أكثر من رأى

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ د. كلاوس رينولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

10/ اسماعيل النوايسه

 د. اسماعيل النوايسه

  1 

من صميم

الواقع والخيال*

 

تمهيد الرواية:

 

نشأت هذه الرواية من صميم الواقع والخيال. ورأيتهما "حلماً في يقظة" وأردتهما "يقظة في حلم".

وتكون اليقظة في "استغلال الطاقة العقلية الجماعية" وصقلها أيما صقل. لأن خلاص الفرد والأمة لا تكون له مكانة إلا في "شراكة العقل الجماعي" وما تفرزه من "عقل خاص"، وهذا يعني القيادة القانونية التي تقوم على رأي الأكثرية، وحبها للوطن يكون عذرياً ومجرداً من حب المناصب، بل تعرف جيداً بأن هلاك "العامة" لا يكون إلا بعدم قدرتها على الفهم والفرز والتحليل والنهوض في المجتمع، وتعمل بتدبير وتفكير مع الاعتماد على رأي الأكثرية في ظل حرية الرأي والقانون العادل واحترام الإنسان وخصوصيته.

رأيت سبيل الخلاص للفرد والأمة يكمن في "مادة طاقتها العقل"، وكالبذرة أشبه في الجماد تحتوي على طاقة "موضعية" سرعان ما تتحول إلى طاقة "حركية" عند ملائمة الظروف، حيث تتغير وتتخذ أشكالاً حتى تحقق نفسها. ورأيت أنه كلما أشبعت "طاقة العقل" بحثاً تصقلها أيما صقل، وكلما زدتها فكراً "أينعت" وزادتك علماً ومعنى. رأيت في العقل إماماً إن "صدقته" صدقك.

رأيت العقل في الأمة أمنها واقتصادها. رأيته في حرية الرأى والقانون والعدالة والمؤسسة ورأى الجماعة. رأيت الأمة لا تصلح إلا بصلاح عقلها حتى تكون قادرة على مواكبة التقدم والحداثة والإبداع. ومن ثم التجارب واكتساب الخبرة والاستنتاج مع التمسك في القيم الاجتماعية التي ثبتت أصالتها وقدرتها على النهوض في المجتمع وامتزجت في دماء وروح الأمة، وأقرها العقل السليم والعادات السليمة، ويكون تشخيص الخطأ والصواب لسلوك الأمة ذو طابع أخلاقي ويرتكز على مصداقية مع "حيادية الشعور". لأن الشعور لا يتعدى دوره أكثر من "دور الناقل" إلى العقل، والعقل هو القادر على الفرز والتحليل والتقييم، وكلما كان التقييم والفرز جماعياً كلما كانت النتائج أفضل، ويكون التشخيص للمشاكل العالقة بعيداً عن أساليب المخاصمة و"الإرجاف" أي الإساءة المقصودة، ولكن عن طريق الحكمة والمجادلة الحسنة، مع سلامة النية ومصداقيتها من أجل الأمة ومستقبلها، وبعيداً عن حب السلطة واقتناصها من أجل إشباع المآرب الشخصية أو الطائفية أو القطرية على حساب مستقبل الأمة، ولابد من تسخير العلم والطاقة اللغوية لأن الفكر في اللغة والعلم هو في واقع الأمر "طاقة" قد تولد طاقة إبداعية مثمرة من أجل مستقبل الأمة الواحدة. وحث الكتاب الكريم على التعامل عن طريق الحكمة والمجادلة الحسنة، كما جاء في سورة النحل "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" صدق الله العظيم، سورة النحل، آية 125. إن الإصلاح لابد من أن يشمل الاهتمام في اللغة العربية وإبعادها عن الشرذمة والتبعية، ذلك لأن اللغة هي الكنز الحافظ للجواهر الأدبية والتحف التراثية الفنية، وهي حافظة عقل الأمة، وقد حافظ العرب قبل الإسلام على اللغة العربية بالرغم من وقوعهم تحت التبعية الفارسية والرومانية، وقس ما بعد الشعر الجاهلي عليه، وازدهرت اللغة أثناء العصور الإسلامية، وبدأت في عصرنا هذا وللأسف ظاهرة التشرذم والتبعية اللغوية. نعم إنه لا مانع من استعارة المصطلحات العلمية وتقريبها من الفهم قلباً وقالباً، ولكن حذاري من التبعية اللغوية ومن ثم القومية. وعودة إلى الآية الكريمة فإن لها ظاهراً يسهل فهمه وباطناً ينطبق عليه القول بأنه "السهل الممتنع" فالحكمة والقدرة على إعطاء النصيحة الحسنة واختيار المجادلة الأحسن لا تحصل إلا بعد إجهاد العقل في التعليم والممارسة مع إشراك الحس والشعور في طريقة المعاملة لإنجاح هذا الثالوث، وهو إعطاء الحكمة والنصيحة الحسنة واختيار المجادلة الأحسن، والحكمة هي خلاصة تجارب العقل، والرأي هو قناعة الفكر، والفكر هو معرفة ماهية الأشياء ووضعها تحت قياس العقل، وإن لم يكن جوهر الأشياء المطلق ولكنه أصلح ما يمكن الاعتماد عليه، والحكمة كالجواهر في الأصداف لا ينالها إلا الغواص الحاذق، وهي سلم إلى الأصل فمن عدمها عدم الوصول إلى مسببها، وقال أرسطو "الحكمة أس الممدوحات وكفاها فضلاً أن الجهل ضدها". ومن هنا ندرك أهمية اللغة القصوى وما تحتويه الكلمات من معاني.

أما مختصر قصتي فهو كما يلي:

قد يكون الخيال ظل الحقيقة، وقد يكون الوهم غذاء الخيال، وإذا سيطر الوهم على "الخيال" والتبس مع الشعور فإنه يسوق العقل إلى الضمور ويصبح المنساقين مثل "طابور النمل" الكل يسير في اتجاه واحد، ومن سار معاكساً للاتجاه يصبح في عداد المفقودين، وقليلون هم الذين يرجعون إلى جوهر العقل ويصقلون فهمهم أيما صقل.

