أكثر من رأى

1 / محمد الحريري

2 / تمام كيلاني

3/ ماري تيريز كرياكي

4 / عبد المنعم توفيق

5/ مصطفى عباس

6/ كلاوس ريتولدر

7/ جمال حشمة

8/ فيصل حوراني

9/ صفاء رومايا

محمد الحريري

 

 

 1

 

موتسارت

عبقري الموسيقى الكلاسيكية

 

شارك العالم النمسا في احتفالاتها بمناسبة مرور مائتين وخمسين عاما على مولد عبقري الموسيقى الكلاسيكية العالمية النمساوي فولفجانج اماديوس موتسارت (كما ينطق اسمه بالألمانية).

وفى النمسا التي خصصت عام 2006 عام موتسارت تركزت الاحتفالات في سالزبورج مسقط رأسه وفيينا التي أقام بها، حيث عرضت مسرحية ( الناي السحري) الموسيقية، وهى إحدى مسرحيات موتسارت الشهيرة في دار الأوبرا بالعاصمة النمساوية، في الوقت الذي كشف فيه النقاب عن كعكة عيد ميلاد ضخمة بلغ ارتفاعها مترين في أحد شوارع سالزبورج.

وحظي زوار مدينتي فيينا وسالزبورج بجولات سياحية إلى أشهر الأماكن التي تردد عليها موتسارت من مطاعم ومنازل أصدقائه.

ففي فيينا افتتح متحف جديد في نفس المبنى الذي كان يقيم به موتسارت بين عامى 1784 و1787 حيث ألف أوبرا (زواج فيجارو).

وفى سالزبورج عزفت فرقة أوركسترا فيينا السيمفونية كونشيرتوا بيانو رقم 18 قبل أن يقوم المايسترو  المعروف ريكاردو موتى بقيادة الأوركسترا وتقديم فقرات الاحتفال.

وحتى في مهرجان أوبرا فيينا السنوي ذا الشهرة العالمية سيطرت موسيقات موتسارت على فعاليات المهرجان.

ألف موتسارت ألفى سيمفونية قبل سن العاشرة، وكتب أولى مسرحياته الموسيقية (الأوبرا) الناجحة في سن الثانية عشرة، وقبل وفاته المبكرة كان قد ألف مئات المقطوعات المفردة والسيمفونيات الكاملة.

قبل عامين من مولده كانت عائلته تسكن في جنوب ألمانيا في مقاطعة بافاريا في مدينة اوكسبورك ولا يزال هذا البيت موجوداً حتى الآن، وقد تحول إلى متحف باسم (بيت موتسارت)، وقد احتفلت هذه المدينة أيضا بذكرى ميلاد موتسارت.

والبيت المتحف هو بيت متواضع لكنه جميل بمحتوياته، فمازال الأثاث نفسه ومازال بيانو العائلة كما هو، وطبعا كل أدوات المطبخ.

ولزيارة البيت المتحف أهمية مزدوجة بتعريفها بالحياة التي كانت سائدة آنذاك إضافة لإظهارها لأصول عائلة موتسارت.

ومن المصادفة أن بيت موتسارت قريب من بيت عبقرى أخر هو برنولت بريشت ببضعة دقائق سيرا على الأقدام.

في الساعة الثامنة من مساء يوم السابع والعشرين من شهر يناير عام 1756 ولد فولفجانج أماديوس موتسارت فى مدينة سالزبورج النمساوية، وكان البيت الذي ولد فيه يشكل المناخ المثالي لنمو عبقرية الوليد.

وقد تحققت أول واهم شروط نمو عبقريته عندما تخطى اللحظات الحرجة لولادته، وبقى على قيد الحياة.

فقد شاءت إرادة الله ألا يكون مصيره كمصير إخوته الخمسة الذين سبقوه، وهذا يعد بالفعل من معجزات فترة منتصف القرن الثامن عشر.

لقد أنجبت أم موتسارت أنا ماريا موتسارت ستة أطفال قبل فولفجانج لم يعش منهم سوى شقيقته ماريا أنا التي تكبره بأربع سنوات ونصف، ويطلق عليها اسم التدليل نانيرل.

عرف عن فولفجانج من صغره عدم ولعه بالمشي، فقد كان يفضل الجلوس لساعات تحت آلة البيانو التي كان والده ليوبولد موتسارت يعزف عليها بصفته موسيقيا يعمل نائب رئيس فرقة أمير سالزبورج.

