حدث الصفحة

 

هنا النمسا  /  من نحن

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

اكتشاف الهوية الجديدة

 

 

تكررت أمامي في أكثر من مناسبة، مواقف تردّدت فيها جملة بصيغ عديدة، جملة يكررها عرب (رجالا و نساء) يقيمون ويعيشون منذ سنوات، وأحيانا كثيرة منذ عدّة عقود في بلاد المهجر (خاصة في أوروبا) حيث استقرّوا وأنجبوا فيها البنين والبنات ويقومون على تربيتهم، هذه الجملة التي حيّرتني في البداية، في فهم مقصود (وليس بالضرورة منطوق) قائلها والحالة التي تدفعه إلى هذا القول، مفادها: هنا فقط اكتشفت أنّني مسلم أو مسلمة، أنّني شيعي أو شيعية، أنّني سنّيّ أو سنّيّة ، أنّني مسيحيّ أو مسيحيّة، أنّني و أنني... ما أثارني في هذه الجملة التقريرية، هو الربط الواضح ما بين المكان والفعل والنتيجة. في الحقيقة إنّ الكثيرين من المصرّحين بمثل هذا المقال هم في غالب الأحيان من القادمين من مجتمعات عربية تعددية، متنوّعة الأديان والإثنيات، وهم في الغالب تجدهم يُثنون ويتذكّرون بإيجابيّة (تبدو لي أحيانا مبالغا فيها) على ما كانوا يعيشون فيه من وئام وتعايش اجتماعي على اختلاف مللهم ومرجعياتهم الدينية والمذهبية، وهذا أمر أعتقد أنّه في الغالب صحيح، إذ أنّ التركيبة الفسيفسائية التعددية والمتنوّعة لمجتمعات المشرق العربي خاصة، هي متأصّلة وقديمة قدم نشوء هذه المجتمعات، وواقع الحال أنّها ما زالت هكذا إلى يومنا هذا، فإنّه يشهد لهذه الشعوب على قدرتها على التعايش على الرغم من الاختلاف فيما بينها اختلافا لم يمنعها من تشكيل هويّة جمعيّة مشتركة ظلّ الاختلاف المذهبي والإثني داخلها أمرا طبيعيا، ولم يكن أبدا عاملا يحاول التفرّد بتعريف الهويّة تعريفا حصريّا ماهويّا نقيّا مطهّرا من الشوائب الأخرى المجاورة له. هذا الأمر كان و مازال هو السائد على مستوى اجتماعي تاريخي منذ القدم. إنّ الاكتشاف الجديد للهوية والذي يصل إليه البعض أحيانا بشكل فجائيّ، بعد سنين من الغربة والاغتراب، في المكان والثقافة والذات الجماعية، يعبّر عن الرغبة في تقمّص شكل وجود وتبنّ لهويّة، مرتبط بواقع الغربة والهجرة والعلاقات السائدة فيه الذي يعيشه المغترب أكثر من ارتباطه بالبلد الأصلي. هو على الأغلب سعي للتعبير عن موقف تجاه مجتمع الهجرة الذي تتّسم العلاقة معه بالتوتّر وعدم القبول المتبادل، وهو سعي لتحقيق هويّة عجزت عن نيل الاعتراف اللاّئق والمطلوب وبقيت تحمل داخلها إحساسا متزايدا بالغُبن والتجاهل من طرف مجتمع الهجرة. إنّ التقمّص لهويّة جديدة على هذه الصورة يمنح الإحساس بولادة جديدة على درجة من الطُّهر والتطهُّر والنقاء والصفاء مقابل واقع نجس شديد التعقيد يرفض أن ينصاع للفهم البسيط، والإدراك السطحي له ويسبب دوما الإحساس بالنقص وبالعجز تجاهه، وتمنح هذه الهوية الجديدة صاحبها فرصة اقتناص معنى أرقى لوجوده يوفّر له إحساسا ولو ذاتيّا بالتفوّق وبالأفضليّة حتى و لو كان الواقع الموضوعي على خلاف ذلك.

