عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

 

 1

ظاهرة الإسلام الأوروبي

أو الإسلام في المهجر

وأسئلة الحداثة والهوية والاندماج

 

يعكس الحديث أو الكتابة عن مواضيع مرتبطة بالإسلام والعلاقة بالغرب عموما وبأوروبا، خاصة في الفترة الراهنة الحالات النفسية وطبيعة العلاقات السائدة، والتي يغلب على معظمها التوتر والتشنج والانفعالية والتمترس في مواقع دفاعية أو هجومية أحياناً، أو رؤية الواقع من خلال تصورات منجزة ومعدّة سابقاً، أحيانا أخرى، وهي غالباً ما تكون من باب الأماني وطلب ما يجب أن يكون، والتعامل مع ذلك كلّه وكأنّه كائن. لذلك أقدّر صعوبة وعسر تناول هذه المواضيع بحيادية موضوعية لا تدّعي الإطلاقية لنفسها في ذلك، و يصير من باب الصدق والوضوح المطلوب تحقيقهما مع الذات ومع الآخر التصريح بالدوافع وكذلك الغايات والأهداف المسكوت عنها غالبا حتى نتجنّب التلبيس والتمويه ومزيد تعقيد الأمور أكثر مما هي عليه، غير أنّه يجب الاعتراف كذلك أنّ طلب الوضوح هذا يصعب تحققه أيضا بسبب التموقع والارتهان داخل بنى نفسيّة وذهنية ودوغمائية منغلقة تصبغ المواقف بصبغتها فتكون تبريرية ذرائعية تلفيقية تتجنّب النقد ألتأصيلي وتفضّل أن تبقى حائمة حول الحمى خشية الوقوع في المحظور.

داخل هذا الإطار من الملاحظات المنهجية أو الإشارات إلى الحيثيات والسياق العام تتنزّل كذلك بعض أشكال التعاطي مع المواضيع المرتبطة بالإسلام ومن بينها السؤال عن وجود إسلام أوروبي ومسوّغات الترويج له .

إنّ الإسلام كتعبير عن مجموع البنى الثقافية الفكرية والنفسيّة والاجتماعية  الروحية والعقائدية وما يرتبط بها من تشكّلات للمخيال الجمعي تحققت وتتحقق ضمن صيرورة تاريخية داخل فضاء الزمان والمكان خاضعة للتحوّلات الحادثة فيهما بالتأثّر والتأثير وليست أبدا خارج التاريخ ، وضمن هذا السياق يمكن فهم زخم التنوّع والتعدّدية ودرجات الاختلاف في التاريخ الإسلامي فيما ظهر فيه من تشكّلات عقائدية وفلسفية وحتّى اتجاهات سياسية وأدبيّة بلغت في اختلافها وتنافرها إلى حدّ التضادّ والصّدام أحيانا كثيرة، وخير تعبير على ذلك ما تمدّنا به أدبيّات التراث الإسلامي عن الملل و النحل وعن المدارس العقائدية والفقهية والمذاهب والشيع الكثيرة بشكل يهزّ ويستفزّ التصوّر الرومانسي الساذج المروّج لصورة تسطيحية أحاديّة اللون سواء للتراث أو الحاضر الإسلاميين، لا تخلو في عمقها من ادّعاءات سلطويّة تريد احتكار الحقّ في تعريف ما هو إسلاميّ أو لا وتميّزه عمّا سواه. فالاختلاف والتنوّع داخل صيرورة تاريخية سنّة طبيعية وتاريخية لم تستثن الإسلام منها أو تجعله حالة غير خاضعة لها. ضمن التّأكيد على تاريخانية المنتج التراثي الإسلامي ينبغي كذلك التّأكيد على تاريخانية العلاقة بالنص الديني الإسلامي قرآنا وحديثا نبويّا حيث أنّ هذه القراءات للنصّ وما أفرزته من مواقف وما أنتجته من أنساق عقائدية و تشريعية وأخلاقية ترتبط ارتباطا عضويّا مباشرا بشروط الزمان والمكان الذي وردت وصيغت فيها، فتنزع عنها صفة الإطلاقية الميتاتاريخية التي يلبسها البعض إيّاها وتحافظ على نسبيّتها التّاريخية فيمكن التعاطي معها عندئذ بانفتاحية يمكنها تملّك النقد والنقد الذاتي والقدرة على التجاوز وتطوير الذات و تطوير علاقتها بالآخر أيضا. وضمن سياق هذه النظرة تتنزّل كذلك علاقة الإسلام من خلال المسلمين بأوروبا أو بالغرب سلبا وإيجابا حيث أنّ هذه العلاقة ليست علاقة طارئة أو حادثة كما يحلو للبعض تصويرها وإنّما هي متأصّلة ومتداخلة جدّا، بدءا من الاشتراك الذي لا يخلو من تعقيد ونفي وتأكيد متبادلين في الانتماء إلى فضاء الديانات الإبراهيمية والتوحيدية من جهة وأيضا التواصل التاريخي والتداخل الجغرافي والسياسي، خاصة ضمن فضاء حوض المتوسّط بضفافه الشرقية والجنوبية والشمالية منذ حركة التوسع العربي الإسلامي مرورا بالحروب الصليبية ومراحل التماسّ والتداخل المباشرة بالأندلس وصقلّية والمرحلة العثمانية التركية وحملات نابليون وظاهرة الاستعمار بالقرنين التاسع عشر والعشرين وحركات الترجمة خاصة للأعمال الإغريقية إلى العربية ومنها إلى اللاتينية... كلّ ذلك يعبّر عن أشكال تواصل واشتراك وافتراق بين فضائي الإسلام والغرب. غير أنّ كلّ هذه التداخلات والتعقيدات في هذه العلاقة لم تمنع أيضا من حصول تحوّلات داخلية غير متماثلة في طبيعتها ويبرز ذلك خاصة في ظاهرة الحداثة التي أفرزتها الخصوصية التاريخية الأوروبية وما ارتبط بها من تغيير نوعي للبنى المعرفية وأشكال العلاقات الاجتماعية والنظم السياسية، وإبداعات علمية وتقنية لها في تطبيقاتها التأثيرات البالغة على العديد من مستويات العلاقات القائمة.