وقصتي هذه لم تأتي من لا شيء، وإن كان غزلها خيال فله واقع يعيش في مجتمعنا العربي، واخترت أن أصنع من الشيء والخيال نادي ثقافي، وأسميته نادي الشيخ وضاح، وهذه كنية لشخص ما يهدف إلى تشخيص الأخطاء والأمراض الاجتماعية من صميم الواقع العربي، ومن ثم يبحث عن العلاج الناجع، وأشخاص النادي هم شرائح اجتماعية مختلفة من حيث المهنة والسلوك والإدراك، فمنهم الطبيب والمهندس ورجل الدين وشيخ القبيلة والتاجر والمزارع والفيلسوف وراعي الغنم، وأسمائهم عربية ونعوتهم عربية. وشعوب الأرض فيما يتعلق في الحياة بعد الموت "ذوي اعتقاد" ولكنهم يختلفون في التركيبة العربية لما لدي العربي من صعوبة الانقياد بغير "وازع من نفسه" وهو وإن تأقلم مع الحياة الحضرية يبقى في داخله شيئاً من خشونة الصحراء، ويبدو هذا الشعور بعلو الهمة وحب التنافس على السلطة والنقاش في المشاكل السياسية مع منافسيه من أبناء وطنه، حيث يرى أنه صاحب الحق وغيره في ضلال وهو لا ينصاع إلا لوازع نزل من السماء، حيث استطاع الدين الإسلامي أن يصنع من العرب أمة ذات بأس وصولة وقوة تحت توحيد الوازع النفسي والقناعة الذاتية، بأن الأمر لله وحده وأن الجميع أخوة في الله، لا ظالم ولا مظلوم، وعندما بدأ هذا الوازع يضعف شيئاً فشيئاً عاد إلى تركيبته التي جبل عليها، يفاخر بعلو همته ونجاحه كفرد، ولكن من غير عقل الجماعة والذي من دونه لن تقوم لأمة عصرية قائمة، وسوف يتعذر صنع الحضارة التي تقوم على الذات بعد غياب الوازع النفسي، والذي كان سبباً في انتفاضة الأمة على طريق المجد والتقدم، وأصبح الإنسان العربي بعد غياب هذا الوازع غير قادر على إيجاد البدائل القادرة التي تدفع الأمة إلى طريق الوحدة والحرية والتقدم والعمل، من أجل المجتمع المتكامل المتكافل في السراء والضراء، والمؤمن في شراكة العقل الجماعي لإنجاح هذه المهمة الضرورية، من أجل مستقبل الأمة كلها والحفاظ على وحدتها وأمنها القومي، في خضم تصارع القوى على ثروتها، وفي ظل هذه التطورات الداخلية التي لا تبشر في الخير، وهي تشرذم الأمة تحت شعارات المذهبية والطائفية والتبعية وما شابه ذلك، مع أن الأمل لا يزال موجوداً وممكناً. والمحزن في الأمر والذي أصبح واقعاً ملموساً هو عدم القدرة على وحدة الصف، لأسباب في الداخل والخارج، وأما الأسباب في الداخل تعود للأنانية والطمع والتسلط مدعومة في الأسباب الخارجية، والتي ترى خطراً على مصالحها وخطراً على مصالح أصدقائها، والذين ترتبط معهم في رباط روحي كما هو الحال في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العرب خاصة وتجاه العالم الإسلامي.

ورأيت الخلاص في الاعتماد على القدرات الذاتية وذلك في استغلال الطاقة العقلية الجماعية والبناء عليها، ولابد من القناعة التامة وتحقيقها على أرض الواقع، وإن شئتم أثناء الحياة العاجلة أي الدنيا، لأنه لا آخرة لأمة ليس لها دنيا في كرامة العيش والعدالة وحرية الرأى والأخذ برأي الأكثرية، وكلنا يدرك أن السر بعد الموت مغيب، والملتمس باحثاً عن الحقيقة فيما بعد الموت بعقله "مخيب"، وليس لديه غير الاعتقاد والإيمان فيما أنزل الله على رسله وما تربى عليه منذ طفولته، وهذا لا يتعارض مع "حيادية الشعور" وترجيح العقل وإشغاله في صناعة الحاضر والمستقبل، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقد لا يسلم من شذ عما وجد الناس عليه، ولابد له من أن يعتزلهم حتى يسلم من أذاهم لخروجه عما هم عليه، وقد حصل وما زال يحصل في كل المجتمعات البشرية، ولقد أعدم العالم الإيطالي قاليلو من قبل الكنيسة، لأنه ادعى أن الأرض كروية، وكان عقابه الموت على هذه المعرفة، وأدرك غيره أن خلاص الفرد والأمة لا يقوم إلا على المعرفة العلمية المجردة، والحقائق العلمية التي يمكن إعادة بنائها بعد هدمها كما كانت، واستطاع الغرب بعد أن أخذ ما أوجدته الحضارة العربية الإسلامية من اكتشافات علمية أولية أن يطور الحضارة الغربية الماثلة، وعرف كيف يسوقها على المستهلكين في الداخل والخارج، مع الاحتفاظ في سر الاكتشاف لصالحه الخاص، فكل المستهلكين مثلاً لديهم تلفون وسيارة وغيرها، مقابل الثمن الذي يدفعونه، ولكن "سر الصناعة" يبقى ملكاً لمن اكتشفه.

وركز الغرب على البحث العلمي ومسابقة الكفاءات، ومن ثم القانون وحرية الرأى، لأن في ذلك ضمان للعدل والأمن والاستقرار، ومن ثم رأى الأكثرية والضمان الاجتماعي والاقتصادي والصحي، ولم يركز على الناحية الدينية، بالرغم من التعصب للدين، إن ادعى الأمر تعصباً للحياة والثقافة والتقاليد والتراث وأسلوب الحياة الذي اعتادوا عليه، ووقف العرب عند قناعة الاعتقاد في الوحي والإلهام، معتمدين على العلاقة "الشعورية" بين الخالق والمخلوق، مع شبه إهمال للعلوم العقلية، ومع أن القرآن حث على العلم، فقد قيل عن معاذ بن جبل، أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يحث على طلب العلم والتعلم ويقول: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة، وهو المؤنس في الوحشة والمحدث في الخلوة والصاحب في الغربة والدليل على السراء والمعين على الضراء والسلاح على الأعداء. يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتفى آثارهم ويقتدي بأفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم ويصلي عليهم رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه والسماء ونجومها والأرض وخزانها؛ لأن العلم حياة القلب من الجهل ونور الأبصار ومصابيحها في الظلمة وقوة الأبدان من الضعف، والفكر في العلم يعدل الصيام وبالعلم توصل الأرحام وتفصل الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبالعلم يوحد الله ويعرف، وبالعلم يطاع ويعبد، والعلم إمام العقل، وهو فائدة يرزقه الله السعداء ويحرمه الأشقياء.

وأدرك الغرب فائدة العلم والعمل به، ولكن معرفتهم قادتهم إلى استغلال واستعمار الشعوب الأقل إدراكاً، وسلب مواردها، وبعد أن رحل الغرب بجيوشه عاد بأفكاره ووصايته.