فالموسيقى كانت تصدح باستمرار في منزل موتسارت، وكان زملاء والده يأتون إلى المنزل يوميا للتمرين وإجراء البروفات الموسيقية وضبط آلاتهم.

خلال ذلك كان موتسارت الصغير لا يفارق البيانو، لم يكن يلعب، لكنه كان يبحث عن النغمات الجميلة، ولم يكن يهتم بأي شيء أخر.

ويتحدث أحد أصدقاء والده الذي كان زميله في الفرقة الموسيقية كنافخ في البوق فيقول حرفيا:

كان علينا أن نتدرب على عزف مقطوعة وترية ثلاثية، فتدخل فولفجانج اماديوس موتسارت وكان في الرابعة من عمره وألح علينا أن يعزف معنا على الكمان، لكن والده صرخ فيه طالبا منه عدم الإزعاج.

لكن موتسارت الصغير ألح على العزف فنهره والده من جديد قائلا: انك ولد مزعج، كما أنك لست قادرا على العزف.

لم يستجب موتسارت الصغير لطلب والده وأصر بعناد إلى أن تدخل نافخ البوق وطلب من والده أن يدعه يمسك بالكمان وإيهامه بأنه يعزف معهم. وقال له والده:

حسنا، امسك بالكمان ولكن لا تزعجنا.

وقد كتب نافخ البوق ويدعى شاختز رسالة في عام 1792 إلى شقيقة موتسارت ناينرل جاء فيها: لقد عزف فولفجانج على الكمان بمرافقتي، وقد شعرت بالدهشة عندما سمعت عزفه ولاحظت أن عزفي معه لا فائدة منه، فوضعت كمنجتي جانبا ونظرت في وجه والده فرأيت الدموع تغطى عينيه من فرحته وإعجابه بموتسارت الصغير.

لقد كانت حقا أعجوبة، فقد تعلم فولفجانج العزف على الكمان عن طريق السمع والنظر فقط وهو في الرابعة من عمره، والأعجب من ذلك أنه كان يقول: أن العملية سهلة للغاية.

في ذلك الوقت , أي في عام 1760 كان فولجانج قادرا على عزف بعض المقطوعات الصغيرة على آلة البيانو والتي تعلمها من والده.

وقد سجل والده بكل فخر واعتزاز قدرة ابنه العجيبة على التعلم حيث كتب: بأنه تعلم ابنه لعزف إحدى المقطوعات لم يكن يستغرق أكثر من نصف ساعة!

بعد ذلك بدأ فولفجانج بالتأليف الموسيقى. فهل يصدق أحد بأن طفل في الرابعة من عمره يبدأ بتأليف المقطوعات الموسيقية؟

فقد ذكر شاختز أنه دخل مرة بصحبة والد فولفجانج إلى بيته فتعجبا من وجود فولفجانج ممسكا بالريشة ويضع العلامات الموسيقية، فقد كان يؤلف مقطوعة ليعزفها على البيانو وقال: انتظروني. فأنا لم أنته بعد.

وعندما نظر الرجلان إلى (شخبطة) الطفل وجدوا أن هذه (الشخبطة) بالفعل نوتات صحيحة، لكن الطفل كان يغمس الريشة كثيرا في المحبرة فبدت كتابته وكأنها (خرابيش).

وقد جمعت هذه (الخرابيش) في وقت لاحق في فهرس كيشيل الشهير على رأس القائمة.

وطبعا هذه (الخرابيش) لم تكن مؤلفات كبيرة، لكنهنا مهمة جدا لمن يريد دراسة الأمور التاريخية.

كان فولفجانج موتسارت سريع التعلم، فقد ألف أنغاما موسيقية وهو يلعب، فكأنه كان يجرب إخراج ما يدور في رأسه منذ ولادته وإسماعه للعالم.

ويوجد في متحف براج بجمهورية التشيك لوحة خشبية منحوتة تمثل فولفجانج الصغير يجلس على البيانو وقدماه متدليتين بينما الساعة المثبتة  على الجدار تشير إلى الساعة الحادية عشر وتسعة وثلاثين دقيقة مساءً، أي قبل منتصف الليل بقليل، وعند الباب يقف كل من والده ووالدته مشدوهين.

لقد كان من الصعب جدا إبعاد فولفجانج عن آلة البيانو حتى في وقت متأخر من الليل. في تلك الأيام قرر والده عدم إبقاء ابنه مغمورا فقرر تعريف العالم بابنه وابنته.

فقد كانت نانيرل أيضا وهى بنت عشرة سنين ماهرة في العزف على البيانو، لكن شقيقها ذو الست سنوات كان أكثر منها مهارة بكثير.