إنّ المشكل الرئيسي الذي يواجه المسلمين في أوروبا وخارجها كما يواجه الإسلام كمجموع البنى السابق ذكرها كذلك٢ هو تحديد وتعريف العلاقة بهذه الحداثة بشكل جدّي يتجاوز النظرة المتّسمة بالتبريرية والإسقاطية والنفعية والبراغماتية السطحية والقصيرة المدى إلى فضاءات أرحب وتفكير أكثر عمقا وجدوى، وعدم التخوّف العصابي المتّسم بحساسيّة مرضيّة من طرح أسئلة جدّية ومؤسسة حقّا.

لعلّ أهمّ الأسئلة الحداثية التي تسبّب إحراجا نفسيّا ومعرفيّا هي أسئلة الحرّية والديمقراطية وأصالة حقوق الإنسان كمعبّر عن مجموع مفاهيم وقيم ونظم علاقات. إنّ طرح مثل هذه الأسئلة ضمن فضاء التفكير والانتماء الإسلامي في سياق متزامن مع تعريف الهويّة في صيرورتها الاجتماعية والتاريخية ومحاولة تلمّس الإجابة عنها يتعارض مبدئيا مع أطروحات الحلول الترقيعية والتلفيقية السطحيّة وتساعد في محاولة تجاوز حالة الفصام والنفاق الذاتي الممارس إلى حدّ الإدمان تفكيرا وسلوكا في العلاقة مع الحداثة، إنّ الجسر الخفيّ الموصل إلى شواطئ تلمّس الإجابة عن هذه الإشكالات هو بتبنّي موقف إنسانيّ حرّ خارج قضبان الدوغما والنّظر إلى النّفس وإلى الآخر المغاير بدون استعلاء مضمر أو احتقار مستبطن، فالإنسان في عقله وإنسانيته الحرة وكرامته والأخلاق المرتبطة بها، وينبغي أن تبقى هذه، هي المعايير الأساسية للتعريف وتحديد المواقف. ويتطلّب هذا كذلك تحقيق فهم في هذا الأفق للإسلام يحمل هذه الخصائص و يخضع للنسبيّة والنقد الذاتي، وربّما تتوفّر هذه الفرصة للمسلمين بأوروبا إذا لم يتوجّهوا إلى خيار الغيتو النفسي والذهني الفكري والاجتماعي الذي لن يتنافى كذلك مع أوروبيتهم ، إذ أنّ تقاليد الغيتو في أوروبا أصيلة ولها جذورها أيضا.

في هذا السياق التحليلي والإشكالي تتنزّل أسئلة الهويّة للجاليات المسلمة والشرقية عموما في أوروبا. فبنى العلاقات الأسرية والاجتماعية مع مجموع القيم المتلازمة معها المنقولة مع الجيل الأول للمهاجرين تصطدم في الفضاء الحداثي الجديد ببنى مغايرة ومتنافرة معها وتتسبب في توتّر علاقة الأسر المهاجرة بمحيطها من جهة، و كذلك في تأزّم العلاقة مع الأبناء من الجيل الثاني من جهة ثانية الذين ينشأون ويجدون أنفسهم في واقع علاقات ومنظومة قيم مزدوجة داخل البيت وخارجه.

يقدّم هنا خيار الغيتو الإسلامي ملاذا وحلاّ بديلا للجاليات المسلمة يوفّر لها إمكانية وفرص المحافظة على حالة الفصام التي تعيشها وازدواجية العلاقة مع محيطها وإيجاد فضاءات منغلقة ومنعزلة موازية تحافظ فيها على ما تعتقد أنّه هويّة ثابتة لها هذه الحالة من الممانعة الصلبة و رفض الانخراط المتفاعل والمثري في المحيط الاجتماعي يفوّت على هذه الجاليات فرصة وإمكانية التعبير عن وجودها الديناميكي والحيّ على المستويات السياسيّة والثقافية ويكرّس الانغلاقية والسكونية والانحباس في الحلقة المغلقة من السلبية التي تعاني منها. كلّ هذا يساهم طبعا في إفراز حالات نفسية متشابكة متسمة بمشاعر العجز والإحباط والنرجسية وعقد الاستعلاء والاحتقار معا التي توفّر أرضية خصبة لأنماط سلوكية شاذّة وغير سويّة وقد يشكّل تفاقمها خطورة على السلّم والتوازن الاجتماعيين .

فالإسلام الأوروبي السائد بهذا المعنى هو في نهاية المطاف إسلام الغيتو وهو بالفعل إسلام أوروبي بامتياز. حيث يساهم النمط الثقافي المهيمن وطبيعة التقاليد والبنى النفسية والثقافية الاجتماعية السائدة في المجتمعات الأوروبية المتسمة بالإقصاء والتهميش على المستويين الثقافي والاجتماعي لما هو مغاير لها في إنتاج وتكريس حضور هذا النمط من بنى الغيتو. إذ أنّ الإحساس بعدم الاعتراف المتكافئ وحالة الإحساس الحاد بالاغتراب، يقود كل ذلك إلى الانكفاء على الذات والارتهان داخل علاقات ردود فعل دفاعية أو هجومية في التعبير عن الحضور ويضعف القدرة بشكل متنامي عن التواصل السليم والبنّاء مع الآخر.

وختاما لا أعتقد أنّ الحلّ البديل هنا هو انصهار وذوبان الجاليات المسلمة في محيطها الأوروبي لأنّ هذا ليس مطلبا وجيها ولا يمكن تحقيقه أصلا حتّى وإن رفع ولكن ما يمكن إنجازه والمطالبة به هو تحقيق ونشر فهم منفتح عقلاني وإنساني للإسلام يقود بدوره إلى تحقيق مصالحة وانسجام مع مفهوم الحداثة من خلال قيم الحرية وأصالة حقوق الإنسان وقبول الاختلاف والتعددية. ويتحمّل المجتمع الأوروبي بمؤسّساته وسياساته قسطا هامّا من المسؤولية لبلوغ هذا الهدف ولتحقيق تعايش سليم ومثر بين مكوّناته وفئاته المتنوّعة ويعتبر هنا فشل وقصور سياسات الاندماج المطبّقة من الأسباب الأساسية لترعرع تصورات ثقافوية وفئوية منغلقة على نفسها ذات ميولات ونزعات راديكالية يمكنها تهديد الأمن و السلم الاجتماعي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١ المقال هو نص مداخلة ألقيت في مؤتمر المرأة العربية الأوّل للاندماج مع الحفاظ على الخصوصية

