عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

عيلبونيات

 

nadiamuch@hotmail.com راسلوني 

  1

مقال مليء بالعنصرية

والمغالطات التاريخية

ردا على الكاتبة فاطمة حنفي

 

عادة ما نلصق بالغرب تهمة التفوق العرقي والثقافي ذو النزعة العنصرية، دون أن ننتبه أن أغلب كتابنا ومفكرينا ينطلقون من الأرضية العنصرية، ذاتها في ادعاء تفوق الثقافة العربية والإسلامية على غيرها من الثقافات العالمية. وإذا كان الغرب يدعي التفوق والاستعلاء على شعوب أخرى، أو على شعوب العالم الثالث بالتحديد، فإن البعض عندنا يستخدم هذا النهج العنصري والاستعلائي في مواجهة أبناء وطنهم بالذات. وهذا البعض لا يتورع عن نزع صفة الوطنية عن أبناء وطنه الذين لا يشتركون معه في الإسلام، كما لا يتردد عن وصمهم بالخيانة والعمل وفقا لأجندات خارجية معادية، كما جاء في مقال الكاتبة فاطمة حنفي على (موقع شبكة رمضان، 12-4-2009، وموقع جبهة إنقاذ مصر 15 ـ 4 ـ 2009) والذي جاء تحت عنوان: "الفتنة الطائفية وإشاعة منظومة القبح".

الكاتبة في مقالها ذاك، تتهم صراحة مسيحيي مصر ليس فقط ب "التعالي على العرب والعربية والعروبة"، بل تتجاوز ذلك إلى الادعاء أن المسيحيين في مصر لديهم شعور بالانتماء إلى الغرب". وهي لا تتوقف عن استعراض أحاسيس المصريين دون أدلة عندما تقول: إن الإحساس لدى المسلمين في مصر بأن الغالبية من المسيحيين لديهم شعور جارف بأنهم ينتمون إلى الغرب المسيحي وليس إلى الأمة العربية والمصرية"، بل أنها تذهب في عنصريتها الدينية والفكرية إلى أبعد من ذلك عندما تتحدث "عن استقواء المسيحيين بالخارج للضغط على الحكومة التي تستجيب لهم خوفا من الغضب الخارجي عليها ، وهذا يهدد النسيج الوطني تماما ويزيد الاحتقان بين الطرفين" إلخ ما هنالك من ادعاءات لم تقدم الكاتبة أي دليل عليها. ويمكننا أن نفهم من هذا الطرح أن الكاتبة تنزع عن أقباط مصر انتمائهم لوطنهم ليصبح الوطني في نظرها هو المسلم المصري فقط!!!!؟؟؟؟ لا ندري هل تريد الكاتبة بهذا الطرح العنصري إقناعنا أن مسيحيي مصر مستوردون من الغرب مثلاً، لكي تكون عواطفهم مع الغرب؟ ثم ما هو السبب الذي يجعل الكاتبة تتجاهل حقيقة أن القبطي هو أقدم من المسلم في وجوده في مصر، فإذا كان عمر الإسلام في مصر لا يتجاوز ال 1400 سنة، فإن عمر القبطي في وطنه مصر يتجاوز السبعة آلاف عام، فكيف يكون المسلم والحال هذه أكثر انتماء إلى وطنه مصر من أخيه القبطي. أليست هذه النظرة مبنية على التفوق الديني العنصرية قلبا وقالبا؟ وفي كل الأحوال فإن الحديث عن مؤامرة خارجية لتفتيت مصر طائفيا، واتهام الأقباط بالتعاون مع الأعداء وخيانة وطنهم، عدا عن أنه يحمل مضامين شوفينية، فهو يتجاهل عن عمد أيضا، الكثير من الحقائق الدامغة في المنطقة، والتي تشير إلى عكس ما ذهبت إليه الكاتبة في مقالها. وأولى هذه الحقائق، أن الذي استقوى بالغرب ضد أبناء المنطقة هي الدول المسلمة ذاتها. وهنا نريد أن نذكّر الكاتبة بتاريخ ليس بعيدا عنها، لكي ينسى بهذه البساطة، أن الذي استدعى قوات التحالف الغربي في حرب الخليج الثانية، ووقف معها جنبا إلى جنب في حرب تحرير الكويت، هي دول مسلمة أيضا. وأن الذي قدم الخدمات اللوجستية والقواعد العسكرية للقوى الغربية في هذه الحرب كلهم من المسلمين، وليس من بينهم مسيحي واحد. كما أن المعارضة العراقية التي استدعت الولايات المتحدة للتدخل في العراق، لم تكن بأي حال معارضة مسيحية. وإن السياسة التي جلبت التدخل الأجنبي إلى منطقتنا كانت ولا تزال، يقودها عرب ومسلمون، وليسوا مسيحيين بأي حال من الأحوال. عار على الكاتبة أن تنسى كل هذا لتقف وتتحفنا بأدلة تافهة على ارتباط المسيحيين في مصر بأجندات خارجية، من خلال بعض مواقع الانترنت، لأقباط هنا وهناك، يتحدثون عن اضطهادهم ومعاناتهم. وللكاتبة أن تتذكّر أيضا، هذا الغرب لم يكلف نفسه للتدخل ولو مرة واحدة، للدفاع عن حقوق المواطنين في المنطقة العربية، سواء أكانوا مسيحيين أو مسلمين. وللكاتبة التي تتغنى بتاريخ التسامح، أن تعود إلى كتب التاريخ الإسلامية لتتعرف على الفظائع التي ارتكبت باسم الإسلام في المنطقة، ونحن لا نقترح أن تعود الكاتبة إلى كتب التاريخ الغربي لتعرف ما يجب أن تعرفه، بل ننصحها العودة إلى الموسوعات التاريخية الإسلامية ذاتها. ولكي لا نبتعد كثيرا لنحلّق في تاريخ تريده الكاتبة أن يكون ورديا في التسامح، نقترح عليها فقط أن تفتح على صفحات "غوغل" لتعرف ما الذي جرى، ويجري الآن، لمسلمي دارفور على يد الحكم الذي يدعي الإسلام في السودان من مذابح طالت الملايين من المسلمين السودانيين على يد أبناء جلدتهم من المسلمين. مذابح اقشعرت لها الأبدان، ودفعت بالعالم الحر إلى تقديم يد العون والمساعدة إلى ضحايا النظام السوداني المسلم. ويبقى أن نقول، إن اجترار الفكر الاجتماعي للقرون الوسطى والذي تتبناه الكاتبة دون درس أو تمحيص، يضعنا أمام تساؤلات عديدة، لم تحاول الكاتبة الاقتراب منها. ألا وهي ما السبب الذي يجعل الغرب الاستعماري يضغط على مصر ويتآمر لتفتيت المجتمع المصري طائفيا؟ هل الهدف مثلا إجبار مصر على عقد اتفاقية صلح مع إسرائيل والاعتراف بها؟ هل يهدف هذا الغرب، اللعين الذي نستخدمه كشماعة لإلقاء كل قاذورات المنطقة فوقه، إلى إجبار مصر على فتح قناة السويس أمام الملاحة الدولية؟ هل الهدف مثلا من هذا الضغط، هو إجبار مصر على ضخ الغاز إلى إسرائيل؟ شيء مضحك والله أن نظل نتحدث عن معزوفة المؤامرة الخارجية الغربية الاستعمارية، في الوقت الذي نتناسى فيه عمدا أن إيران المسلمة، كما حزب الله المسلم، هما من أكثر الأطراف التي لا تمارسان الضغوط على مصر فقط، بل أيضا تهديم كل مقوماتها ووجودها كدولة مستقلة. أليس هو حسن نصر الله الذي دعا جيش مصر إلى التمرد على قيادته والقيام بانقلاب عسكري؟ أليس هو الذي أرسل مخربين إلى مصر لبث الفتنة والقيام بزعزعة الاستقرار في مصر.؟ أليست إيران المسلمة التي تخطط لزعزعة واستقرار مصر والمنطقة برمتها؟ لماذا كل هذا التجاهل للمخربين الحقيقيين الذين يريدون تدمير مصر والمنطقة، في الوقت الذي يشار فيه بأصابع الاتهام إلى أطراف وهمية هي من بنات الخيال والأوهام المريضة؟ هؤلاء ورغم وجود كل الأدلة الثابتة على تخريبهم وتآمرهم لا أحد يتحدث عنهم فقط لأنهم مسلمون!!!! أليس كذلك؟ ثم من قال أن الغرب مسيحي؟ يبدو أن الكاتبة لم يتناه إلى سمعها أو معرفتها، أن الغرب قد تخلى عن المسيحية منذ أمد بعيد. وأنه أصبح يتبنى العلمانية اللادينية في كل دساتيره وقوانينه ومجتمعاته، التي لا تمت إلى المسيحية بصلة. فهي تتخيل الدول الغربية على شاكلة دولها العربية، ولنا أن ننصح الكاتبة بالعودة إلى تلك الدساتير لتعرف الفرق بين الدين والعلمانية أو بين المجتمع الديني والمجتمع العلماني. لن أناقش كثيرا، هنا، ما جاء في مقال الكاتبة من تخبط واضح، وهي تحاول تارة التحدث عن الأسباب الداخلية العميقة للتشظي الطائفي والإثني في المنطقة العربية وفي مصر تحديدا، ومن ثم انحرافها مائة وثمانين درجة – وكأنها عدلت عن موضوع الأسباب الداخلية، أو أنها رأت أنها ستتورط إذا ما تحدثت عن تلك العوامل - لتستبدل ذلك بالحديث عن مؤامرة خارجية واستعمارية "للضغط على مصر للتأثير في القرار السياسي من أجل مصالح استعمارية قديمة"!!!! كما كنا نظن أن الكاتبة ستتحدث عن الاعتداءات المنظمة ضد المسيحيين في مصر، كما حصل في أكثر من قرية ومدينة مصرية، أو كما حدث في الزاوية الحمراء وفي الكشح وغيرها من المناطق التي يسكنها الأقباط في مصر. وللكاتبة أن تتيقن أن الذين امتدت أيديهم لقتل الأقباط وإحراق محالهم التجارية، وتدمير ممتلكاتهم، وحرق بيوتهم وترويعهم، ليسوا بأي حال من الأحوال، أتباعا لأوباما أوجورج بوش الأمريكيين ، أو إرييل شارون الصهيوني، أو أنجيلا ميركل الألمانية أو سركوزي الفرنسي. هؤلاء، يا سيدة حنفي، مصريون أقحاح، وهم قاموا باعتداءاتهم ليس بفعل مؤامرة خارجية يقودها الغرب الاستعماري، بل بسبب التحريض للدعاة المتطرفين في مساجد مصر وشوارعها. هؤلاء المتعصبون الذين يكفرون الآخر المختلف دينيا وينسبون إليه كل الاتهامات المسيئة، ابتداء من قذف المختلف بالكفر. ومرورا بنعتهم بأبناء "القردة والخنازير"، وليس انتهاء، بالطبع، بتحليل دمهم وأعراضهم وأموالهم. مثل تلك الفتاوى يا سيدة فاطمة، يدعّي أصحابها، بأنها تنتمي إلى القرآن والسنة. وهؤلاء الدعاة لا يفتون بأي حال، استنادا إلى الثقافة أو الفكر الغربي، الذي لفظ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التمييز العنصري والقومي والديني. وأقر بمبدأ المساواة والمواطنة بمعزل عن الأصل والفصل والدين، في مجتمعاته ودساتيره.. إذن فإن الذين يستبيحون دماء المختلفين دينيا، في مصر وغيرها من البلدان العربية، ليسوا غربيين بالتأكيد، إلا إذا أقرت الكاتبة بأن هؤلاء المتطرفون يعملون لصالح الدوائر الغربية والسي آي أي؟!! وخلاصة القول، أن الكاتبة تبنت في مقالها المذكور، كل الفكر المتطرف والعنصري والاستعلائي الذي نسمعه يوميا من المتطرفين. كما أن مقالتها تنضح بكراهية واتهام وقذف أبناء وطنها من غير المسلمين بالخيانة والارتباط بأعداء الوطن. وعلى هذا، نريد أن نذكر الكاتبة أن مثل هذا الطرح، يمكن أن يمر لو كنا نعيش في غابات الدول العربية، أما ونحن نعيش في بلد الحريات وبلد المواطنة، فإن هذا الطرح المكشوف والمفضوح في أهدافه ومراميه العنصرية، لا يمكنه المرور هكذا دون حسيب أو رقيب. على الكاتبة أن تدرك جيدا أن الكلمة مسؤولية بالدرجة الأولى. وأن الاتهامات هنا، لا ينبغي لها أن ترمى جزافا. لذا ننصحها بالتدقيق، والتأكد من كل كلمة تقولها. فالمسيحي سواء أكان قبطيا أو غير قبطي، يعيش هنا في بلد الحريات. وهو ليس مضطرا لأن يطأطئ رأسه أمام مثل الفكر الذي ينضح بالعنصرية، فالقاهرة هي غير فيينا. والفرق بين العاصمتين شاسع، ليس في الجغرافيا فحسب، بل في الزمن الحداثي أيضا، و بكل ما تعنيه كلمة حداثة من تأثير على حياة الإنسان.. وهذا يعني، أننا لا بد أن نساءل كل من يريد نشر فكر التطرف الديني والعنصري كائنا من كان، وأننا لن نسمح أن يستمر العبث بسمعة وكرامة الإنسان مهما كانت الاعتبارات. فليتوقف أصحاب الأفكار العنصرية السوداء، عن نشر قيم التعصب والاحتقار للمختلف .