فالطفل الصغير حباه الله بعبقرية فريدة لا يجاريه فيها أحد، لذلك قرر الوالد التحرك مع الطفلين في اتجاه فيينا.

وفى قصر الإمبراطورة ماريا تريزا في فيينا، في شهر أكتوبر عام 1762 وضع أساس نمو عبقرية الطفل المعجزة، فقد حملته الإمبراطورة وأجلسته في حضنها وقبلته الماركيزة ماريا أنطو نيا.

وكثير مما يقال عن فولفجانج اماديوس موتسارت صحيح، فقد ذاع صيت فولفجانج وشقيقته نانيرل، لكن فولفجانج كان متفوقا على شقيقته.

لقد عزف فولفجانج وشقيقته معا على آلة البيانو، لكنه بعد ذلك بدا العزف بمفرده، ومن ثم بدا في التأليف الموسيقى، ثم عزف أمام القيصر فرانس بإصبع واحدة على بيانو مغطى بقطعة قماش، وكانت العملية لفولفجانج سهلة وكان ابن الست سنوات يعتبر الأمر لعبة فنية صغيرة وليس فنا!

ثم سأل فولفجانج فجأة عن السيد جورج فاجنسايل الذى يؤلف المعزوفات الموسيقية للقصر الملكي، ومن ثم عزف مقطوعة موسيقية من تأليفه وكأنه يعتبر فاجنسايل زميلا له.

لقد كان الصبي الصغير واثقا من نفسه منذ نعومة أظافره، فبعد انتهائه من العزف قفز مرة أخرى إلى حضن الإمراطورة وقبلها بكل براءة .

وتقول الرواية أن ماريا انطو نيا والتي أصبحت فيما بعد ملكة فرنسا مارى أنطوانيت جاءها فيما بعد عرضا بالزواج من فولفجانج اماديوس موتسارت .

وقد عزف الأب وولداه مرتين في القصر الإمبراطوري في فيينا وكانوا الحدث الهام لعام 1762.

وبرع موتسارت فى كافة أنواع التأليف الموسيقى، منها 22 عملا أوبرا ليا و41 سيمفونية، وأعمال كثيرة أخرى من الموسيقى الكنسية وموسيقى الكونشرتو.

اتسم أسلوب موتسارت في الكثير من أعماله بالمرح والقوة وكما أنتج موسيقى جادة لدرجة بعيدة.

من أهم مؤلفاته السيمفونية (جوبيتر) ودون جيوفناى والناى السحرى، وزار ايطاليا ثلاث مرات وهناك ألف مسرحيتين اوبراليتين.

وفى عام 1774 عمل موتسارت قائداً لأوركسترا سالزبورج لمدة أربع سنوات ألف خلالها العديد من المسرحيات الاوبرالية.

وفى عام 1780 ألف مسرحية (أدميتو) في مدينة ميونخ الألمانية، ومابين عامي 1782 و1786 نظم خمسة عشرة حفلة عزف فيها على البيانو.

تزوج موتسارت قى عام 1782 كونستانزى قيبر ورزق منها بست أطفال مات منهم أربعة وعاش طفلان، وفى عام زواجه ألف أوبرا (انتفوهر ونخ أوس وديم سريال).

وكان موتسارت أول مؤلف موسيقى يضع فهرسا لأعماله التي نشرت للمرة الأولى تحت عنوان فهرس كوخل فى عام 1862.

فى الخامس من ديسمبر عام 1791 شهد البيت الذي كان يسكنه موتسارت بفيينا وفاته ورحل العبقري قبل حوالي مائتين وخمسة عشرة عاما لكن موسيقاه مازالت تترد في جميع أنحاء العالم، وليس في فيينا وحدها، وهذه هي سمات العبقرية.

وكل من يزور فيينا ويتجول في شوارعها سيسمع أنغام موتسارت من أجهزة المذياع والاسطوانات، تنبعث من المحلات والمطاعم والمقاهي لتملأ الدنيا رحيقا من عبق القرن الثامن عشر، يدندن معه المارة بأنغام موتسارت من أفواههم حيث يحفظها النمساويون عن ظهر قلب، حتى الذين لم يدرسوا الموسيقى يتباهون  دائما بأنهم من مواطني البلد الذي أنجب هذا العبقري.

 

 

 

 2

الفجوة

المفترض  أن الهدف من تأسيس أي نادي أو رابطة أو جمعية ثقافية كانت أو اجتماعية أو حتى رياضية هو الديمومة والاستمرارية إلى أن يشاء الله رب العالمين الذي له وحده الدوام والملك وهو القاهر فوق عباده.