فاللاّفت للنظر أنّ الكثيرين ممّن كانوا في مجتمعاتهم غيرمتديّنين مثلا أو من ذوي التديّن العادي الشعائري الغير مبالغ فيه يتحوّلون في مجتمع الهجرة بعد سنوات من الغربة والاغتراب إلى متديّنين شديدي التديّن بل ومغالين فيه بحيث يصير الدين لديهم الحامل الأوّل بشكل طاغٍ  بل الوحيد أحيانا للهويّة المكتشفة الجديدة، ويلعب التديّن هنا دورا بالغ الأهمية في التعبير عن الهوية الاجتماعية والتموضع داخل فئة المتدينين على هذه الشاكلة التي يتحقق فيها الانتماء الجديد بعد تعذر تحقق الانتماء للمجتمع الكبير. إلى هذا الحدّ يمكن اعتبار هذه الظاهرة إحدى تداعيات تجربة الهجرة والاغتراب في المجتمعات الأوروبية والتي تعود أيضا إلى سياسات الهجرة والاندماج المتبعة فيها. وتزداد الأمور تعقيدا عندما يحاول هذا المغترب المتقمّص للهوية الجديدة المكتشف لها حسب قوله تقديم تفسيرات وقراءات لواقع مجتمعه الأصلي، المنقطع عنه حسب تشكّل هويّته الجديد، فيسقط على ذلك تجربته الذاتية التي هي نتاج صيرورة هجرة واغتراب مشحونة بتجارب ومشاعر لا تخلو من التوتّر وحتى التناقض أحيانا. فتصير الهويّة الجديدة الضيقة هي منظار التحليل والتقييم لمجريات الأحداث ويصبح أن تكون مسيحيّا، مسلما، سنّيا، شيعيّا، علويّا، آشوريّا، كلدانيّا... عاملا حاسما في اتخاذ موقف سياسي أو في تقديم تحليل لأوضاع اقتصادية، اجتماعية، ثقافية تاريخية وحتى نفسية شديدة التعقيد. الخطير في الأمر على ما يبدو أنّ هناك من يحاول أن يراهن على تشكّلات خطاب ومحاولات سياسية على هذه الصفة المكرّسة للوعي الأقلّياتي الطائفي، الذي هو في الحقيقة نتاج مجتمع الغيتو والاغتراب في أوروبا لتسويقها في بلدان المشرق العربي خاصة فيجد نفسه يعاني اغترابا مضاعفا في كلا الواقعين.

إنّ تجربة ما يسمّى بنقل من كانوا سابقا روّاد نوادي ومقاهي المهاجرين في الشتات الأوروبي، إلى كراسي السلطة من خلال المثال العراقي، قد جعلت البعض يبذل قصارى الجهد لاستنساخ هذا الجزء من التجربة العراقية، ففتحت شهياتهم لذلك وأغرقت خيالاتهم في تصوّر وتصوير ما يمكن أن يكون، فيما لو كان لهم ما يشاؤون، سواء في قراءة الواقع أو توقّع المستقبل. إن سماسرة ومسوّقي الأسهم في بورصات الأطروحات الطائفية والديماغوجية الضيقة والقصيرة النظر، يبحثون جاهدين عن المتلقّفين لما يعرضونه من مشاريع في ظاهرها الخلاص وفي باطنها العذاب.

 

 

 

jamal@jusur.net

 

حول الزندقة

 والإلحاد

في تاريخ

الخلافة الإسلامية

محمد يوسف*

فتك أبو جعفر المنصور بأبي مسلم الخرساني الذي كان له أعظم الفضل في أن كسب خرسان إلى جانب بني العباس؛ فمنذ أن كان أبو جعفر المنصور ولياً للعهد في أيام أخيه أبي العباس السفاح، كان بين أبي جعفر وأبي مسلم كراهية وازدراء. فقتله بعد أن اصبح خليفة بعد موت أخيه السفاح.

ارتكزت الدولة العباسية على تأييد جبهة فارسية في خراسان يقودها أبو مسلم ولكن الحكم العباسي انقلب على مؤيده أبي مسلم فقتله، مما نتج عنه صراع سياسي بعيدا عن العقلانية وقد أشار اليه د. زكى نجيب محمود (1) في كتابه: المعقول والامعقول ـ في تراثنا الفكري باللامعقول. ردود الفعل من الفرس لقتل الخرساني كانت مقاومة ثقافية من باب المعارف العقلية العلمية وأخرى، الوجه اللامعقول وكانت تأليه أبي مسلم وأن روحه صعدت إلى السماء ليعود مرة أخرى. ثم ظهر سنباد متمرداً مطالباً بدم الخرساني وتبعه كثيرون من المجوس. وهزم سنباد أمام جيش الخليفة. وثورة سنباد تلتها ثورة من أهل خراسان تعرف باسم الراوندية يدعون إلى عقائدهم الأولى والردة إلى ديانات الفرس فيما قبل الإسلام. وكان الساسة من المسلمين قضت حكمتهم أن يعاملوا أتباع المجوسية أو الزرادشتية (2) في بلاد الفرس مثل أهل الكتاب وإن كثيرون من الفرس آثروا اعتناق الإسلام ولكن ظاهراً وأحيوا عقائدهم الأولى باطناً. عندما دخل الإسلام بلاد فارس كان هناك إلى جانب الديانة الزرادشتية ديانتان هما المانوية والمزدكية. وأما المانوية (3) كما جاء فى كتاب الحيوان تأليف أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحِظ:" المانِيةُ: أتباع مانى (ولد 216 ميلادية ومات 276)، متنبئ زعم أنه الفارقليط الذى بشر به عيسى عليه السلام واستخرج مذهبه من المجوسية والنصرانية، وكان يقول: إن مبدأ العالم من كونين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما فى صراع مستمر لا ينتهى إلا بانتهاء الدنيا. وفرض على أتباعه صلوات معينة وصوما رسمه لهم. وقتل مانى في مملكة بهرام بن سابور، وأتباعه يزعمون أنه ارتفع إلى جنان النور. وكان ملوك الفرس يطاردون أتباعه، فلما انتثر أمر الفرس وقوى أمر العرب، وجدوا لديهم سعة صدر، فنزحوا إليهم فى أيام بنى أمية، فإن خالد بن عبد الله القسرى كان يعنى بهم، وكان يرمى بالزندقة. حتى كانت أيام المقتدر فإنهم جلوا إلى خرسان." وأضاف "أن المنانيَّةَ تزعَمُ أنَّ العالَمَ بما فيه، من عشرةِ أجناس: خمسة منها خيرٌ ونورٌ، وخمسةٌ منها شرٌ وظلمَة. وكلُّها حاسَّةٌ وَحارَّة. وأنَّ الإنسانَ مركَّبٌ مِنْ جميعِها على قدْر ما يكونُ في كلِّ إنسان من رُجْحانِ أجناس الخَيرِ على أجْنَاس الشَّر ، ورُجْحان أجْنَاس الشَّرِّ على أجناسِ الخير. وأنَّ الإنسانَ وإن كان ذا حَواسَّ خمسةٍ، فإنَّ في كلِّ حاسّة متوناً من ضدِّه من الأجْناس ألخمسة. فمتى نَظَرَ الإنسانُ نظْرَةَ رحمة فتلك النَّظْرَة من النَّور، ومن الخير. ومتى نَظر نظْرَةَ وعيدٍ، فتلك النَّظْرَةُ من الظلمة. وكذلك جميع الحواسِّ. وأنَّ حاسَّة السَّمعِ جنسٌ على حِدَةٍ، وأن الذى فى حاسَّة البصر من الخير والنَّور، لا يعين الذى فى حاسَّة السَّمع من الخيرِ ولكنه لا يضادُّهُ ولا يُفاسدهُ، ولا يمنعه. فهو لا يعينه لكان الخِلاف والجِنس، ولا يعين عليه، لأنَّهُ ليس ضِدًّا. وأنَّ أجناس الشَّرِّ خلافٌ لأجناس الشَّرِّ، ضِدٌّ لأجناس الخير. وأجناسَ الخيرِ يخالفُ بعضها بَعْضاً ولا يضادُّ. وأن التَّعاون والتآدى لا يقعُ بين مختلِفِها، ولا بين متضادِّها، وإنما يَقعُ بين متفقها." وأما المزدكية فتنسب إلى مزدك وهي ذات شقين، شق ديني يكمل ما قال بهم اني من تنافس بين النور والظلمة ويجعل النصر للنور، والشق الثانى يبيح شيوعية النساء والمال.

