جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / مسموح بالنقل مع الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

 

 

هل تستطيع الشرطة وحدها

أن تحافظ على الأمن؟

حسن حنفي

 

سؤال طرحه معظم الفلاسفة الذين فكروا في كيفية المحافظة على أمن الدولة مستنبطين من فلسفاتهم النظرية تطبيقات عملية في الأخلاق والسياسة أي في سلوك الأفراد والجماعات. وكانت الإجابة عندهم جميعا مثل اسبينوزا وكانط وهيجل بالنفي لأن سلامة الدولة تقوم على أسس داخلية في بنيتها وليست خارجية، بالجيش والشرطة وأجهزة الأمن والمخابرات فى الداخل أو الأحلاف العسكرية في الخارج. فالدولة ككل والجيش والشرطة وأجهزة الأمن والمخابرات أجزاء فيها لحفظ الأمن الداخلي والخارجي للبلاد.

والأجزاء أقل من الكل. هي بطبيعتها ضعيفة حتى ولو بدت غير ذلك بالمصفحات والمدرعات والبنادق والرشاشات. فى حين أن الكل أقوى لأنه يضم الأفراد والجماعات، والأحزاب والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني. وهو تصور عسكري أن الجيش قادر على السيطرة على كل الميادين بما لديه من إمكانيات قتالية للأعداء. فقد تم اغتيال الرئيس المغدور فى أكتوبر 1981 وسط الجيش بالرغم من كل الاحتياطات المأخوذة. كما تم اغتيال جون كنيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق بالرغم من وجود حرسه حوله وقوته في الأبنية التي مر من تحتها. وقامت معظم الثورات بداية بانقلابات فى الجيوش بالرغم من كل الاحتياطات داخل الجيش وخارجه كما حدث فى ثورة 23 يوليو 1952، ومعظم الثورات في الربيع العربي.

فما هى الدولة؟ وكيف يتم تأمين سلامتها؟ الدولة هى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين النظام السياسى والشعب، بين السماء والأرض. فلا سماء بدون أرض، ولا أرض بدون سماء. والحماية من أسفل وليس من أعلى، من القاعدة وليس من القمة. الأرض هى التى تحدد الأفق. أما السماء فهو تخيل لا وجود له. الدولة كالأرض وتحتها الشعب كمياه جوفية. إذا تحركت حدث زلزال فى الأرض. فالجبال تهوى. وتصعد المياه الجوفية حتى تتراكم من جديد إذا ثقل عليها حمل الأرض. والزلزال نتيجة للبركان حتى تتفجر نيرانه إلى أعلى فتحرق الأخضر واليابس. الشعب هو المياه الجوفية والحكومة هى الظاهر على سطح الأرض. تتصور الحكومة أنها تسيطر على الشعب. وفى الحقيقة أنها فى قبضة الشعب. فالقوة من الشعب وليس من رجال الأمن الذين يحافظون على الأفراد والأبنية. هى قوة الفكر الذى فجّر الثورة الفرنسية بفضل المفكرين الأحرار ثم الثورة الأمريكية. فالمفكرون الأحرار يبدأون قبل الضباط الأحرار. وإذا بدأ الضباط الأحرار فإنهم يقضون على محاولات خلق مفكرين أحرار فى العصر الليبرالى، والعجز عن إنتاج مفكرين أحرار آخرين. وتتحول القوة على التبادل بين المدنيين والعسكريين. وفى كلتا الحالتين لا يتحقق الأمن للدولة التى يحكمها الجيش مرة، وقريش مرة أخرى. القوة هى قوة الفكر. فبعد أن هزم نابليون ألمانيا فى توسعه لنشر أفكار الثورة الفرنسية بالقوة ووصل إلى حدود روسيا بعد عبور جبال الألب، كتب فشته «نداءات إلى الأمة الألمانية» مطالبا الشعب الألمانى بالصمود أمام نابليون. وبعد أن تحقق له ما أراد قال نابليون قولته الشهيرة «لقد هزم القلم السيف».

