عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

  1 

التّابو المسكوت عنه

لا أجد لمفردة التّابو مرادفا لها غير مركّب "المسكوت عنه في الخطاب العام أو بالأحرى الممنوع الخوض فيه بشكل مسبق ما قبليّ في الفضاء العام لتشكّل الخطاب"، وللتّابو بهذا التعريف وظائف وأدوار هامّة وخطيرة في تشكّل بنى العلاقات على مستوى اجتماعي، أخلاقي ونفسي، وحتى سماتها الثقافية وتداعياتها في الخطاب السياسي. من بين هذه الوظائف التي تؤدّيها التّابوهات وتقوم بها من خلال سياق اجتماعي و ثقافي معيّن يوجدها ويرعاها، هو المحافظة على راهنيّة و هيمنة واقع سائد يحمل في داخله تناقضات وتضادّات يعجز عن حلّها دون تجاوز ذاتيّ.

فالتّابو هنا يكرّس استقراراً مموّها لبنى معيّنة مهيمنة على الواقع، ويخفي اهتزازها وتهافتها وعدم تماسكها، فهو يبدو هنا كالمسكّن للآلام في حال الإصابة بمرض عضال دون طلب الشفاء. ومن أشدّ خصوم التّابو في هذا المقام، تأتي هنا المصارحة العلنيّة ووضع الإصبع على الجرح مباشرة دون تورية أو تمويه. للتّابو خطوط دفاع أمامية تمنع وتعيق حصول المصارحة والمكاشفة العلنيّة، تتلبّس أحيانا لبوس الأخلاق والأعراف والعادات ووجوب الصمود دفاعا عنها والمحافظة عليها وتحمي أحيانا أخرى من الإحساس بالخوف من الوقوع في الخطيئة ومن التعرّض للإهانة أو الاستصغار في أنظار الآخرين.

لعلّ من أبرز الأجهزة الدفاعية عن التّابو والمكرّسة لاستمرار بقائه وهيمنته هي عقدة الذنب وعقدة الفضيحة، ولعلّ الثانية تلعب دورا أكثر حضورا وتأثيراً في المجتمعات الشرقية بما فيها المجتمعات العربية (بجميع طوائفها) المتسمة عموما بأنّها مجتمعات محافظة اجتماعيّا وثقافيّا. وأقتصر هنا في هذا المقام على تناول التّابو على مستوى استقراء الواقع الاجتماعي والعلاقات المشكّلة له والمتشكّلة فيه.

أعتقد أنّ العلاقات الاجتماعية كتعبير وانعكاس لمجموعة بُنى قيميّة وذهنيّة و نفسيّة مهيمنة ومستحكمة يمكن أن تعتبر مؤشّرا ذا أهمية لما يمكن أن نعبّر عنه بالتنمية البشرية من حيث أحد أهمّ أوجهها. فالظواهر الاجتماعية والسلوكية تكشف عند تناولها بوعي والتوقّف عندها بتروٍّ عن مجموع هذه البُنى القيميّة والنفسية والذهنية التي تعبّر عنها.

فالمواضيع والتيمات المتعلّقة بعناوين مثل الدين، المرأة، الجنس، العنف وغيرها في المجتمعات العربية تكشف عند التوقّف عندها وتأمّلها عن عمق الأزمة وحالة التوتّر التي تسود المجتمع العربي الذي تتجاذبه بُنى تقليديّة من جهة، بما تحمله من قيم ومفاهيم ومظاهر حداثية، ومن جهة أخرى بما تفرضه من تبعات وتأثيرات على هذه البُنى. فالمجتمعات العربية بقيت في مجملها في حالة تأرجح متوتّر بين بُنى علاقات تقليدية وأخرى حداثية متداخلة فيما بينها يصعب تعريفها، فلا هي تقليدية باقية على حالها ولا هي حديثة حققت نقلتها التحديثية على جميع المستويات.

هنا يؤدّي مركّب التّابو وظيفة هامّة في المحافظة على حالة التوتّر والفصام البنيوي هذه التي تسود المجتمعات العربية.

 

  2 

 

الفرد والجماعة والمجتمع

(1)

تحظى مفردات و مفاهيم الفرد والجماعة والمجتمع في نظريات الفلسفة الاجتماعية ومباحثها بمكانة مركزية. إذ أنه برغم حضور الفرد في كلّ من النسقين المفاهيميين للجماعة و المجتمع إلاّ أن دلالة هذا الحضور والوظائف والأدوار المناطة به متغايرة ومختلفة عن بعضها البعض. فأواصر الارتباط بين الأفراد ضمن الجماعة (و ليس المجتمع) تتميز بأنها ذات طبيعة عاطفية مشاعرية اعتقادية تقود إلى الإحساس بالانتماء المشترك فيما بينهم. تتمايز الجماعات وفقا لهذا التحديد فيما بينها من جهة وتمارس بشكل آلي سلوكا إقصائيا مانعا للاختراق والدخول لها، تجاه الأفراد الغير منتمين لها من جهة أخرى، ويتجلّى هذا بدرجة من الوضوح من خلال الجماعات الأسريّة (العشائرية، القبليّة) أو جماعة الأصدقاء مثلا. يمكن أن يكون انتماء أو ارتباط الفرد ضمن الجماعة ذات صبغة لا إرادية وإكراهية أو اختيارية متّسمة بالحرية النسبيّة، ومثال ذلك حالة زوجين اختارا الارتباط فيما بينهما إلاّ أنّ أبناءهما يعتبرون أطرافا رغما عن إرادتهم ودون اختيارهم ضمن هذه العلاقة.

