عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

 

  1 

 

جسور مجدداً

 

برزت جسور للوجود في عدد ورقي أوّل ووحيد منذ بضع سنوات في فيينا وكانت محاولة وملامسة أولى ضمن محدودية  المكان والإمكانيات، كانت تجربة أولى بكلّ ما تحمله التجربة من رغبة الاستكشاف والتعبير عن شكل من أشكال الحضور،  وتبرز جسور مجددا في عالم النشر الإلكتروني مع رغبة  تحدو الفاعلين فيها على الإضافة والتجاوز... التقت دوافع المبادرين بمدّ  هذه الجسور على الرغبة في التواصل المثري  والبنّاء بين ذواتنا المتعثرة المتلاقية حينا والمتنافرة أحيانا في الأفكار والمشاعر والمسلّمات... نريدها أن تكون جسورا نحو دواخلنا تمتدّ بيننا  كقرّاء  عرب وجاليات عربية في المهاجر، تكون منيرة للسبل تنويريّة المقصد، نمارس فيها فضائل الصدق ومسؤولية الكلمة في مصارحة الذات  ورؤية الواقع  ونكشف بها أقنعة التمويه وأشكال خطاب التزييف والتزويق أو التسويق لبضائع  فاسدة مُفسدة للفكر والعمل...  نريدها كذلك جسورا تمتدّ مع الآخر القريب البعيد من ذواتنا نتواصل معه وننفتح من خلالها  على فضاءات أفسح وأرحب نحقق فيها ارتقاءً بوجودنا ، نحاول أن نصل إلى الآخر وندركه ونعيه على اختلافه ومن خلاله  نحقق إدراكا ووعيا  لأنفسنا يقينا ويخرج بنا من نظرة للذات متّسمة بنرجسيّة عصابية لا تتحمّل مغايرا لها... نسعى في جسورنا هذه إلى تثبيت الدّعائم التي تقوم عليها من أجل  تحقيق التواصل المثري والبنّاء وهي قيم تحدونا ونراها مطالب نرمي إلى الالتزام بها ودعمها من خلال ما ينشر في جسورنا وهي قيم الحرية والعقلانية النقدية والأنسنة ونرفض ما من شأنه أن يكون حاملا ومروّجا للكراهية  والعنصرية العرقية أو الطائفية أو ما ينتهك حرية المرأة وحقوق الإنسان كما نريد لجسور أن تنأى عن مهاترات التجريح الشخصي و بذاءة السباب والشتائم، ونلتزم فيما نعرض بالحجة والإقناع وأخلاق الحوار  المتحضّر.

مايو 2006

 

  2 

 

عَقْل و عٍِقَالٌ

 

ينعت العقل العربي الجمعي في الكثير من الأحيان سواء من طرف حامليه أو المتحاملين عليه بأنه سكوني لا يتقن في أحسن الأحوال إلاّ السلوك الاجتراري تماشيا مع مقولة ليس في الإمكان أفضل مما كان، مقولة لا تخلو من الصدق عند تتبع مصاديقها وهي كثيرة عند القدماء و المعاصرين في السياق العربي.

في اعتقادي لا يخلو التوقف عند هذا الطرح بهذه الصورة من سوء نيّة و اختزال مشوِّه حينا أو الارتهان ضمن منظومة تفكير تؤسّس و تنظّر له حينا آخر.

فالبني الفكرية والقيميّة المحافظة التي تنظر إلى التاريخ البعيد والقريب بأشخاصه ووقائعه نظرة تمجيد و تحنيط تستعصي معها محاولات التفكيك والتحليل النقدي العميق تجعل إمكانية التجاوز غير قابلة للتحقق وتكرّس المراوحة في نفس الموقف في بنيته المنجزة وإن كانت هذه المراوحة بصيغ و أشكال متكررة أحيانا أو متجددة أحيانا أخرى هذه النظرة يطلق عليها اصطلاحا التقليدوية ويرادفها في التراث الاصطلاحي العربي مصطلح السلفيّة. ليست براءة الاختراع لهذه النظرة عربية بشكل حصري إلاّ أنّ انتشارها والإقبال عليها في السياق العربي يجعلها منافسا قويّا لكلّ الأنماط المغايرة، غير أنّ السؤال الذي ينبغي أن يطرح في هذا المقام هو هل أنّ العقلية التقليدوية هي بالفعل المعبّر والممثل الأوحد والوحيد عن العقل العربي في تجلّياته التاريخية والراهنة؟ ألا توجد لهذا العقل تمظهرات أخرى غائبة حاضرة تعبّر عن أشكال وجود وحركة مناوئة للسيادة والهيمنة التقليدوية السلفية؟

أعتقد أنّ مساحة الغائب (المغيّب) والمسكوت عنه في مناحي وجوانب هذا العقل وبشكل أعمّ في الثقافة العربية ماضيا وحاضرا أكثر بكثير من الظاهر منها وهي تستوجب التنقيب والكشف عنها والقيام بحفريّات معرفية تزيح عن المخفي منها السُّتُر وتزحزحها.