إلى يومنا هذا، ومجتمعنا لا يزال أمام خيارين، وهما أن يبقى كما هو، يبحث عن الخلاص، مبتعداً عن السعي والبحث على طريق العلم، وهذا يتطلب الصبر والصدق والمصداقية مع الذات والغير، أو غرس كل آماله في رحم الغيب دون السعي الجاد إلى اللقاء الذي يحبه الله، وهو أنه لا إمام سوى العقل، فلقد حفظه الله في أعلى منطقة في الجسد لما له من أهمية قصوى، وأودعه في جمجمة عظمية وجعل فيها شبابيك وحواس تطل على العالم وتنقل انطباعاتها إلى العقل، حيث يتم الفرز والتشخيص ومعرفة الصواب والخطأ والحلال والحرام، ومن ترك أحكام العقل يكون قد أساء فهم رسالة ربه، وهي الاستفادة مما في العقل الجماعي من قوة لا تغلب بأمر الله، ذلك لأن العمل عن طريق العقل يبعد الإنسان عن التعصب والأحكام "الشعورية" لأن الشعور وإن كان رفيق العقل فإن القرار الصحيح والمرشح للنجاح هو قرار العقل والشعور أشبه بالمجس أو الناقل وفي اللغة اللاتينية "سنسور" أي أن الشعور أشبه بمن "ينقل الأشياء" إلى العقل والعقل يقوم بالفرز والتحليل، ومن أراد أن يصنع جنة الدنيا على الأرض لابد له من العلم والعمل الشاق المثمر والبحث واكتساب الخبرة والتجارب التي تقود إلى النصر، ويكون هذا الهدف في مقدمة رأسه، أي في جبينه، ويجعل الله سنده الدائم كيف ما يعمل، ومن أراد أن يكون هكذا سوف يعمل لدنياه بعقله كأنه يعيش أبداً بالفعل لا بمجرد القول، ولآخرته وهو مدرك أن الموت جزء من الحياة، ولا بد من الصبر والصدق والجد والإبداع في البحث العلمي، والذي من دونه لا تقوم قائمة لحضارة عصرية، تعتمد على الطاقة الذاتية، ولابد من الاهتمام بالبحوث الاقتصادية، والبحث عن مصادر الطاقة، والاهتمام بحرية الرأى مع الابتعاد عن "الإرجاف" وهو الإساءة المقصودة إلى الغير، وحرية الرأى لابد من أن تكون ذات سلوك وطابع أخلاقي لا يمس شعور الآخرين وخصوصياتهم واعتقاداتهم، ولابد من إعطاء المؤسسة والقوانين الذكية القادرة على إيجاد حلول عصرية أولوية قصوى ومتجددة متطورة مع العصر، وقادرة على إحلال العدل والمساواة بين جميع أبناء المجتمع الواحد، ولا فرق في تطبيق القوانين بين حاكم أو محكوم، ولابد من التركيز على الحاضر والمستقبل، والاستفادة من أخطاء الماضي، وذلك عن طريق إعادة قراءة التاريخ والاستفادة من عبر الماضي، ذلك لأن التاريخ يعني أن نتعلم من أجل الحاضر والمستقبل، والأمة التي لا تملك ذاكرة تاريخية لن تكون قادرة على صنع الحاضر والمستقبل بشكل يضمن لها سلامة الاستمرار للوصول إلى أهدافها الحضارية والإنسانية المنشودة، ولابد من حرية الرأى والتعبير ولابد من الديمقراطية التي تعتمد وتقوم على رأي الأكثرية.

واخترت أن تكون العربية الفصحى هي لغة المتحاورين، وإن تركت في بعض المواقف مكاناً للهجة الشعبية، وسوف يجد القارئ بعض الكلمات العربية الغريبة غير المستعملة في عصرنا، والتي استعرتها من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وهي من صميم اللغة العربية الفصحى، وغير المستعملة في عصرنا، وإن كان لها من الدلالات العملية في التعامل بين أطياف المجتمع العصري ما يبررها، مثلاً: الأعطية والصلات والإرجاف والهيف، وهي مشروحة تمام الشرح، ويتخلل الرواية قصة خيالية لها صدى في العقل والخيال العربي، وقد استعرت فكرتها من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، واخترت لها شخصيات تنم بكل مصداقيتها عن عصرنا الحاضر، وهي تتحدث عن شخص ما مكث في القبر آلاف السنين ثم نهض من القبر، وانتظر خمسين ألف عام من أعوام الدنيا في ساحات الجنة حتى أذن له في الدخول، والشخص الذي اخترته لهذه المهمة يمثل في عين الحقيقة شريحة كبرى من المجتمع العربي العصري، والتي تأمر بالمعروف ولا تتواني عن عمل المنكر، إذا ما رأت أن المنفعة الشخصية لا تتم من دون عمل المنكر، ولأنه لا يوجد وازع ديني أو خلقي أو إدراكي من عمل المنكر، ولا توجد قناعة تامة وحواجز في الداخل الإنساني تمنع من عمل المنكر والحصول على المنفعة الشخصية، أو الكسب لا يتم من غير القيام بما هو منكر، وخصوصاً عند غياب الوازع الديني ورقابة القانون، والقابلية الشخصية للقيام بما هو منكر موجودة في التركيبة "الجينية البشرية"، واخترت أن يكون الشخص قد تاب في الربع الأخير من عمره، بعد أن جر في الثلاثة أرباع الأولى من حياته في الباطل ذيلاً وباعاً طويلاً، واخترت أن يكون جامعياً وليس سوقياً أي من العامة، ولكنه أدرك في الربع الأخير من عمره أن التوبة لابد منها، وكانت هذه التوبة أشبه بالمصباح في يدي الراهب تدله في ظلام الليل على الطريق الصواب ومكنته من دخول الجنة. واستعرت من القرآن الكريم مدة صعوده حتى أولى ساحات الجنة، وهي خمسين ألف عام من أعوام الدنيا، واشتد عليه الحر والقر، وكان بطبعه "مهيافاً" أي شديد العطش. وبعد أن درس كاتب الجنة ملف حياته أثناء "العاجلة" أي الدنيا، وعرف أنه صادق أذن له بدخول الجنة. وقد وجد أن الله جلت قدرته قد غرس للمؤمنين من أبناء آدم شجر لذيذ اجتناء، تأخذ الشجرة فيه ما بين المشرق والمغرب، وجذور هذا الشجر متلاقية في الأرض وفروعه متشابكة في السماء، ويجري في عروقه أنهار من الماء الطاهر واللبن الذي لم يتغير طعمه، وأنهار من العسل المصفى، ومن الخمر لذة للشاربين، ومن كل أنواع الفواكه، كما جاء في الكتاب الكريم. ويحدث هذا الشجر لتلاقي جذوره وتشابك فروعه ظل ظليل، مما جعل أرضه مستورة عن الرؤيا، ولعل الجنة في اللغة العربية جاءت من الجنين، حيث يتبدل ويتغير محجوباً عن الرؤيا، ولا يمكن رؤيته إلا بعد الولادة، وكذلك الجنة لا ترى إلا بعد القيام في العمل الصالح أيام العاجلة أي الدنيا، ورؤيتها يكون محتوماً بعد الموت لمن من الله عليه في الرحمة والغفران بعد أن تاب وعاد لربه، كما فعل الشيخ ابن عاشور الجعدي وكنيته أبو صهيب، والذي تاب في الربع الأخير من عمره بعد أن وقع في الموبقات.

والأنهار تسمى جعافر لأن الجعفر في اللغة العربية هو النهر، ويعبق بين جذور هذا الشجر نسيم عليل لا بارد ولا حار ومشبع برائحة القرنفل والخزاما*، وذلك من أمر العلي القدير. وأراد هذا الشخص الذي نال الحظ أن يتجول في الجنة، وأن يبحث عن الحسان الحور ووجدهن على ضربين، أي على نوعين، أما النوع الأول، فكن قد نشأن في الجنة، والنوع الثاني هم من مؤمنات الفانية أي الدنيا، ووجد مؤمنات الفانية من جميع أديان الأرض، وبعكس ما ذكره الكوميدي "دانتي" صاحب الملحمة الإلهية، الذي رأى أن الحوريات فقط من الديانة الكاثوليكية.