وقد كتب اسبينوزا المفكر الهولندى، تلميذ ديكارت، فى القرن السابع عشر «رسالة فى اللاهوت والسياسة» لإثبات أن حرية الفكر ليست خطرا على الإيمان ولا على سلامة الدولة. بل إن القضاء على حرية الفكر يمثل خطراً على الإيمان وتهديداً لسلامة الدولة. إن سلامة الدولة تتحقق بمواطن حر فى جمهورية حرة، وحكومة ديمقراطية أتت بانتخاب حر من الشعب. ثم أتى من بعده كانط فى القرن الثامن عشر ليؤكد أن السلام الدائم بين الدول لا يتحقق إلا بخضوع السياسة للأخلاق، وليس بالمعاهدات السياسية بين الغالب والمغلوب بل إلى القيم الأخلاقية، وتأسيس نظام ديمقراطى حر فى كل دولة، لا اعتقال فيها ولا تعذيب. ثم جاء هيجل منظِّر الدولة الألمانية مؤكداً أن الدولة تقوم على حرية الفرد، ونظام الأسرة، والعدالة الاجتماعية، ودولة المساواة والقانون. وتخضع الشرطة والجيش وأجهزة الأمن القومى إلى مؤسسات الدولة وعلى رأسها المحكمة الدستورية العليا. فالدولة هى الروح فى التاريخ.

وتنتهى سلطة البابا، وسلطة الإمبراطور، سلطة الدين وسلطة السياسة بعد أن خضعت كلتاهما للفكر الحر. وتتخلى الدولة عن السلطة المصنوعة، الجيش والشرطة والأمن والمخابرات. وتعود إلى الطبيعة، الدولة التى تقوم على حرية الفرد وديمقراطية الحكم بتعبيرات جان جاك روسو. تنتهى دول فرعون وهامان وقارون، دول القوة والمال. ولا تبقى إلا دولة الحق. لذلك أصبح الحق صفة من صفات الله. وتبقى دولة العدل. والعدل هو الحق عندما يتحول من النظر إلى العمل. لذلك جعل المعتزلة أول مبدأين فى العقيدة: التوحيد، والعدل. وتقوم على حرية الفرد وحكم العقل أى كرامة المواطن. الحق هو المطلق، والعدل هو تحقيق المطلق فى الزمان والمكان. وحرية الفرد وحكم العقل أساس التكليف. عندئذ يختفى الخوف والارتعاش بتعبير كيركجارد من الحاكم والمحكوم.

ويعود إلى المواطن ثقته بنفسه، وإلى الحاكم اطمئنانه وسلامته. وتتأسس الحاكمية أى الحكم على مساندة الشعب للحاكم، وتحقيق الحاكم لمطالب الشعب، والثقة المتبادلة بين السماء والأرض، بين الله والعالم. وكما قال ابن تيمية «السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية». فالسياسة الشرعية لا تمثل فقط حقوق الحاكم لدى المواطنين، وواجبات المواطنين تجاه الحاكم بل أيضا حقوق المواطنين لدى الحاكم، وواجبات الحاكم تجاه المواطنين. فالحقوق والواجبات علاقة متبادلة على التساوى بين الحاكم والمحكوم فى ميثاق أخلاقى أو دستور مكتوب يحفظ لكل طرف حقوقه وواجباته. تتحقق سلامة الدولة إذن بالرقابة الشعبية وهو ما سماه القدماء «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، الأصل الخامس من أصول الدين عند المعتزلة. وهو ما قاله عمر بن الخطاب فوق المنبر «رحم الله من أرشدنى إلى عيوبى». وعاش الحاكم والمحكوم فى سلام ليس بفعل إرهاب الدولة بأجهزة الأمن، الشرطة والجيش، ورد فعل المواطن بإرهاب مضاد لأجهزة الأمن فى الدولة والضحايا الأبرياء، بل بالثقة المتبادلة بينهما فى نظام الحق والعدل. ويبدأ ذلك بالحوار المفتوح بين الطرفين ومن خلال الأحزاب التى لها برامجها الانتخابية المستقلة أو من خلال الحكم الائتلافى الذى يمثل إرادة الجميع.

ــــــــــــــــــــــــــ

عن المصري اليوم

 

 

 

 

 

للتعليق على الموضوع  Bookmark and Share

 

postmaster@jusur.net

 

حدث الصفحة

هنا النمسا  /  من نحن