المنعقد في فيينا في ٣ و ٤ مارس ٢٠٠٥

٢ أستعمل مصطلح الإسلام هنا بتعريفه الثقافي و الحضاري الواسع الذي يستوعب  يشمل العديد من الفئات والتعابير الدينية والطائفية والعرقية المتنوعة التي تعيش في فضائه وتشترك في نفس المخيال الجمعي ومنظومة القيم والعلاقات الاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 2

حول تجاذبات الإجابة

عن سؤال  التنوير

في السياق العربي الإسلامي 

يثير طرح سؤال التنوير في السياق العربي الإسلامي ردود فعل تتميز غالبا بالتنافر، وبإجابات متناحرة تدّعي صفة التنوير لنفسها بشكل احتكاري نافية إيّاها عن الآخرين، ومكرّسة من خلال ذلك أسلوبًا سجاليًّا في المقاربة ينزلق بيسر إلى فضاء المناظرات الكلامية كما عهدناها في السياق القروسطي بين مختلف الفرق والنّحل. ويتجاذب مسار الإجابات المتحققة في سياق الفكر العربي الإسلامي المعاصر حسب رأيي قطبان أو طرفان أساسيّان (1) يهيمنان على فضاء السؤال والجواب أو تشكّل الخطاب فيما يتعلّق بقضايا التنوير.

فالطرف الأوّل يحيل إلى الانقطاع عن ذات تاريخية متحققة وعلاقة الاغتراب معها كسبب رئيس للتّيه عن الإجابة ويدّعي الأسبقية التاريخية والمعرفية في حيازة الجواب الشافي لمتعلّقات التنوير وما على الباحث المعاصر إلاّ النّبش والحفر في طبقات التاريخ و تحقيق العودة إلى الذات بشكل ارتجاعيّ إحيائيّ واضح. تتّسم مقاربة هذا الطرف لموضوع التنوير بأنّها تُنَاظر دوما بشكل انتقائي بين إجابات متقابلة أو متوازية ترتبط من قريب أو من بعيد بقضايا التنوير، فلأنّ الطرف الآخر المقابل يعتمد العقل كمرجعية والعقلانية كمنهج، نجدهم ينبشون ويبرزون كلّ ما من شأنه أن يشير إلى إعلاء لمكانة العقل وقيمته في التراث العربي الإسلامي، ليس لما للعقل من مكانة حقيقة في الواقع و لكن لمجرّد مواجهة الخصم، وقسْ على ذلك مواضيع وقضايا الحرية وحقوق الإنسان وغيرها.

هذا التعامل التبريري والانتقائي السطحي يوهم متعاطيه بامتلاك إجابة ذات مرجعية ضاربة جذورها في أعماق الذات المستعادة  المتّسمة بطبيعة ماهويّة صلبة، غير أنّها في الحقيقة تعبّر عن عمق حالة الاغتراب والاستلاب المُعَانَى منها التي  تعطي الإحساس بتحقيق  الغَلَبة ضدّ الخصم المفترَض ولو لحين، وتدفع إلى سلوك يشبه ممارسة الدّعارة في تحقيقه لنشوة تنويرية عابرة، فترى صاحب هذا الخطاب ينام حينا مع الجاحظ وأحيانا أخرى مع المعرّي أو التوحيدي أو الاثنين معا ومرّة مع الرّازي  وأخرى مع إخوان الصفا وإلى غير ذلك، ونرى التّنادي برموز العقل وملامحه في التاريخ العربي الإسلامي يتعالى، ويطفو فجأة ذكر طبقات المعتزلة والفلاسفة القدامى وكلّ ما يمكن التقاطه من هذا التاريخ في شتّى مجالات الأدب والعلوم مّما يمكن أن يدلّ ولو من بعيد على أصالة مواضيع التنوير في سياقنا العربي الإسلامي .

تقف هذه المقاربة غالبا عند هذا الموقف الارتجاعي التبريري الذي لا يخلو من نَفَس تبجيليّ، ممّا يجعلها عقيمة على مستويين: المستوى الأوّل في العلاقة بتاريخ الفكر العربي الإسلامي، التي تميل إلى جعله ميتاتاريخا منفصلا عن شبكة الإحداثيات المركّبة التي أدّت إلى تحقّقه و تكرّس تعاطيا لاتاريخيا مع هذا التاريخ، فيصير التاريخ المستعاد بما هو بنية مركّبة حاضرا منشودا وتختلط التعريفات في سياقاتها وحدودها. المستوى الثاني في العلاقة الرّاهنة مع الحاضر بما هو سياق تعريفيّ وفضاء للإبداع والتجاوز، حيث يكرّس الحضور الضاغط والمهيمن للماضي أو التاريخ فيه علاقة مأزومة مشدودة مغتربة بالذات الراهنة ممّا يعسّر من إمكانية الفكاك من أسر الماضي في تعريف الحاضر و تشكيله. ويصير الخصم المفترض هنا، وهو التنوير الغربيّ موجِّهًا لردود الفعل متحكِّمًا فيها بما يضعه من تحدّيات ويفرضه من إرادات الهيمنة، ممّا يجعل أفق الجواب منحسرا في ردود الأفعال، متّسمًا بالتبريريّة والذرائعيّة. يبقى  الخطاب المنتَجُ ضمن هذا السياق خطابا يوهم بالتأسيس، وقد يرفعه كهدف مُعلَن، غير أنّه يبقى دون القدرة على تحقيقه جدّيَّا، وهنا يكمن عقمُه البنيويّ.