وفضل الشيخ علي بن عاشور الجعدي، وكنيته أبو صهيب، أن تكون حورية قلبه من الحواري اللاتي نشأن في الجنة. وهمس في داخله "هامس" بأن يخاطب عصفورة تغرد على غصن شجرة من شجر الجنة وتحولت بقدرة العلى القدير إلى حورية تصرع الألباب، وسألته أن يحدثها عن شعر أهل الفانية أي الدنيا، وكان ملماً في الشعر العربي أيام "العاجلة" أي الدنيا. واجتمع مع حكماء الجنة وطرح عليهم أسئلته عن الحياة الدنيا واستمع إلى إجاباتهم، وأخبروه عن نشوء الأرض، وأجريت له محاكمة بعد لقاءه مع حاكم عدل الجنة ودار بينهما حوار مطول، وأعلمه أنه كان يعيش في ثلاث شخصيات، وغيره كان لهم آلاف الشخصيات، ولولا توبته في الربع الأخير من عمره لما كان له أن يفوز في الحظ السعيد، وأن يدخل الجنة. وقد صادفه الحظ أن يستمتع في جلسة شراب مع "رهط" أي جماعة من أهل الجنة، واستمع إلى إجاباتهم عن الأرض والحياة الدنيا، واستمتع في جلساتهم وشرب على نخبهم.

وبعد أن أفاق من حلمه الذي كان "يقظة في حلم" وجد نفسه في الواقع المؤلم، هو "حلم في يقظة". وتطلع وإذا بزوجته نائمة بجنبه، فلعن الشيطان الذي طرده من الجنة كما أخرج أبينا آدم. وعندما سمع الناس بحلمه أصبح الكثير منهم أعداءه، وأما زوجته فقد قالت له أن حلمه بدعة من بدع الشيطان، وأن حلمه إن دل فإنه يدل على أن الشيطان قد اختاره ولقح شعوره أي تلبسه، وأن عليه أن يصلي عشر ركعات وأن يطعم عشرة مساكين، وأن لم يفعل فقد أصبحت لا تحل له كزوجة، وأذعن الرجل إلى رغبة زوجته وأصبح يقضي معظم وقته في الجامع، ولا ينام إلا والقرآن بجانب سريره.

 ..........................

* المقال تمهيد لرواية بقلم الكاتب، قيد النشر

* الخزاما: نبات ربيعي واسع الانتشار، ينبت في الأراضي الرملية والسهول طوله 30 سم تقريبا، وسيقانه تنفرش في كل اتجاه وتشكل دائرة قطرها أكثر 40 سم والأوراق شبة دائرية متقابلة وأزهارها على شكل نصف دائرة ولونها بنفسجي أو أحمر زاهي جميل وله رائحة ذكية جدا، والنبات طعمه حار.

 

 

 

 

  2 

الشيخ

الحارث ابن كعب المؤابي

يتحدث

 

هو أحد الشخصيات الخيالية المثالية في الرواية والتي تأمل في "توجيه" مستقبل أمة العرب عن طريق الحكمة والتجارب الغنية إلى الاتجاه السليم، معتمدا على تجارب أهل الحكمة والمعرفة من العرب السابقين وأقوالهم التي عاشت الزمن، لما تحتويه من مصداقية. "وقليل من الإصلاح نافع"!  واخترت أن يكون عنوان الرواية "اعتصام وزند" وأما الاعتصام فقد استعرته من قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". صدق الله العظيم وأما الزند فهو مقداح الشرار، وعنيت به "العقل" لأنه" المؤهل" لإتمام هذه المهمة الصعبة، مع إطلاق عنان الخيال، بفتح العين، أي الأفق، ورأيت أن "واقع" أمة العرب أصبح "مخذولا" ولا قدرة له على القيام في هذه المهمة الصعبة، ولهذا لجئت إلى شخصيات خيالية مثالية للقيام في هذه المهمة، أملا في أن ينعكس الخيال على الواقع العربي  لأنني "شخصت أن الحياة العربية" أقرب للخيال منها للواقع. ووجدت أملى في شخصية خيالية مثالية وأسميته الشيخ الحارث بن كعب المؤابي وكنيته أبو صابر.