يعتقد البعض أن أصل كلمة زنديق هي الكلمة الفارسية زنده کَرْد التي تعني إبطان الكفر والإلحاد وعليه فإن البعض يعرف الزندقة بالشخص الذي يعتقد الكفر ويُظهره كلما سنحت له الفرصة ولكن إذا اكتشف أمره فإنه لا يمانع أن ينكر إلحاده وهو بهذا يختلف عن المنافق الذي وحسب تعريف المسلمين هو شخص يستتر بكفره في باطنه بينه وبين نفسه. وهناك عند البعض تقارب بين الزنديق والمنافق فيعرف البعض الزنديق تعريفاً مشابهاً للمنافق ومنهم ابن تيمية (4) الذي قام بتعريف الزنديق بأنه "المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر" ويعرف البعض الآخر الزندقة كصفة فارسية معناها متتبع الزند أي الشروح القديمة للأفستا وهو كتاب زرادشت مؤسس الديانة الزرادشتية.

كبار الزنادقة:

استنادا إلى كتاب الفهرست لابن النديم فإن من أنواع الزنادقة طائفة المانويون الذين كانوا يؤمنون بالمانوية إيمانا صادقا وطائفة المتكلمين ويقصد بهم المشككين الذين كانوا يخوضون المناقشات الدينية ومنهم صالح بن عبد القدوس وأبو عيسى الوراق ونعمان بن أبي العوجا وطائفة الأدباء ومنهم بشار بن برد.

ولبشار بن برد قصيدة مشهورة يجعل تعريف الزندقة قريبا من الزرادشتية يقول: فيها:

إبليسُ أفضلُ من أبيكم آدم فتبينوا يا معشر الفجار

النارُ عنصره وآدم طينة والطين لا يسمو سمو النارِ

وفى قصيدة أخرى:

وإنني في الصلاة أحضرها ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا

أقعدُ في الصلاة إذا ركعوا وارفع الرأس إن هم سجدوا

ولستُ أدري إذا إمامهم سلم كم كان ذلك العددُ

وذكر عبد الرحمن بدوى فى كتابه تاريخ الإلحاد في الإسلام "كان الزنادقة يتواجدون في أماكن عديدة مثل بغداد وحلب ومكة والبصرة والكوفة وكان أشهر ما يوجه إليهم من التهم هو ترك الفرائض الإسلامية مثل الصوم والصلاة والحج أو الإدعاء بأنهم يستطيعون أن يكتبوا نصوصا أحسن من القرآن".

ابن الراوندي:

يعتبر أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي والمشهور بابن الراوندي من الشخصيات المثيرة والجريئة والذي مر بمراحل عقائدية مختلفة بدءا من موطنه، قرية راوند الواقعة في إيران وطلبه العلم في مدينة الري وتأليفه لكتابي "الابتداء والإعادة" و"الأسماء والأحكام" اللذان كانا يمثلان فترة الإيمان الإسلامي العميق لابن الراوندي ولكنه سرعان مابدأ رحلته في التشكيك في عقيدة التوحيد وفي يوم المعاد وفي العدل وصفات الله والانتقادات الموجهة إلى الشريعة الإسلامية والفرائض وإنكار وجود الله وأزلية العالم وهناك جدل حول عمره عند وفاته حيث تشير بعض المصادر إنه كان يبلغ 36 أو 40 عاما عند وفاته في حين تشير مصادر أخرى إنه بلغ 80 سنة من العمر.