 

 

........................

جسور: بالبحث في موقع شبكة رمضان لاحظنا أن المقال المشار إليه تم رفعه منذ فترة طويلة، ومنشور في موقع آخر هو موقع (جبهة إنقاذ مصر)، لذا تم الربط معه حتى يتسنى للقارئ الكريم قراءة الأصل والرد معاً.

  2

هل هذا هو الإسلام

الذي تريدون نشر تعاليمه هنا؟

 

أن تتداعى المنظمات العربية والإسلامية في فيينا، كما حدث يوم 24 نيسان/أبريل، للدفاع عن مطلوب للعدالة الدولية بتهمة الإبادة الجماعية للملايين من شعبه، يعطينا انطباعا قويا عن أن هذه المنظمات إنما وجدت ومولت من بعض الأنظمة العربية بهدف الدفاع عنها وعن جرائمها بحق شعوبها، فقط.

وأمر هذه المنظمات ليس غريبا، أو مستهجنا. فهي اعتادت على تلك العبودية لأمر الحكام المستبدين. وهي لا تتذكر إسلامها، أو عروبتها، إلا إذا تعرض حاكم أو نظام بطش بشعبه للمساءلة الدولية. لم نسمع يوما أن تلك المنظمات  شعرت بواجبها في التضامن مع آلاف المعتقلين في السجون العربية. كما أن هؤلاء لم  يظهروا أي شعور بالتعاطف  مع شعوبهم عندما كانت تتعرض للمذابح على يد حكامها. وهم صمتوا صمت الحملان عندما ارتكب صدام حسين المجازر التي طالت مئات الآلاف من أبناء شعبه في الشمال والجنوب. لم يرتفع أي صوت عربي أو إسلامي هنا، ولو حتى خجول، للاحتجاج على إبادة الأكراد العراقيين من قبل نظام لم يتورع في استخدام أسلحته الكيماوية في إبادتهم. لم نر حتى مظاهرة واحدة لهؤلاء، ولو من باب رفع العتب، على المجازر التي ارتكبها نظام البشير  بشعبه في دارفور، والتي راح ضحيتها 300 ألف سوداني، عدا عن اغتصاب آلاف النساء وتشريد الملايين منهم وحرق قرى بأكملها على من فيها. ولنا أن نتساءل ألا تشعر هذه المنظمات بأن شعوبنا من البشر؟ أليس سكان دارفور مواطنون سودانيون ومسلمون أيضا؟ ألم يكن أكراد العراق مسلمين؟ ألم يكن شيعتها أيضا من المسلمين؟

لا ندري إذا ما كانت شعوبنا مستوردة من الخارج، لكي يتم التغاضي عن الجرائم المرتكبة بحقها، من قبل حكامها بتلك الطريقة الفظة!. هل الأكراد وافدون على المنطقة مثلا ؟ هل هي المخططات الصهيونية والأمريكية التي جلبت أهالي دارفور ليستوطنوا في السودان!!!؟؟؟؟هل ملايين السودانيون في دارفور خونة لوطنهم لكي يستحقوا تلك المعاملة من قبل نظامهم؟

هل هو ذنب يستحق العقاب أن أهالي دارفور ليسوا عربا؟ هل هو ذنبهم أن بشرتهم أكثر سوادا من بشرة العرب السودانيين، وأكثر مما تستطيع العنصرية "العروبية" تحمله؟ طيب ألا يعفيهم إسلامهم من أن يذبحوا؟ وهل هو شرط لازم أن يكون السوداني عربي ومسلم؟

أسئلة لا بد أن نطرحها على هذه المنظمات التي اعتادت أن تصم آذانها عن معاناة شعوب المنطقة. تلك المنظمات التي اعتادت أن تكون مسخا لأنظمتها، هي في الحقيقة لا تمثل جالياتنا بأي حال من الأحوال.

ولعل ادعاء هؤلاء تمثيلهم للجالية العربية والإسلامية في النمسا، يكون وصمة عار على جبين تلك الجالية. ونحن لا نريد أن تحتقرنا النمسا كجاليات متنوعة هنا، عندما تنبري هذه المنظمات، للدفاع عن المتهمين دوليا بممارسة الإبادة الجماعية بحق شعوبهم. ونحن حقيقة لا ندري كيف سيحترمنا الآخرون ونحن نستهين بهذه الطريقة بحياة البشر عندنا.

لا شك أن مثل هذا السلوك وهذه التصرفات ستجعلنا جميعا أضعف من أن نقف في مواجهة التيارات العنصرية التي تتنامى في هذا البلد. إذ كيف لنا أن نقف ضد بعض الأعمال العنصرية ونحن نمارس العنصرية على أنفسنا وعلى شعوبنا. كيف لنا أن نتهم نمسوي بالعنصرية وبالتمييز، ونحن نصفق ونتضامن مع القتلة؟

فلسطين وقضيتها أقدس من تتخذ ستارا

وربما كان من المهم أن نلفت نظر هؤلاء الذين تباروا للدفاع عن أسيادهم في مؤتمرهم التضامني، الذي عقد متخفيا تحت عنوان "السودان وفلسطين والتحديات الدولية" أنه ليس من حقهم البتة التستر وراء القضية الفلسطينية لتبرير العدوان والحرب والقتل والاغتصاب. ففلسطين وقضية فلسطين هي أشرف وأقدس من أن تتخذ ستارا للأعمال العدوانية لهذا الحاكم أو ذاك بحق شعبه. فإذا كانت العدالة الدولية قد قصّرت بحق الفلسطينيين ضد الإجرام الصهيوني، فإن هذا لا يعني في مطلق الأحوال، أن الفلسطينيين يقفون مع الحكام الذين يمارسون حرب إبادة ضد شعوبهم.  فآلام  الفلسطيني ومعاناته من الظلم والقتل والتشريد، لا تختلف عن آلام ومعاناة أهالي دارفور. فظلم  ذوي القربى هو في المحصلة أشد مرارة من ظلم الأعداء. وهذا الظلم لا يقع بردا وسلاما على المظلومين لمجرد أن من انتهك  أولى أبجديات حياتهم،  هو قريب لهم وليس مستعمرا خارجيا. كما لا يمكن لأي أحد الادعاء أن المرأة التي يقع عليها الاغتصاب من قبل أبناء بلدها تشعر بالمتعة، بينما تشعر المغتصبة من قبل المحتل بانتهاك كرامتها. كلنا بشر وكلنا أولاد تسعة، فمشاعر الأم الثكلى في دارفور لا تختلف عن مشاعر الأم الفلسطينية الثكلى. وشعور المشرد عن بيته في دارفور هو ذاته شعور المشرد الفلسطيني. فالجريمة تبقى جريمة ولا يمكن أن نسبغ عليها طعما حلوا أو مرا بحسب هوية الفاعل، أو لمجرد أن العدالة الدولية لم تنصفنا كفلسطينيين. وهذا لا يعني في مطلق الأحوال أن "الخطأ زائد خطأ يساوي صح".!!!

وبقي أن نذكّر، أولئك  الذين يحاولون استغلال الفلسطينيين وقضيتهم في تبرير الجرائم التي ترتكب في المنطقة من قبل بعض الحكام، أن أحدا من الدول العربية، التي تستخدم الفلسطينيين كشماعة في دفاعها عن المطلوبين للعدالة الدولية، لم ينضم و لا ينوي الانضمام إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية. فما هو السبب الذي يمنعهم من أن يكونوا أعضاء في هذه المحكمة ليتمكنوا من المطالبة بمحاكمة  مجرمي الحرب الإسرائيليين؟ نحن نتحدى أي من الدول العربية أن تتقدم بطلب الانضمام إلى عضوية هذه المحكمة. ونتحداها أيضا أن تتقدم بطلب مماثل لما تقدم به مجلس الأمن لمحاكمة الرئيس البشير.

تفضلوا، اخدموا القضية الفلسطينية إذا كنتم جادون حقا في الدفاع عنها. أبواب المحكمة وعضويتها مفتوحة للجميع. انضموا إليها ودعونا نرى "مراجلكم" على إسرائيل.!!! هذا إن كنتم صادقين.

أجل، لا أحد من هذه الدول لديه الجرأة على فعل هذا الأمر. وهم لا يريدون، بأي حال من الأحوال خدمة قضيتنا، بل يريدون استخدامها فقط، لإخفاء ما ارتكبوه، وما يرتكبونه بحق شعوبهم.

هل هذه هي قيم الإسلام وتعاليمه؟

وأخيرا نتوجه إلى المنظمات الإسلامية وعلى رأسها الأئمة والشيوخ الذين شاركوا في الدفاع عن الجريمة ضد المظلومين والمقهورين من المسلمين في دارفور، لنسألهم هل هذا هو الإسلام الذي تريدون نشر عدالته وتعاليمه وقيمه وحضارته في هذا البلد؟ هل هذه هي عدالة عمر رضي الله عنه؟ طيب. وماذا عن الذين قضوا بلا ذنب في ذلك الجزء من بلاد الإسلام؟ هؤلاء من يدافع عنهم؟ وبأي حق أو ذنب قتلوا؟ فإذا كان طلب اعتقال فرد حاكم  هو جريمة استحقت كل هذه التظاهرات التضامنية، إذن ما هو حكم مقتل مئات الآلاف وما هو حكم الاغتصاب والتشريد والتعذيب لمسلمين في وطنهم، من وجهة منظوركم للإسلام وعدالته؟ وإذا كنتم حقا حريصون على سيادة دولكم ولا ترغبون بتدخل منظمات خارجية في بلادكم، إذا لماذا لا تدعون أنتم إلى محاكمة المجرمين؟

أسئلة كثيرة تنتظر رد من احتكروا الله والدين والقومية والوطنية لأنفسهم.

 

  3

السودان:

"على بال مين

يلي بترقص بالعتمة"؟؟!!