فتعريف الفرد وتموضعه وأدواره ضمن الجماعة تخضع عموما لشروط و تعريفات ما قبليّة تُلزم الفرد و تخضعه لها. مع هذا التعريف للفرد ضمن نسق الجماعة يتقاطع التصور الديني عموما و في شأننا الحالي الإسلامي خصوصا. إذ أنّه بالرغم من التأكيد الواضح والمتكرر ضمن السّياق الديني العقائدي على أنّ علاقة الفرد بالإله علاقة خاصة جدا و ذات طبيعة حميمية، علاقة بين الفرد وربّه مباشرة ودون واسطة، نجد على المستوى الاجتماعي أنّ هناك ضمورا إلى حدّ الغياب لحضور الفرد مقابل التأكيد على أهمّية الجماعة (الأسرة، القوم، جماعة المؤمنين مقابل جماعة غير المؤمنين). فللفرد هنا حضور ومكانة بقدر تماهيه مع جماعة معيّنة وذوبانه فيها متمايزا بشكل كامل عن بقية الأفراد أو بالأحرى الجماعات الأخرى المناوئة. وربّما يشي تاريخ الأديان والمذاهب من الملل والنّحل وتكشف القراءة المتمعّنة فيه عن هذه الارتباطات البنيوية داخل وبين الجماعات الدينية، المذهبية، العائلية، القبليّة... وتلعب هذه الترابطات والتداخلات في تعريف الفرد والجماعة دورا هامّا في تشكل نظام اجتماعي سياسي معيّن ولعلّ مصطلح "العصبيّة" الخلدوني يساعد هنا على تيسير الوصول إلى فهم أكثر وضوحا. في المقابل نجد مصطلح "العقد الاجتماعي" الذي ينبني على تصور مغاير للفرد والمجتمع، سأحاول التطرق إليه ومقاربته في الحلقة القادمة إن شاء الله.

 

  3 

الفرد والجماعة والمجتمع

(2) 

عني علماء الاجتماع والفلاسفة الاجتماعيون بمفهوم  "العقد الاجتماعي" وتناولوه بالدراسة والبحث بشكل وصل إلى بناء نظرية علمية مستندة عليه. وتمّ الاصطلاح على تعريفه على أنّه اتفاق مجموعة من "الأفراد" فيما بينهم لتكوين "مجتمع" بناءا على قاعدة الفائدة المتبادلة وتجنّب الإضرار مقابل تسليم الفرد لإرادة الجماعة ممثلة بالسلطة. من خلال هذا التعريف يرتبط تحديد مفهوم المجتمع بتحقق تعريف للفرد أو لمجموعة الأفراد المكوّنين له. يّتفق الفلاسفة الاجتماعيون هنا على أنّ "المجتمع" كنسق تنتظم داخله العلاقات بين الأفراد وفق تعريف العقد الاجتماعي هو مرحلة أو حالة تلي وتلحق ما يطلقون عليه الحالة الطبيعية أو الأصليّة وهي حالة يختلفون في تقييمها فيعتبرها البعض حالة همجيّة محكومة من الغرائز والمصالح الذاتية التي تتصادم وتتناقض مع بعضها البعض. ويعتبرها البعض الآخر حالة يعيش فيها الناس حياة وعلاقات بسيطة في اكتفاء ذاتي وسلام. ويعتبر المجتمع بالتعريف السابق إنّما هو نتاج لعوامل اقتصادية ولعلاقات إنتاجية أكثر تعقيداً وتطوراً لما سبقها، وإفراز لتقسيم للعمل يعتمد على كفاءات ومهارات معيّنة ومتباينة يتمكن الأفراد من اكتسابها. ويتحصّل الأفراد من خلال أداء هذه الأدوار حسب توزيعها وتقاسمها على مردود مادي يعبّر كذلك عن مكانة مشاركتهم في البناء والصرح العام لمركّب "السلطة" من حيث الجانب الاقتصادي فيها. فحلّت هنا الشريحة أو الطبقة الاجتماعية كفضاء ونسق يعرّف فيه انتماء الفرد الفعليّ محلّ العشيرة والقبيلة والجماعة الإثنيّة. فمناط تعريف الفرد هنا هو تموقعه ضمن مركّب العلاقات الاجتماعية القائمة في آخر الأمر على قيمة العمل التي تعبّر عن الانتماء الفعليّ للفرد وأدائه لدوره ضمن هذا المركّب.

المحدد الآخر لانتماء الفرد ضمن النسق المجتمعي هو الفائدة أو المصلحة المتحققة، لذلك يسعى الأفراد إلى التنظم ضمن هياكل مؤسّستيّة للدفاع عن المصالح التي تجمع بينهم ولتحقيقها ولضمان عدم استئثار طرف على حساب البقية. فالأفراد هنا متساوون من حيث المبدأ من ناحية أحقّيتهم وحقوقهم وتعتبر السلطة أو الحكومة هنا الخلاصة المؤسّستية التي ترعى هذه المصالح وتحمي هذه الحقوق. تعتبر هنا مشاركة الأفراد ضمن المؤسسات المجتمعية على جميع مستوياتها وقدرتهم على التعبير داخلها عن اختياراتهم الفردية تمظهرا لمشاركتهم في أطوار صناعة وتشكّل القرار. فاتخاذ القرار ضمن هذا السياق لا يكون نتيجة تفرّد بالرأي أو حالة مزاجية بل هو نتيجة تدافع بين علاقات مصالح متعددة والآراء المعبّرة عنها من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة. هذه الأرضيّة الاجتماعية والثقافية هي التي تسمح بتشكّل نظام ديمقراطي وممارسة ديمقراطية من خلال رمزية وواقعية شعارها في آن واحد القائل: شخص (فرد) واحد، صوت واحد.

 

 

jamal@jusur.net  راسلوني

عودة إلى المدخل