ومعنى ذلك  فإن المفترض أيضا أن يكون هناك تواصل بين هذه الكيانات وبين الرعيل الثاني ومن بعده الثالث.... وهكذا.

وإذا نظرنا إلى من سبقونا إلى النمسا فإننا نجد أنهم بدءوا الوصول إليها قبل أكثر من خمسين عاما وظلوا في التوافد واستمروا في الوصول بشكل شبه عادى حتى خمسة عشر عاما خلت.

وبعد ذلك بدأت البلاد تتشدد في قوانين الإقامة والجنسية مما ترتب عليه تقلص عدد المهاجرين إلى النمسا بنسبة كبيرة ملحوظة.

وإذا نظرنا إلى ذرية المصريين الذين وصلوا إلى تلك البلاد واستقروا فيها بشكل دائم فإن أعمارهم وفقا للمعطيات السابقة تتراوح مابين بضعة سنوات لا تتجاوز أصابع الكف الواحد وحتى أربعين عاما أو أكثر.

أي أننا الآن أمام حقيقة لم تكن قائمة قبل عقدين من الزمان وهى أننا لدينا رعيل أو جيل ثان من الشباب إن صح التعبير، تتراوح  أعماره مابين العشرين والثلاثين أو الخمسة والثلاثين عاما.

هذا الجيل أو الرعيل، لا نراه عندما ندخل إلى أي من هذه الكيانات، لكننا نرى فقط هؤلاء الذين بدءوا التوافد على تلك الكيانات قبل عقدين أو أكثر...

وإذا كما افترضنا عاليه أن الهدف من تأسيس هذه الكيانات هو هذا الرعيل الثاني.. فإن السؤال المشروع الآن يتعلق بمصير هذه الكيانات بعد رحيل الرعيل الأول من المهاجرين، والذي افتقدنا الكثير منه بالوفاة بحكم سنة الكون والحياة التي سنها الله تعالى في عباده.

فهل ستغلق هذه الكيانات أبوابها بعد ذلك؟

بالطبع جيل الشباب ليس واقفا في طابور الانتظار الآن حتى يفسح الجيل الأول له الطريق.. بل يمكن القول أن الشباب لا يفكرون البتة في أن يتوارثوا هذه الكيانات عن الجيل الأول.

لذلك فإنه من الواجب الحتمي أن يدعو الجيل الأول الجيل الثاني للمشاركة معه في إدارة هذه الكيانات.. فلاشك فإن أعدادهم كبيرة قد تزيد عن ضعف عدد الرعيل الأول.

هذا أمر، والأمر الثاني أن هذا الجيل ولد وتربى وترعرع في النمسا، وليس في أرض الوطن، أي أنه يحمل أفكارا مختلفة تماما عما نحمله نحن كرعيل أول مازلنا نحمل مشاكلنا وقضايانا من أرض الوطن، ولم نستطع التخلص منها أو نجدد أفكارنا لكي تتناسب مع المجتمع الجديد الذي نعيش فيه.

فالرعيل الثاني يفهم المجتمع النمساوي جيدا كما يفهم أيضا المجتمع المصري الذي أتى منه والداه.

فهذا الجيل مهيأ تماما بحكم نشأته لكي يكون همزة وصل بين الوطن الأصلي والوطن الثاني.

لذلك فإن تجاهل أهمية هذا الرعيل وعدم دفعه للمساهمة وبفاعلية سيؤدى حتما إلى حدوث فجوة ستظهر جليا خلال العشرين عاما القادمة.

 

 

 3

كوسوفو

والمأزق الأوروبي

 

لا تبدو مشكلة إقليم كوسوفو الصربي بهذا التعقيد الذي يصوره بعض الأطراف المعنية، سواء من الجانب الألباني الذي يمثل أغلبية السكان أو من الجانب الصربي في بلجراد المدافع عن حقوق الأقلية الصربية في الإقليم أو حتى الأطراف الدولية الأخرى خاصة في الولايات المتحدة أو في أوربا التي تعنيها القضية بشكل كبير.

ويجب أولا أن ننفض ما قد يثار من لبس متعمد حول هذه المشكلة، فالصراع في كوسوفو ليس صراعا دينيا بين مسلمين وبين مسيحيين أرثوذكس، بل هو صراع عرقي بين أغلبية من أصول ألبانية وبين الصرب على أرض لها خلفيات تاريخية منذ العهد العثماني.