أمّا الطرف الثاني فيُحِيل مباشرة إلى نموذج التّنوير في مسار تحققه التاريخي  في السياق الأوروبي منذ القرن السابع عشر ميلادي، ويغرف منه نازعا عنه تاريخانيّته بما هو نتاج فكريّ ضمن إحداثيّات و صيرورة تاريخية معيّنة ، لا يمكن التعاطي معها بطريقة استنساخية حتّي ضمن فضائها السياقي. فالتنوير كما تمّت مقاربته في القرون الثلاثة الأخيرة قبل القرن العشرين في السّياق الأوروبي، لا يعطي انطباعا مسطّحا بسيطا في تعريفه بل يُحيل إلى سيرورة جدليّة لا تخلو من نتوءات يتحقّق من خلالها التجاوز الذاتي. ويبدو بجلاء كيف أنّ ارتباط مفهوم التنوير منذ المراحل التأسيسية بمفهوم الأنسنة (2) كان ارتباطا وثيقا، حيث أنّ الانفصال عن المجال اللاّهوتي كمرجعية و كفضاء في عملية  بناء أنساق  معرفية مستندة إلى مرجعيات و مناهج العقل وحده، كان علامة فارقة ومؤشّرا حاسما لحركة الأنسنة وتطوّر مفهوم التنوير فيما بعد. فتحرّر العقل من سلطة و سلطان اللّاهوت و الانعتاق من ربقه، وبالتالي  قدرة العقل على وضع قواعده و تعريفاته بشكل متحرّر عن اللاّهوت،  كان محدّدا  هامّا لبلوغ هذا العقل رُشده المبتغىَ على قول فيلسوف التنوير إيمانويل كانط، فالتنوير عنده ليس إلاّ خروج الإنسان من حالة العجز والقصور (عدم الرشد) وتحقيقه للرّشد من خلال اعتماده على عقله وحده دون الخضوع لأقوال الآخرين (3) ويختصر المقصد الأقصى للتنوير في القدرة على التفكير بشكل ذاتي مستقلّ (4) وفي القدرة على الممارسة النقدية المتواصلة، فهو عنده متماثل مع النقد الذي يعني النقد الذاتي.  فالتنوير تميّز في سياقه الأوروبي على المستوى المفاهيمي في رفضه لسلطة اللاّهوت (5) وتأكيده على مطلب الانعتاق منها والخروج عليها.

أمّا علاقة التنوير في تمظهراته التاريخية بالآخر خارج السياق الأوروبي ، فهي علاقة لا تخلو من الوقوع في حالات تناقض بين التنوير من جهة كمفهوم نظريّ ونسق قيمي يُعْلِي من شأن الإنسان ويرفع من مقامه ويثبّت مطلب حرّيته كحقّ تكوينيّ له كإنسان لا يمكن إسقاطه عنه من أيّ سلطة مهما كانت. ومن جهة أخرى كممارسة تاريخية بدعوى نشر التنوير وذريعة تحضير شعوب وثقافات أخرى ونشر المدنية وقيمها، فكانت هنا الحركة الاستعمارية مع روافدها المسيحية التبشيرية والتنويرية التحضيرية خاصة في القارّتين الأمريكية والإفريقية ذات ملامح مغرقة في الإقصائية الإلغائية والدموية وإنكار وجود الآخر بقوّة الهيمنة وفتك السلاح وليس الحجّة و البرهان العقليّين.

ضمن هذا السياق كان التقاء العالم العربي في أواخر القرن الثامن عشر مع أحد تمظهرات التنوير من خلال النموذج الفرنسي لتحقّقه وذلك بعد الثورة الفرنسية، التي نادت بقيم التنوير وسيادة العقل، بأقلّ من عقد واحد في 1798م حيث هاجمت أساطيل نابوليون بونابرت ومدافعه سواحل فلسطين ونزلت جيوشه بمصر، وبعد أقلّ من أربعة عقود من نجاح ثورة العقل والتنادي بقيم الإخاء والمساواة والعدالة، قام نابوليون الثالث في عام 1830م باحتلال الجزائر احتلالا استيطانيّا دام 132 سنة حاول فيه منذ البدء طمس معالم الثقافة العربية الإسلامية وإلغاءها، فقام بتحويل أحد أعرق المساجد في الجزائر العاصمة مسجد كتشاوة إلى كاتدرائية تحمل اسم الرّئيس (ثمّ) الإمبراطور الفرنسي المتنوّر .

هذا التلاقي و التماسّ  الأوّل  بين السياق العربي من جهة وتمظهرات التنوير وإفرازاته التاريخية من جهة أخرى المتميّزة بنزعة هيمنة توسّعية وبالنظرة المركزية الأوروبية، جعلت حركة تنزيل  وتطبيق الأنماط العملية المعبّرة عن التنوير في السياق الأوروبي تفقد مصداقيتها الإقناعية والأخلاقية وتثير  لدى  المتلقّي العربي الحذر و الشكّ. إنّ  محاولات الاستنساخ لتمظهرات التنوير وتنزيلها في السياق العربي الإسلامي دون الأخذ بعين الاعتبار هذه المُسْبَقات التاريخية، يُعتبر في رأيي إصرارا على تكريس إفشال الرغبة في تحقيق التنوير كمشروع منتمٍ للسياق الحضاري والثقافي الاجتماعي العربي الإسلامي ومعبّر عنه، ويغذّى من حيث يدري أو لا يدري النزعات المعادية للتنوير تحت ذريعة الهوية المهدّدة. هذا الطرف الثاني يقود أيضا إلى تكريس خطاب يُحيل و يُؤكّد على استحالة تحقيق وتأسيس مفهوم للتّنوير ينتمي للسياق العربي الإسلامي ينبثق منه ويعبّر عنه.

إنّ المخرج من مأزق هذين الطرفين المهيمنان على فضاء تشكّل الخطاب في السياق العربي الإسلامي  يكمن في رأيي في الممارسة التنويرية في ذاتها أي في طرح سؤال التنوير و الإجابة المباشرة عنه بشكل ينبع و يتولّد من السياق التاريخي و الثقافي الحضاري لطرح التساؤل، فلنجب إذن عن سؤال ماهو التنوير بالنسبة لنا ضمن سياقنا؟

..........................

الهوامش:

1/ أسقطت من الأخذ بالاعتبار هنا طرفا ثالثا يتميز برفض التنوير كمفهوم و كخطاب فكري جملة و تفصيلا بشكل مسبق ويعتمد فهما تقليدويّا ماضويّا في التعاطي مع الهويّة وفي تعريف المفاهيم، سبب إسقاطي لهذا الطرف التقليدوي هو غياب الأرضية المشتركة لبناء حوار فكري معه يشترط القبول المبدئي بالاختلاف في وجهات النظر وطرق المقاربة دون استعمال سياط التكفير وممارسة الإلغاء للآخر المغاير.

2/ الأنسنة  أو الأنسنية أو الإنسانوية أو النزعة الإنسانية أو المذهب الإنسانوي يقابل في اللغات الأوروبية بمصطلح    Humanism

3/ أنظر مقالة كانط التي أصدرها في سنة 1784 في المجلّة الشهرية البرلينيّة  تحت عنوان: الإجابة عن سؤال ماهو التنوير؟.

