جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / مسموح بالنقل من الموقع/ برجاء الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

أكثر من رأى

  

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ كلاوس ريتولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

 

د. تمام كيلاني

 

 

أمراض العيون

نظرية جديدة للعلاج

تجمع بين الطب والفلسفة والفن

 

 

بداية نود أن نشير إلى أن معظم الدراسات الحديثة، تؤكد أن ثمة علاقة ما في مجال الحياة الإنسانية بين العلم والفلسفة والفن.. فبالرغم من التباين الظاهر بينهم، إلا أن الثلاثة يجمعهم الاهتمام بالإنسان ومشكلاته ورغباته وعلاقته بالكون..

ونحن، هنا، نحاول أن نشير إلى الدراسات الجديدة في مجال طب العيون، التي تحاول أن تستفيد من هذا التشابك بين المجالات الثلاثة للوصول إلى حلول جديدة في العلاج..

ونحاول أن نعرف بنظرية جديدة تدعو إلى تحليل عناصر الثقافة وتحديد مفاهيمها وتطورها، وتؤكد على أن من واجب الفلسفة أن تصوغ زمانها أو عصرها في مفاهيم دقيقة ومتميزة.

وتعتمد نظرية الفن النفعي (الغرضي) بالنسبة لعنصر المكان على كسر حدود فراغية معترف بها وفق نظرية إقليدس، وذلك لفتح آفاق ومجالات جديدة حيث يعيش الإنسان في عالم محدود ومغلق قياسياً، وهو ما يشكل القاعدة التكنولوجية الموضوعية.

أما بالنسبة لعنصر الزمان، فإن الزمان المعروف لنا هو الوقت الخارجي، ويعتمد على الساعة التي تحتوي على محور واحد ومستوى واحد وعقربان يتحركان يميناً ويساراً، وهو ما يدل على أن التركيب النوعي للمستقبل هو نفسه التركيب  النوعي للماضي. فيما يعتمد المفهوم الثاني للوقت على تغيير أو تبديل أو قلب أو حتى الثورة على الوضع العام، وبالتالي يمكن تقسيم الوقت، وفق ذلك، إلى: خارجي عددي، وداخلي حركي..

والنظرية التي نحاول التعريف بها تتمثل في اعتبار الزمان أوسع من مجرد حركة عددية، بحيث يمكن ثني الوقت والتحكم به سواء بتمديده أو تقليصه.. فعلى سبيل المثال: يشعر الشخص المصاب بالملل بأن الساعة الواحدة تعادل عشر ساعات، في حين لا يشعر الشخص المستمتع بمرور الوقت، وتمر عليه الساعة وكأنها ثانية.. والنظرية تعتمد على كسر الساعة إلى محاور عدة أو إدخال عدد من العقارب أو زيادة عدد من المستويات، فتصبح الساعة في هذه الحالة متعددة المحاور، وبالتالي يمكن إنتاج صورة جديدة للوقت.

والوقت وفق الفلسفات القائمة على مرجعية دينية، مثل الفلسفة الإسلامية ـ هو بيد إرادة عليا خارج عن إرادة البشر، في حين تؤكد الفلسفات الغربية في معظمها على إمكانية التحكم بالوقت.

وتذهب النظرية "الغرضية" إلى تحديد علاقة الإنسان بالعالم، ليس عبر استعراض حركة التاريخ الإنساني لكن عبر فهم حركة الطبيعة، باعتبار أن الطبيعة هي المؤثر الأساس في حركة الكون. وتغوص النظرية في محاولة فهم الفراغات، وتركز على فكرة (المثلث) بالذات، وأن الإنسان ليس إلا (أبعاد) يحددها المكان والفراغ المحيط.

وباعتبار أن العصر الحديث قد جعل كل شيء قياساً فإنه يجب التأكيد على إمكانية إخضاعه لنظرية مثلثات إقليدس، التي تنحو نحو البساطة والبديهية والمباشرة والنقاء.. بحيث يتم التحكم بأرقام مجموع زوايا المثلث والتغلب على محدودية الخط المستقيم بتحويله إلى خط منحني إلى الخارج أو الداخل، أي بصورة محدبة أو مقعرة للحصول على تصاميم وأشكال جديدة..

وما يهمنا هنا هو الاستفادة من هذه النظرية في طب العيون..

فمن المعروف أن هناك حالات غير قابلة للقياس ويمكن علاجها بطريقة غير عضوية، تعتمد على فهم الأحاسيس الإنسانية.. وليس على المعالجة المحلية للعين وأوعيتها الدموية، بل معالجة العصب والإحساس وكيفية النظر من الناحية النفسية..  خصوصاً عند علاج أمراض الشبكية.

لقد بينت الدراسات حول شبكية العين، أن تغير الحس البصري يأتي عبر وجود أشكال وعلامات عند مرضى الشبكية لا توجد عند الأشخاص العاديين.. وهو ما يدفع إلى التساؤل حول علاقة البصر بالزمان والمكان.

والنظرية الجديدة، في طب العيون، التي نحاول التعريف بها، فتحت أبوابا جديدة في هذا المجال عبر التفكير بالساعة (وحدة قياس الزمن) بشكل مختلف عن طريقة التفكير النمطية، وتوسيع أبعاد الوقت من كونه مجرد أعداد إلى مادة.. وتقول هذه النظرية في تعريفها للوقت بأن: "معنى الوقت يكمن في التغير أو التحول النوعي للمادة".

وتبعاً لهذا التعريف تم الانتقال من النوعية إلى الوصفية واعتماد الرؤية اللامركزية للوقت وجعل المركز فراغاً.

وتشير النظرية المشار إليها إلى حركة الوقت إلى الجهات المختلفة، بمعنى أن الوقت لا يمكن أن يعود إلى الوراء بل يتقدم دائماً إلى الأمام، أي أنه يتحرك في خط مستقيم وفي اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل.

إن التفسير النفسي لفهم الوقت حساس جداً ومهم للحياة..

وتبعاً لهذه النظرية يتحدد محور الزمان والمكان وفق شخصية الإنسان المفردة بغض النظر عن البيئة والمحيط، وأن الإنسان وحده هو الذي يحدد زمانه سلباً أو إيجاباً.. وتعامله مع الوقت اقتصاداً أو إسرافاً يحدد نوع شخصيته وطبيعتها.. فالإدراك غير الطبيعي للوقت يعتبر إدراك مرضي..

وقد فتحت النظرية الجديدة آفاقاً واسعة لعلاج مشكلات العيون وعدم قصر العلاج على الطرق التقنية القياسية، بل العلاج عبر حزمة متكاملة من المفاهيم تجمع بين العلم والفن والفلسفة، على اعتبار أنها جميعاً تؤثر في الإنسان وتفسر كينونته وتحدد حركته وبالتالي هي في مجموعها مفتاح فهم مشكلاته وبالتالي المدخل إلى علاجها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * أخصائي في طب العيون/النمسا

 

الأرشيف