كما يجب أن نكون منصفين بأن نؤكد على أن إقليم كوسوفو الخاضع لوصاية منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1999 وحتى الآن هو جزء من جمهورية صربيا، فهذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها حتى المؤيدين للاستقلال أنفسهم.

أيضا تنص القوانين و المواثيق الدولية للأمم المتحدة على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال اقتطاع جزء من دولة مستقلة وذات سيادة.

وإذا نظرنا إلى موقف الأغلبية الألبانية في الإقليم نجد أنهم مصممون على إعلان الاستقلال من جانب واحد، وهم بذلك يستندون إلى الدعم الأوروبي والأمريكي ووجود أكثر من سبعة عشرة ألف جندي من قوات حلف شمال الأطلنطي  (الناتو) في حالة استعداد لحماية الدولة الكوسوفية من رد الفعل الصربي في حالة إعلانها، ربما بعد شهور قليلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.

لكن صربيا التي لن تعترف بطبيعة الحال بالدولة الجديدة تهدد من جانبها باتخاذ إجراءات لمواجهة هذا الاستقلال الذي يأتي رغما عنها، فهي من ناحية ترفض الإغراءات الأوربية بسرعة ضمها إلى عضوية الإتحاد الأوروبي، كما أنها من ناحية أخرى ستسعى بشتى الطرق لمحاصرة تلك الدولة الوليدة اقتصاديا فقط، لأنها لن تستطيع ذلك عسكريا بسبب قوات الناتو..

وإعلان الاستقلال من جانب واحد لا يختلف كثيرا عن خطة المبعوث الأممي رئيس فنلندا السابق مارتن أهيتساري بفرض استقلال الإقليم بقرار من مجلس الأمن الدولي، فكلاهما ليس وليد مفاوضات ورضا الطرفين المعنيين بالقضية , كما أنهما انتهاك واضح للقوانين الدولية.

هذا ما أرادت موسكو التأكيد عليه طيلة الشهور الماضية منذ أن فشلت الخطة في مجلس الأمن بتهديد موسكو باستخدام حق الفيتو في حالة التصويت على خطة اهيتسارى، وأن الأمر بالنسبة لروسيا ليس فقط دعم الحليف الصربي في مواجهة الغرب الأمريكي والأوروبي.

كما أن الموقف الروسي بعيد كل البعد عن أن يكون رد فعل تجاه عزم الولايات المتحدة الأمريكية على نشر شبكة الصواريخ الدفاعية في كل من بولندا والتشيك.

بل ذهبت موسكو إلى أبعد من ذلك عندما طالب مندوبها في لجنة الترويكا الدولية المعنية بالقضية، ألكسندر بوتسمان خراتشينكو، بضرورة استمرار المفاوضات حتى بعد العاشر من ديسمبر الجاري، وهو الموعد الذي انتهت به مهلة المفاوضات وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 1244 بالفشل في التوصل إلى حل توافقي يرضى الطرفين.

هذه هي المبادئ التي يجب أن يستند إليها الموقف الأوروبي المؤيد ضمنا لاستقلال الإقليم، حتى يتجنب الاتهامات بالازدواجية.

بالطبع إذا وافقت صربيا على الاستقلال، فإن المسألة تكون منتهية أساسا، لأن الأمر يتم بالتراضي.

لكن بلجراد متمسكة بموقفها ولا ترضى لكوسوفو بأكثر من حكم ذاتي موسع، لذلك يجب على دول الإتحاد الأوروبي أن تعيد النظر في موقفها الداعم للاستقلال، خاصة وأن هذا الإجراء من جانب واحد سيؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة البلقان بأكملها، وستسعى كافة الأقليات في هذه المنطقة لكي تتخذ من ألبان كوسوفو نموذجا يحتذى به، وهذا ما حذرت منه روسيا مراراً.

هذا بالطبع سيكون له تأثير على أوروبا بشكل عام، ذلك إذا ما وضعنا في الاعتبار ما تحملته الدول الأوربية بسبب الحرب الدموية في يوغسلافيا السابقة وفي كوسوفو.

هذا أمر، أما الأمر الثاني والأكثر أهمية هو أن أوروبا إذا أيدت علنا استقلال كوسوفو، عليها أيضا أن تعترف بشكل رسمي بقبرص التركية، فالوضع مشابه تماما في الحالتين، ولعل ذلك يفسر رفض قبرص التي يتماثل موقفها مع جمهورية صربيا لاستقلال كوسوفو من جانب واحد.