„A u f k l aer u n g ist der Ausgang des Menschen aus seiner selbst verschuldeten Unmündigkeit. Unmündigkeit ist das Unvermoeِgen, sich seines Verstandes ohne Leitung eines anderen zu bedienen... Habe Muth dich deines eigenen Verstandes zu bedienen! ist also der Wahlspruch der Aufklaerung.“  Beantwortung der Frage: was ist Aufklaerung? Immanuel Kant; Berlinische Monatschrift. Dez. 1784

4.  „Die Maxime, jederzeit selbst zu denken, ist die Aufklaerung“ Immanuel Kant.

5/ اللاّهوت أو الثيولوجيا وهو التمظهر التاريخي المدرساني النسقي الممأسس للدين في سياقه الأوروبي وأجد أنّ الاستعمال والإسقاط المباشر لهذا المصطلح في السياق العربي الإسلامي يسبّب الكثير من سوء الفهم والإشكال والخلط المفاهيمي، حيث أنّ ما يقابلها في السياق العربي الإسلامي هو مصطلح أصول الدين أو مباحث العقيدة و يختلف هذا مع الإحالات المفاهيمية السيميائية والدلالية لمصطلح اللاهوت أو الإلاهيات، وتنبغي هنا الإشارة إلى التمايز المفهومي والتعريفي بين مصطلحي و مفهومي كلاّ من الدين واللاّهوت وعدم التماثل والتطابق بينهما  والتفصيل في هذا الأمر يحتاج بذاته مقالا آخر.

 

 

 3

هل هي نذر حرب إقليمية

أم التزام دولي بالدفاع

عن حقوق الشعب السوري؟

 

 

يبدو أن تطورات الأوضاع والمواجهة بين النظام السوري المستأسد على شعبه والجماهير المنتفضة المطالبة بالحقوق والحريات السياسية قد أخذت منعرجا نوعيا متزايدا، جعل منها تخرج عن كونها مجرد شأن سياسي سوري داخلي يمكن إدراجها ضمن تمظهرات حراك الربيع العربي في عدة أقطار عربية بمستويات مختلفة. لا يمكن إعفاء النظام السوري من تحمل مسؤوليته الكبيرة في زيادة تأزيم الأوضاع والسير بها في طريق مسدود من خلال إحكام قبضته الأمنية وكبت الحريات السياسية وتفويته الفرص المناسبة في السنوات الأخيرة للقيام بإصلاح سياسي حقيقي، إضافة إلى اعتماده أكثر فأكثر على ولاءات فئوية ضيقة تقوم على تحالفات عائلة الأسد تحديدا وبشكل مافيوزي بمن ارتبط بها بشبكة التحكم الاقتصادي والأمني الداخلي. إن النظام السوري هو في نهاية المطاف جزء من بنية الاستبداد والفساد في الحكم والسياسة على المستوى العربي، الأمر الذي يكاد يكون متأصلا تاريخيا وثقافيا ونفسيا بشكل يستعصي على الاستئصال لولا ما بثته فينا جميعا ثورات الربيع العربي من بارقة أمل بعد قنوط ويأس طال أمدهما عقودا بل قرونا طويلة. إن مراهنة النظام السوري على نجاحه بشكل كبير في سياسته الخارجية والإقليمية وإتقانه اللعب في سياسة شد الحبل والمناورة وحتى المواجهة والضغط بأقل الخسائر السياسية حينا وعقد الصفقات والتحالفات المربحة حينا آخر، كل ذلك سواء مع الأطراف الإقليمية مثل تركيا وإيران ولبنان والسعودية والفصائل الفلسطينية أو حتى مع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا والصين. يظهر أن المؤشرات والقرائن على انسداد الأفق في السياسة والعلاقات الإقليمية للنظام السوري ضمن سياق دولي  بدأت تتكثف بشكل متسارع وسببت إرباكا ومأزقا للسياسة الخارجية للنظام وتسويقه لها إعلاميا وشعبيا ورسميا، يظهر في فشل تعامله السياسي واحتوائه لمواقف دول الجوار الإقليمي خاصة تركيا والأردن البلدان اللذين تربطه بهما علاقات وحتى اتفاقات ومعاهدات استراتيجية باعتبار أنها تمثل لسوريا العمق الحيوي الهام جدا جغرافيا ولا يخلو من تقاطع ديمغرافي وفي الآن نفسه بوابة الخروج من العزلة والحصار نحو انفتاح واندماج متوسطي أوروبي وغربي، تجدر الإشارة هنا إلى الموافقة الأوروبية لقيام شراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي واتخاذ الخطوات في سبيل تطبيقها وتكريسها وماشهدته العلاقات السورية التركية من تطور نوعي وانفتاح كبيرين جدا في السنوات القلائل الأخيرة مع عدم التغافل عما تمثله وتحظى به تركيا من أهمية ووزن كبيرين كعضو في الناتو لا يمكن الاستغناء عنه إقليميا. إن التحولات الدراماتيكية في المواقف والعلاقات والتوجهات لهذه الأطراف الإقليمية والدولية المشار إليها أعلاه مقابل النظام السوري يغلب الاعتقاد فيها  أنه يمكن اعتبار أن شعرة معاوية الشهيرة قد انقطعت فعلا أو هي بصدد الانقطاع واقعا وأن طريق اللاعودة قد ولجت وأبواب الرجوع إلى الخلف قد أوصدت وجسور العودة لعلاقات طبيعية قد كسرت والأهم ما في الأمر أنها تنبئ أنها ليست مجرد تحولات مزاجية آنية في السياسات الخارجية أو أنها مجرد مناورات وبالونات اختبار ترسلها الأطراف الإقليمية والدولية، هذه التحولات تنبئ أيضا عن انكشاف النظام السوري عربيا وإقليميا ودوليا وفقدانه السند ماعدا نجاحه في المحافظة على قوة ومتانة العلاقة مع الحليف الإيراني الذي تربطه به حاجة حيوية متبادلة ووضعية إقليمية فيها الكثير من التقاطع والترابط وأيضا حصوله على الدعم الدبلوماسي الأممي خاصة لكل من الصين وروسيا. إن المؤشرات الراهنة والإشارات والتسريبات الإعلامية والسياسية تشير إلى اتجاه تصعيدي في المواقف الدولية والإقليمية ضد النظام السوري ستصل على الغالب على ما يبدو إلى مواجهة عسكرية إقليمية لن تبقى معها الخارطة في المنطقة على ما كانت عليه قبل ذلك. أطراف هذه المواجهة تتبدى من ناحية في حلف الناتو من خلال بوابة الجار التركي خاصة بعد نجاح تجربة دعم قوات الثوار في ليبيا والمساهمة بشكل رئيسي في إسقاط نظام العقيد. ويبدو أن تركيا التي أبدت تحفظات شديدة عند بداية الانتفاضة الشعبية في ليبيا وتدخل الناتو لدعمها عسكريا قد راجعت وتداركت ما صدر منها من زلة في الموقف وانخرطت كليا بشكل فاعل وريادي في الاستثمار في الربيع العربي سياسيا واقتصاديا وميدانيا، وتبدو تركيا من أكثر المتحمسين لإنزال عقوبات خارجية على النظام السوري ومستقبلا ستكون طرفا رئيسيا في حال اندلاع المواجهة الإقليمية كعضو في حلف الناتو. بالرغم من أن ساحة المواجهة المتوقعة ستكون سوريا في البدء إلا أن الإمكانية الشبه المتأكدة لدخول الحليف الإيراني إلى جانب حليفه السوري في هذه المواجهة قائمة بشكل قوي وذلك للمصالح الحيوية التي تهددها نتائج هذه المواجهة في حال الخسارة من خلال فقدان ثقل وحضور المقاومة اللبنانية كأحد توازنات الرعب والردع الاستراتيجي العسكري الإيراني أمام إسرائيل والغرب عموما وذلك إذا ما سقط الجسر السوري الذي يمد إليها وما ينتج عن كل ذلك من تغول المنافس التركي إقليميا وما يمثله من تهديد محتمل كامتداد لقوة الناتو الضاربة والمتاخمة لحدود إيران خاصة من خلال الدرع الصاروخي الأمريكي الذي وافقت تركيا أخيرا على إقامته على أراضيها. أما الطرف الآخر في هذه المواجهة الإقليمية فهو إسرائيل وذلك لعدة اعتبارات لعل أهمها المواجهة الفعلية للتهديد السوري اللبناني الإيراني من ناحية ومن ناحية أخرى التأكيد على الحضور العسكري المهيمن في المنطقة خاصة بعد ما منيت به إسرائيل عسكريا وسياسيا من فشل فيما قامت به من تدخلات واعتداءات في لبنان وغزة في السنوات الأخيرة. أرى كذلك أنه لا ينبغي إغفال أن نجاح قيام ديمقراطيات عربية كمحصلة لثورات الربيع العربي يفقد الدعاية الإسرائيلية مصداقيتها وبريقها في الترويج لنفسها وتقديم ذاتها للعالم وللرأي العام الغربي تحديدا كواحة الديمقراطية الوحيدة في الصحراء العربية القاحلة، هذا الاحتكار الإسرائيلي في ادعاء الديمقراطية هو مهدد حاليا في مصداقية وشرعية وجوده وبصدد السقوط أمام أمواج الثورات العربية المتلاطمة وتبدو هذه الدعاية الديمقراطية الإسرائيلية أنها في ذبول أمام تفتح أزهار وورود الربيع العربي وانتشار عبقها الفواح. من زاوية أخرى يمكن أيضا عند القراءة المتفحصة تبيان أزمة الكيان الصهيوني الذي بدأ يفقد أهمية دوره أمام تصاعد طموحات وحيوية تركيا  كحليف ذى ثقل مهم للغرب في المنطقة وعضو الناتو حيث يبدو أن تركيا تنافس إسرائيل في القيام بدور هيمنة وسيادة على المستوى الإقليمي يحفظ الاستقرار والمصالح للحلفاء الغربيين، إن الدور التركي يبدو هنا أكثر إغراءا للحلفاء الغربيين لأنه أقل تكلفة وأكثر قدرة على الأداء على مستوى من الجدوى العالية بحكم ما يتمتع به من قبول واندماج إقليمي متوسطي وعربي وإسلامي.