ومن كتب ابن الراوندي كتاب "التاج" وكتاب "عبث الحكمة" الذي طعن فيه على مذهب التوحيد وتحدث عن الوثنية وكتاب "الدامق" الذي عارض فيه القرآن، وكتاب "الفرند" الذي انتقد فيه بعث الرسل ورسالة الأنبياء وكتاب "الطبايع" وكتاب "الزمرد" وكتاب "الإمامة". التي يطعن فيه على المهاجرين والأنصار باختيارهم الخليفة بعد الرسول ويزعم حسب تعبيره "أن النبي محمد استخلف عليهم رجلاً بعينه (ويعني علي بن أبي طالب)، وأمرهم أن يقدموه، ولا يتقدموا عليه، وأن يطيعوه ولا يعصوه، فأجمعوا جميعاً إلا نفراً يسيراً، خمسة أو ستة، على أن يزيلوا ذلك الرجل عن الموضع الذي وضعه في رسول الله استخفافاً منهم بأمر رسول الله، وتعهداً منهم لمعصيته". يعتبر كتاب الزمرد لابن الراوندي من قبل البعض قمة ماكتب في الفكر الإلحادي في عهد العباسيين ويمكن تلخيص بعض المناقشات والتشكيكات التي طرحها ابن الراوندي بالنقاط التالية:

• سبب تفضيل اللغة العربية على غيرها من اللغات.

• نقد لشعائر إسلامية ووصف الحج والطواف ورجم الشيطان شبيهة بعادات وثنية وطقوس هندوسية وإنها كانت تمارس من قبل العرب في الجاهلية.

• سبب عدم قدوم الملائكة لمعونة المسلمين يوم معركة أحد.

• اعتبار غزوات الرسول محمد(ص) سلبا ونهبا.

• تهكم من وصف الجنة فحسب ابن الراوندي "فيها حليب لا يكاد يشتهيه إلا الجائع والزنجبيل الذي ليس من لذيذ الأشربة والإستبرق الذي هو الغليظ من الديباج".

• أن الذي يأتي به الرسول إما يكون معقولا أو لا يكون معقولا فإن كان معقولا فقد كفانا العقل بإدراكه فلا حاجة لرسول وإن كان غير معقول فلا يكون مقبولا.

• نقد للقرآن من ناحية كونه فريدا حيث كان ابن الراوندي مقتنعا حسب رأيه بأن القرآن ليس فريدا ويمكن كتابة نص أحسن منه وإن عدم مقدرة أحد على محاكاة القرآن يرجع إلى انشغال العرب بالقتال.

ويمكن تلخيص بعض من آراء ابن الراوندي بما يلي:

ـ ليس بواجب على الله أن يرسل الرسل أو يبعث أحداً من خلقه ليكون نبيه ويرشد الناس إلى الصواب والرشد، لأن في قدرة الله وعلمه أن يجعل الإنسان يرقى ويمضي إلى رشده وصلاحه بطبعه.

ـ إن تصورات الإنسان عن الخالق والمبدأ محاطة بالأوهام والأساطير، لأن فكر الإنسان يعجز عن إدراك الخالق أو معرفة أوصافه.

ـ أن سر الموت لا سبيل إلى معرفته، فالإنسان منذ ما خلق وهو يبحث عن سر الموت لكي يحول دون وقوعه، فأخفق حتى الآن في هذا السعي، وقد لا يوفق في الاهتداء إلى سره إلى الأبد والناس جميعاً لا يعلمون كيف يموتون، ولو جرب الإنسان الموت ما أدركه أو عرفه حق المعرفة، وإن معاينة موت الآخرين لا تعلم الإنسان شيئاً عن أسرار الموت.

ـ كون "الإنسان عاجزاً عن إقناع نفسه بأنه سيموت، وبأنه سينعدم من هذا الوجود، فلدى الإنسان شعور بأنه لن يموت أبداً، وأنه حين يثوي في قبره سيعيش ويبقى حياً، وإن يكن ذلك بطريقة أخرى وبنشأة تختلف عما كان عليه في هذه الدنيا".

ـ إن الملائكة الذين أنزلهم الله يوم معركة بدر كانوا "مفلولي الشوكة وقليلي البطش" فلم يقتلوا أكثر من 70 رجلا ولم ينزل أي ملاك يوم معركة أحد عندما "توارى النبي بين القتلى فزعا".

ـ الطواف حول الكعبة لا يختلف عن الطواف عن غيره من البيوت.