إذن ليس أمام أوروبا إلا أن تتخذ موقفا موحدا بعيدا عن الموقف الأمريكي، وأن تؤيد التسوية الشاملة عن طريق التفاوض بين الطرفين الألباني والصربي، بأن تتخذ مثلا من تجربة إقليم تيرول الجنوبية الذي ضم إلى السيادة الإيطالية بعد سقوط الإمبراطورية النمساوية نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلاقة هذا الإقليم بكل من النمسا وإيطاليا نموذجا للحل، حيث تمتع بنوع متميز من الحكم الذاتي في إطار السيادة الإيطالية حيث تتولى روما مسئولية رسم السياسة الرئيسية والتمثيل الخارجي في حين تتولى  الحكومة النمساوية دور الحماية الدولية لهذا الإقليم الذي يتحدث غالبية سكانه اللغة الألمانية، أو نموذج هونج كونج الذي يتمتع بحكم ذاتي واسع وعلاقته بالدولة الصينية الأم منذ أن عاد إلى أحضانها من السيادة البريطانية.

بخلاف ذلك ستتحمل أوروبا نتيجة المأزق الذي انزلقت إليه بإرادتها آنذاك لن يكون هناك وقت للندم.

فأوروبا يمكنها حل قضايا ومشاكلها بنفسها بعيدا عن التدخل الأمريكي في شئونها والساعي دائما لإحداث انقسامات مثلما حدث إبان الحرب على العراق في عام 2003.

 

 4

الحلم الأكبر

 

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين بدأت أوربا تلملم نفسها وتعيد إعمار ما دمرته الآلة العسكرية.

ولم يكن أحدا يحلم مطلقا أن أعداء الأمس القريب سيصبحون أصدقاء اليوم ويتحدون في كيان واحد يجمعهم ويحمى مصالحهم.

ففي حقبة خمسينات القرن الماضي بدأت إنجلترا وفرنسا وألمانيا يشكلون اللبنة الأولى في قطار الوحدة الأوربية.

والآن بعد مرور حوالي ستين عاما وصل عدد الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي  سبعة وعشرين دولة.

وقطع القطار الأوروبي شوطا كبيرا على مدى هذه السنوات، فحوالي اثني عشرة دولة تتداول العملة الأوربية الموحدة المعروفة باسم (يورو)، كما أن الحدود بين معظم هذه الدول تم إزالتها قبل أيام قليلة، لتتاح حرية التنقل لمواطني هذه الدول دون أي قيود أو حتى دون أن يشترط حملهم جواز سفر.

ورغم أن هذا يمثل حلما كبيرا تم تحقيقه تدريجيا عبر كل هذه السنوات الطويلة، لكن مع ذلك تتعالى بين الحين والأخر نعرات قومية من التيارات اليمينية المتطرفة في الدول الأعضاء تثير مخاوف الرأى العام من تأثير فكرة الإتحاد الأوروبي على المفهوم القومي والوطني للدولة.

وتتركز هذه المخاوف بالأساس على زوال فكرة الدولة بمرور السنين، ليصبح الإتحاد الأوروبي فيما بعد الولايات المتحدة الأوربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وتنتهي فكرة الإتحاد بالمفهوم الذي يعنى كيانا يضم عدد من الدول في عضويته.

بهذه المقدمة أردت أن أقرب المسافة إلى أمرين هامين، أولاهما هو أنه يجب علينا جميعا أن نشيد بالجهود المخلصة الرامية إلى تأسيس كيان كبير يجمع كل المصريين في مختلف المقاطعات النمساوية، فيما يعرف باسم الاتحاد.

ونتوقع أن تثمر هذه الجهود عن نتائج إيجابية كبيرة وفى وقت قصير نسبيا.. وإذا كانت الآمال في توصل الفلسطينيين والإسرائيليين إلى اتفاق سلام يقضى بإعلان الدولة الفلسطينية خلال العام الحالي ضئيلة، وربما تبخرت في ظل توسع إسرائيل في عمليات الاستيطان، فإن كافة المؤشرات تفيد بأن إعلان إتحاد عام للمصريين في النمسا سيتم خلال فترة قصيرة، ربما قبل الربيع المقبل.

فهذه الجهود  تقوم بها مجموعة قليلة من أبناء الجالية المصرية في صمت وخطوات حثيثة مدعومة من الجهات الرسمية التي  تدرك مدى أهمية تحقيق هذا الحلم العظيم، لما له من فائدة كبيرة ومصلحة للمصريين في النمسا، تقوى ودعم صورتهم أمام الجهات الرسمية النمساوية، وتجبرها على احترامهم وتضعهم في الحسبان والاعتبار عندما يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. كما أنه يقوى صلاتهم بالوطن مصرنا الحبيبة.