يبدو أن الطرف الوحيد الحاضر الغائب في هذه المواجهة المتوقعة هو الشعب السوري الذي لا يعدو من خلال تعقيدات وتداخلات هذه الحسابات الجيوسياسية أن يكون إلا الذريعة لأكثر من طرف لتبرير موقفه والجثة المقطعة الأشلاء التي سيتم العبور من خلال الدوس عليها إلى تحقيق مصالح كل طرف سواء مصالح النظام السوري في المحافظة على البقاء وحلفائه - مثل إيران والمقاومة اللبنانية - من خلاله على مصالحهم الحيوية أو الناتو من خلال تركيا أو إسرائيل بشكل أوضح وأكثر جلاءً. وإنه لمن الاستغباء محاولة الترويج للتدخل العسكري لقوات حلف الناتو خاصة بأن ذلك ذو طبيعة إنسانية وأهداف أخلاقية وقيمية بدرجة أولى دعما للحرية وحقوق الشعب السوري وتوقه للانعتاق بحق من ربقة الاستبداد وكسر أغلال الدكتاتورية المستأسدة الجاثمة على أنفاسه، إن الأولوية القصوى لمثل هذه القرارات هي حسابات وتوازنات المصالح بالنسبة للدول وكل الأطراف المشاركة من أحلاف إقليمية وعسكرية وغيرها أما الحريات والحقوق فهي لا تعدو أن تكون إلا الغلاف التسويقي المناسب فقط. إن القيام بمقارنة التجاهل الدولي المطبق للحراك الجماهيري الثوري في اليمن والاهتمام الدولي والأممي بليبيا سابقا وبسوريا حاضرا يكشف حقيقة توازنات المصالح لدول الغرب وتكتلاته ولا بأس أن لا تتعارض هذه التدخلات مع ظاهر وبعض أهداف وشعارات هذه الشعوب العربية المنكوبة، ولكن إنه لمن الغباء المزمن والعماء في البصيرة والعقل إذا اعتقد البعض أن حلف الناتو والدول الغربية من ورائه تحولت بقدرة قادر ما بين عشية وضحاها إلى مؤسسات خيرية تعيش صحوة ضمير تدفعها لخدمة الشعوب العربية المقهورة لتساعدها لتحقيق أحلامها في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية.