ابن المقفع وتهمة الزندقة:

ولد عبد الله بن المبارك الملقب بابن المقفع في عام 106 للهجرة في خرسان وكان مطلعا على الثقافة الفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى فصاحة بيانه العربي. يعتبر كتاب "كليلة ودمنة" وسوف نتناوله لاحقا. الكتاب هندي الأصل، صنَّفه البراهما وكان يسمى قبل أن يترجم إلى اللغة العربية باسم الفصول الخمسة وهي مجموعة قصص رمزية ذات طابع يرتبط بالحكمة والأخلاق يرجح أنها تعود لأصول هندية مكتوب بالسنكسريتية وهي قصة الفيلسوف بيدبا. ويقال أن ابن المقفع أخذه من الفارسية وأُدرج فيه بابٌ جديد تحت عنوان (الفحص عن أمر دمنة)، وأُلحق به أربعةُ فصولٍ لم ترِدْ في النصّ الفارسي.  يعتقد البعض إن تهمة الزندقة وجهت إليه كجزء من الخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية ولكن البعض الآخر يرى في بعض من كتاباته وبالأخص في باب برزويه من كتاب كليلة ودمنة مؤشرات على الإلحاد حيث يقول "وجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين مكرهين عليها وآخرون يبتغون بها الدنيا ومنزلتها، فرأيت أن أواظب علماء كل ملة لعلي أعرف بذلك الحق من الباطل ففعلت ذلك وسألت ونظرت فلم أجد من أولئك أحدا إلا يزيد في مدح دينه وذم دين من خالفه ولم أجد عند أحد منهم عدلا وصدقا يعرفها ذو العقل ويرضى بها".

استنادا إلى كتاب "المعلمين" للجاحظ الذي يصف ابن المقفع كالتالي: "قد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم فيظن بنفسه عند ذلك كالذي إعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعروض إن إدعى العلم بالكلام وأوزان الأغاني فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه إلا بخذلان الله تعالى". يوجد في كتاب التوحيد لابن بابويه القمي رواية منسوبة إلى ابن المقفع مفاده أنه قال يوما إن الذين يطوفون حول الكعبة هم "رعاع وبهائم".

................

كتاب "كليلة ودمنة":

ذكرنا سابقا، أن عبد الله بن المبارك الملقب بابن المقفع، كان مطلعا على الثقافة الفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى فصاحة بيانه العربي. كتاب "كليلة ودمنة" كتاب هندي الأصل، صنَّفه البراهما وكان يسمى قبل أن يترجم إلى اللغة العربية باسم الفصول الخمسة وهي مجموعة قصص رمزية ذات طابع يرتبط بالحكمة والأخلاق يرجح أنها تعود لأصول هندية مكتوب بالسنكسريتية (لغة قديمة في الهند وهي لغة طقوسية للهندوسية، والبوذية، والجانية). وهي قصة الفيلسوف بيدبا. ويقال أن ابن المقفع أخذه من الفارسية وأُدرج فيه بابٌ جديد تحت عنوان (الفحص عن أمر دمنة)، وأُلحق به أربعةُ فصولٍ لم ترِدْ في النصّ الفارسي. يعتقد البعض إن تهمة الزندقة وجهت إليه كجزء من الخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية ولكن البعض الآخر يرى في بعض من كتاباته وبالأخص في باب برزويه من كتاب كليلة ودمنة مؤشرات على الإلحاد حيث يقول "وجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين مكرهين عليها وآخرون يبتغون بها الدنيا ومنزلتها، فرأيت أن أواظب علماء كل ملة لعلي أعرف بذلك الحق من الباطل ففعلت ذلك وسألت ونظرت فلم أجد من أولئك أحدا إلا يزيد في مدح دينه وذم دين من خالفه ولم أجد عند أحد منهم عدلا وصدقا يعرفها ذو العقل ويرضى بها".

ويُجمع الباحثون على أن الكتاب هندي الأصل، صنَّفه البراهما وِشنو باللغة السنسكريتيّة في أواخر القرن الرابع الميلاديّ، وأسماه بنجا تنترا، أي الأبواب الخمسة. ويُقال إنّ ملك الفرس كسرَي آنوشروان (531-579م) لما بلغه أمرُه أراد الاطّلاع عليه للاستعانة به في تدبير شؤون رعيّته، فأمر بترجمته إلي اللغة الفهلويّة ـ وهي اللغة الفارسية القديمة، واختار لهذه المهمة طبيبه برزويه لما عرف عنه من علمٍ ودهاء. إلّا أنّ برزويه لم يكْتفِ بنقل بنجا تنترا، بل أضاف إليه حكايات هندية أخرى، أخذ بعضها من كتاب مهاباراتا المشهور، وصَدّر ترجمته بمقدّمة تتضمّن سيرته وقصّة رحلته إلي الهند. وفي مُنتصف القرن الثامن الميلادي، نُقل الكتاب في العراق من الفهلوية إلي العربية، وأُدرج فيه بابٌ جديد تحت عنوان (الفحص عن أمر دمنة)، وأُلحقت به أربعةُ فصولٍ لم ترِدْ في النصّ الفارسي، وكان ذلك علي يد أديب هو عبد الله بن المقفَّع.