وبعد أن جلس المهندس همام القريشي وقف الشيخ الحارث بن كعب الموآبي، وكنيته أبو صابر، والشيخ المؤابي كان من جمرات العرب وذؤابتها  أي "ناصية" منها والناصية هي مقدمة الرأس ومركز الذكاء عند بني البشر كما هو في علم الطب. وحسب المفهوم العربي دلالة على الرفعة والشرف. وكان الشيخ بعيد النظر ويتمتع في ذكاء فطرى، وقريحة منفتحة وصراحة في الرأي ومرونة في الطباع والشدة إن ادعى الأمر، كان بارا كريما بقريته، يربي الأيتام ومن رهبان  الليل، ويعامل الجميع على قدم المساواة، وكان الناس يحتكمون إليه في حل مشاكلهم، سيما وأنه ذو قدرة عقلية فطرية، زادتها تجاربه الحياتية وذاكرته القوية، ومعرفته للتقاليد الاجتماعية خبرة على خبرة، وكانت القبائل من غير قبيلته تأخذ برأيه،  لقناعة لديها بصدقه وسلامة نيته، وخصوصا إذا كانت حلول المشاكل من النوع الذي يتطلب     التسامح والمصداقية والحنكة وبعد النظر، وكان للشيح الحارث بن كعب الموآبى صديقا، واسمه الشيخ أيوب بن مثرى الغسانى، وكنيته أبو غسان وهو شيخ القبيلة الغسانية، وكان من ذوى الأخلاق والتعامل الحسن مع الغير وهوايته الشعر والأدب كالموآبي، كما كان أبو غسان كريم  النفس، وأكثر كرمه لصالح الأيتام والفقراء، ومولعا في القراءة، ويعرف الكثير عن أقوال العرب وإشعارهم وحكمائهم، وكان مجلسه محبب لأهل الأدب والطرافة، كان الشيخ الموآبى يجد متعة في الجلوس مع صديقه أبو غسان، وغالبا ما كان الحديث يدور حول أقوال الحكمة والأدب كما جاءت على لسان العرب وغيرهم من الشعوب التي انتقلت أمثالهم إلي أمة العرب أثناء امتداد  الفتوحات العربية الإسلامية، وأصبحت فيما بعد تقال على لسان العرب، كان الكثير من الناس يحبون طباعه وثقافته الواسعة، ويعرفون أنه يعز صديقه الحارث بن كعب المؤآبى، وحاول بعضهم مدحه  ومدح صديقه لمعرفتهم الواسعة في حكم وأمثال العرب والتي عاشت الزمن وكان الشيخ الحارث يقول: "إياكم أن تمدحوا الحارث بن كعب المؤابى، فإنه أعرف بنفسه منكم، وقد تكذبون وهو يعرف أن لا رأى لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحدا" وكانت هذه المقولة على لسان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، كان الشيخ الموآبى يقول: أبو غسان من أهل الخلق والتعامل وأفعاله تنم عن صدقه، وهو من العروبيين المنتمين إلى عروبتهم وقوميتهم والعاشقين لتراثها وأقوالها، وكان الشيخ مثرى الغسانى يصف الموآبى قائلا: أنه من خير المنتمين إلى عروبتهم وإسلامهم، فلديه صفات العربي المنتمى إلى عروبته والمسلم المؤمن بدينه، وهو ذو قريحة ذكية وفطنة ومعرفة واسعة وعريضة عن أخبار العرب وأقوالهم. والتي كانت تنم عن تجارب ومعرفة وخبرة قد تكون قيلت من الحكماء والخلفاء وأهل الأدب والطرافة، وجميعها تحتوى على "معاني لا تموت" مع الزمن لما لها من مصداقية، ولأن كل منها على مفرده يدل على تجربة وخبرة إنسانية كانت قد حدثت وسوف تحدث، ما دامت النفس البشرية تحمل في تركيبتها الخير والشر والحب والكره والطمع والأمانة، والشيخ  الموآبي يحتفظ في ذاكرته في كل ما هو جميل وأصيل منها، وكأن ذاكرته تربة صالحة، وأهل لكل جميل قاله العرب واختبروا فائدته ومصداقيته، ويمتاز الشيخ بفطرة إنسانية تنم عن الحكمة وصدق الانتماء الوطني وسلامة الفطرة، والتي تخلو من التعصب والمغالاة، وقد تحدث بعض من عرف الشيخ أيوب مثري الغساني، بأنه كان مولعا في القراءة وواسع الثقافة ومن العروبيين المنتمين إلي قوميتهم العربية، وكان يرى أن للقومية رسالة حضارية علمية تقوم على الحقائق العلمية كما  لها رسالة روحية إنسانية، وكثيرا ما ردد الآية الكريمة قائلا: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا" صدق الله العظيم، كان من المؤيدين لرأى المهندس همام القريشي، والذي كان يقول ويردد في أحاديثه بأنه لابد من أن نصل إلى الحقيقة الإدراكية بأن للأمة عقل بحاجة إلى إشباع، ويتم هذا عن طريق العلم والبحث المبنى على الحقائق العلمية التي يمكن هدمها بعد بنائها ومن ثم بنائها  بعد هدمها كما كانت، وأن روح الأمة بحاجة إلى إشباع، ويكون  ذلك عن طريق خلق توازن تام بين العقل والشعور، على أن تكون العلاقة فيما بينهما لا تخرج إلى الضرر، وكما قال العرب لا ضرر ولا ضرار، وما غير هذا قد يبعث إلى متاهات التعصب والتطرف والخلل في العيش الاجتماعي المشترك، والبعد عن الحكمة والخلق الحسن والتعامل السليم، وإشباع عقل الأمة هو في بناء الحضارة، وغير هذا يعني أن تركب الأمة على مخلوقات "ذات أربع" ويركب غيرها من الشعوب التي أشبع أبنائها عقولهم بحثا وعلما على آلة تنقلهم في البر والبحر والسماء، وتكون أرضهم ومقدساتهم مصانة من أعدائهم. إن إشباع الشعور على حساب العقل  يؤدى إلى ضمور العقل، وإشباع العقل مع إهمال الشعور يقود إلى الخلل الاجتماعي، ولابد من التوازن في العلاقة بين الشعور والعقل والتي لابد أن تقوم على  البعد الإدراكي السليم للمنفعة العامة والخاصة، وفقدان التوازن في مفهوم العلاقة بين العقل والشعور قد يقود إلى التطرف، ومن ثم إلى البحث عن النجاة في عالم الغيب والأوهام والخرافات، والبعد عن الواقع المؤلم على مستوى الفرد والأمة! ورجوح العقل على الشعور هو في حقيقة الأمر ما نهدف إليه على  أن لا يقود إلى استغلال من هم أقل إدراكا، ويؤدى فيما بعد إلى العنجهية والغطرسة والاستكبار كما هو شاهد للعيان. ومن هنا تكمن أهمية التوازن عند المنتمين الصادقين والمبدئيين المخلصين والحريصين على أوطانهم وشعوبهم وإنسانيتهم، وليس حقا لصاحب  العلم والتجارب والخبرة والذي أصبح في أول الركب بأن يستغل ويستعمر من هم أقل  إدراكا من الشعوب الأخرى والتي لم يحالفها الحظ في الإدراك والمعرفة العلمية والقيادة التاريخية الواعية والأيدي العاملة النشيطة، وحسن الإدراك إلى مفهوم المواطنة السليمة، والتي تعنى يجب أن تقدم لوطنك حتى يقدم لك. واسمعوا حديث الشيخ الحارث بن كعب المؤابي في  اللغة العربية الفصحى، والشيخ ليس من محبي اللهجة "الطافية" أي العامية في أوساط القرية والريف وفي بعض المدن العربية، وأجمل ما في لغة أهل المدن أن تنطقها امرأة، حيث تموت الحروف في فم الناطقة نعومة وهو مستحسن! وإذا ماتت الحروف في فم الرجل فهو لدى مفهوم أهل العربية الفصحى من "المستهجن" سماعه لغرابة فيه لا تتناسب مع نطق اللغة العربية الفصحى.. ويبدأ الشيخ الحارث بن كعب  كلامه قائلا:  سلام الله عليكم أيها الإخوة في الوطن الواحد واللغة والشعور والتاريخ والخلاف المستمر بلا انقطاع، في وطنكم العربي  الكبير والفقر والحرمان والمآسي المشتركة ضاربة أطنابها! إخواني إن المرء منسوب إلى فعله  ومأخوذ بعمله، ومن يزرع الشوك لا يحصد العنب، والعاقل لا تنقطع صداقته، والأحمق لا تدوم مودته، كل امرئ عقله وعدو كل امرئ حمقه، فاتخذوا من نصحاء أصحابكم مرآة لطبائعكم، وكما تتخذ لوجهك المرآة، فإنك إلى صلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك، إخواني أكلت الصبر وشربت المر فلم أرى شيئا أمر من الفقر، ونازعت الأقران فلم أر قرنا أغلب من المرأة السوء، ورجمت بالحجارة فلم أر أنفذ من كلام السوء يخرج من فم مطالب بحق، ومن حسد الناس بدأ بمضرة نفسه، والعديم من احتاج إلى لئيم، وأفسد كل حسب من ليس له أدب، مصادقة الكرام غنيمة ومصادقة اللئام ندامة، ومن صبر على مودة الكاذب فهو مثله، من بدأ لك بجهله فكافئه بحلمك، ومن حسدك على علمك لم يستمع حديثك، والسكوت عن الأحمق جوابه السكوت، الحاسد يفرح بزلتك ويعيب صوابك، وإذا رأيت من يحسدك فغم عليه أمورك، ومن لم يغلب الحزن بالصبر طال غمه..