إذا كانت ثورة الشعب التونسي لنيل الحرية وتحقيق الكرامة قد نجحت بشكل مباغت وفي غفلة من القوى الدولية وحتى الأطراف السياسية الداخلية على الساحة التونسية فإن كل هذه الأطراف قد تعلمت الدرس  بسرعة فائقة وصارت تساهم بشكل فاعل ومؤثر في متغيرات الأوضاع وتوجيهها والبوصلة في ذلك هي المصالح دوما وليست القيم الأخلاقية والإنسانية السامية التي تتوق إليها الشعوب العربية في ثورات ربيعها المزهر بشكل متفاوت تفرضها علينا القراءة الواقعية للأحداث واستشرافها.

ختاما إني آمل بكل صدق من موقع إنساني وأخلاقي أن لا تـَصْدُق توقعات مثل هذه القراءة الاستشرافية للأوضاع ولكن تطور الأحداث وتداعياتها في سوريا وعلى مستوى إقليمي ودولي يرجح غلبة احتمال تحققها ويبقى احتمال تحقق حلمي الوردي ضعيفا بأن يتمكن الشعب السوري بسواعد أبنائه وصدورهم العارية وصرخاتهم المدوية من تحقيق إرادته في الحياة الحرة الكريمة ومغالبة الأقدار في ذلك إلى أن تستجيب له في النهاية، وأنا أتصور أن التداعيات الدراماتيكية على الساحة السياسية في العديد من الأقطار العربية وآثارها على المستوى الإقليمي والدولي تشير إلى مشارف بداية تشكلات جديدة سياسية واقتصادية مختلفة في مستوياتها ونسب نضج اكتمالها للعب أدوار مؤثرة ولكنها برغم مراحلها الجنينية أحيانا والغير ناضجة بشكل مكتمل أحيانا أخرى إلا أنها تكشف عن إرهاصات لتحولات عميقة وبنيوية غير مسبوقة في فضائنا العربي وعمقه الإسلامي ويبدو أن هذه العشرية الثانية من هذا القرن حبلى بها وتحملها إلى السطح لتضع حملها ولتبدو واضحة لكل ناظر ذي بصر وبصيرة وإن غدا لناظره لقريب.

 

 4

تونس بعد أول انتخابات ديمقراطية:

حزب ''النهضة'' الإسلامي

وتحديات الديمقراطية

يتوقع أن تكون للنجاح اللافت للأنظار في تنظيم أول انتخابات حرة وديمقراطية في تونس تأثيرات بالغة وتداعيات إيجابية مرتقبة في دعم مسار الدمقرطة في الوطن العربي ودحر شتاء قاس من الاستبداد دام عهودا طويلة وإحلال الربيع العربي محله. كما تعتبر نسبة المشاركة العالية والقياسية في الانتخابات إلى جانب النتائج التي أفضت إليها صناديق الاقتراع مؤشرا واضحا على اهتمام التونسيين والتزامهم الكبير بالمشاركة في بناء وصياغة الحياة والتركيبة السياسية لبلادهم من جديد.

أكثر الفائزين وضوحا في هذه الانتخابات هي الأحزاب السياسية التي كانت تمثل المعارضة الراديكالية والشديدة للنظام القديم وهي التي بنت برنامجها الانتخابي على القطيعة معه. إذن اختار التونسيون في غالبيتهم أن يمنحوا أصواتهم لمن يمثل نقيضا ونقضا للنظام السابق وهم بذلك يصوتون لصالح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع الاقتصادية التي تعتبر المطالب الأساسية لثورة الحرية في تونس. منح غالبية من الناخبين ثقتهم في المرتبة الأولى لحركة النهضة الإسلامية من أجل تحقيق هذه المطالب، ثم تأتي الأحزاب الليبرالية العلمانية ذات الميول اليسارية مثل المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة الدكتور المنصف المرزوقي والتكتل من أجل العمل والحريات برئاسة الدكتور مصطفى بن جعفر، وتجرى حركة النهضة المشاورات والمفاوضات الجدية مع هذين الحزبين السياسيين بدرجة أولى ومع بقية الأحزاب العلمانية الأخرى من أجل تشكيل حكومة ائتلافية موسعة ومستقرة.

سر فوز الأحزاب الإسلامية

ومع من أن فوز حزب النهضة الإسلامي في الانتخابات لم يكن في حد ذاته أمرا مفاجئا لكثير من التونسيين إلا أنه أثار انتباه المراقبين للشأن التونسي وحظي بالاهتمام الواسع في الداخل والخارج، وبالرغم من الشعور بالإحباط وعدم الرضا بالنتائج المتحققة فقد اعترفت كل الأحزاب والنخب العلمانية بنزاهة نتائج الانتخابات وكذلك بالفوز العريض الذي حققته حركة النهضة، الأمر الذي لم يسكت الجدل الدائر والذي لا يخلو من انفعالية واستقطاب شديدين حول الكفاءة والأهلية الديمقراطية للإسلاميين وللإسلام السياسي عموما. تحتل حركة النهضة ضمن سياق الحركات الإسلامية على مستوى عالمي موقعا رياديا تتميز فيه بالاعتدال والانفتاح مقارنة ببقية الحركات الإسلامية، إلا أن هذا الأمر لا ينفي تعدد وتنوع اتجاهات مناصريها حيث تضم في صفوفها مثقفين منفتحين ومحافظين وحتى سلفيين. في هذا المقام قد تساعد المراجعة المتأنية والمتتبعة للخطاب الإيديولوجي والسياسي لحركة النهضة من خلال الرجوع إلى بياناتها وأدبياتها وكتابات رموزها على مدى العقود الأخيرة لتحقيق قراءة ومقاربة أكثر توازن وعقلانية وأقل عصابية وانفعالية لهذه الإشكالية المطروحة.

ومن العوامل المؤثرة في مسيرة حركة النهضة هو اضطرار الكثير من أنصارها وكوادرها منذ مطلع تسعينات القرن الماضي للحياة والإقامة في المنفى في العديد من البلدان الأوروبية مما منحهم فرصة التعرف بشكل مباشر من خلال الممارسة والتجربة العملية على الأنماط الحياتية والبنى الحداثية الاجتماعية السياسية والثقافية الغربية. هذا العامل ساهم في تقديري في حصول تحولات في فكر حركة النهضة وساعد على القيام بمراجعات نقدية وتفكيك الصور والتصورات المتجذرة حول الديمقراطية والحداثة والعلمانية وغيرها من المفاهيم، حيث إن موقف الرفض القطعي للعلمانية أو اللائكية من منظور إسلامي صار عمليا في هذا السياق تغلب عليه النسبية وينظر إليه من زوايا وتعريفات متمايزة ومتعددة.