فالنتاج الفلسفي والكلامي وحتى الأدبي للعقل العربي يكشف تنوّعا و تعددية كبيرين ينبغي التأكيد عليها وعلى أهميتها في ذاتها كمعطى مؤسس لهويّة ثقافية وفكرية تجعل من الآخر المتغاير حاضرا وفاعلا إيجابيا فيها. فاستحضار الفكر الاعتزالي في تأكيده على أسبقيّة العقل وأفضليته في التقرير والتأويل مقابل المنقول من النصوص يمكن أن يعدّ عاملا مؤازرا لتأسيس عقل نقديّ في علاقته بالتراث والموروث. كما يبين التفكير الفلسفي لدى أبي بكر الرّازي وأبي الوليد ابن رشد قدرة التأسيس وأهمية اعتماد البراهين والأدلّة العقلية في الأخذ بالآراء أو ردّها. أمّا في الأدب نثرا وشعرا ففي مقابسات وإشارات وتنبيهات أبي حيان التوحيدي واللزوميات ورسالة الغفران للمعري وكتابات الجاحظ وابن المقفع وغيرهم ما يؤكد جرأتهم العقلانية ويجعل للعقل مكانة ومنزلة رفيعتين تجعله الحَكَم وله الفصل فيما يبدو و يظهر من مسائل ومواضيع.

إلى جانب التأكيد على مكانة العقل النّقدي وضرورته في التعاطي مع التراث أو تأسيس الخطاب ينبغي أيضا التأكيد على سمة التنوّع والتعددية التي تصبغ التراث الثقافي العربي في كلّ مناحيه وأشكال الخطاب فيه، سواء على مستوى الفرق و الملل والمدارس الدينية الكلامية والفقهية أو الاتجاهات الفلسفية المختلفة، كلّ هذه الفسيفساء تعبّر عن أنّ العقل العربي متعدد التمظهرات في وجوده ولم يكن أحادى المنحى واللون أبدا، فالنظرة إلى التراث العربي في هذا الأفق الرحب المتّسع تجعل إمكانية الاستفادة منه أيسر و القدرة على التجاوز الخلاّق في المتناول و تحصّن ضدّ التّمجيد التّحنيطي و صناعة التّابو .

فالعقل العربي هنا هو في آخر المطاف عقول متغايرة و لكن ينبغي أن تكون متفاعلة مستحضرة لتغايرها في صيرورة بنّاءة تعتمد النقد الذاتي كشرط ملازم لتوجيه النقد للآخر المغاير لها. فمفهوم النهضة والحداثة و التحديث عند الفيلسوف الألماني كانط يقوم أساسا على مبدأ النقد بما هو نقد ذاتي بدرجة أولى ، فالعقل النقدي وحده هو القادر على التجاوز لسوابقه و التأسيس للجديد.

حتى لا يكون العقل العربي مجرد ِعقال (و هو عند العرب ما تُشدّ به الدابّة أو ما يُلَفّ لشدّ الكوفية على الرأس ، وصفه أحدهم تبرّما بمن يضعونه وطرق تفكيرهم و سلوكهم بالصِّفْرِ المضاعف) وحتى يكون العقل العربي عقولا تنظر وتفعل ينبغي التأكيد على الممارسة النقدية للذات وللآخر في كلّ حين فلا وجود لضمانة أخرى سواها نستطيع اكتسابها تعصمنا عن الوقوع في الجمود وتقينا من التّمويه على الذّات وعلى الآخرين.

 

  3 

بين السؤال والجواب

 

أعتقد أن مفردتي السؤال والجواب على درجة كبيرة من الأهمية ولا تُختزلان في حدود صيغة أو تركيبة لغوية فقط. لهاتين المفردتين وظائف ودلالات أخرى تتجاوز الاختزال اللّغوي إلى مناطق تأثير تصبغ الجهاز المفاهيمي والأنماط السلوكية بصبغتها.