 

لقد اعتاد الفكر الإنشائي العربي على إطلاق الأحكام، واجترار اللازمات الإيديولوجية والشعارات الفارغة، دونما تمحيص أو تدقيق. ولعل أكثر كتابنا الذين لا يشغلون فكرهم الخاص، ولا يعملون العقل فيما يكتبون، يعتمدون اعتمادا كاملا على ما تقوله أو تطلقه أبواق بعض الأنظمة العربية في منطقتنا. وهم يصيغون لنا فكر "المؤامرة" مثلا، الذي ابتدعته بعض الأنظمة العربية، ويقدمونه للقارئ، على أساس أنه الحقيقة التي لا تقبل الجدل، أو النقاش. فطالما أن العالم يتآمر علينا، فمن السهل أن نعيد كل ما يحدث ببلادنا مهما صغر أو كبر، وتعليقه على شماعة التآمر الاستعماري. وهذا الادعاء ينسحب على كل تصرفات هذا الحاكم أو ذاك، فإذا مارس حاكم ما عندنا حرب إبادة بحق شعبه، فإن هذا سببه الغرب المتآمر بصورة أو بأخرى!!! وإذا عجزت هذه الأنظمة عن تأمين فرص العمل لشعوبها، فإن هذا سببه أيضا مؤامرة خارجية، وإذا عجزنا عن بناء مستشفيات أو مدارس، أو جامعات حديثة، فلا بد أن يكون التآمر الاستعماري وراء كل هذا.

إن مثل تلك التحليلات التي يتحفنا بها أصحابها دائما، صارت تثير فينا السخرية والقرف، لأنها تتقصد أن تضعنا دائما في حالة الأطفال القصّر، وفي وضعية المفعول به، أو في حالة الضحية التي لا حول لها ولا قوة. وهي تهدف، بالحقيقة إلى إعفاء المسئولين عن مآسي المنطقة من مسؤوليتهم، بوضعها كلها على هذا المستعمر اللعين.

هؤلاء الكتاب الذين تسوسهم غريزة القطيع، بانسياقهم دونما تفكير، لما تطبل وتزمر له الأنظمة القمعية في المنطقة، هم نموذج صارخ على مقدار التخلف والانحدار الذي وصل إليه الفكر السياسي العربي. كما أن تحليلاتهم تستدعي من السخرية والتندر أضعاف مما يستدعي منا التفكير أو التعلم.

ولعله يكون من المضحك، والمثير للسخرية والتندر، في آن معا، أن يقال مثلا، أن قرار المحكمة الجنائية الدولية، هو مؤامرة صهيونية - أمريكية على السودان للإطاحة بنظامه "الوطني" و"الممانع" كما يسمى نفسه، وكما يردد بعض الببغاوات عندنا. هؤلاء، لا يقولون لنا مثلا، سبب هذا التآمر. وهم لا يذكرون لنا شيئا بما يخص نقاط القوة في السودان المدمر والجائع والذي يعيش في القرون الوسطى، والتي يمكن أن تخيف الولايات المتحدة وإسرائيل؟ !!!! هل السودان على وشك هجوم نووي على إسرائيل مثلا؟؟؟ وهل السودان يستنفر جيشه القوي والحديث، استعدادا لشن حرب على إسرائيل لاستعادة الحقوق الفلسطينية؟؟؟؟ هل تخشى إسرائيل أن تتقدم قوات "الجنجويد" السودانية وتجتاز الحدود المصرية لتصل حتى أسوار القدس وتل أبيب وترتكب بالإسرائيليين ما ارتكبته في دارفور؟؟؟ وهل تخشى الولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، أن تجتاز هذه الجحافل السودانية المدرعة، المحيط الأطلسي لتهدد نيويورك وواشنطن؟؟؟ هل تخشى القوى الغربية من قوة السودان "الأسطورية" في السيطرة على المنطقة العربية وحرمان القوى المستعمرة من الاستفادة من خيراتها؟؟؟ نحن لا نفهم بعد سر هذا الخوف للمستعمر من بلد كالسودان. فهل حقا تخشى كل تلك القوى الاستعمارية بلدا كالسودان، وهو بلد ، كما يقول المثل الشعبي "لا بالعير ولا بالنفير".

نحن هنا لا نريد أن ندافع عن الغرب، الذي لا نشك بدوره ومسؤوليته في دعم الأنظمة المستبدة في بلادنا الأصلية، ولكننا هنا نريد أن ندافع عن عقولنا. إذ لا يعقل أبدا القول أن دولة كإسرائيل تعتبر رابع قوة عسكرية بالعالم، تخاف من السودان، كما لا يعقل أبدا القول أن الولايات المتحدة التي تتحكم بالعالم كله، تخشى السودان وتتآمر عليه. أن هذا، والله لكثير، ليس على السودان فقط، بل على عقولنا أيضا.

ربما، كان بالإمكان أن نتفهم خشية الولايات المتحدة وإسرائيل ، من إيران كونها تستعد لإنتاج قنبلتها النووية، وتريد أن تكون شريكا في حكم المنطقة، ولكن أن يخشى كل هؤلاء السودان؟؟؟؟ فهذا ما يستطيع عاقل الأخذ به.

ولعل عقدة تضخيم الذات من خلال إطلاق الشعارات الكبيرة التي لا تقتل ذبابة، هو مشكلة المشاكل عندنا. فبعضنا يعتقد أن موازين القوى الدولية تتعادل، أو تحسب بقوة الحناجر، أو الكلمات الكبيرة والتهديدات اللفظية، وأنه ما دام السودان يصرخ بالصوت عاليا، وما دام رئيسها يستطيع أن يقول "طز" بالعالم، فإن هذا يعني، لدى البعض، أن السودان أصبح قوة دولية يحسب حسابها، أو يستدعي من القوى الغربية للتآمر ضدها. بينما الحقيقة التي تأخذ حجم السودان الحقيقي بعين الاعتبار، تقول أن بلدا مثل السودان، لا يخيف أحدا غير السودانيين أنفسهم. وهو بالنسبة إلى القوى الكبرى ينطبق عليه المثل الفلسطيني القائل: "على بال مين يلي بترقص بالعتمة".

 

 4

حكومة فلسطينية

بمعزل عن الفصائل هي الحل الأمثل 

هذا إذا ما أراد  الفلسطينيون أن  ينقلوا  أولى  خطواتهم   بعيدا عن أسباب  الكارثة الوطنية التي حلت بالشعب الفلسطيني على يد المنظمات والفصائل، وفي طليعتها بالطبع حركة فتح. .

الشعب الفلسطيني يحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته السياسة الفلسطينية بكافة أشكالها وتلاوينها. بإبعاد كل من تسببوا بالخراب. فالتجربة الماضية لقيادة السياسيين للسلطة الفلسطينية، أظهرت، بما لا يدع مجالا للشك، فشل هؤلاء في قيادة المشروع الفلسطيني إلى بر الأمان .

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى المزيد من  "الفذلكات" الكلامية ولا  إلى  البرامج السياسية المجربة بعقمها، وعدم جدواها في الوصول إلى هدف الدولة والاستقلال، بقدر ما يحتاجون إلى إعادة ترتيب حياتهم وأولوياتهم، من خلال بناء النواة الصلبة التي تمكنهم من الصمود الفعلي والحقيقي في مواجهة الاحتلال، والتأسيس للدولة الفلسطينية من خلال عملية بناء راسخة للمؤسسات التي تقوم عليها أية دولة قابلة للحياة، في العادة.

لقد دمرت الطريقة التي أدير بها المشروع الفلسطيني من قبل السلطة الفلسطينية في الماضي، أمل الفلسطينيين في  التحرر من الاحتلال وبناء هوية ومجتمع فلسطيني عصري ينتمي إلى هذا العالم. فعدا عن نهج الفساد الذي اتبعته السلطة الفلسطينية الفصائلية  في الماضي، فإن السياسات الأخرى لها  لم تقد إلا إلى المزيد من الاحتلال ونهب الأرض ومصادرتها وتدمير ما تم بنائه بملايين دولارات الدول المانحة، وجعل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني عاطلا عن العمل، وتراجع التعليم وتدهور أوضاع المؤسسات المالية والاقتصادية والصحية وازدياد هجرة الفلسطينيين إلى خارج فلسطين، ولم تتقدم القضية الفلسطينية قيد أنملة على صعيد إحقاق الحقوق الفلسطينية، بل على العكس من ذلك، إذ شهدت القضية الفلسطينية تراجعا كبيرا، تجلى في ذلك التعنت  الإسرائيلي الرافض لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم واتخاذ إجراءات عقابية أتت على الأمل الفلسطيني برمته من خلال انتهاج إسرائيل لسياسة الأرض المحروقة، ومصادرة المزيد من الأرض الفلسطينية وإقامة الجدار العازل وتدمير البنية التحتية، عدا عن آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى والأسرى والمعوقين والمشردين.

هذه التجربة المريرة، التي لم تتعلم منها الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركتي فتح وحماس، شيئا، تجعلنا نميل إلى السياسة التي تعتمد على استبعاد  هذه الفصائل عن السلطة تماما، وتسليمها لخبراء في بناء المؤسسات كافة، سواء منها التعليمية أو الاقتصادية أو الصحية. وإذا كانت حكومة سلام  فياض غير قادرة لوحدها على القيام بتلك المهام التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني، فإننا لا نجد ضيرا من التوجه لاستئجار بعض الإدارات والكفاءات الناجحة من الخارج لمتابعة مهمة البناء.

وغني عن القول أن خبرات المنظمات الفلسطينية في مجموعها، بعيدة كل البعد، عن أن تكون خبرات لها علاقة بما تحتاجه  الدول من أجل بناء الأوطان. وكون هذه المنظمات مارست العمل المسلح من أجل التحرير في الماضي، فإن هذا لا يعني أنها قادرة على كل شيء. ولا يعني أيضا، استمرار الاعتماد عليها في كل المهمات، أو تسليمها لوظائف لا تفقه منها شيئا. ولعل لغة الحديد والنار والمقاومة من خلال (الطخطخة)، لا تصلح لأن تكون لغة الحاضر الفلسطيني الذي يحتاج إلى لغة أخرى،  عنوانها بناء القاعدة التي تحتاجها الدولة. فإذا أراد الفلسطينيون إقناع العالم بأحقيتهم في الحصول على الاستقلال وعلى الدولة التي ينشدونها، فإن عليهم، أن يقدموا كل ما هو قادر على إقناع العالم بأحقيتهم تلك، وفي مقدمتها قدرتهم ومهارتهم في بناء المؤسسات التي لا تقوم الدولة بدونها، وهذا ما لا تستطيع الفصائل انجازه.

إعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع والهوية الفلسطينية، تحتاج كلها إلى عقلية مغايرة تماما للعقلية التي سادت على مدى العود الماضية من عمر الثورة والسلطة. وهي تحتاج أيضا، إلى كفاءات تتكئ على العلم وعلى الحساب والمعرفة والخبرات وليس على التاريخ النضالي لعتاولة هذا التنظيم أو ذاك.

ولعل الاهتمام بالبناء، في هذه اللحظة التاريخية، يكون هو المقاومة الحقيقة التي ستربك إسرائيل وتكذب ادعاءاتها أمام العالم، بعدم أحقية الفلسطينيين في القيام بالأعباء اللازمة لبناء دولتهم. ولنا أن نذكر في هذه العجالة بأن إسرائيل في الحقيقة، لم تقم كدولة في عام 1948، بل تأسست قبل ذلك بعشرات السنين، ومن خلال تركيز الحركة الصهيونية على بناء المؤسسات التعليمية والصحية والمشروعات الاقتصادية منذ عام 1900. وهذا يعني أن إسرائيل لم تبن دولتها فقط على القوة وعلى الدعم الخارجي، بقدر ما عملت، ومنذ البداية، على بناء كل ما من شأنه أن يؤهلها لبناء دولة قوية وراسخة.