فهم العلمانية

يتميز الفهم السائد والمهيمن لدى النخب التونسية للعلمانية بالتأثر البالغ والواضح بخصوصية التاريخ الفرنسي وبنية الخطاب الثقافي الفرنسي المتعلق بقضايا الدين واللائكية ويكاد يكون قابلا للاختزال في هذا النموذج. تتجلى خصوصية التأثير الثقافي المفاهيمي الفرنسي بوضوح في صياغة مفهوم اللائكية وموقف النخب التونسية منه من خلال الإقصاء الراديكالي للديني ومظاهر التدين من الفضاء العام. مقابل هذا التصور للعلمانية بصيغته اللائكية الفرنسية أمكن للكثير من إسلاميي النهضة الوقوف مباشرة على تصورات ونماذج متعددة ومختلفة فيما بينها للعلمانية من خلال التجربة الحياتية العملية والدراسية في بلدان المنفى الأوروبي في بريطانيا وألمانيا والنمسا والبلدان الإسكندنافية وغيرها. هذا العامل مكن من مقاربة لقيم ومفاهيم الحداثة والديمقراطية والعلمانية في علاقتها بالإسلام كدين وثقافة بطريقة تحررت من التعاطي العصابي المنغلق الذي كان يغلب على مثل هذه النقاشات في الماضي.

بعد آخر منهجي في الفكر الديني لحركة النهضة ينبغي الالتفات إليه، وهو الأخذ بعين الاعتبار للسياق التاريخي عند شرح وتأويل ومقاربة النصوص الدينية من القرآن والحديث والتراث الفقهي والديني عموما، ويمكن إرجاع هذا البعد المنهجي إلى تراث وخطاب الإصلاح الديني المغاربي عموما والتونسي خصوصا وتاريخ حركة الإصلاح والتجديد منذ القرن التاسع عشر تحديدا. إن الاتجاه المقاصدي في التفسير والتأويل الذي يراعي المتغيرات السياقية والتاريخية للواقع ويأخذها بعين الاعتبار يقف على درجة التضاد والاختلاف مقابل قراءة للنصوص الدينية ذات صبغة سكونية يغلب عليها الجمود، حرفية ملتصقة بظاهر النص وتقليدية لا تتجاوز أقوال السلف تدعي مع ذلك أحقية إطلاقية ميتاتاريخية لهذا الفهم الخاص المتحقق للدين عموما.

جانب آخر من تاريخ حركة النهضة يسترعي الانتباه وينبغي الالتفات إليه ضمن هذا العرض وهو التغير الملاحظ بشكل جذري والتخلي عن موقفها تجاه المجتمع والشعب التونسي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي المتسم آنذاك بغلبة التوجه الدعوي التبشيري الذي يرمي إلى أسلمة للمجتمع وتغييره وفق تصورات وأفهام معينة لا تخلو من التشكيك في تدين التونسيين، أما الاستراتيجية الراهنة فهي تعتمد الاقتراب من المجتمع التونسي في مشاغله وهمومه عوض ممارسة التبشير عليه. إن التحدي الماثل في السياق التونسي الذي يواجه جميع الأطراف السياسية بما فيها الإسلاميين هو إدماج حركة النهضة في الحياة السياسية الديمقراطية وتكريس حالة من الوضع الطبيعي وليس الاستثنائي على المستوى السياسي. إن تجاوز هذا التحدي الخطير وتحقيق هذا الهدف يُعدّ سابقة أخرى في السياق التونسي والعربي عموما تضاف إلى سابقاتها وهي إسقاط الدكتاتور ونجاح تنظيم أول انتخابات حرة وديمقراطية. يعتبر نجاح هذه الخطوة مهما ومؤثرا جدا على مسار وصيرورة ثورة الحرية حيث أن تحولات وتغييرات بنيوية سيتوجب اتخاذها والبدء فيها، تقديم أفكار جديدة سيكون أمرا ضروريا وحيويا وقد بدأت نخبة جديدة سياسية ومثقفة بالبروز والتموقع ضمن السياق والمشهد الثقافي والسياسي الجديد في تونس.

تأثيرات العملية الديموقراطية

إن نجاح الديمقراطية في تونس كسابقة أولى يتعدى تأثيره المستقبلي حدود تونس ويتجاوزها إلى كامل العالم العربي. لقد كشفت كل من ثورة الحرية والانتخابات الديمقراطية الناجحة في تونس خطأ الرأي ووزيف الادعاء القائل أن العالم العربي والإسلامي غير قابل للديمقراطية ومعاد للحرية كما أسقطت النظريات والتصورات التي راجت لعقود والتي نظّرت لصراع الثقافات ونهاية التاريخ حيث أن التاريخ بدأ هنا يُخَط ويُصنع من جديد. إن ملامح تحولات بنيوية وتغييرات أساسية في الجهاز المفاهيمي يمكن رصدها في سياق الربيع العربي بينما لا يمكن رصد أي تحول أو تغيير في النظرة والتصور الغربي في السياق الإعلامي والسياسي والثقافي للعالم العربي الإسلامي بالرغم من أن هذا الأمر يعتبر منهجيا مطلوبا وضرورة ملحة حيث إن الممارسة النقدية الذاتية لهذه النظرة الغربية السائدة وأشكال الخطاب المهيمن والصور الخاطئة التي لعبت دورا مؤثرا سلبيا في الفهم والإدراك ينبغي طرحها والبدء فيها.

إن التعاطي مع ظاهرة الإسلام السياسي من خلال حركة النهضة مثلا وتصويرها بشكل سكوني يعبر عن خلل وخطأ في إدراك هذه الظاهرة التي تتسم واقعا بالديناميكية وينبغي تحليلها بشكل متوازن ودون تحامل. إنه من المطلوب في تقديري طرح صورة ونوعية حضور العالم العربي الإسلامي في الخطاب الغربي للتساؤل والإشكال والقيام بتفكيكها حيث أنه يبدو أن تداعيات وتأثيرات الربيع العربي لن تقف عند حدود أقطار العالم العربي فقط، إذ إن مطالب الحرية والكرامة والاحترام والعدالة الاجتماعية يتطلع إليها كل الناس في كل العالم.

.................................

قنطرة 2011

 

 

 

كتابات أخرى

jamal@jusur.net  راسلوني

 

 

عودة إلى المدخل