحزب الله.

قصف القرى الحدودية مما أدى نزوح أهلها.

حصار بيروت برا وبحرا وجوا.

في وقت غابت فيه المصداقية العربية والعالمية في إيجاد الحلول العادلة للمنطقة، في فلسطين والعراق ولبنان، وغاب الأمل من أن تقف الحكومات العربية موقف على مستوى القضية، لم يبق أمل سوى في الشعوب العربية التي عليها أن تأخذ المبادرة بيديها، وتعمل على وحدة الصف، في مقاومة أكبر هجمة استعمارية، فاقت في وحشيتها كل الهجمات التي اجتاحت بلادنا العربية منذ بدء التاريخ.

 

  3  

نساء لبنانيات

 

غالباً ما عمدت وسائل الاعلام العربية إلى تكريس صورة نمطية للمرأة العربية بشكل عام، ونجحت في اختزال صورتها تحديدا بجسدها، وهذه الصورة أخذت بعدا أكبر في حال النساء اللبنانيات اللواتي اعتبرن المحرض الأول لنساء العالم العربي مع التركيز على ما يرونه في جمالهن الصارخ وجرأتهن الكبيرة في التعامل مع أجسادهن بتوافق حسدن عليه.

فكانت هيفاء وإليسا ونانسي وغيرهن ظواهر جديدة تعبر عن هذه الحالة، وكأن مثيلات هؤلاء النسوة لا يتواجدن في أي من الدول العربية، كروبي في مصر على سبيل المثال لا الحصر.  وتناسى دعاة المحافظة على الأخلاق أن عالم "العوالم" كان دائما موجودا وسيبقى، والفارق هو الزمن الذي يفصل بين منيرة المهدية وعايدة الشاعر والآن هيفاء وصديقاتها، أي بين أغان كـ"الطشت أللي" و "ما شربش الشاي" والواوا".  أنا لا أرى في هذه الظاهرة إلا واحدة من ظواهر عادية يعقبها دائما فرز حقيقي للصالح  عن الطالح.

وأعود إلى الصورة التي تحدثت عنها وبالتحديد الصورة الخاصة بالمرأة اللبنانية، فقد فوجئت المجتمعات العربية بالعموم بمراسلات لبنان الصحافيات على خط النار في لبنان وفي العالم العربي، هؤلاء السيدات اللواتي تحدين المخاطر واندفعن بكل ما لديهن من قوة، غير آبهات للموت لينقلن صورة حقيقية لواقع الحرب المدمرة، وعلى مدى 33 يوما وفي أكثر المواقع خطورة، وجميعهن انطلقن بدافع المسؤولية لتغطية ما حدث في بلادهن.  وقد تمكنت المراسلات من نقل ما يجري على الساحة اللبنانية دون المساس بطبيعة التركيبة الطائفية لهذا المجتمع، على عكس المراسلين الأجانب، ونجحن في نقل وقائع هذه الحرب إلى درجة أن العدو الإسرائيلي قد عبر عن انزعاجه من نجاح الإعلام العربي من خلال مراسلاته ومراسليه في نقل الصورة الحقيقية للمجازر التي ارتكبها إسرائيل.  وفوجئ العالم الغربي والأمريكي كذلك بمستوى المراسلات اللبنانيات ومهنيتهن.  وذهب بعض الكتّاب الخليجيين في مديحه لإحدى المراسلات، التي كانت تنقل الأحداث من بيروت، ليقول إنها «تفوقت على كيت إيدي وكريستيان أمانبور» الصحافيتين الغربيتين المخضرمتين في تغطية الحروب.

وتعددت الأسماء:  ريما مكتبي مراسلة "العربية"، نانسي السبع مراسلة "التلفزيون الجديد"، بشرى عبد الصمد وكاتيا ناصر مراسلاتا "الجزيرة"، نجوى قاسم ، منى صليبا مراسلتا "ال بي سي"، والمصورة ليال نجيب ذات الـ 23 ربيعا والتي قتلت على خط النار.  وصارت هؤلاء السيدات محطّ إعجاب وتقدير العالم بأسره.  وقد فاق عدد المراسلات عدد المراسلين، وأصبحن ظاهرة لا بد من تقييمها والثناء عليها، ونافسن الرجال بتحولهن إلى مراسلات حربيات، واتخذن من واقي الرصاص والخوذة بديلا للزينة المعتادة.

وقد أجمعت غالبية المراسلات على احترام قدسية الإنسان، واعتذرن عن تقديم صور لجثث الشهداء ولم يستعملنها أداة لاستدرار العطف، وإنما عملن على إبراز الوجه الإنساني للحدث، وذلك رغم همجية العدو وآلته العسكرية التي لم تطل الإنسان فقط بل طالت النبات والحيوان والأبنية والجسور والطرقات أيضاً، ولم ترحم حتى المصابين الذين نقلوا في سيارات الإسعاف، هذا إضافة إلى العاملين في ميدان الإعلام.