التجربة الإسرائيلية في بناء الدولة، كما غيرها من تجارب الدول الأخرى الناجحة، جديرة بالاهتمام والتعلم. فبدلا من أن نستلهم التجربة الجزائرية التي جاءت ب"المناضلين" إلى السلطة ليعيثوا فسادا في الجزائر ويقودونها إلى حرب أهلية، وبدلا من إعادة تكرار مصائب البناء التي اتبعتها الدول العربية، التي اعتمدت بدورها على الشرعية النضالية في الوصول إلى السلطة، والتي أدت إلى دول هزيلة وضعيفة وعاجزة عن تقديم الحدود الدنيا لشعوبها، فإن الأجدى بنا أن نستلهم تجارب الدول  التي نجحت في بناء دول عصرية قادرة على البقاء، وعلى مواجهة كافة التحديات التي يمكن أن تتعرض لها.

وفي مطلق الأحوال، فإنه لا يجوز أن تكون الشرعية النضالية التي يتحدث عنها البعض، مبررا لتخريب الأوطان. وإذا كان هدف المناضلين والنضال، هو الوصول بالوطن والشعب إلى الحرية والاستقلال، فإن المناضلين الحقيقيين هم أولئك الذين لا يرتفعون ليصروا فوق مستقبل ومصلحة بلادهم، وهم الذين يتابعون التضحية ليصير للوطن هو الغاية الأسمى لأي كفاح.

 

  5

لقاء مع سيادة المطران عطا لله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرذوكس

 

 

على هامش أعمال مؤتمر الجاليات والفعاليات الفلسطينية في أوربا والذي انعقد في 30-5-2009 في فيينا، التقينا بسيادة المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرذوكس. وبصعوبة  بالغة تمكنّا من اقتطاع 39 دقيقة من وقته الموزع بين أعمال المؤتمر وبين الكثير من المنظمات والفعاليات والشخصيات التي أصرت على لقائه ودعوته.

دماثته الطبيعية وتلقائيته ومهابته، طغت على كل أعمال المؤتمر. كما أن حضوره المتألق  كان له  كبير الأثر في  التخفيف من حدة العصبية الفلسطينية التي تظهر لدى مناقشة الملفات الساخنة.

أن تعثر على  الأب عطا الله حنا، معناه أن تبحث عن رفيق دربه الشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة في القدس. هذان التوأمان اللذان يكادان لا يفترقان، وكأنهما أرادا من خلال تلازمهما هذا، إعطاء صورة عملية وحقيقية عن وحدة الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحيه.

.. اسمح لنا أن  نرحب بك سيادة المطران عطا الله حنا  في فيينا لحضور أعمال مؤتمر الجاليات والفعاليات الفلسطينية في الشتات الأوربي.

ـ نريد أن نسألك بداية عن الاعتداءات التي وقعت على بعض الرموز الدينية وبعض مقابر المسيحيين في قرية جفنا، وأين وصلت التحقيقات في هذا الأمر، وإذا ما تم العثور على الفاعلين الحقيقيين لهذا الاعتداء؟

ـ لا توجد لدي معلومات حول هذا الموضوع، لأنني غادرت البلاد للمشاركة في أعمال هذا المؤتمر، ولكن أنا أعتقد أن من قام بمثل هذا العمل، إنما قام بعمل سيء، وغير حضاري وغير إنساني. عمل نستنكره ونشجبه بشدة، وبغض النظر عن الدين أو الطائفة التي ينتمي إليها الفعلة، فإن من قام بهذا العمل  يسيء إلى الديانة التي ينتمي إليها، وإلى الطائفة التي ينتمي إليها. ولذلك فأنا أعتقد أن هذا العمل خطير. ولا نستبعد أن يكون وراء هذا العمل أطرافا مشبوهة، وأطراف لا تريد الخير لشعبنا الفلسطيني. وتسعى لإثارة النعرات الطائفية في المجتمع الفلسطيني.

- تستوقفنا هنا جملة ذكرتموها سيادتكم في بيانكم الذي شجب هذه الاعتداءات، فقد قلتم أن المسيحيين هو أصلاء في وطنهم وأنهم ليسوا من مخلفات الحروب الصليبية، ماذا كنتم تقصدون بهذا القول؟

ـ لم يكن المقصود بهذا الكلام سوى التأكيد على حقائق تاريخية وجب أن نؤكدها دائما، لأن الإنسان بطبعه ضعيف وفي بعض الأحيان ينسى، ولذا وجب تذكيره. نحن كمسيحيين في هذا الشرق وفي فلسطين تحديدا، التي هي مهد المسيحية الأول، لم يؤت بنا من أي مكان. نحن أبناء هذه الأرض الأصليين. وكذلك فإن المسيحية لم يؤت بها من أي مكان في العالم. المسيحية من عندنا انطلقت. المسيح ولد في فلسطين. ولد في بيت لحم. وعاش في القدس وفي الناصرة. وفي فلسطين قدم للإنسانية ما قدمه، لذلك وجب التذكير بأهمية فلسطين في المسيحية. والقدس في المسيحية هي قبلة المسيحيين الأولى. ولا يوجد في المسيحية ما هو أهم، وما هو أقدس، وما هو أسمى من مدينة القدس ومن فلسطين بشكل عام. ولذلك  نعتز نحن  الفلسطينيون المسيحيون  بمسيحيتنا، ونفتخر بانتمائنا إلى  الكنيسة المسيحية الأولى التي أسسها السيد المسيح. وهذه الكنيسة حضورها متواصل ولم ينقطع منذ ألفي عام. كذلك فنحن نفخر بأننا جزء من الشعب العربي الفلسطيني، لا بل ونحن جزء أصيل، وجزء هام. فالمسيحيون العرب والمسيحيون الفلسطينيون، لم يؤت بهم من أي مكان في العالم. وهم ليسوا أيضا نوعا من أنواع  مخلفات الاستعمار، بل هم لهم حضور مستمر ومتواصل مدة ألفي عام. وهم يحافظون على شهادتهم الإيمانية، وعلى انتمائهم للأرض، وعلى انتمائهم للحضارة، وعلى انتمائهم للإنسانية. وأنا أود أن أقول بأن المسيحيين في الشرق وفي فلسطين، هم مسيحيون عرب  مائة بالمائة ، وهذه حقائق تاريخية يجب أن يتم التذكير بها. وأنا أتمنى على أولئك الذين يتحدثون عن القضية الفلسطينية، وعن قضية القدس أن يذكروا أهمية القدس في المسيحية، وأهمية القدس في الإسلام، و أهمية القدس في الديانات التوحيدية الثلاثة. وعندما نتحدث عن القدس، فأنه لا يجوز لنا أن نتجاهل أي بعد من هذه الأبعاد التي ترتبط بمدينة القدس. ونحن نعتقد أنها إضافة إلى كونها مدينة مقدسة في الديانات التوحيدية الثلاثة فهي أيضا مهمة بنوع خاص للعرب وللفلسطينيين المسيحيين والمسلمين، إضافة إلى أهميتها طبعا، لكل المسيحيين في العالم ولكل المسلمين في العالم، وفيها قبر السيد المسيح، الذي احتضن جسده  لمدة ثلاثة أيام، ومن ثم قام. وهذه العقيدة، وهذا الإيمان، يعتقد به كل المسيحيين في العالم وليس نحن فقط، الذين نعيش في الأراضي المقدسة. وكذلك المسجد الأقصى المبارك، هو مهم للمسلمين في بلادنا وهو مهم للمسلمين في كل مكان من العالم.

- يلاحظ  الكثير من المراقبين  تصاعدا كبيرا في هجرة المسيحيين الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية في السنوات الأخيرة، فما هو  تفسيركم لهذا التناقص السريع في أعداد المسيحيين وما هي الأسباب التي أدت إلى هذا النزيف، وما هو مدى خطورته على الديمغرافيا الفلسطينية،  وكيف السبيل إلى الحد من هذه الهجرة؟

ـ أولا أنا أعتقد بأن سبب الهجرة المسيحية هو الاحتلال الإسرائيلي وفقط، هو الاحتلال الإسرائيلي. هناك تداعيات لهذا الاحتلال على حياة الناس اجتماعيا ومعيشيا واقتصاديا. والهجرة ألمت بالفلسطينيين مسيحيين ومسلمين، ولم يهاجر فقط المسيحيون، بل هاجر أيضا المسلمون. ولكن آثار هذه الهجرة، تظهر عند المسيحيين أكثر منها عند المسلمين لأنهم أقل  عددا، وبالتالي إذا ما هاجر عدد منهم تكون آثار هذه الهجرة وخيمة وتظهر بشكل واضح. وأعتقد أن هجرة المسيحيين هي نزيف، وهي كارثة، وهي مصيبة كبيرة جدا، لأن المسيحيين هم من المكونات الأساسية لشعبنا وأمتنا،  ولذلك فإن وجودهم عنصر مهم جدا، وهو إثراء للقضية الفلسطينية، وهو إثراء للحضارة والثقافة،  لأنهم  كانوا دائما من الفعلة المخلصين في سبيل القضايا الوطنية.   وكانوا دائما في كل الميادين الإنسانية والاجتماعية والثقافية والوطنية والقومية، وأنا لست الآن  بصدد ذكر أسماء، لأن الأسماء كثيرة،  والقائمة طويلة جدا، هنالك أعلام مسيحيون نفتخر بهم ونفتخر بعطاء اتهم، وبما قدموه. وأنا حقيقة في الوقت الذي فيه أقول بأن كنيسة الأراضي المقدسة، هي كنيسة فلسطين،  هي ليست فقط كنيسة حجر، بل هي كنيسة بشر. وفي الوقت الذي أؤكد فيه بأننا لا نريد أن تكون كنائسنا مجرد أماكن مقدسة يؤمها الحجاج، وإنما أماكن مقدسة يؤمها أبنائها من المسحيين العرب الفلسطينيين. وأطلب من المسيحيين الصمود. ونحن حقيقة لا ننكر أن الواقع صعب جدا، ولكني  أعتقد بأن من أحب كنيسته وأحب مسيحه وأحب إنجيله ومن أحب أرضه ومقدساته ووطنه، عليه أن يضحي في سبيلها. المحبة هي ليست  كلمة  نرددها، إنما هي، أيضا، فعل. من أحب عليه أن يضحي في سبيل من يحب، ولذلك فنحن إذا ما أحببنا كنيستنا، وإذا ما أحببنا مسيحنا وإذا ما أحببنا مقدساتنا وأرضنا، علينا أن نضحي في سبيل من نحب وعلينا أن نصمد، وأن نبقى حتى في الحصار وفي الظروف الصعبة.