وفكرة الإتحاد طرحت منذ سنوات وليست وليدة اليوم، ومنذ ذلك الحين ورد فعل الجالية المصرية لم يتغير ولم يخرج عن الاحتمالات الأربعة التالية:

القلة القليلة رفضت الفكرة من الأساس، بينما قبلتها قلة أخرى بشروط، وهاتان الفئتان تعتبران أن الإتحاد هو المارد القادم الذي سيطيح بكل الكيانات.. تماما مثلما هو الحال بالنسبة للتيارات الأوربية التي تثير المخاوف القومية من الإتحاد الأوروبي.

وهناك  كثر مازالوا نيام في ثبات عميق من السلبية.. إتحاد إيه؟ يعنى هيعملونا إيه؟ ياعمى كبر دماغك.. هى ناقصه صراعات ونزاعات ورياسة ووجع دماغ.. لما نشوف أكل عيشنا..

فهؤلاء لا يؤمنون أساسا بأن تغيير الوضع يمكن أن يتم تدريجيا وببطئ وقد يستغرق سنوات.

أما السواد الأعظم فلم يخف تأييده وتحمسه للفكرة، وإن كان البعض منهم يبنى موقفه على مطامع معينة أو تحقيق استفادة معنوية أو مادية من وراء الفكرة.. وهذا ينطبق على بعض دول الاتحاد الأوروبي التي تعتبر عالة على الاتحاد وتمثل عبئا عليه.. "وجودها زى عدمه"..

أود الإشارة أيضا إلى أنه إذا كان الهدف من وراء الإتحاد تحقيق مصلحة معنوية فقط، أي بمعنى أن الإتحاد يمثل المصريين في النمسا سياسيا وثقافيا واجتماعيا بشكل أو بأخر، فإنه يجب أن تكون هناك أهداف أخرى يستفيد منها أبناء الجالية، وأقصد هنا المصلحة الاقتصادية، وقد تكون دافعاً للسلبيين والرافضين ليغيروا مواقفهم ويعلنوا تأييدهم لهذا المشروع الذي يمكن وصفه بأنه مشروع قومي بجدارة.

فمثلا يمكن  أن يأخذ الاتحاد شكل شركة مساهمة تطرح أسهما يقوم أبناء الجالية بشرائها، ويقوم الإتحاد بتأسيس مشروعات إقتصادية تصب بشكل مباشر في اتجاه المصلحة العامة للجالية، ونعتقد أن في الجالية الكثير من الخبراء في مجال الاقتصاد يمكنهم أن يساهموا في هذا الأمر.

ويمكن أن ينطبق ذلك على فكرة إنشاء بنك مصري في النمسا يسهم فيه أبناء الجالية من كافة الطبقات، وعن طريقه تتم عمليات التحويلات المالية إلى أرض الوطن، كما يمكن أن ندخر فيه، مثلما هو الوضع بالنسبة للبنوك النمساوية.

لكن إذا كان تحقيق حلم تأسيس إتحاد عام للمصريين في النمسا بدأ يقترب رويدا رويدا، فإن الأمر الثاني والأكثر أهمية، الذي قصدته من مقدمة هذه السطور هو الحلم الأكبر.

والحلم الأكبر من وجهة نظرنا هو تأسيس اتحاد عام للمصريين في الإتحاد الأوروبي، يحمى ويحافظ على مصالح المصريين في كافة دول الإتحاد التي يحكمها دستور وقانون موحد وعملة واحدة، وقريبا سياج واحد من الحدود الخارجية رغم اختلاف اللغات والقوميات والعرقيات.

وهذا الحلم يتطلب بالطبع تحقيق الحلم الكبير أولا في كل دولة من دول الإتحاد، ويحتاج دعم معنوي قوى، ربما يكون تحقيق حلمنا في النمسا هو أكبر دعم لإخواننا المصريين في بقية دول الإتحاد ليحذو حذونا.

 

 5

 

التطاول فوق القانون

منذ يوم الأحد الموافق الثالث عشر من شهر يناير الجاري أصبحت سوزانا فينتر مرشحة حزب الأحرار اليميني للانتخابات المحلية في مقاطعة شتاير مارك بالجنوب النمساوي، المقرر إجراؤها في العشرين من نفس الشهر، من أشهر السيدات اللاتي دخلن مجال السياسة.

