تأملات

 

عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

1

 

 

فينيسيا

 

 

تظهرها هوليود كجزيرة للعشاق ولقضاء شهر العسل، يتحرك قائد الجندول بالزوجين ويجدف واقفا، يمر فى قنوات مائية، تعبرها كبارى مقوسة، وعلى ضفافها أبنية رائعة الألوان، تحف معمارية أثرية تجمع بين العمارة البيزنطية والقوطية والإسلامية  والنيوكلاسيكية وملامح عصور النهضة والباروك والروكوكو، شوارعها ضيقة متاهات متشابكة ومتشابهة، تمتلىء بمحال الهدايا من الزجاج الملون وأقنعة الكرنفالات والحفلات التنكرية والساعات والمصنوعات الجلدية.

يزورها سنويا ما يزيد عن ثلاثة ملايين سائح وكأنهم يعيشون قرونآ سابقة، ويجوبون ساحات تتجمع فيها الطيور أمام مرافىء السفن والكنائس العتيقة الجميلة. كتب عنها وليم شكسبير قصتى تاجر البندقية وعطيل، ونشأ فيها فن الأوبرا، واشتهر فيها الموسيقار أنطونيو فيفالدى برائعته الكلاسيكية "الفصول الاربعة" والأوبرات التى ألفها.

قد يتعجب المرء لأول وهلة عن سبب كل ذلك الثراء المعمارى الأثرى والفنى والشهرة والنشاط السياحى والثقافى فى مجموعة جزر صغيرة عرفت باسم فينيسيا أو البندقية، ولكن الحقيقة المذهلة أنها كانت على مدى ثلاثة عشر قرناً أطول الجمهوريات بقاء، حتى سماها أهلها الأكثر سكينة، تحكمت فى خطوط الملاحة والتجارة فى شرق البحر الأبيض المتوسط، واحتلت جزراً ومراكز أرضية تجارية، واشتهرت بدبلوماسية كثيراً ما ابتعدت عن الصراعات المسلحة واستفادت منها حتى بلغت مراتب غير مسبوقة من الثراء والرفاهية، وقيل أن الزينات والنفائس فى منزل متوسط الحال بها يمكنها أن تملأ قصراً. ولكن وراء ذلك قصة كفاح ومهارة.

فجزر البندقية كانت تجمعات طينية فى شمال البحر الادرياتيكى، اضطر سكان من مدن وسواحل الشمال الشرقى لإيطاليا الحالية فى القرن الخامس الميلادى للهجرة إليها هرباً من القبائل الجرمانية البربرية التى قوضت الامبراطورية الرومانية الغربية واحتلت أراضيها.

جلب المهاجرون الأخشاب من الغابات الساحلية، ليضعوها أساسات لمنازلهم، وتحكموا فى مسارات أنهار تصب على مقربة من الجزر وتهدد باغراقها، وجعل الكفاح ضد الطبيعة من أهل الجزر مجموعة متكاتفة تتحسب لجيران الساحل الغزاه وتتعايش معهم وتنشىء أقوى الجمهوريات وأكثرها استقراراً فى التاريخ الأوروبى، وتتمتع بسلام وهدوء لم تعرفه القارة حينذاك، وكان الاستثناء من ذلك تبعيتها للامبراطورية البيزنطية لقاء مزايا مالية وسياسية وتجارة دون جمارك ومقابل مادى لنقل جنود تلك الامبراطوري بالسفن حتى انهارت، ونهب البنادقة القسطنطينية فى الحملة الصليبية الرابعة.

كان المثير فى نظام حكم الجزر أنها انتقلت من كونفيدرالية هشة إلى دولة مركزية، ينتخب زعيمها لمدى الحياة بمجلس تختاره جمعية ممثلة لكل التجمعات والفئات بشكل ديمقراطى، يراعى المحاسبة والتوازنات، وهو ما منح الاستقرار لفينيسيا فتحولت إلى قوة تجارية بحرية، وصل نفوذها إلى شرق المتوسط والبحر الأسود وشمال أفريقيا، واكتسب أهلها المزيد من المهارات بتعلم الحرفيين فى مدن شمال وشرق البحر الإدرياتيكى حتى برعوا فى بناء السفن، وامتلكوا قواعد أرضية ساحلية للتخزين ولحماية تجارتهم من سطو القراصنة السلافيين، دون أن ينساقوا الى احتلال أراضى واسعة لا يستطيعون ضمان استمرار سيطرتهم عليها.

وبفضل التجارة وصلت الجمهورية إلى أوج ثرائها بين القرنين الثالث عشروالخامس عشر، حتى أصبحت مبانيها وكنائسها مضرب الأمثال فى الغنى والفخامة والتزين، وارتدى السكان الذين زادوا عن مائة وخمسين ألفا آنذاك أفخر الثياب المطعمة بخيوط الذهب والفضة، واستعملوا العطور والمجوهرات، وحول السكان كل المناسبات إلى كرنفالات وحفلات للموسيقى والمسرح بشكل أشاع الانغماس فى ملذات الحياة والتحلل من القيود، وجعلهم مثار غيرة مدن إيطالية منافسة.

ولكن سياسة الحياد التقليدى لم تعد تثمر فى القرن الخامس عشر أمام توسع العثمانيين فى البلقان وشرق المتوسط واكتشاف البرتغاليين الطريق إلى الشرق الأقصى بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، حتى خطط البنادقة دون جدوى لإقامة قناة السويس لاستعادة جزء من نفوذهم وثرواتهم التجارية المفقودة فى شرق المتوسط وكمعبر للتجارة بين الشرق والغرب، بل واستحوذ الأتراك على بعض الجزر والقواعد الأرضية التابعة للبندقية، واحتلوا الشام وشمال أفريقيا فى القرن السادس عشر. ورغم أن البنادقة استجابوا لخسارة النفوذ والثروة فى البداية بالمزيد من الفنون والموسيقى والمعمار، فيما يبدو وكأنه إصرار على أسلوب حياة يعتزون به، إلا أن الإفلاس المالى والسياسى والانحدار الخلقى للنبلاء والحكام بل ورجال الدين آنذاك أوقع البندقية فى القرن الثامن عشر فى قبضة الامبراطورية النمساوية ثم تحت حكم نابليون والنمسا مجدداً، واللذين ضماها إلى إيطاليا، حتى تحررت الأخيرة من الحكم النمساوى فى القرن التاسع عشر.

تاريخ البندقية نموذج للحضارات التى تنشأ فتية متطهرة، لتقوى وتثرى، ثم تتحلل وتنهار. ولكن فينسيا اليوم يقطنها ستون ألفاً من الحرفيين والصيادين والفنانين والمعماريين والكتاب والدارسين، هم ربع إجمالى سكان المنطقة التى امتدت فى البر، ليتحول سكانها المزارعين وصغار الصناع الفقراء والحرفيين إلى صناعات الملابس الراقية  والنظارات والدراجات البخارية والتى حققت الرفاهية وتميزت بفضل مهارات العاملين وحسهم الحضارى التقليدى.  

 .......................

سفير د. هادي التونسي

mhmeltonsi@yahoo.com

+4369911134329

 

 

 

mhmeltonsi@yahoo.com   راسلوني

مدن

العلاج بالطاقة