- سيادة المطران يقول البعض أن الاحتلال كان دائما موجودا، بكل ممارساته الإجرامية بحق الفلسطينيين جميعا، ومثل هذا الاحتلال لم يستطع النيل من صمود  المسيحيين الفلسطينيين وتجذرّهم في أرضهم ومقاومتهم لكل أساليب الاقتلاع التي مارسها الاحتلال بحق جميع أبناء الشعب الفلسطيني، ألا ترى أن ازدياد ظاهرة التطرف الديني التي يلجأ أصحابها إلى لغة  تكفير وتخوين الآخر والاعتداء عليه،  قد تكون أيضا من ضمن الأسباب التي تدفع بالمسيحيين بالهجرة بتلك الوتائر  المتسارعة؟

ـ أنا أتمنى من كل المسيحيين بدون استثناء، ممن  صمدوا وبقوا في الأرض المقدسة أن يصمدوا وأن لا يتأثروا بأية عوامل، وأن يبقوا في وطنهم ، لأنهم ملح الأرض وهم الخميرة في هذه الأرض، لذلك فأنا أناشدهم أن يبقوا، وأنا أتمنى على المسيحيين الذين هاجروا والذين لديهم الإمكانيات والذين لديهم القدرة، بأن يفكروا بشكل جدي في العودة. وجودنا في الأرض المقدسة هو وجود فاعل ووجود مهم. نحن في فلسطين نعمل من أجل فلسطين ومن أجل القدس، ومن أجل الأرض، ومن أجل القضية ومن أجل القيم الإنسانية وقيم العدالة ولذلك نتمنى أن يكون هنالك الحضور المسيحي الفاعل. وعلينا أن لا نتعلق بهذا الجانب. و أنا أعتقد بأن المتطرفين، بغض النظر عن أية ديانة انتموا، إنما لا يخدمون القضايا الوطنية، ولا يخدمون قضايا التعايش والوحدة الوطنية. كما أعتقد أن المتطرفين سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين، إنما بتطرفهم وبنظرتهم التكفيرية، ونظرتهم التي تنتقص من مكانة الآخر، إنما يسيئون إلى الديانة التي ينتمون إليها، ويسيئون إلى الشعب الذي ينتمون إليه وبمواقفهم لا يخدمون قضية هذا الشعب العادلة. كما وأريد أن أؤكد أيضا، بأن الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال وفي ظل المؤامرات التي تستهدف القضية وحق العودة، والقدس، هو في أمس  الحاجة إلى الوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية. وأنا من أولئك المعتقدين بأن هنالك بعض الأصوات المتطرفة التي نسمعها هنا وهناك، قد تكون الصهيونية وراءها. وفي كثير من المواقع تبين بأن ليس كل من يتحدث بتطرف عن دينه إنما يقوم بهذا من منطلق حماسة لهذا الدين، بل لأنه يخدم أجندات لا علاقة لها، لا بهذا الدين، ولا بهذه الأرض، ولا بهذه القضية وما إلى ذلك. أنا أعتقد جازما، وقد يختلف معي البعض في هذا الموقف، بأن المتزمتين لربما هناك جهات خارجية توجههم، وهذه الجهات، قد تكون صهيونية، أو غير صهيونية، من تلك التي لا تريد الخير لا لأمتنا العربية، ولا لقضيتنا الفلسطينية. أنا لا أنكر وجود أشخاص من هذا النوع، ولكن كيف يمكن لنا أن نواجه هذه الظاهرة؟ هل نواجه التطرف بتطرف والأصولية بأصولية؟ لا.

- ماذا فعلتم لمواجهة هذا التطرف؟

ـ أنا أرى بأننا يجب أن نكون دائما بحالة حوار مع   الجميع. وأنا من أولئك الذين يؤمنون باللقاء الإسلامي المسيحي، والحوار الإسلامي المسيحي. والتواصل الإسلامي المسيحي، لأن الإنسان عدو ما يجهل. وفي رأيي فإن لقاءات من هذا النوع، من شأنها نشر الوعي بين من يحتاجونه من أولئك الذين لديهم مواقف مسبقة ومغلوطة، لأنني عندما لا أعرف المسلم من هو، فهذا يعني أن تكون لدي أفكارا مسبقة وخاطئة عنه، وإذا هو لم يعرفني، فإنه قد تكون عنده مواقف مسبقة عني، ولذلك  أنا أعتقد أن اللقاء الإسلامي المسيحي والتفاهم الإسلامي المسيحي، والحوار الإسلامي المسيحي في فلسطين، هو الطريقة الأفضل لتجاوز مثل هذه الظواهر.

ـ هل تناقشون في لقاءاتكم المشتركة تلك، مثل هذه المشاكل أو الاعتداءات ؟

ـ نحن في فلسطين أسسنا الهيئة الإسلامية المسيحية المشتركة برئاستي وبرئاسة الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين. وهذه الهيئة تعني باللقاء الإسلامي المسيحي والتعاون الإسلامي المسيحي، والعمل على نبذ أية مواقف  قد تسيء إلى الآخر أو تكفر الآخر. ونسعى إلى استعمال لغة احترام الآخر، طبعا، المسلم ، سيبقى مسلما، والمسيحي سيبقى مسيحيا. أنا لا أتحدث عن الوحدة وعن التعاون من منطلق الانصهار وأن نكون في بوتقة واحدة، لأنه لكل واحد منا خصوصيته، فأنا كمسيحي لدي خصوصيتي، وللمسلم لديه خصوصيته، ولكن نحن كعرب وفلسطينيون  نعيش في هذه الديار، نحن ملزمون وواجبنا  الديني والإنساني يدعونا أن نتفاهم وأن نتعاون، من أجل خدمة الشعب الفلسطيني ومن أجل الدفاع عن الأرض وللدفاع عن المقدسات، فبيننا قواسم مشتركة كبيرة وكثيرة، أهمها بأننا نؤمن معا بإله واحد، وننتمي إلى شعب واحد. ونحن أيضا  ننتمي إلى قضية واحدة. وما يوحدنا في فلسطين هو معاناتنا الواحدة وآلامنا الواحدة ونزيفنا الواحد، ولذلك فأنا  أعتقد أن بأن الدين لا يفرق، وإنما  يوحد. وما يوحدنا في فلسطين، هو كل هذا إضافة إلى نضالاتنا الواحدة من أجل أن نحرر مقدساتنا. أنا  أرفض أن يقوم رجال الدين باستعمال أية  تعابير واتخاذ أية مواقف من شأنها أن تثير الفتن والنزاعات. ولذا فأنا أتمنى من كل رجال الدين، وأنا أخاطب هنا رجال الدين المسيحيين ورجال الدين المسلمين، بأن يكرسوا منابرهم من أجل ترسيخ ثقافة التسامح والمحبة والوحدة بين أبناء الشعب الواحد. نحن لا نريد أن يكون عندنا رجال دين يثيرون الفتن، وإنما نريد من رجال الدين أن يوحدوا  الصفوف، ويوحدوا الشعب، وأنا عندما أقول رجال دين، فإني أقصد بذلك رجال الدين المسحيين والمسلمين.

- يتحدث بعض الكتاب الفلسطينيين من المتنورين في مجالسهم الخاصة عن خطورة التحريض الديني الذي يتم من قبل بعض الدعاة المتزمتين في بعض مساجد الضفة وقطاع غزة، ويرى هؤلاء أن بعض الاعتداءات التي حدثت على المسيحيين في فلسطين كانت تتم على إثر خطب متزمتة، هل أتتكم شكاوى معينة بهذا الخصوص، وهل فاتحتم المعنيين بالسلطة الفلسطينية عن الآثار السلبية لهذا التحريض؟ وهل تخشون من أن تستغل مثل هذه الاعتداءات من بعض الجهات الخارجية لإضافة عنصر تفتيت جديد على وحدة النسيج الوطني الفلسطيني؟

ـ أولا هذا الموضوع فلسطيني داخلي يرتبط بالأسرة الوطنية الفلسطينية بالدرجة الأولى، ونحن رفضنا كما سنظل نرفض أية تدخلات أجنبية في هذا الموضوع. وهناك من يأتي من الغرب ويسأل، ويطرح  مثل هذه القضايا ولكن همه الأساسي ليس حماية المسيحيين وليس حماية القضية الوطنية، وإنما حماية الأهداف الاستعمارية والاحتلالية. نحن لسنا مستعدين إطلاقا أن نقدم أي من المواد التي من شأنها أن تستغل إسرائيليا بهدف ضرب وحدة الشعب الفلسطيني. نحن  في الوقت نفسه، لا ننكر وجود أصوات من هذا النوع. ولا ننكر وجود أصوات رجال دين يتصرفون بشكل غير مسئول. ولكن نحن في لقاءاتنا في الهيئة الإسلامية المسيحية المشتركة نناقش هذه القضايا وأنا أود أن أقول لك بأن أول من استنكر الاعتداء على المقبرة المسيحية في جفنا هو مفتي القدس. وهذا موقف نقدره، وأول من استنكر الاعتداءات على بعض الكنائس في فلسطين التي جاءت  كرد فعل على رسومات، أو مواقف صدرت عن قيادات دينية مسيحية، كانوا بعض رجال الدين المسلمين المتنورين. نحن لا ننكر وجود متزمتين عندنا وعند سوانا، ولكن لن نستسلم لهم. ولن نجعلهم هم الذين يسيرون أجندتنا، أو يرسمون لنا ما يجب أن نقوم به. أنا أعتقد بأن أية أصوات تحريضية، أو أية مواقف مسيئة سواء للمسيحيين من قبل المسلمين أو للمسلمين من قبل المسيحيين هي مرفوضة ومستنكرة من قبلنا جملة وتفصيلا.

- سيادة المطران كيف ترون وضع المسيحيين في غزة في ظل حكم حركة حماس؟

ـ المسيحيون في غزة هم مسيحيون يعيشون في مدينة غزة ويمارسون كل واجباتهم الدينية والكنائس مفتوحة. وهنالك مطران في غزة وهنالك كهنة، والكنيسة موجودة في غزة تؤدي رسالتها وخدماتها، والمسيحيون هناك لا يتعرضون إلى أية مضايقات.

- ولكن المسيحيين في غزة تعرضوا إلى الكثير من الاعتداءات  كحرق كنائس وقتل رامي عياد و...

مقاطعا: أنا أود أن أكون واضحا هنا، فمثلا إذا ما قام شخص مسلم بالاعتداء على كنيسة، أو اعتداء على مسيحي، أو قام بأي تصرف غير مسئول، فإن هذا المسلم لا يمثل كل المسلمين وكذلك إذا قام مسيحي بعمل من هذا النوع فإنه لا يمثل المسيحيين. وكل المظاهر السلبية التي حدثت في غزة وغيرها، فإنها صدرت عن أشخاص لا يمثلون الديانة التي ينتمون إليها.

ـ كيف تقيّمون سيادتكم أوضاع المسيحيين الفلسطينيين بعد مجيء حكومة السيد سلام فياض؟  

ـ نحن ككنيسة أرثوذكسية وأنا شخصيا، نسعى من أجل علاقات طيبة مع الجميع. وقد تفاجئي من هذا الكلام الذي سأقوله لك، بأننا على علاقات طيبة حتى مع حركة حماس، وعلى علاقات طيبة مع فتح، وعلى علاقات طيبة مع كافة الفصائل الفلسطينية. أنا لست من أولئك الذين يغلقون باب الحوار أمام  أحد. أبوابنا مفتوحة للجميع وقلوبنا مفتوحة للجميع، وكل إنسان فلسطيني، وحتى لو اختلفنا معه في الرأي، نحن مستعدون أن نتحاور معه. نحن نسعى من أجل مطراننا الموجود في غزة وهو قريب من حركة حماس، وهو أيضا موجود في محيط حركة حماس، ونسعى أن تكون له علاقات طيبة مع حركة حماس، وكذلك أيضا، في الضفة الغربية وفي مدينة القدس. وعادة ما أشارك في مؤتمرات وندوات يكون مشارك فيها أناس من فتح، ويشارك فيها أناس من حماس، ومن كل الفصائل الفلسطينية. والبارحة في قاعة اجتماع المؤتمر كان هناك خليط من كل التيارات السياسية الفلسطينية، وأنا لست ممن يتعاطون الشأن السياسي، من باب أننا نحن مع هذا أو ضد ذاك،  أو نحن نبايع هذا ضد ذاك، هذه ليست رسالتنا ككنيسة. رسالتنا هي أن نحافظ على الحضور المسيحي. وأن نؤدي رسالتنا الدينية، وأن نتحاور مع الجميع، وأن نمارس الانفتاح على الجميع. ونحن حقيقة انحيازنا ليس لفصيل، بل انحيازنا هو للقضية الفلسطينية. وقد سألني ذات مرة أحد الأشخاص من باب المداعبة: إلى أي فصيل أنت تنتمي وأنت تدافع عن قضية فلسطين؟ فقلت له: أنني أنتمي إلى فصيل اسمه الشعب العربي الفلسطيني، نحن لسنا منحازين لأي طرف، ولسنا جزءا من أي نزاع  لا على مناصب، ولا على كراسي، ولا على سلطة. نحن منحازون إلى عدالة القضية الفلسطينية. ومن هذا المنطلق نحن نخاطب الجميع. ونقول للجميع بأنكم يجب أن تتوحدوا، ونحن عندما نعاتب، فإنما نفعل من منطلق الحرص على المصلحة الوطنية، ونحن منزهون عن أية مصالح سياسية، نحن لسنا حزبا. ونحن نخدم قضية الشعب الفلسطيني من كوننا كنيسة. ومن كوننا مطران.  ومن كوننا راع. لقد اقترح علي المرحوم أبو عمار أن أتبوأ منصبا سياسيا قبل عدة سنوات فرفضت. قلت له يا أبو عمار نحن نخدم قضية فلسطين من منطلق كوننا كنيسة ومن منطلق كوني راعي، ومن منطلق كوني مطران، ولا نخدم القضية الفلسطينية من كوننا مؤسسة سياسية، وما إلى ذلك. نحن نخدم قضية فلسطين لأن واجبنا الديني والأخلاقي والإنساني والحضاري هو ما يدعونا إلى ذلك. وأنا أعتقد أن القضية الفلسطينية لها بعد إنساني، وبعد أخلاقي يهمش في كثير من الأحيان في ظل هذه الصراعات السياسية. وهذه الأبعاد المتعددة لقضيتنا هي ما ندافع عنه. أما السياسيون فليفعلوا ما يشاءون. أنا كإنسان أدعو إلى العدالة وإلى القيم المؤسسة عليها، أقف إلى جانب القضية الفلسطينية وإلى جانب الشعب الفلسطيني، لأن إنجيلي ولأن كنيستي ولأن مسيحي يدعوني إلى مناصرة الإنسان المظلوم والمعذب.