فالسؤال يستبطن غالبا الإجابة من حيث تحديد أفقها واحتمالاتها ومن حيث موضوعها. فالسؤال يضبط مسبقا فضاء الإجابة بل إنّه يخلق الإجابة من حيث إمكان مقاربتها وتوفير رحم لنشأتها وتطويرها. فالتفكير في السؤال هو تفكير محدِّد ومهئّ لاحتمالات الجواب وفضائه بشكل ما قبليّ.

لذلك يكتسي السؤال حول أهمية التساؤل من حيث مشروعيته المنطقية والواقعية أهمية قصوى سأحاول لاحقا تبيانها من حيث مساهمتها في صياغة جهاز مفاهيمي معيّن وتحديد ملامح عقلية معيّنة وتوجهاتها.

وكذلك الجواب فهو يعبّر بهذا المعنى عن الانخراط والارتهان المسبقين ضمن فضاء وحدود تشكلت ملامحها من خلال السؤال المطروح صراحة أو المُضمَر ضمنا. فالكشف هنا عن التساؤل يمكن أن يوضح أو يفضح تماسك الجواب من عدمه في بنيته ومشروعيّته. غالبا ما يعتمد الخطاب الديماغوجي سواء كان سياسيا، عقائديا أو تسويقيا على بنية خطاب الجواب، إذ أنه يعتمد الإيحاء والإيهام بإيجاد وتوفير حلول تدّعي تقديم الخلاص والإنقاذ في ذاتها دون تجشم عناء طرح السؤال حول الأسئلة التي توجب طرحها ومدى ضرورتها. فخطاب الجواب في بنيته يشي لدى متلقّيه بعقلية تميل إلى تقبّل الحلول الجاهزة والرّغبة الملحّة في الإحساس بالأمان من دون توتّر أو تعقيد حتى وإن كان هذا الشعور تبسيطيّا ساذجا بمنأى عن تعقيدات الواقع في علاقاته وتركيبته. ولعلّ من أمثلة هذا الخطاب هي أشكال الخطاب الوعظي و الخطاب الشعبوي.

فنحن هنا أمام نسقين أو توجّهين، أحدهما يستند على التساؤل والإشكال والآخر يعتمد على الإجابة والتسليم بها جاهزة. العقل الإشكالي المتسائل يعيش حالة توتر وقلق معرفيّين ويرفض الركون إلى إجابة تدّعي الإطلاقية لنفسها، بل يحيطها دوما بأسئلة تزيد من نسبيّتها ويجعل من الإجابة صيرورة متواصلة مدعوّة إلى تجاوز ذاتها عند مقاربتها، فالإجابة هنا لا تتحقق بما هي لحظة منجَزَة ساكنة.

أما العقليّة الحاملة لخطاب الإجابة فتتسم بميل جامح يكاد يكون طفوليّا نحو الاستقرار والاحساس الغريزي بالاطمئنان والأمان والوضوح البسيط في أحضان إجابة جامعة مانعة ناجزة جاهزة تعد بالخلاص و الوصول لفردوس الراحة بعيدا عن قلق السؤال واهتزازاته.

أعتقد أنّ هذين النمطين من الخطاب يعكسان من خلال تحققهما سواء على مستوى العقل الفرديّ أو الجماعي صيرورة نضج من عدمه تصبغ الأنساق والشخصية المتسمة بها بصبغتها.

 

  4 

 

الأفكار والتفكير

 