إخواني: لست مع  الرأي القائل بأن ضياع كل ما هو جميل وأصيل تكمن أسبابه في دخول الغرباء إلى مجتمعنا الطيب، لأن  مجتمعنا المتماسك قيما ومعنوية له قدرة أن يؤثر ويتأثر،  فهو يؤثر بما لديه من صفات أصيلة هي في طباعه وتقاليده، والمتعارف عليه من القيم السليمة والتعاليم السمحة وطيب الخلق وحسن المعاملة، وله القدرة في التأثر عن طريق معرفة الأصلح وضمه إلى ما لديه من قيم صالحة، فمن يأخذ الطالح يكون قد نبذ الصالح، ويكون لومه على نفسه لأن الأصيل المغروس في الطباع لا تزيله الرياح وإن عصفت، والرياح قد تكسر بعض الفروع ولكن الجذور الراسخة لا تطولها العواصف، وما يساور نفسي سوى الخوف من بعض الأفكار الهدامة ومن ذوي العقول المريضة ذات الأفق الضيق والعقلية المحدودة، التي تريد أن تعود بمجتمعنا الطيب إلى الوراء، راكبة أفكار التعصب والتكفير وإبدال    كلمة "الفكر" حسب إدراكهم الضيق بكلمة أخرى وهي "الكفر" والتفكير بكلمة أخرى وهي "التكفير"، من دون  المعرفة والإدراك وبعد النظر. إنه بدون إطلاق عنان العقل والخيال، بفتح العين،  لن يقوم  لأمة عصرية قائمة، فالزمن هو  لأصحاب العقول المبدعة الخلاقة والسياسة الحكيمة التي تدرس كل الاعتبارات، وتكتشف كل الفجوات، مع مصادقة الشعوب من أجل رفعة الوطن "كله" وإبعاد النعرات الطائفية والمذهبية والقطرية والقبلية الضيقة عن سمائه،  لابد من تجنيد الإنسان وعقله وأحاسيسه لخدمة الوطن الواحد والشعب الواحد والمصير الواحد، والقيادية الواعية  المدركة لهموم الوطن تكون وحدة صفه همها الأول، وليس لها هدف غير إسعاده في ظل حرية الرأي والديمقراطية والتقدم العلمي والبحث المستمر من أجل التطور إلى الأصلح، في ظل العدالة والمساواة وفرض الكفاءات بين جميع أبناء الوطن الواحد، والاعتماد ـ بعد الله ـ على المعرفة والعلم والتجارب واكتساب الخبرة من أجل الأفضل في عالم  اكتشف أن لا تقدم بدون الجد والعمل الدءوب والصدق والصبر، ومن ثم وضع العقل والروح فيما أراد الله لها وحثنا عليها النبي العربي (صلعم). ولقد أراد النبي العربي لنا جيوشا في العقل والروح وحسن الخلق والمعاملة، ولم يأمرنا في التعصب، بل في التروي والبحث عن الحقائق العلمية والمعرفة النافعة، وأن الخطر يكمن فيما سوف تفعله الأفكار الهدامة إن لقحت أفكار ذوي العقول المحدودة  والمريضة،  نعم أنا مع التقدم والعلم والبحث وبعد النظر والصدق والصبر والإخلاص للوطن ومن يرعى مصير الوطن، من العاملين الشرفاء من أبنائه المؤمنين بقدراته واستقلاليته، وأن  النفق لن يطول إن اتحدنا قلبا وقالبا ونبذنا الأحقاد والأمراض التي تقود إلى الفرقة الوطنية، وإني أتفق مع المهندس همام القريشي بأن الوطن للجميع والدين لله وكلنا شركاء في حب الوطن، وأن الخلاف على ما هو في رحم الغيب يبعدنا عن الواقع الملموس، ويقود إلى الفرقة وسوء الظن  والعزلة، والعيش "جنبا إلى جنب" بدلا من أن يكون العيش "بعضا مع بعض ولبعض"، وليكن لكل منا الحق في ممارسة ما تربى عليه واعتقده نهجا لحياته بعد موته "لا إكراه في الدين" صدق الله العظيم. ومن الغباء أن ينتقل العداء بين أبناء آدم إلى ما بعد الموت المؤكد!؟  واسمحوا لي أن أتحدث إلى عشيرتي ومجتمعي القروي في اللغة المتعارف عليها! وأقول: إن النفس التي تفقد كل الشيم    ويصبح المال جوهرها تصبح نفس باردة لا حساسية فيها "وياويل" من وقع تحت حكم هؤلاء الناس، ومن يصبح على مثل هذه الحال لا يعرف جهله، وأقول الشيخ هو من شاخت نفسه  أى "ارتقت" عن الرذيلة، الشيخ كلامه في أغلب الأمور صايب أي "صائب"، يحب صغير القوم وكبيرهم سواء، ولا يفضل نفسه عليهم، يفرح لفرحهم  ويواسيهم في حزنهم، شعوره معهم نابع من أصالة ومودة وقرابة، الشيخ يؤمن على الأرض  أى "الوطن" والعرض، الكرم عنده مغروس في طباعه وفيما تملك اليد والإمكانات المتاحة، ولو كان الكلام الطيب الذي يلامس العقل والقلب، الشيخ يسهر من أجل العدل ينصف الفقير واليتيم وابن السبيل، يريد لهم العدالة والمودة والعيش الكريم، الشيخ عدو البخل وعدو الإسراف الزائد عن حده، ويعرف أن كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، ويربطه في جميع الناس الخلق الحميد والفطرة السليمة والفعل الحسن في محله. الشيخ حافظ للأمانة ويعرف حلم الرجال عندما تغضب،  ويضع حديثها في عقله عندما تتحدث، ويعرف أن لا أمانة لطماع، وأن الطمع يورث المذلة، وهو قادر من خلال هذا التشخيص أن يقع من الرجل على إحدى شقيه.

واعلموا إخوتي وأبناء قومي أن كل شيء يرخص  إذا كثر ما عدى  العقل والخلق الحميد فإنه كلما كثر على وارتقى. واسمعوا وعوا ما قاله الإمام علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، حيث قال: خالط المؤمن بقلبك والفاجر بعقلك، وقال بعض الحكماء شر الأمراء أبعدهم من العلماء وشر العلماء أقربهم إلى الأمراء، وقيل لا تصغر أمر من حاربت فإنك إن أصغرت لم تحمد وإن عجزت لم تعذر، واعلموا وعوا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من سعادة ابن آدم؛ المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، وثلاث من شقاوة ابن آدم؛ المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء. وقال السيد المسيح عليه السلام: ما حلم من لا يصبر عن الجهل، وما قوة من لا يرد الغضب، وما عبادة من لا يتواضع للرب. وقال أحد الحكماء: اعلموا إخوتي أن الناس ثلاث: أخ يخلص وده ويبلغ في همك جهده، وأخ يقتصر بك على حسن نية دون رفده ومعونته، وأخ يتحمل بلسانه ويتشاغل عنك بشأنه ويوسعك من كذبه وأيمانه.. وقال الإمام الشافعي: احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة الناس. وقال مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه، واعلموا أن من تهيب عدوه فقد جهز له جيشا، وفي الطمع المذلة للرقاب، الحلم شرف والصبر ظفر والأيام دول، وروى أن رسول الله (صلعم) قال: أفضل الناس أعقل الناس، من قرّب السفلة وأدناهم وباعد ذوى العقول وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده، وقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: شر الناس من اتقى الناس شره، واسمعوا وعوا ما قاله أبو الدرداء: كان الناس ورقا لاشوك فيه وأصبحوا شوكا لا ورق فيه، وأفقر الناس أكثرهم كسبا من حرام. لأنه استدان بالظلم ما لا بدله من رده. وهنا يذكّر الشيخ الموأبي الجمع الغفير قائلا: صديق الرجل عقله وعدوه حمقه. اشتغلوا بأحوالكم فإن من اشتغل بأحوال الناس ضيع حاله. وإذا أعرضتم عن السفيه زاد غمه فأصلحوه إن أراد الإصلاح وأن أعرض زيدوه إعراضا. إخواني ليست البركة من الكثرة ولكن الكثرة من البركة. كفاكم أدبا لأنفسكم ما كرهتموه لغيركم، وبتقلب الأحوال تعرفون معدن الرجال، ومن لم يرفع قدر نفسه عن الجاهل رفع الجاهل قدره عليه. وقال أرسطو: النفس الذليلة لا يؤثر فيها الهوان. وقال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز: تهلك العامة بعمل الخاصة والخاصة هم الحكام. إخواني اعلموا أنه إذا طلب العاقل كريما حاجة انفضت، لأن العاقل لا يطلب إلا ما يمكن، والكريم إذا سؤل ما يمكن لا يمنع. واعلموا وعوا ما قاله الحسن البصري، رحمه الله، حيث قال: لكل أمة صنم يعبدونه وصنم هذه الأمة الدينار والدرهم، ولو عاش البصري في الزمن المعاصر لقال أصبح صنم هذه الأمة "الدولار". وقال رحمه الله إذا أردت أن تعرف كيف حصل صاحبك على المال فانظر كيف ينفقه، فان الخبيث منه سريع الذهاب. واعلموا ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم الحر تملكه، وصدق المتنبي حيث قال:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