والسبب في ذلك أنها لجأت إلى أسلوب الدعاية الرخيصة فى حملتها الانتخابية عندما وجهت إهانات لشخص الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث ادعت على غير الحقيقة أنه تزوج من السيدة عائشة عندما كانت طفلة في السادسة ... ......

وهذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، وخاصة من جانب حزب الأحرار المعروف بتبنيه سياسات متشددة تجاه الأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص.

فقد هاجم رئيس الحزب كريتسيان هانز شتراخه الإسلام والمسلمين أكثر من مرة في مناسبات مختلفة.

والهدف بالطبع من هذه التصريحات المعادية هو كسب تأييد شعبي للحزب في الانتخابات التي يخوضها أمام أحزاب أخرى قوية معروفة بشعبيتها الكبيرة، وفى مقدمتها الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الشعب المحافظ وحزب الخضر ثم حزب التحالف من أجل مستقبل النمسا.

ورغم ذلك فان هذا الأسلوب الرخيص الذي يتبعه حزب الأحرار لا يسفر عن نتائج إيجابية إذ تظل شعبية الحزب عند معدل العشرة في المائة لا تتجاوزها إلا بنسبة قليلة غير ملحوظة.

ولاشك أن مثل هذه التصريحات تثير استفزاز الأقلية المسلمة في البلاد التي تعبر عن غضبها بأشكال قانونية مختلفة.

كما أن هذه التصريحات من شأنها تهديد للسلام الاجتماعي في البلاد، وتعمل دائما ضد اندماج المسلمين فى المجتمع وتزيد من توسيع ظاهرة الإسلامفوبيا أو العداء للإسلام.

لكن ـ الحقيقة ـ تظل المشكلة الأساسية لمنع تكرار مثل هذه التطاولات هي مشكلة قانونية فى الأساس.

فغالبا ما يصطدم البحث في وصف قانوني للفعل أو السلوك بين نصوص قانون العقوبات بمبدأ حرية التعبير عن الرأى.

وهذه هي المشكلة التي واجهها العالم الإسلامي إزاء قضية الرسوم المسيئة للرسول الكريم سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فالدول الغربية التي عبرت عن رفضها للغضب الذي أثارته الرسوم المسيئة ركزت في الشق الثاني من بياناتها على التأكيد على حرية التعبير.

هذا أمر، أما الأمر الثاني هو عدم وجود قانون خاص يجرم التطاول على الدين الإسلامي ورموزه.

ورغم ذلك يرى بعض الساسة الأوربيين عدم وجود حاجة لمثل هذا القانون لأنه يوجد قانون العقوبات العام الذي يجرم الازدراء بالأديان والتحريض على الكراهية.

لذلك تبحث النيابة العامة في مدينة جراتس الآن مدى انطباق هاذين النصين على تصريحات سوزانا فينتر.

وبالطبع إذا لم تنطبق النصوص فان النيابة ستتصرف في الدعوى باتخاذ قرار قضائي بألا وجه لإقامة الدعوى لعدم وجود جريمة في الأساس.

لكن يجب أن نشير من ناحية أخرى إلى أنه إذا كان الأمر يتعلق باليهود أو بالدين اليهودي ومقدساته فان القوانين الخاصة جاهزة للتطبيق، وما أسهل عبارة العداء للسامية.

وإذا قلنا بأن الغضب وحالة الاستفزاز التي يعيشها مسلمو النمسا هو أمر طبيعي الآن، وقد ينظمون مظاهرات ويحتجون بأشكال مختلفة في وسائل الإعلام.. فإنه يجب عليهم من ناحية أخرى أن يوضحوا أولا للمجتمع النمساوي وباللغة التي يتحدث بها موضوع القضية التي أثارت المشكلة.. وهى في هذه الحالة زواج الرسول صلى الله عليه وسلم، على أن يقوم بذلك أشخاص متخصصون ودارسون لكي يدحضوا الافتراءات التي أبدتها عن عمد سوزانا فينتر.

والطريق الثاني الذي يجب أن يتبعه المسلمون هو تسخير كافة الأدوات السياسية في مختلف القوى والتيارات في النمسا وبقية دول الإتحاد الأوروبي من أجل استصدار قوانين خاصة في الدول الأعضاء وقانون آخر من قبل البرلمان الأوروبي يعاقب كل من يمس المقدسات الدينية.

وبغير ذلك سيظل الإسلام والمسلمون الحائط المائل الذي تستند إليه القوى المتطرفة في الغرب من أجل تحقيق مصالح سياسية.

 

........................

 * صحافي مصري مقيم بالنمسا

 

الأرشيف