كتاب كليلة ودمنة حافل بخرافات الحيوان لا يكاد يخلو منها باب من أبوابه حتى أبواب المقدمات وكل باب يحتوي على خرافة طويلة تتداخل فيها خرافات قصيرة تتفاوت طولا ترد في معارض استشهاد الشخصيات بها في محاوراتهم وتتداخل مع بعضها البعض أحيانا كما يتميز هذا الكتاب بأن أبوابه منتظمة على النحو التالي، يبدأ دبشليم بقوله للفيلسوف بيدبا: عرفت هذا المثل ويشير إلى ما سبق في الباب الذي قيله أو بالقول: عرفت مثل فأضرب لي مثل فيعرض بيدبا ما يشبه العنوان المشروح المشوق لمعرفة المضمون ثم يسكت فيسارع دبشليم إلى السؤال: وكيف كان ذلك؟ وهنا يبدأ الفيلسوف مستهلا بالقول: زعموا ثم يبدأ في السرد.

كتاب كليلة ودمنة هو كتاب هادف فهو ليس مجرد سرد لحكايات تشتمل على خرافات حيوانية بل هو كتاب يهدف إلى النصح الخلقي والإصلاح الاجتماعي والتوجيه السياسي فباب الفحص عن أمر دمنة يتناول موضوع عبثية محاولات المجرم للتهرب من وجه العدالة وأنه لا بد أن ينال قصاصه العادل كما يتناول هذا الباب واجبات السلطة القضائية وباب الحمامة المطوقة الذي يدعو إلى التعاون وباب الأسد والثور يكشف عن خفايا السياسة الداخلية في الدولة وصراع السياسيين وتنافسهم ويقدم باب ايلاذ وبلاذ وايراخت توجيهات في أصول الحكم ويتناول باب البوم والغربان وباب الجرذ والسنور السياسة الخارجية ويقدم التوجيهات في هذا المجال وتقدم أبواب القرد والغيلم، الناسك وابن عرس، الأسد وابن آوى، اللبؤة والأسوار والشغبر، الناسك والضيف، الحمامة والثعلب ومالك الحزين عظات أخلاقية فردية متنوعة المواضيع.

من نفائس الأدب العالمي الخالدة. وقد سمي بعنوان أحد قصصه الهادفة في مجموعها للوصول إلى مطلب واحد هو إصلاح الملك الظالم، كغيره من الكتب التي كتبت على منواله. وهو يمهد للقصة بحكمة، ثم يجعل القصة تفسيراً لهذه الحكمة. كقوله: «إن الذي يعمل بالشبهة يكون قد صدق ما ينبغي أن يشك فيه... كالمرأة التي بذلت نفسها لعبدها حتى فضحها». وفكرة الكتاب قائمة على الحوار بين الفيلسوف بيدبا والملك دبشليم في سياق القصة الرئيسية التي انتظمت الكتاب والملخصة في عزم الفيلسوف الصابر على التصدي للحاكم الظالم وحماقاته، حتى نجح في تحقيق هدفه النبيل. وافتتحه بقصة برزويه الطيب الذي كان له الفضل في نسخ هذه القصة من إحدى خزائن ملوك الهند. ومهما قيل عن أصل القصة الهندي، وترجمتها الفارسية، فإن طابع الثقافة العربية ظاهر فيها، خاصة في باب الفحص عن أمر دمنة الذي أضافه عبد اللّه بن المقفع إلى الكتاب الأصلي قصد الإشارة إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة ومجدا للقارئ العربي الإسلامي. بل إن الأصل الهندي قد ضاع، وظلت الترجمة العربية هي المعول عليها في هذا الأثر النفيس كما يقول المرحوم عبد الوهاب عزام في مقدمة نشرته للكتاب معتمداً نسخة مكتبة آيا صوفيا، وقد كتبت عام 618ه‍. ويفصل ابن المقفع هدفه من هذه الترجمة تحت عنوان (غرض الكتاب) بأنه قصد به استمالة قلوب الملوك وأهل الهزل من الشبان، ليكثر انتساخه، ولا يبطل على مرور الأيام. ويدعو طالب الحكمة إلى إدامة النظر فيه، والتماس جواهر معانيه (ولا يظن أن مغزاه هو الإخبار عن حيلة بهيمتين، أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود). وقد حذا حذوه كثيرون، لم تلق أعمالهم صدى يذكر. كترجمة عبد الله بن الأهواني، ومنظومة أبان بن عبد المجيد بن لاحق، الذي نظم كليلة ودمنة في 14 ألف بيت، وصلتنا قطعة منها في كتاب الأوراق للصولي، وحاكاه في ذلك شعراء آخرون، منهم: علي بن داوود وبشر بن المعتمر، وأبو المكارمأسعد بن خاطر. وقام بترجمتها إلى العبرية عليزار بن يعقوب (ت1232م) وهي غير ترجمة الحاخام يوئيل. وفي (بيروت 1964) أعاد إلياس خليل زاخر نشرة الكتاب معتمدا على نسخة أياصوفيا ونسخة مكتبة دير البشير بسوق الغرب، وقد كتبت عام 739ه‍ ومخطوطة نوري الكيلاني (حماة) المكتوبة عام 1200ه‍ ونسخة خليل اليازجي المعروفة بنسخة مكتبة صادر ببيروت، ونسخة المكتبة الأهلية ببيروت، المنقولة عن نسخة الشيخ جمال الدين القاسمي، وقد كتبت عام 1086.