واعلموا إخواني: أن الناس حيث يكون المال والجاه والمنصب، وكما قال الشاعر:

وما الفضل في هذا الزمان لأهله

ولكن ذا المال الكثير له الفضل

وهنا لا ينسى الشيخ أن يذكر الناس بما قالته أم البنين، وهي أخت الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حيث قالت: أف للبخل، والله لو كان طريقا ما سلكته، ولو كان ثوبا ما لبسته. ويضيف الموأبى محذرا الناس من أخذ الأمور ارتجالا وعلى "العاتق" والتواكل ويقول: لا تحقر عدوك وإن كان ذليلا ولا تغفل عنه وإن كان حقيرا، فكم من بعوضة أسهرت فيلا ومنعت الرقاد ملكا جليلا، ومثل العدو مثل النار إن تداركت أولها سهل إطفاؤها، وان استحكم إضرامها صعب مرامها وتضاعفت بليتها. إخواني اعلموا أن أسوأ الناس من لم يثق بأحد لسوء ظنه، ولم يثق به أحد لسوء فعله، وأن الحسد من أرذل الصفات، وأن الحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت. ولا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة. من وفى بالعهد فاز بالحمد، وفي الأسفار يبدؤ الاختبار، أفسد كل حسب من ليس له أدب. إخواني احذروا كثرة الإخوان ألا أن يكونوا أخيارا، واعلموا أن العتاب خير من مكنون الحقد، وأن ضربة الناصح خير من تحية الشانى. لا تكثر المزاح فتذهب هيبتك ولا الضحك فيستخف بك، والسكوت عما يضرك خير من الكلام، من قطع عليك الحديث فلا تحدثه فليس بصاحب أدب، العاقل إذا فاته الأدب لزم الصمت، كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إذا جهل عليك الأحمق فالبس له سلاح الرفق، مؤمل النفع من اللئام كزارع السمسم في الحمام، عداوة العاقل خير من صحبة الجاهل، من بذل لك نصيحة فاحتمل غضبه، روضة العلم أفضل من روضة الرياحين، رب سويقي خسيس أفضل من قرشي نفيس، لا يرتفع الرجل بنفسه إلا بذل يجده في نفس آخر، الشر فانك إذا شئت تعجلته، الصديق من صدق غيبته، الغريب من لم يكن له حبيب، ورب بعيد أقرب من قريب، خير أهلك ما كفاك، وخير سلاحك ما وقاك، بعض الكلام أقطع من الحسام، لا راحة لحسود ولا وفاء لملول، خير العلم ما نفع وخير القول ما اتبع، أول المعرفة الاختبار، أنفك منك وإن كان أجدع، من عرف بالصدق جاز كذبه ومن عرف بالكذب لا يجز صدقه، الدال على الخير كفاعله، لكل ساقطة لاقطة، ومن يزرع المعروف يحصد الشكر.

ويقول الشيخ الموآبى: لقد حفظت هذه الأقوال من كتب المعرفة والأدب، لأنها تنم عن تجارب لا تموت مع الزمن، مادام عليها ولد آدم، وهذه الأقوال العربية حسب معرفتي قيل بعضها من ملوك وحكماء من غير العرب ومنهم ملوك الفرس والرومان واليونان، وكثيرها من العرب ومن أراد التأكد من صحة ما أقول فعليه أن يرجع إلى كتاب الإعجاز والإيجاز لصاحبه أبي منصور الثعالبي. ويضيف الشيخ الموآبي قائلا: إن هذه الأقوال تنم عن خبرة وتجارب ذات طابع تعليمي وجديرة أن تحفظ في كل ذاكرة، كما حفظها الموآبى في ذاكرته ووجد فيها تربة خصبة قادرة أن تحولها إلى فكر ذو قدرة حركية، وبما أن الفكر "طاقة" والطاقة لا تذهب سدى بل تتحول من حال إلى حال، وأقوال الشيخ المؤابى هي من هذا القبيل؛ تحتوى على طاقة فكرية خضعت للتجارب والخبرة والمعرفة وعاشت الزمن، وهي مجموعة من التجارب الإنسانية العربية وغير العربية الصادقة، والتي تنم عن تجارب ومعرفة أكيدة لا تموت مع الزمن.

ويعود الشيخ المؤابى لمخاطبة أهل الثقافة المتواضعة قائلا: لعلى أثقلت عليكم بحديثي هذا، وكل ما أردته هو أن أذكركم بأننا أمة ذات أدب ومعرفة وحكمة يمكن البناء عليها، فهي مفخرة لنا، وحذاري من شرذمة اللغة العربية وتقزيمها وإماتة حروفها في فم ناطقيها، وإني أحثكم على الرابطة الأخوية تحت السماء والتراب الواحد، وشيخكم ضد التعصب للمذهبية والطائفية والقطرية والقبلية "وصديق العيش بعضا مع بعض"، "وضد العيش جنبا إلى جنب"  لأن العيش جنبا إلى جنب يعني أن يعيش كل مواطن لنفسه ولا يهمه أمرا غير أمره، أي حسب القاعدة التي تقول "نفسي وليكن بعدي الطوفان" وقد يؤدى ذلك إلى فقدان الترابط والتراحم من أجل الوطن الواحد. ومما لا يعود على الوطن والمجموعة بخير.

شيخكم مع القانون العادل لأن في ذلك سلامة للأمن والاستقرار، وهي من أهميات التقدم والازدهار في المجتمع المتكافل المتحضر المتكامل، لست ضد القوانين الغربية إن طبقناها كم يطبقونها في بلادهم وعلى مواطنيهم، ولكني لست مع القانون الذي يطبق حسب المزاج وعلى المحكوم  دون الحاكم.