تتناول كتب تاريخ الفلسفة الأفكار والنظريات التي طوّرها فلاسفة ومفكرون عبر التاريخ بالعرض والتقديم. البعض من هذه الأفكار والنظريات كان لها جاذبيّة وتأثير ورواج لدى شرائح من القراء والمتلقّين. يحرص العديد من هؤلاء ومن بينهم كذلك حتى دارسون في أقسام الفلسفة على الأخذ بهذه الأفكار أخذا يغلب عليه طابع الحفظ والتلقين ثمّ العرض والتقديم. قد ينسجم هذا الشكل المشار إليه من التعاطي مع الأفكار مع تقاليد تربوية وربما منهجية معيّنة تحرص على ممارسة الاستنساخ الفكري وتكريس واقع هيمنة ذهنيّة فكرية ثقافية معيّنة إلاّ أنّه يتعارض حتما مع الممارسة الفلسفية في منطلقاتها وغاياتها. فالأفكار والنظريات ليست في آخر المطاف إلاّ أمثلة متشكّلة لأنماط التفكير المختلفة في مقدماتها وبُنى الاستدلال فيها، فالمهمّ في هذه الأفكار و المدارس الفكرية الفلسفية المختلفة هي كيفيات وطرائق التفكير التي ابتدعتها وطوّرتها وطبّقتها. إذن فالتفكير بما هو عملية مركّبة، تعتبر أحد أوجه تمظهراته طرق الاستدلال وبناء البرهان في تثبيت أو نفي قضية معيّنة، يحتلّ مكانة متقدّمة عن الأفكار بحدّ ذاتها. فالأفكار بما هي تجسّد وتمظهر للمُفكَّر فيه تكتسي أهمية إضافية إذا تعاطينا معها بالتزامن مع استحضار اللاّمفكَّر فيه الذي ربّما يكون حضوره المسكوت عنه أو الغير المنطوق ذا أثر بالغ. فالفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ يحظون بالحضور والاهتمام من خلال طرائق تفكيرهم واستدلالاتهم لتثبيت أفكارهم، فلا هؤلاء ولا أفكارهم ونظرياتهم لها قداسة في ذاتها وأهميتها مرتبطة بتماسك الاستدلال وعدم تهافته النظري والمنهجي. هنا يبدو التفلسف كممارسة فكرية مرتبطا بالتفكير في عملية التفكير في ذاتها من حيث المنهج والموضوع، وحدود المفكَّر فيه وبالأحرى اللامفكَّر فيه، أي أن أفكّر كيف أفكّر فيما أفكّر عندما أفكّر.

فالأخذ بأفكار ما دون تفكّر و تفكير فيها والسعي إلى منحها سُلْطة ومكانة أو قداسة وهيمنة معيّنة لا يجوز التفكير فيها هو سمة ممارسة الخطاب الديماغوجي الدوغمائي سواء كان إيديولوجيّا سياسيّا حزبيّا أو وعظيّا دينيّا أخلاقويّا. فالإنسان بما هو كائن مفكِّر ليس مجرد حامل لأفكار مهما كانت هذه الأفكار وإنّما هو في حالة صيرورة فكرية أو تفكيرية متواصلة تتحقّق من خلال التجاوز الذاتي المستمرّ وعدم الارتهان السّكوني لأيّ حال.

ربما يتجلّى بهذا المعنى السبب الخفي لغياب ومنع تعليم ودراسة الفلسفة في بعض البلدان العربية أو تدريسها بشكل مناقض ومغيّب لدورها وغرضها المشار إليه. فالحرص على سيادة الأفكار مع تغييب التفكير أمر نعيش جميعنا تجلياته وتبعاته في الكثير من مناحي حياتنا الخاصة والعامة.

 

  5 

قراءة الواقع وقراءة النصوص

 

علاقة الإنسان بالواقع الخارجي بمختلف تمظهراته محكومة بدءا بالإدراك الحسّي لها لتنتقل إلى الذهن كصور مجرّدة تنطبع فيه. إلاّ أنّ هذا الطرح التبسيطي يعتبر غير مُجْز،ِ  ذلك أنّ الملكات الحسيّة والإدراك المرتبط بها مختلفة ومتفاوتة، نسبيّة وذاتية باختلاف البشر ولا يمكن التعويل  والاعتماد عليها بالإطلاق لتحقيق الاتفاق. إلاّ أنّ واقع الأمور يشهد بخلاف ذلك وهو أننا معشر البشر نتّفق في إدراكنا للكثير من الأمور بشكل حاصل، من قبيل الوحدة والتعدّد والذات والتغاير مثلا. ويرجع الفلاسفة ذلك إلى أنّ القدرة الذهنيّة أو ملكة العقل هي نفسها على السواء عند جميع البشر، ومحكومة بقواعد وقوانين أو مقدّمات ما قَبْلٍيّة موجودة لا تحتاج إلى استدلال لإثبات وجودها، وتُسمّى هذه عند المناطقة بالبديهيّات. إضافة إلى البديهيات يقدّم علماء المنطق مقدّمات ثانويّة ويفرّقون بين أشكال الاستدلال المختلفة ضمن النسق المنطقي الواحد أو الأنساق المنطقية المتعدّدة، لإثبات صحّة قضية معيّنة أو خطئها. إلى هنا يتزحزح الإدراك الحسّي الانطباعي الأوّلي من الذاتية والنسبية ليتّخذ صبغة موضوعية مُتوافَقٌ ومتوَاضَعٌ على صحّتها. تتأكّد من خلال إمكانيّة وحصول تمحيصها واختبارها بشكل أوسع وأكثر. أحد أوجه تحقيق ذلك هو النقاش والحوار المفتوح حيث تتلاقى  وجهات النظر المتباينة بتباين براهينها واختلاف أشكال الاستدلال المبنيّة عليها. هنا يصبح ثبات وثبوت صحّة قضيّة وأحقّيتها أو حقيقيّتها منوطا بإمكانيّة إثبات ما يغايرها فيتحقق تجاوزها. والواقع أنّ صيرورة المعرفة والعلوم البشرية متّسمة بهذه الخاصية فأمكن لذلك تحقيق التجاوز فيها بما هو تطوير لما توصّلت إليه. فأمام تغيّر الواقع وعدم سكونيّته وعدم ثباته على حال، تتغيّر هذه المعارف من حيث تعددها وتراكمها وتلاقيها مع بعضها البعض. فحقيقة المعرفة هي من حيث أنّها صيرورة مفتوحة يتحقق فيها التّجاور والتجاوز لمختلف تعبيراتها وليست لحظة مُنجَزَة نهائيّة سكونيّة ثابتة.