السنسكريتية هي لغة قديمة في الهند وهي لغة طقوسية للهندوسية، والبوذية، والجانية. لها موقع في الهند وجنوب شرق آسيا مشابه للغة اللاتينية واليونانية في أوروبا في القرون الوسطى، وقد لاحظ هذا الشبه العالم اللغوي ويليام جونز حيث كان يعمل قاضياً هناك، ولهذه اللغة جزء مركزي في التقليد الهندوسي.

السنسكريتية هي إحدى الاثنتين وعشرين لغة رسمية للهند. تدرس في الهند كلغة ثانية. كما ان بعض البراهمنيين ـ وهم الوعاظ من الطبقة العالية ـ يعتبرونها لغتهم الأم.

لقد كانت اللغة السنسكريتية وما زالت في الهند في المعابد فيسمح فقط لكهنة البراهما بقراءة النصوص السنسكريتية، أما في الماضي فتواجدت في الأدب الهندي: أدب لغتي البالي والبراكريت، الأدب الدرافيدي الباكر، الأدب البنغالي. وغيره من الإداب والشعر الذي استوحى من الشعر الإسلامي الذي كتب باللغة السنسكريتية.

في التاريخ العربي هناك أدلة على وجود ملحدين قبل الإسلام باسم آخر وهم الدهريين الذين كانوا يعتقدون بقدم العالم وأن العالم لا أول له، ويذكرهم القرآن بقوله: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (سورة الجاثية، الآية 24)، وألف جمال الدين الأفغاني كتاباً للرد على الملحدين المعاصرين وأسماه "الرد على الدهريين". وفي الكتب المقدسة نجد ذكراً لأشخاص أو جماعات لا يؤمنون بدين معين أو لا يؤمنون بفكرة يوم الحساب أو كانوا يؤمنون بآلهة على شكل تماثيل (أصنام) كانت غالبا تصنع من الحجارة. وقد وردت كلمة الإلحاد ومشتقاتها في القرآن في المواضع التالية: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (سورة الأعراف، الآية 180).

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (سورة النحل، الآية 103). إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ الذين كانوا لا يؤمنون برسالة محمد كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة "مشركون" فبالرغم من اعتقادهم بوجود الإله الأوحد فإنهم كانوا في نفس الوقت يؤمنون بأن التماثيل التي كانوا يعبدونها باستطاعتها الشفاعة لهم عند الإله الأعظم.

يقول المؤرخ الإغريقي بلوتارك: "لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد".

بمعنى أن فكرة إنكار وجود الخالق من الأساس كانت فكرة مستبعدة تماماً ولم تلق قبولاً في كل العصور.

بعد قدوم الإسلام، وجد أنواعٌ كثيرة من الملحدين:

فمن هؤلاء من كان يحاول التشكيك في بعض التراث الديني لغرض التشكيك في الدين نفسه، وهم حقيقة كانوا يتبنون فلسفات دينية شرقية أخرى كالمانوية، ومنهم، ابن المقفع. و ظهر فيما بعد، بعض الناس تشكك في صحة النبوة، وهل يحتاج إله إلى بشري ليبلغ عنه. وبعض الشواهد تُبدئ ميل إلى انكار الفكر اللاهوتي بأكمله، ولم يكن لهم الجرأة للتحدث بأمور وجود الله، وابن الراوندي واحدٌ منهم. أن أغلب ما كتب هو أو غيره تم إتلافه أو ضياعه لشدة محاربتهم. وأغلب كتب ابن الرواندي أو فقرات منها جاء من كتب تولت الرد على ابن الراوندي أو غيره، فضمن هذه الكتب كان يتم إيراد فقرات طويلة واقتباسات من كُتب ابن الراوندي ليتم الرد عليه بالكتاب نفسه.

وأبوبكر الرازي من أشهر الملحدين ومن كُتبه: خوارق الأنبياء، وأنكر على المعتزلة محاولة إدخال العقل بالدين، بحجة أن الفلسفة والدين لا يجتمعان.

ومن مقولاته: "إنكم تدّعون أن المعجزة قائمة موجودة وهي القرآن:  "من أنكر ذلك فليأت بمثله" إن أردتم أن نأتي بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء وما هو أطلق منه ألفاظا وأشدّ اختصارا في المعاني وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعا. فإن لم ترضوا بذلك فإنّا نطالبكم بمثل ما نطالبكم به".

هؤلاء مثلوا أهم تطورات الإلحاد بمراحله في التاريخ الإسلامي، فمنهم مثلا المعرّي الذي اعتزل الحياة في آخر حياته وصومه عن أكل اللحوم.

من "سِيرة المصطفى ـ نظرة جَدِيدة" تأليف هاشم معروف الحَسنى 1990 م.

جاء فيه "الأحاديث الواردة بكفر أبي طالب والد على كلها موضوعات العصر الأموي وجاء المتأخرون فبنوا عليها وأخذوا بها لأن الذين وضعوها كعروة بن الزبير ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهما شيدها الى الصحابة والصحابة عند أهل السنة معصومون عن الكذب والخطأ وقد وضع بعضها المغيرة بن شعبة إرضاء لسيده معاوية ولا ذنب لأبي طالب عند أحد من الناس إلا أنه والد الإمام على بن أبي طالب".