ولم يقتصر تواجد المرأة اللبنانية على المجال الإعلامي، وإنما على الأرض.  فقد بقيت النساء متمسكات بأرضهن بعد ذهاب رجالهن إلى الدفاع عنها.  لذا كانت حصيلة الضحايا بينهن أكثر من المتوقع، فقد صمدن إلى اللحظات الأخيرة، ومنهن من فضلن الموت في منازلهن على النزوح.  وقد أورد أحد المراسلين قصة العجوز الجنوبية التي تم العثور عليها مقيمة بين الأنقاض بعد سبعة أيام، وأول ما فاهت به لدى إنقاذها كان هذا السؤال: هل انتصرت المقاومة؟ وذلك بعكس ما توقع المراسلون من أنها ستطلب الشراب أو الطعام.  ووردت قصة لعجوز أخرى، وجدها المراسلون وحدها في القرية بعد أن نزح أهلها، وهي التي أجابت على أسئلة الصحافيين بقوة قائلة:  "أنا لن أهرب من هنا، ناطرة الاسرائيليين، وحيشوفوا مني اللي ما شافوه في حياتهم".

 

  4  

المنطقة الرمادية

 

كنت في أواخر السنة الأولى من دراستي الجامعية، وكعادتي، لبست الجينز والقميص الأبيض استعداداً للذهاب إلى الكلية.   اعترضتني أمي:   "أليس اليوم هو يوم الحفل السنوي للكلية"، فأجبت:   نعم. وقالت:   "وهذا هو ما تلبسينه في هذا اليوم!!... تعالي لنر ما لديك في خزانتك". أكثر ما كنت أخشاه هو أن تجبرني أمّي المتمسكة بالأصول على لبس فستان يوم الأحد، الفستان الوحيد الذي أملكه. وهذا هو ما كان. واقتضى حرص أمي على الأصول شيئاً آخر: حان الوقت لكي أشتري حذاء بكعب عال، حذاء يليق بهذه المناسبة، فأنا قد أصبحت آنسة في نظرها ويجب أن أغير ملبسي هذا الذي ما زال يشبه ملبس الصبية.

نزلنا معاً إلى سوق القصاع. وبعد دخولنا عدة محلات، اخترت حذاء بسيطاً وأنيقاً له كعب طوله 5 سنتمتر، ولبسته في الحال كي أتمرن على السير به وأنا على الطريق إلى الجامعة. كانت هذه هي المرة الأولى بعد سنوات طويلة للتصالح مع معالم الأنوثة التي كنت أحاول دائما إخفاءها.

وفي طريق عودتنا، مررنا بمكان خاص بالمخابرات الجوية، مكان يحيط به حائط عال لا يمكن أن نرى أي شيئ عبره، مكان أشبه ما يكون بالقلعة، يحيط به الحراس من كل الجوانب. انتبهت أمي إلى إيقاع صوت حذائي الجديد على أرض الشارع، فلم تتمالك أعصابها بل أمسكت يديّ بعصبية وحذرتني: "هس، على صوت واطي، لا تطلعي صوت، أمشي على أطراف أصابعك". نظراتي المتسائلة دعتها لإيضاح ما تعني. فغمزتني هي: "سنتحدث بعد قليل"، وأشارت إلى رجال الحرس. وبعد أن قطعنا الشارع بعيدا عن هذا المكان المخيف، استرسلت أمي قائلة: حبيبتي، تحت هذا المكان هناك سجن واسع، لا أحد يعلم كم هو عدد المساجين فيه، وهؤلاء المساكين ينتظرون أن يعينهم أحد، وبطرقات حذائك التي قد تكون مسموعة من قبلهم، يظنون أن بإمكان الآخرين سماعهم، فرجاء لا تعطيهم هذا الأمل، لأن الحال ميئوس منه، ولا يمكن لأحد أن يمدهم بأي مساعدة.

حادثة مازالت تدور في رأسي، ولم أتمكن رغم مرور سنوات طوال من أن أنساها. والسؤال: هل يكفي أن نقف مكتوفي الأيدي وعلى وجوهنا علامات الحسرة والتأسف لحال السجناء، أو تكفي دعواتنا لهم بأن يفرج الله كربهم وأن يعودوا إلى الحرية، وهل هذه الدعوات هي التي ستحقق لهم العدالة.  يبدو يا أصدقائي أن الله قد حوّل وجهه عن هذا الجزء من العالم، وأنه قد مات بالنسبة لهؤلاء السجناء، وهل يمكن أن يقبل بأن يهان هذا الإنسان الذي خلقه على شاكلته وأن يعذب وتمتهن كرامته. وكيف يمكن لإنسان أن يُبقي إنساناً آخر معلقاً ما بين الحياة والموت في منطقة رمادية اللون، منتهكاً كل الأعراف الإنسانية. والجلاد الذي يقوم على تعذيب الآخرين، هل هو قاتل مبرمج هل عُرّض لغسيل دماغ فانقلب إلى وحش لا يعرف قلبه الرحمة، هل هو التمرس على تعذيب الناس، الضرب بالعصي والأدوات الحادة، الكهرباء، واقتلاع الأظافر، والإغراق في الماء، واستعمال الكرسي الألماني حيث يشدُّ فيه جسد المعتقل على شكل قوس من خلال إسناد ظهره بقضيب معدني، والدولاب، وكل أنواع التعذيب النفسي.