هذه العلاقة المعرفية بالواقع بمختلف تجلّياته على جميع المستويات الاجتماعية والثقافية والفردية، هي علاقة تعتمد قراءة الواقع والنظر فيه لتحقيق إدراكه بشكل سليم وللتمكّن من حلّ  ما يتوالد فيه من مشاكل بشكل أنجع وأكثر جدوى، أمام هذه القراءة للواقع بهذه الصورة وعلى خلاف ذلك يعمد بعض الناس لتحديد علاقته بالواقع الموجود فيه لتحقيق إدراكه له على قراءة مستندة إلى نصوص هي في ذاتها إفراز و نتاج لواقع مغاير ارتبطت به. الإشكال هنا ليس في قراءة هذه النصوص بنسبيّتها ولكن في الاستعاضة بها كلّيا عن النظر في الواقع وعلاقاته المركّبة كما هي. فالانطواء داخل فضاء نصّي منغلق على ذاته والاعتقاد بأنّ ذلك يمكّن من إدراك سليم للواقع يقود إلى حالة من الفصام تعيق إمكانيّة تَفَتُّق الإمكانيات وانطلاق الطاقات والقدرة على تحقيق نموّها وتطوّرها كمطلب حيويّ.

 

  6 

 

في العلاقة بالتراث والموروث والتاريخ

 

ينبغي الإقرار بدءا أنّ البحث والتساؤل والإشكال في قضايا ومواضيع التاريخ تتّسم غالبا بالحساسيّة وتكون مشحونة بانفعالات يصعب تجنّبها كلّيا والتخلّص منها، لأنّها متأتّية من بُنى ذهنية وارتباطات نفسيّة مسبقة وعلاقات مازالت راهنة في الحاضر تمارس تأثيرها. وهذا يصدق على الكثير من الوقائع والأحداث والرؤى والتصوّرات التاريخية على اختلاف السياقات والأنساق الثقافية التي جاءت فيها، فتاريخ السياسة الاستعمارية لليابان  في الصين مثلا مازال يمثّل موضوعا خلافيّا في السياسة داخل وما بين البلدين، وكذلك السياسة الاستعمارية الفرنسية في القرنين التاسع عشر والعشرين وخاصة في الجزائر مازالت تشكّل عقدة تصبغ ليس فقط الخطاب السياسي بالتوتّر العالي عند التعرّض لها بل نجد لها تداعيات في الكثير من الأعمال الأدبية والفنّية وبوضوح أكثر في أشكال الخطاب الإعلامي على اختلاف مرجعياته... والأمثلة على حساسية العلاقة والموقف الراهن  عند التعاطي مع مواضيع تُعتبر تاريخيةً يمكن التقاطها والحصول عليها في كلّ الثقافات عموما، ولا تنفرد بذلك ثقافة دون أخرى مع الاختلاف والتباين في  تمظهراتها ودرجة و مستوى امتداد تأثيرها.