والجدير بالذكر أن المؤلف من أهل الشيعة وأهل الشيعة يرون أن على بن أبى طالب أحق بالخلافة بعد موت النبى محمد. ويقول الكاتب فى كتابه "سيرة ألمصطفى" وأني استبعد على أي باحث يتحرى الحق أينما كان إذا استعرض تاريخ أبي طالب مع الدعوة الإسلامية منذ مطلعها الى السنة التى توفي فيها استبعد عليه ان ينتهي الى القول بأنه مات مشركاً على دين قريش إلا أن يكون أموياً أو ذنباً لمشركي الأمويين الذين أرادوا أن يغطوا شركهم وشرك آبائهم بنسبة الشرك الى أبي طالب الذى أسلم بقلبه ولسانه وعمله منذ الشهور الأولى لبعثة النبي (ص).

وذكر محمد بن عبد ربه الأندلسي فى كتابه "العقد الفريد" (الجزء 5 ص86) عن يوم صفين أن معاوية كتب إلى قيس بن سعد بن عبادة: أما بعد، فإنما أنت يهودي بن يهودي، إن ظفر أحبُ الفريقين إليك عَزَلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغض الفريقين إليك قَتَلَك ونكل بك؛ وقد كان أبوك أوتر قوسَه ورمى غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريداً بحوران.

فأجابه قيس: أما بعد، فأنت وثني، ابن وثني دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إمانك، ولم تحذر نفاقك؛ ونحن أنصار الدين الذي خرجتَ منه وأعداءُ الدين الذي دخلت فيه! والسلام.

أما فى عهد يزيد بن معاوية وفي يوم الحرة قتل من قريش والأنصار أكثر من ثلثمائة رجل وبعث مسلم بن عقبة برؤس أهل المدينة إلى يزيد. وكما ورد في كتاب العقد الفريد الذى أشرنا اليه سابقا: وقال رجل من أصحاب رسول الله ليزيد: ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين! قال: بلى نستغفر الله. قال: والله لا ساكنتك أرضا أبداَ. وخرج عنه. ولما انقضى أمرُ الحرة توجه مسلم بن عقبة بمن معه من أهل الشام إلى مكة يريد ابن الزبير وهو ثقيل، فلما كان بالأبواء حضره أجله. فدعا حصين بن نمير، فقال له: إني أرسلت إليك، فلا أدري أُقدمك على هذا الجيش، أو أُقدمك فأضرب عنقك! قال: أصلحك الله، أنا سهمك، فارم بي حيث شئت. قال: إنك اعرابي جلف، وإن هذا الحي من قريش لم يمكنهم أحد قط أذنه إلا غلبوه على رأيه، فسر بهذا الجيش، فإذا لقيت القوم، فإياك أن تمكنهم من أُذنك، لا يكن إلا على الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف. ومات مسلم بن عقبة لا رحمه الله ومضى حصين بن نمير بجيشه ذلك، فلم يزل محاصراً لأهل مكة حتى مات يزيد، لا رحمه الله؛ وذلك خمسون يوما ونصب المجانيق على الكعبة وأحرقها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين ، وفيها مات يزيد بن معاوية بحوارين.".

انتهى حديث العقد الفريد.

..................

هوامش:

1/ كاتب ومفكر مصري

2/ الزرادشتية وتعرف بالمجوسية، هي ديانة إيرانية قديمة وفلسفة دينية. كانت الدين الرسمي للإمبراطوريات الأخمينية والبارثية والساسانية. ويتواجدون في الهند و إيران وأفغانستان وأذربيجان بالإضافة لمهاجرين من هذه المناطق في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا وكندا وسنغافورة. نسبت الديانة إلى مؤسسها زرادشت، وتعد واحدة من أقدم الديانات التوحيدية في العالم، إذ ظهرت في بلاد فارس قبل 3500 سنة. ظهرت الزرادشتية في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الأخمينية عندما قام الفيلسوف زرادشت بتبسيط مجمع الآلهة الفارسي القديم إلى مثنوية كونية :سبتامينو (العقلية التقدمية ) وأنكرامينو (قوى الظلام أو الشر) تحت إله واحد وهو اهورامزدا (الحكمة المضيئة). هناك إعتقاد خاطئ ساد بين أتباع الأديان الإبراهيمية أنهم يعبدون النار، ولكنهم في الحقيقة يعتبرون النار والماء أدوات من طقوس الطهارة الروحية.

3/ المانِيةُ: أتباع مانى ( ولد 216 ميلادية ومات 276) ، متنبئ زعم أنه الفارقليط الذى بشر به عيسى عليه السلام واستخرج مذهبه من المجوسية والنصرانية

المَزْدَكيّة دينٌ ثَنَوي منبثق من المانوية، مؤسسُهُ الزعيم الديني الفارسي مَزْدَك المتوفى نحو 528 ميلادي.

4/ ابن تيمية، وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس النميري ولقبه «شيخ الإسلام» ولد يوم الإثنين 10 ربيع الأول 661 هـ أحد علماء الحنابلة أشتهر في مجالات عدّة أهمها: الفقه و الحديث.

.................

* كاتب سوداني يقيم في النمسا