فإذا أخذنا في الحسبان أن في البلد خمسة وعشرين سجناً معلناً وما لا عدَّ له من السجون غير المعلنة، يصير من الضروري أن ينتبه الإنسان لوقع خطواته أينما سار.

 

   5   

الاستبداد وثقافة القطيع

 

تدور بعض مجتمعاتنا في حلقات من القمع والاستبداد لا تنتهي، فالسلطة تقمع الشعب، والشعب يمارسها فيما بينه وفقاً للطبقة والعرق والجنس واللون والعمر، فالأعلى في المراتب الوظيفية يقمع الأقل منه رتبة، والعرق الأبيض يقمع الأسود، والرجال يقمعون النساء، والغالبية الدينية تقمع الأقليات الدينية الأخرى، والمتقدمون في السن يقمعون من هم أصغر سناً، أي بمعنى أبسط السلطة تقمع الشعب، والرجل يقمع المرأة، والمرأة تقمع الأطفال، والأطفال يقمعون الحيوانات وهكذا في دوائر مغلقة.

وقد وصَّف عبد الرحمن الكواكبي استبداد الحكومات في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" قائلاً: "الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب، ويقولون إن المستبدين من السياسيين يبنون استبدادهم على أساس من هذا القبيل أيضاً، لأنهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم، كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط....".

ويولِّد الاستبداد حالة من القهر المستمر نتيجة للقمع الممارس يومياً مما يضطر الإنسان إلى الانضمام أو الالتحاق بأي تكتُّل أو تجمُّع محاولة لإيجاد نوع من الحماية يقابلها تعزيز الانتماء لكتلة ما لها مفاهيمها في التعامل وطرقها في شتى مناحي الحياة مكرساً مفهوم القطيع.  ويشارك هذا الإنسان القطيع أساليب عيشه بشكل بدائي، ويعبر عن آراءه بشكل غير عقلاني، ويتبنى أفكار المجموعة التي ينتمي إليها دون التمعن بها أو دراستها.  ويبتعد بذلك عن منهج الفردية خوفاً من المواجهة أو من الاصطدام مع مجتمع القطيع.

والمجتمعات غير الديمقراطية هي من أفرز مفهوم القطيع أو ثقافته، على عكس المجتمعات الديمقراطية حيث تبرز الفردية والتي هي نتاج لحقوق الإنسان وأساساً لها.  وتستخدم هذه المجتمعات عصا الدين أو عصا الوطنية أو القومية لتأديب القطيع.

وبمرور الزمن تشكل هذه الممارسات في مجتمعاتها حالة من السلبية، وتدفعها لقبول هذا الواقع، أي أنها تروضها لتكتفي بالقليل، ولا تثور إلا بعضها على بعض، وتخاف بعضها من بعض في نفس الوقت، وخصوصاً الخوف من أن تُوجَّه لها تهمة الاستجابة إلى بعض حالات التمرد أو حتى التعاطف مع القائمين بها مما يضطر هؤلاء الناس إلى الابتعاد درءاً للتهم التي قد توجه لهم من المشاركة أو التأييد لهذه الحركات.

وكل خروج عن الخطاب السائد في مجتمعات القطيع هو نوع من الهرطقة، لأن هذه المجتمعات تعتبر أن الحقائق حكراً على شريحة أو طبقة معينة، وخروج الفرد عن رأيها يؤدي إلى ولادته من جديد، مما يؤسس لحالة تراكمية من المعايير النوعية قوامها التجربة المدعومة بالقانون وليس الأحاسيس الغريزية. ويعود الخارج عن هذه المجتمعات إلى اعتماد ما قاله ديكارت:  "بأنه لن يقبل أي بديهية أو مسلمة إلا بعد التجربة".

ومجتمعنا العربي في النمسا ليس بعيداً عما أوردناه سابقاً، حيث يدور الجميع في دوامة القطيع، وكل من تسول له نفسه بالاستقلال برأيه، أو حتى بطرح رأي مخالف عليه بالتالي تحمل تبعات ما سيجري له. فهو محكوم إما بالكفر والزندقة أو بالعمالة لأحد الجهات الأجنبية، ويبدأ هذا الفرد بالدفاع عن نفسه، وتبدد الطاقات في نقاشات عقيمة تعيق حركته وتدفعه بالتالي إما إلى التقوقع على الذات والانغلاق أو إلى العودة تائباً إلى حظيرة القطيع.

وتزيد الطامة حين تكون المتفردة بالرأي امرأة، وهنا يبحث القيّمون على سير الأمور في الجالية عن نقاط الضعف لديها، وتبدأ كل أنواع الضغوط لتطويعها، والغريب أن تصدر هذه الضغوط عن ما يسمى باليسار السياسي أو اليسار الوسط إضافة لموقف ما يسمى باليمين السياسي، وينطبق القول في وصف حال المرأة العربية في هذه المجتمعات مع:  "لا مع جدي بخير... ولا مع ستي بخير... واحترنا يا قرعة من وين بدنا نبوسك" .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * رئيسة رابطة المرأة العربية بفيينا/النمسا

الأرشيف