- أين وصلت جهود كم من أجل تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين؟

ـ بداية أود أن أوضح المقصود بعبارة التعريب. وأنا أتحدث معك عن هذا الموضوع بصفتي أرثوذكسي، وبصفتي مسيحي، وبصفتي قومي عربي، وأنا من أولئك المتمسكين بالقومية العربية  وبالحضارة العربية وبالثقافة العربية، وأنا عضو في المؤتمر القومي العربي على مستوى الوطن العربي. القومية العربية بالنسبة إلينا، ليست شيئا منعزلا أو متقوقعا، و القومية العربية بالنسبة إلينا ليست  فكرة عنصرية، بل هي شيء منفتح، وهي  شيء ثقافي. وهي شيء حضاري وإنساني، ومن هذا المنطلق، وفي الوقت الذي نؤكد فيه على عروبتنا وعلى انتمائنا للأمة العربية، نؤكد أننا منفتحون على كل الثقافات، وعلى كل الحضارات، وعلى كل الشعوب، وعلى كل الديانات وبدون أي استثناء. وعندما نتحدث عن تعريب الكنيسة، أنا لا أقصد بذلك أن تكون الكنيسة للعرب دون سواهم، ولا أقصد بذلك أيضا، أن نكون متقوقعين في قالب نسميه القالب العربي أو أن نرفض الآخر، ولكن المقصود  بتعريب الكنيسة هو ألا ينظر إلينا نحن العرب المسيحيون وكأننا شيء على  الهامش، أنا أحترم كل المسيحيين الموجودين في الأرض المقدسة من يونانيين وغير يونانيين. القدس كانت دائما مفتوحة لكل مسيحيي العالم. القدس لم تكن يوما حكرا على الجماعة المسيحية التي كانت فيها، بل هي محج لكل مسيحيي العالم، وعندما نتحدث عن التعريب لا نقصد بذلك أننا نريدها لنا وليست لسوانا، إلا أن المقصود من التعريب هو أن يكون لنا حضورنا، أن يكون لنا دورنا، وألا نعامل كغرباء، وألا نعامل وكأننا مسيحيون من الدرجة العاشرة في كنسيتنا، في حين أننا أصحاب هذه الكنيسة وأصحاب هذه المقدسات، والحقيقة أن المشكلة بالنسبة لي لا تكمن في قومية البطريرك، وليس لدي مشكلة أن يكون البطريرك يوناني أو غير يوناني، ولكنني أريده أن يكون أرثوذكسيا، وكلمة أرثوذكسي تعني الاستقامة، استقامة الإيمان، واستقامة الفكر، واستقامة السلوك. وهذا لا يعني أنني أقبل أن يكون البطريرك عربيا حتى وإن لم يكن مستقيما، هذا أيضا لا أريده. أنا أريد بطريركا راعيا أمينا مؤتمنا يؤدي رسالته الإنسانية والروحية ويخدم المقدسات ويحافظ عليها، ويحافظ على الحضور المسيحي. أنا لست عربيا أصوليا ومتزمتا، أو لا أقبل الآخر، ولا توجد مشكلة عندي أن يكون البطريرك يوناني، ولكن أريده أن يكون مخلصا لرسالة الكنيسة. مخلصا للأمانة التي أأتمن عليها ويؤدي هذه الأمانة كما يجب. 

- يقال أن الفتوى التي أطلقها رجال الدين المسلمين بتحريم الحج إلى القدس على إثر احتلاها في عام  1967 وكذلك تحريم البابا شنودة حج الأقباط إلى بيت المقدس، طالما هي تحت الاحتلال الإسرائيلي، هي من الأمور التي ساهمت  بصورة مباشرة في إطلاق يد إسرائيل للقيام بإجراءاتها الرامية إلى تهويد القدس، في ظل غياب الوجود الإسلامي والمسيحي العربي، ما رأي غبطتكم في هذا القول؟

 ـ أنا أعتقد أن زيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي هو أمر مرفوض.

- لماذا؟

ـ لأن الذي يستفيد من زيارة القدس وهي في ظل الاحتلال هو إسرائيل.  وهذا يعتبر  تطبيع مع الاحتلال. أنا أرفض التطبيع لأن كلمة التطبيع تعني أن كل شيء مع إسرائيل بات طبيعيا.

- ولكن كيف يمكن أن يستفيد الاحتلال في ظل وجود إسلامي ومسيحي عربي مكثف ودائم في القدس من خلال مناسك الحج المتواصلة إليها، ألا ترى أن مثل هذا الحج الإسلامي والمسيحي هو ما كان سيعطي للقدس طابعها العربي والمسيحي والإسلامي، وأن هذا الحج كان كفيلا بتكذيب ادعاءات إسرائيل بأحقية اتباع الديانة اليهودية  في احتكار  القدس على حساب أتباع الديانات الأخرى، وكيف للعالم أن يأخذ بوجهة العرب والفلسطينيين حول هوية القدس في الوقت الذي يقاطعها العرب والمسلمون والمسيحيون.؟

ـ هنالك من يقول أن زيارة الأسير ليست اعترافا بالسجان، وإنما هي للتضامن مع الأسير، وهذا كلام صحيح. ولكن  من ناحية أخرى فإن زيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي وبتأشيرة دخول إسرائيلية، لها أبعاد سياسية لا يمكن تجاهلها، وبالتالي أنا أتمنى من كل العقلاء، ومن كل المفكرين، ومن كل رجال الدين التداول في هذا الموضوع واتخاذ مواقف تخدم القضية الفلسطينية، وتخدم القدس دون أن المساس بهذه الثوابت. فمثلا أنا أرفض زيارة قيادات دينية ورموز سياسية للقدس في ظل الاحتلال، ولكن زيارة وفود على مستوى معين شعبي أو حقوقي، فإن هذا  ممكن. ولكن هذا أيضا يجب أن يتم  بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية في القدس.

- هل يعني هذا أن على أهل القدس أن يغادروها لأنها وقعت تحت الاحتلال؟ ثم ألا ترى أنه من الأفضل  للقدس والمقدسيين أن لا يعيشوا مثل تلك العزلة عن امتداداتهم العربية والإسلامية، وأن يتمكنوا بدلا من انتظار المعونات من العيش بكرامة من ما قد تدره  ظاهرة الحج الإسلامي والمسيحي إلى القدس من مداخيل وانتعاش اقتصادي تنتفع منه القدس والمقدسيين؟

ـ هذا السؤال يحتاج إلى المزيد من الوقت، ولكن وفي كل الأحوال فإن أية خطوة، وأي توجه من هذا القبيل، ينبغي أن يتم بالتنسيق مع  المؤسسات الوطنية في القدس، وذلك لكي نضمن أن لا تقوم إسرائيل باستغلاله من أجل إقامة علاقات طبيعية تتوق إليها.

 

 

 6

عنزة ولو طارت

ومؤامرة  ولو لم تثبت 

 

ربما راودنا بعض الأمل في تفسير ما يجري في إيران، من قبل بعض كتابنا بصورة موضوعية ومتوازنة، وخصوصا بعد أن نأت زعيمة "قوى الاستكبار العالمي" بنفسها عن ما يجري في إيران، بإعلان رئيسها باراك أوباما أن ما يجري في إيران شأن داخلي وأنه لا يجد فرقا بين نجاد وموسوي، لأن كليهما ينتميان إلى المؤسسة الدينية ذاتها. وكذلك بعد أن أعلن السيد موسوي  رفضه لأي تدخل خارجي في الشأن الإيراني.

إلا أن  مؤشر "ريختر" للأصابع الأجنبية والمؤامرة الخارجية، عندنا يبقى هو ملك المقاييس على الإطلاق .فهو الوحيد القادر على ستر كل العورات القبيحة وحجبها عن الأعين، وهو المقياس الذي أثبتت فعاليته في حماية السمعة الوطنية  الهشة لبعضنا. وهو القادر على إبقائنا دون عناء، على أعرافنا وتقاليدنا المتوارثة منذ عهود القبائل، إذ من غير المعقول أن نستوعب أن تثور الشعوب على حكامها إذا لم تحركها أصابع أجنبية، وخصوصا، إذا ما كان هؤلاء الحكام من "المعصومين" و "المجاهدين" "العادلين" "المرابطين إلى يوم الدين".

كما أن مؤشر المؤامرة هو، وللأمانة، ذو مواصفات مميزة، فهو سهل الاستخدام، ومأمون العواقب، تماما مثل الواقي الذكري. أو حبوب منع الحمل التي تستخدمها النساء، أو مثل التحاميل في سرعة مفعولها، لأنه لا يحتاج إلى أية موهبة أو ذكاء، أو اجتهاد لمعرفة موضع استخدامه. وهو شبيه أيضا بمؤشر "غوغل" لأنه يعطيك نتيجة البحث بـ"كبسة زر". ولعل من ميزات مقياس المؤامرة أيضا، هو توفره الدائم في "الشارع"، أوفي "الشوارع". فهو شعبي جدا، مثل الفول والفلافل، وبإمكان حتى العوام والأميين العمل به. وهو يمتاز بالإضافة إلى كل هذا وذاك،  بأنه  قليل التكلفة، ولا يتعب الرؤوس، ولا يؤدي بأصحابها إلى الإصابة بإجهاد التفكير.

عدا عن أن منهج المؤامرة، لا يقبل الخطأ، ولا يحتمل التعدد في الرؤى، وهو قابل للتصديق والانتشار السريع، على طريقة قوة الانتشار السريع الأمريكية في المنطقة. فما أن   يفتح آية الله خامنئي فمه ليفسر ما يجري بإيران بوضعه على حبال "قوى الاستكبار الغربي" و"الصهيونية الحقيرة"، حتى تتلقفه الجموع عندنا بالهتافات والتصفيق والتكرار، فالمعصوم نطق. وما على العباد إلا التصديق، وإلا اتهموا في ضعف انتماءهم الوطني.