والسياق الثقافي العربي الإسلامي له خصوصية في المظاهر التي تعبّر عن العلاقة بمواضيع تاريخية سواء كانت هذه المواضيع وقائع وأحداث أو أفكار وتصوّرات. فالتاريخ هنا في وقائعه وتمظهراته يخرج عن كونه نسق إحداثيّ داخل فضاء أو بُعْد الزّمن تُدْرك داخله حيثيّات الأحداث والوقائع وكذلك المعاني والتصوّرات والأفكار والنظريّات، ويصير مخترقا لأبعاد الزّمن غير خاضع لقيودها يكاد يلتحم مع الأزل فيقدّم الماضي على أنّه حاضر ومرشّح لأن يكون مستقبلا. فنجد عند الاتفاق أو الاختلاف في حالة التعاطي مع حدث أو موقف فكريّ  قد مرّت عليه عدّة قرون بل وأكثر من ألف سنة، نجد أنّ العيون قد احمرّت و الأصوات قد تعالت وأحيانا ليست بالنادرة أنّ الأيادي قد ترتفع وتتشابك. فالتاريخ هنا لم يعد مجرّد وقائع تجاوزها الزمن بل صار ميتاتاريخا لا يخضع لإحداثيات الزمن في تغيّراتها وتجاوزاتها وقطيعاتها، يمارس هيمنة واضحة في أشكال الوعي والإدراك وعلى الأمزجة والميولات. فالإدراك أنّ هناك تغيّر  وتجاوز وتحقيق قطيعة أي مسافة فاصلة في العلاقة مع الموضوع المتناول، كلّها عوامل تساهم في تشكيل الوعي التاريخي الذي يخرج بالتاريخ من مجال المقدّس الميتاتاريخي إلى مجال الدنيوي المتغيّر، عالم الكون والفساد (بالمعنى الفلسفي) الذي تحكمه سببيّة وقوانين وسنن تفسّر ظواهره وتحوّلاته.

فالتاريخ سواء كان أحداثا ووقائع أو أفكارا وتصوّرات، إذا ما التبس مع المقدّس وتداخل معه فإنّه يتحوّل إلى سلطة مرجعية  تمارس على  المعرفة والأخلاق وتقرير السلوك تأثيرا مباشرا  بالترهيب والترغيب، ترهيبا تصاحبه فوبيا فقدان الأصالة واندثار الوجود وترغيبا توفره سلاسة الاختزال التبسيطي وحالة  الكسل الذهني المتمعيشة على حساب الإرث و الموروث مما تركه السلف الصالح والطالح من خيرات و شرور على حدّ السواء.

فما قدّمه السابقون من نتاج عقولهم وتأمّلاتهم ونظرهم ضمن ظروفهم التاريخية في مجال الأدب شعرا ونثرا وفي مجال الدين والشريعة مازال مستحكما في العقول والنفوس والرّقاب، تتحدّد وفقه المقاييس والمعايير وتنضبط به المواقف وتتقرّر القرارات. فالكثير من الشخصيّات التاريخية رغم اندثارها البيولوجي مازالت تمارس سلطة واسعة لا يملكها ولا ينافسها فيها الكثير من الأحياء في وقتنا الحاضر، فمنذ ألف سنة و تزيد مازال المتنبي وأقرانه  يعرّفون لنا سقف و نسق ما يمكن أن يكون شعرا أو لا، وأئمّة المذاهب الفقهية الأربعة مازالوا يحدّدون لنا و يميّزون ما يجوز ممّا لا يجوز، مازال مالك بموطّإه والغزالي بإحيائه وابن تيميّة بفتاويه يقرّرون ما يكون كيف ينبغي أن يكون ويتدخّلون في صغائر الأمور وعظائمها في حياتنا الخاصّة والعامّة والقائمة تطول.

في هذا المقام تداعى إلى ذهني أنّ المتاحف التاريخية قليلة جدّا في البلدان العربية بالمقارنة مع بلدان أخرى ندّعي دوما كعرب التفوّق عليها فيما لدينا من إرث تاريخي  على وجه الخصوص، وأعتقد أنّ أحد الأسباب في ذلك هو أنّنا في سياقنا العربي لا نحتاج في الحقيقة إلى المتاحف التاريخية لأنّ التاريخ مازال جزءا من حاضرنا يعيش معنا ويمكن أن يتراءى لنا يوميا من خلال الكثير من التصريحات والخُطب ومما يُكتب ويُقرأ وما نتمسّك به على أنّه من القيم والضوابط السلوكيّة تحدّد حتّى تفاصيل الملبس والمأكل  والمشرب كيف ينبغي أن تكون.

ويبقى التساؤل مطروحا كيف ومتى تعمّ وتزدهر ثقافة المتاحف في البلدان العربية؟

.........

ملاحظة: في مدينة فيينا فقط يوجد أكثر من مائة متحف ومعرض موزّعة في جميع أحياء المدينة وتتناول شتّى المواضيع و الأغراض.

 

 

jamal@jusur.net  راسلوني

عودة إلى المدخل