وينهض أحد الجالسين في النادي ويقول: أن كلام الشيخ أبو صابر أكثر قيمة من الذهب، ولكن المحزن أن القوانين المأخوذة من الغرب تكتب  عندنا على الورق وتطبق حسب مزاجنا وليس كما رآه القانون فعلا ـ وهنا يرد الشيخ  المؤابي قائلا:  نعم الذهب معدن صاف، ولكن العقل الذي استخرج الذهب هو أصفى منه، والعقل لن يسعد صاحبه إن لم تكن النية السليمة والخلق الحميد والتواضع والشعور مع الغير هي أنبل أهدافه، ثم يستطرد قائلا: الذهب لاشك معدن ثمين، ولكن يجب أن لا يؤدى إلى علو الهمة والتكبر على من لم يحالفه الحظ في الحصول عليه، ومن ثم يصبح جمعه والركض من أجل الحصول عليه سببا في أن ينسى الإنسان نفسه وارتباطه في مجتمعه وربه وذوى القربى والمحرومين في المجتمع الواحد، ومن يصبح على هذه الحال" لا سمح الله" يكون قد فقد نفسه وماله وخلقه وإذا اجتمع العقل والأخلاق والشيم الطيبة فهذه من صفات الشيخ الذي تحدثت عن صفاته. وأملى أن يكون كل مسئول في بلدنا وأمتنا يحمل صفات الشيخ الذي قصدته.

وانتقل الشيخ المؤابي كعادة أهل الريف للحديث عن أولاده، وكيف أنه فخور بهم وما حققوه من نجاح رغم ضيق حالته المادية، وأنهم استطاعوا بما لديهم من إرادة وهدف وقدرة على السير وراء الهدف الذي اختاروه لأنفسهم بأن يحصلوا على الفوز والنجاح، وأضاف، لقد عرفت حقيقة في الحياة من خلال تجاربي، والتي لم تكن سهلة المنال، وهي أن كل إنسان قادر أن يكون ناجحا، وهذا يتطلب منه أن يعرف "ما يريد" أي الهدف، ومن ثم السير وراء الهدف بصبر وعزيمة، والنجاح له علاقة في قدرته على الاستمرار في السير والتحلي بالصبر والنية السليمة، لأنها تمنحه القدرة على السير، ومن ثم السعادة، والحياة بلا حب وسعادة تصبح صحراء قاحلة لا تطاق، ويتبعها الفشل المحتوم إن ضاع الأمل، ولكن الله العلى القدير غرس الأمل في نفس البشر وفي تركيبتهم "الجينية" أي الوراثية، ولهذا يكون الإنسان قد كذب على نفسه إن قال فقدت أملي، لأنه لا يستطيع أن يفقد أمله.

ومن ثم انتقل مادحا لصديقه وصديق ابنه ظافر وهو المحامي حرب بن علقمة النجدي، وكان حرب قد امتهن المحاماة، وكان من ذوي النظر البعيد والقدرة على معرفة الأشياء قبل حدوثها، لما لديه من معرفة وخبرة وتجارب وكانت معرفته للأحداث التي تدور في البلدان العربية وما حولها تنم عن إدراك في الموقع السليم، ولها علاقة في قدرته على مراقبة الأحداث ومعرفته التاريخية السابقة، ناهيك عن قدرته على فرز الأمور وتحليلها، وما سوف تصل إليه من أبعاد، وكان الشيخ الموآبى من المعجبين برأي المحامي حرب ابن علقمة النجدى،  وتحليله لما يتعلق في مجريات الأحداث الجارية، وأن رأيه كان في عين الصواب لما حدث مؤخرا، حيث كان ينم عن معرفة وبعد نظر وأضاف قائلا: رأيت في رأيه أصوب من رأى ولدى ظافر، مما جعل المستمعين يستغربون تشخيصه للأشياء ومن دون  اعتبار لقرابة الدم. وأضاف قائلا: الوطن فوق كل الاعتبارات، فلا قرابة فوق قرابته. وصاحب المعرفة والقدرة على إتمام المهمة من أجله هو عند الله والمجتمع الطيب أفضل من غيره، لا قرابة فوق الوطن. والقرابة في مجتمعنا العربي فوق كل الاعتبارات!

وأضاف الشيخ المؤابي قائلا: ليسمع الجميع إنني أحمد الله ربي على ما منحني من ذرية صالحة، وعلى النشامي الأربعة وهم أولادي، نعم عندي أربعة نشامي - أحدهم أصبح طبيبا، وهو ولدى صابر وأخوه الذي اصغر منه أصبح محامى واسمه ضافر، واستطرد يقول: لله الحمد لم تكن حالتي المادية على أحسن حال، ولكن أولادي كان أمامهم هدف وكان لديهم إصرار وقدرة على الاستمرار في العمل والجد، وزوجتي أم صابر لها كذلك دور كبير في تربيتهم، وكان لي دور في اختيار أم صابر كزوجة، بعد أن اقتنعت في المثل العربي والذي يقول "جود خال ابنك" مع تشديد الواو أي اختار زوجة من أناس عرف عنهم الصفات الوراثية الجيدة. لأن طبيعة الصحراء القاسية بحاجة إلى جيل يتناسب مع صعوبة العيش في الصحراء وقساوته. ومن هو مصاب في أمراض وراثية هو غير مؤهل للعيش في الصحراء. لأن الصفات الوراثية وإن كانت مختبئة فسوف تظهر فيما بعد وقال العرب "المرأة تلد أباها أو زوجها"  لأن المرأة تنقل الصفات الوراثية المخزونة في جيناتها، حوامض أمينيه في داخل التركيبة البشرية وغير البشرية الحيوانية منها والنباتية، إما عن طريق ما ورثته من جانب أبيها أو عن طريق ما جاءها من زوجها، والمولود ليس له طول ولا حول وحظه يكون فيما ورث عن أبويه، فان كان خيرا فقد حالفه الحظ، وإن كان شرا فلا مرد له، لأن الجينات لا تحيد عما هو مرسوم في داخلها قيد أنملة.

وبعد حديث الشيخ المؤابي هذا نهض شاب ظهر عليه الغضب والتوتر والعصبية، واسمه محب صادق الكعوبي، وشعر الشاب بأن الشيخ المؤابي ربما قصده شخصيا في رداءة الصفات الوراثية، وكان فهمه في جانب الموضوع وليس في صلبه. والشيخ المؤابي كان حديثه عاما وليس خاصا، وأدرك الكثير من المجتمعين في النادي، والذي سوف نتعرف عليه وعلى أعضائه فيما بعد، وقد اختلف بعض أعضاء النادي في تشخيص حالة الشاب محب صادق الكعوبي، والمنتشرة في عالمنا العربي، في شريحة عريضة من المجتمع، ومن المحيط وحتى الخليج. وكان جواب الشيخ المؤابي هو كما قيل عن الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله، حين قال "إن أفقر الفقر الحمق"، وأما الأطباء من أعضاء النادي فكانوا على رأى مختلف فيما يتعلق في حالة الشاب محب صادق الكعوبي. وقالت عامة الناس لقد "اختلط الحابل في النابل"

وفي حلقة قادمة سوف تستمعون إلى رأى الطبيب السفرجلي والزعفراني والقيصومي عن حالة الشاب. كما سوف تتعرفون عن الكثير الغائب.

 

 

الأرشيف