ولكن ،بعيدا عن الأحجيات والأساطير. دعنا نفكر قليلا ونطرح على سجيتنا السبحانية المتواضعة، أسئلة تتعلق بأمر هذه القوى الأجنبية، فهل لهؤلاء العباقرة أن يكشفوا لنا كيف تمكنت هذه القوى من مد أصابعها لـ"تب..." بإيران؟ما هي الطريقة، وما هو المخطط الذي كشفه ملالي إيران بهذا الخصوص؟ هل قامت هذه القوى مثلا بترشيح موسوي في مواجهة نجاد لانتخابات رئاسة الجمهورية الإسلامية؟ هل قامت هذه القوى بفرز نتائج الانتخابات؟ نحن لا نعرف بعد، كيف نجحت قوى الاستكبار، بين عشية وضحاها من تحويل ابن مخلص للثورة الإسلامية إلى جاسوس، أو عميل، وإلى  تحويل ملايين الإيرانيين إلى خونة وإلى أدوات للمؤامرة؟

نرجو أن تأخذونا بحلمكم وتأخذوننا على قدر عقولنا، فنحن لا نستطيع بعد استيعاب كيفية أن يتحول أحد رجالات النظام المخلصين للثورة الإيرانية وأهدافها إلى شريك في مؤامرة الاستكبار العالمي  على إيران. فكل ما نعرفه أن الرجل المتهم قد قبل ترشيحه للرئاسة، من قبل أعلى السلطات في إيران، بعد معرفة تامة بإخلاصه للثورة الإسلامية ودستورها، وبعد معرفة أصله وفصله وارتباطاته، وكافة توجهاته وحركاته وسكناته.

 أن يطل علينا السيد خامنئي، وأن يردد بعض كتبتنا، الحديث عن أصابع خارجية تتدخل في إيران بتلك الصورة الغير مسبوقة، التي وصلت إلى درجة التأثير بملايين الإيرانيين ودفعهم إلى الشوارع للاعتراض على حكومة أحمدي نجاد واتهامها بتزوير الانتخابات، فإن هذا يدفعنا إلى الشك بقدرات إيران الفعلية التي ادعتها لنفسها على لسان نجاد وغيره من أقطاب النظام، وفي قدرتها على المواجهة التي ادعتها لنفسها. وحديث خامنئي ومن معه، يعني لنا أن قوى الاستكبار اللعينة هذه، باتت قادرة على كل شيء، وأن إيران ليست محصنة بما يكفي لحفظ جبهتها الداخلية، فكيف يستطيع حكامها إقناعنا بقدرتهم على محو إسرائيل عن الخارطة، ومواجهة كل قوى الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها "الشيطان الأكبر" الولايات المتحدة الأمريكية؟

على ملالي إيراني، ومن يطبل ويزمر لهم، أن يراعوا عقولنا ولو قليلا، ويقنعونا بنظرية الأصابع الخارجية، وكيفية عمل آلياتها، وكيفية نجاحها باستقطاب كل هذه الأعداد الهائلة من الإيرانيين فجأة وعلى حين غرة. على هؤلاء أن يخبرونا على الأقل بأهم  تفاصيل تلك المؤامرة المزعومة، كي نقف ونؤازرهم، إذا ما قررت حكومة نجاد محاكمة الجماهير "الخائنة"!!!.

وفي الختام نقول أنه يجب أن لا يفزعنا حقيقة أن يكون الشعب الإيراني من البشر، وأن يكون شأنه في ذلك، شأن كل شعوب الأرض، قابل للتمرد على واقعه وعلى طريقة حكمه، وأن الأيديولوجيا الربانية التي يساق بها، لا يمكن أن تعصب عينيه إلى حد نسيان احتياجاته البشرية، والتعلق بسراب السيطرة على المحيط وتصدير الثورة ، فالناس في نهاية المطاف تحتاج لكي تعيش حياة كريمة، إلى العمل وإلى الرغيف وإلى التعليم وإلى الصحة، وإلى الحرية، وإن الحروب التي عاشتها، كما الوعد بحروب قادمة يقلقها على مستقبلها وعلى مصيرها ومصير أبنائها. وإذا ماكانت شعوب المنطقة قد استسلمت لاستبداد حكامها وصدقت كل ما يقال لها عن سبب تخلفها برميه كله على شماعة المؤامرة الخارجية، فإن هذا لا يعني في مطلق الأحوال، أن نطالب الآخرين أن يكونوا نسخة مكررة عنا.

 

 7

عنزة ولو طارت

ومؤامرة  ولو لم تثبت 

 

ربما راودنا بعض الأمل في تفسير ما يجري في إيران، من قبل بعض كتابنا بصورة موضوعية ومتوازنة، وخصوصا بعد أن نأت زعيمة "قوى الاستكبار العالمي" بنفسها عن ما يجري في إيران، بإعلان رئيسها باراك أوباما أن ما يجري في إيران شأن داخلي وأنه لا يجد فرقا بين نجاد وموسوي، لأن كليهما ينتميان إلى المؤسسة الدينية ذاتها. وكذلك بعد أن أعلن السيد موسوي  رفضه لأي تدخل خارجي في الشأن الإيراني.

إلا أن  مؤشر "ريختر" للأصابع الأجنبية والمؤامرة الخارجية، عندنا يبقى هو ملك المقاييس على الإطلاق .فهو الوحيد القادر على ستر كل العورات القبيحة وحجبها عن الأعين، وهو المقياس الذي أثبتت فعاليته في حماية السمعة الوطنية  الهشة لبعضنا. وهو القادر على إبقائنا دون عناء، على أعرافنا وتقاليدنا المتوارثة منذ عهود القبائل، إذ من غير المعقول أن نستوعب أن تثور الشعوب على حكامها إذا لم تحركها أصابع أجنبية، وخصوصا، إذا ما كان هؤلاء الحكام من "المعصومين" و "المجاهدين" "العادلين" "المرابطين إلى يوم الدين".

كما أن مؤشر المؤامرة هو، وللأمانة، ذو مواصفات مميزة، فهو سهل الاستخدام، ومأمون العواقب، تماما مثل الواقي الذكري. أو حبوب منع الحمل التي تستخدمها النساء، أو مثل التحاميل في سرعة مفعولها، لأنه لا يحتاج إلى أية موهبة أو ذكاء، أو اجتهاد لمعرفة موضع استخدامه. وهو شبيه أيضا بمؤشر "غوغل" لأنه يعطيك نتيجة البحث بـ"كبسة زر". ولعل من ميزات مقياس المؤامرة أيضا، هو توفره الدائم في "الشارع"، أوفي "الشوارع". فهو شعبي جدا، مثل الفول والفلافل، وبإمكان حتى العوام والأميين العمل به. وهو يمتاز بالإضافة إلى كل هذا وذاك،  بأنه  قليل التكلفة، ولا يتعب الرؤوس، ولا يؤدي بأصحابها إلى الإصابة بإجهاد التفكير.

عدا عن أن منهج المؤامرة، لا يقبل الخطأ، ولا يحتمل التعدد في الرؤى، وهو قابل للتصديق والانتشار السريع، على طريقة قوة الانتشار السريع الأمريكية في المنطقة. فما أن   يفتح آية الله خامنئي فمه ليفسر ما يجري بإيران بوضعه على حبال "قوى الاستكبار الغربي" و"الصهيونية الحقيرة"، حتى تتلقفه الجموع عندنا بالهتافات والتصفيق والتكرار، فالمعصوم نطق. وما على العباد إلا التصديق، وإلا اتهموا في ضعف انتماءهم الوطني.

ولكن ،بعيدا عن الأحجيات والأساطير. دعنا نفكر قليلا ونطرح على سجيتنا السبحانية المتواضعة، أسئلة تتعلق بأمر هذه القوى الأجنبية، فهل لهؤلاء العباقرة أن يكشفوا لنا كيف تمكنت هذه القوى من مد أصابعها لـ"تب..." بإيران؟ما هي الطريقة، وما هو المخطط الذي كشفه ملالي إيران بهذا الخصوص؟ هل قامت هذه القوى مثلا بترشيح موسوي في مواجهة نجاد لانتخابات رئاسة الجمهورية الإسلامية؟ هل قامت هذه القوى بفرز نتائج الانتخابات؟ نحن لا نعرف بعد، كيف نجحت قوى الاستكبار، بين عشية وضحاها من تحويل ابن مخلص للثورة الإسلامية إلى جاسوس، أو عميل، وإلى  تحويل ملايين الإيرانيين إلى خونة وإلى أدوات للمؤامرة؟

نرجو أن تأخذونا بحلمكم وتأخذوننا على قدر عقولنا، فنحن لا نستطيع بعد استيعاب كيفية أن يتحول أحد رجالات النظام المخلصين للثورة الإيرانية وأهدافها إلى شريك في مؤامرة الاستكبار العالمي  على إيران. فكل ما نعرفه أن الرجل المتهم قد قبل ترشيحه للرئاسة، من قبل أعلى السلطات في إيران، بعد معرفة تامة بإخلاصه للثورة الإسلامية ودستورها، وبعد معرفة أصله وفصله وارتباطاته، وكافة توجهاته وحركاته وسكناته.

 أن يطل علينا السيد خامنئي، وأن يردد بعض كتبتنا، الحديث عن أصابع خارجية تتدخل في إيران بتلك الصورة الغير مسبوقة، التي وصلت إلى درجة التأثير بملايين الإيرانيين ودفعهم إلى الشوارع للاعتراض على حكومة أحمدي نجاد واتهامها بتزوير الانتخابات، فإن هذا يدفعنا إلى الشك بقدرات إيران الفعلية التي ادعتها لنفسها على لسان نجاد وغيره من أقطاب النظام، وفي قدرتها على المواجهة التي ادعتها لنفسها. وحديث خامنئي ومن معه، يعني لنا أن قوى الاستكبار اللعينة هذه، باتت قادرة على كل شيء، وأن إيران ليست محصنة بما يكفي لحفظ جبهتها الداخلية، فكيف يستطيع حكامها إقناعنا بقدرتهم على محو إسرائيل عن الخارطة، ومواجهة كل قوى الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها "الشيطان الأكبر" الولايات المتحدة الأمريكية؟

على ملالي إيراني، ومن يطبل ويزمر لهم، أن يراعوا عقولنا ولو قليلا، ويقنعونا بنظرية الأصابع الخارجية، وكيفية عمل آلياتها، وكيفية نجاحها باستقطاب كل هذه الأعداد الهائلة من الإيرانيين فجأة وعلى حين غرة. على هؤلاء أن يخبرونا على الأقل بأهم  تفاصيل تلك المؤامرة المزعومة، كي نقف ونؤازرهم، إذا ما قررت حكومة نجاد محاكمة الجماهير "الخائنة"!!!.

وفي الختام نقول أنه يجب أن لا يفزعنا حقيقة أن يكون الشعب الإيراني من البشر، وأن يكون شأنه في ذلك، شأن كل شعوب الأرض، قابل للتمرد على واقعه وعلى طريقة حكمه، وأن الأيديولوجيا الربانية التي يساق بها، لا يمكن أن تعصب عينيه إلى حد نسيان احتياجاته البشرية، والتعلق بسراب السيطرة على المحيط وتصدير الثورة ، فالناس في نهاية المطاف تحتاج لكي تعيش حياة كريمة، إلى العمل وإلى الرغيف وإلى التعليم وإلى الصحة، وإلى الحرية، وإن الحروب التي عاشتها، كما الوعد بحروب قادمة يقلقها على مستقبلها وعلى مصيرها ومصير أبنائها. وإذا ماكانت شعوب المنطقة قد استسلمت لاستبداد حكامها وصدقت كل ما يقال لها عن سبب تخلفها برميه كله على شماعة المؤامرة الخارجية، فإن هذا لا يعني في مطلق الأحوال، أن نطالب الآخرين أن يكونوا نسخة مكررة عنا.

 

 8

إطلالة على مقتل " مروة الشربيني"

العرب  والمسلمون وازدواجية المعايير

 

قامت الدنيا ولم تقعد عندنا، بسبب ذلك الحادث العنصري الذي راحت ضحيته السيدة "مروة الشربيني" على يد متطرف ألماني في قاعة المحكمة في مدينة دريسدن الألمانية. وتبارت كافة وسائل الإعلام العربية لنقل الحدث والتعليق عليه وانتقاد كافة وسائل الإعلام الغربية لأنها لم تسلط عليه الضوء كما ينبغي. ورغم أن الحادث يندرج في إطار الفعل الفردي الذي لا يمكن تعميمه على المجتمع الألماني الذي اهتز لهذه الحادثة وأدانها بكل عبارات الإدانة ابتداء من أعلى هرم سياسي في الدولة الألمانية، ومرورا برؤساء الكنائس، ووصولا إلى منظمات المجتمع المدني الألماني بكافة تنوعاتها وهيئاتها، إلا أن هذا في نظر البعض لم يكن كافيا، وأصر هذا البعض على اعتبار هذا الحادث مؤشرا على عنصرية الغرب وعدائه  للإسلام والمسلمين إلخ.. تلك المعزوفة التي تمطرنا بها  يوميا قناة الجزيرة، ووسائل الإعلام الأخرى المملوكة للاتجاهات الدينية الفاشية في مجتمعاتنا العربية.

لا شك أن الجريمة التي راحت ضحيتها المغدورة "مروة الشربيني" هي جريمة نكراء تتطلب من كل ذوو الضمائر الحية تسليط الضوء عليها وإدانتها بأقسى عبارات الإدانة. لا بل أن المطلوب أيضا أكثر من هذا أيضا،  المطلوب هو  الوقوف بحزم أمام دعاة  الفكر العنصري والتحريضي ومحاكمتهم كمجرمين، تماما كما نفعل مع القتلة، فالرصاصة أو السكين لا تنطلقان بغير زناد الفكر التحريضي القذر الذي يميز على أساس من اللون أو العرق أو الدين. ولأن الفكر العنصري ذو الطابع الفاشي، هو الأسبق في قيادة المجتمعات إلى العنف وإلى ممارسة الجريمة، فإن هذا يتطلب محاكمة مبدعيه ومروجيه كمجرمين.

ودعنا نقول أيضا، أن تسليط الضوء على هذه الجريمة النكراء شيء حسن، وهو دليل صحة وعافية في أي مجتمع، إذا ما كان هذا الاتجاه يعبر عن رؤيا حقيقية ترفض التمييز القائم على أساس من الدين أو العرق أو اللون من حيث المبدأ والجذور، ولكن لا يسعنا إلا أن نلحظ أن تلك الضجة الإعلامية الواسعة لا تستهدف نبذ العنصرية بكافة أشكالها، وهي تقف على أقدام كسيحة لا تؤهلها  للعب هذا الدور. فلقد قتل رامي عياد في قطاع غزة على خلفية دينية، ولم يكلف كاتب فلسطيني نفسه عناء الكتابة لإدانة هذا الفعل الإجرامي، ومرت الجريمة مرور الكرام دون أن تستحق أي توقف أو تعليق. كما تم الاعتداء على كنائس ومقابر وبيوت المسيحيين بالتدمير والحرق  داخل الخط الأخضر، وفي المناطق الفلسطينية في أكثر من مرة، كما حصل مؤخرا في "جفنا" وفي "المغار"و"الناصرة"  و"الرامة" و"عيلبون" و"أم الفحم" و"غزة" وبيت لحم، وغيرها وغيرها من المناطق التي يعيش المسيحيون الفلسطينيون، دون أن يطالب أحد بضرورة تسليط الضوء الإعلامي على تلك الجرائم التي ترتكب على خلفية معادية للمختلف دينيا. ومرت هذه الجرائم، كما ستمر، دون أن تستحق منا كل هذه الضجة الإعلامية.

ليس هذا فحسب، بل أن الاعتداءات على الأقباط في مصر على خلفية عنصرية دينية تحدث يوميا وتخلف ورائها ضحايا من أرواح الأقباط، إضافة إلى الاعتداء على أديرتهم وكنائسهم وممتلكاتهم وبيوتهم بالهدم والحرق، على مرأى من السلطات المصرية وبتواطئها ودعهما في كثير من الأحيان، وهي أيضا تمر مرور الكرام، أمام عدسات المصورين والإعلاميين والقنوات الفضائية، دون أن يقف أي مسئول حكومي مصري ليدين هذه الأعمال، ودون أن تتنكب الصحافة ووسائل الإعلام المصرية أو العربية عناء تسليط الضوء على المحرضين، أو دون أن تحذر من نتائج هذه الأعمال الإجرامية على لحمة النسيج الوطني، ودون أن تنتصر لحقوق الضحايا وهذا أضعف الإيمان.

وهل لنا في هذه العجالة أن نذّكر بما يتعرض له مسيحيو العراق من جرائم تتم بصمت الإعلام الرسمي العربي والعراقي و"تطنيشه"؟ ربما يحتاج هذا إلى بحث آخر مستفيض.

أكرر، أنه لشيء جميل وحسن أن ننتفض لنصرة الضحية "مروة الشربيني" أو أية ضحية تسقط في الغرب على أساس من التمييز، شرط أن لا يكون لدينا مكيالين لقياس الجريمة ذاتها القائمة على أساس  التمييز بين البشر، فكلنا أولاد تسعة، كما يقال. وإذا كان من حقنا أن نستأسد على الغرب، ونطالبه كأساتذة بتطبيق قوانين حقوق الإنسان وقوانين حماية الحريات الدينية، للجماعات والأفراد، فإن العدل والإنصاف نفسه، يتطلب منا أن نفعل الشيء ذاته مع أنفسنا وأمام  المحرضين والمجرمين من أبناء جلدتنا من الذين يرتكبون جرائهم بدم بارد على خلفية دينية.

نأمل أن تصل بلادنا إلى مستوى ألمانيا  حكومة وشعبا وصحافة مرئية ومكتوبة، في كيفية تعاملها مع جريمة "الشربيني"، والجرائم العنصرية الأخرى. كما نأمل  أن تنتفض حكوماتنا وكل قوى المجتمع الحية، على الجرائم التي ترتكب بحق الأقليات الدينية والقومية في بلادنا، كما يجري في الغرب. عندها فقط يمكننا أن نصدق تباكي البعض عندنا على حريات المسلمين في الغرب، وعلى صدق دعواهم بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية المعتقد، وحبهم للعدل ونبذهم لعقلية التمييز العنصري ودفاعهم عن كرامة الإنسان.

 

 9

 

هذا حق مشروع لنسائنا

 ملكة جمال لفلسطين..

ما الذي يمنع؟

 

 

ردود الفعل الغاضبة على تنظيم مسابقة لملكة جمال فلسطين، تكشف وإلى حد بعيد طبيعة الثقافة الفلسطينية البدائية والمتصحرة، والمعادية لكل ما هو إنساني واجتماعي وحضاري وجميل.

لا يمكننا بأي حال من الأحوال الركون إلى التبريرات التي وضعها البعض في معرض رفضه لتنظيم هذه المسابقة، كما لا يمكننا القبول بتلك الحجج والأعذار التي تحاول الاحتماء والتذرع تارة بالدين، وتارة بالعادات والتقاليد، وأخرى بالقضية الوطنية، التي اعتاد الكثير من الفلسطينيين على رمي كل ما هو غث وسقيم فوق شماعتها.

ولنا أن نتساءل حقا ما هذه القضية الوطنية، وما هي تلك العادات والتقاليد التي تستطيع أن تحتمل حروبا يقتل فيها الفلسطيني أخاه، والتي تتسع لوأد المرأة وقتلها على خلفية مزاعم الشرف، كما تحتمل الجوع والتسول، وكافة أشكال الفساد، في الوقت الذي  تضيق فيه لاحتمال رؤية بهاء وجمال المرأة الفلسطينية؟

المسألة باعتقادنا ليس لها علاقة بالقيم الدينية المزعومة، ولا بالعادات والتقاليد بقدر انتمائها إلى منظومة متكاملة من المفاهيم التي تقوم على أساس الاحتقار كل ما هو إنساني وكل ما هو حي، وكل ما هو جميل في المجتمع الفلسطيني. المسألة تتعلق أولا وأخيرا بثقافة الموت التي تتسيد التفكير الفلسطيني القروسطي. ودعنا نقولها صراحة ودونما تردد أن  الثقافة الفلسطينية السائدة، لا تميل إلى رؤية أي مظهر من المظاهر التي تؤشر على وجود حياة طبيعية وصحية. ومنظري فلسفة الموت هؤلاء، لا يطيقون أي مظهر من مظاهر الحياة تلك.

فلسفة احتقار المرأة كما احتقار سنن الحياة بكل أشكالها وتعابيرها ومظاهرها، والتي تتخفى بجبن وقحة، وراء الدين والعادات والتقاليد، لا تحتمل رؤية المرأة الفلسطينية حية، فكيف إذا رأتها وهي في أوج جمالها وزينتها وبهجتها؟ هؤلاء لا يتحملون أي تعبير عن الفرح، وخصوصا إذا كان مصدر هذا الفرح هو المرأة. وهم إنما يطربون أيما طرب لصورة المرأة   الميتة أو الخانعة، أو تلك المجللة بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها.

والمرأة الفلسطينية، بنظر هؤلاء، لا يحق لها أن تكون جميلة مثلها مثل كل نساء الأرض، ولا يجوز لها أن تتسابق على عرش الجمال، والمرأة المقبولة في مجتمعنا الفلسطيني هي  فقط، تلك التي تقبل أن  يتم انتزاعها  من بين أطفالها ليذهب بها البعض في عملية انتحارية باسم الوطن. المرأة الفلسطينية الشريفة والتي تستحق الاحترام في رؤى منظري فلسفة  الموت، هي فقط المرأة الحزينة النائحة على فقدان  الأب أو الأخ أو الزوج في حروب الأخوة، أو الحروب العبثية التي لا طائل من ورائها، أو هي تلك، التي تبتلع مشاعر الحزن الطبيعية التي وهبها إياها الله، لتقف فوق جثة فلذة كبدها لتزغرد، وذلك إرضاء منها لتجار الدم وتجار القضية الفلسطينية.

لا يجوز للمرأة، بعرف هؤلاء، أن تغادر قبورهم التي حفروها لها، ولا يجوز لها أن تظهر للعلن لتعبر عن نفسها وعن أنوثتها. وإذا ما أرادت أن تدخل مسابقة ما، فإن مسابقة الموت هي المناسبة الوحيدة التي يحق لها أن تخوضها وتتألق بها. هذه هي عاداتنا وتقاليدنا وعرفنا، وهذا هو فقط ما يوافق شرعنا؟؟!!!!

هذه هي ثقافتنا البشعة التي علينا جميعا احترامها والانصياع إليها. وعلينا، كما على  العالم أن يتقبلها  صاغرا، دونما جدل أو نقاش.

لا يا سادتي، لن ننصاع جميعا لنداء الثقافة اللعين هذا، فجمال نسائنا هو جزء لا يتجزأ من جمال فلسطين التي ندافع عنها وعن حريتها وعن كل جمالياتها. وإذا كان لا بد لنا من قول كلمة حق، فإن الأولى أن نقول أن من حق النساء جميعا في فلسطين أن يعبرن عن أنفسهم بكل الطرق التي يرونها مناسبة، ودونما تدخل من أي أحد. وحقهن هذا، ليس نابعا فقط، من طبيعة سنن الحياة وحدها، بل بصورة خاصة لأن نساء فلسطين هن الأجدر من بين جميع رجالها في كل شيء. ولا يستطيع كائن من كان أن يعطي هؤلاء النسوة دروسا في الشرف، فيكفي نساءنا شرفا، أنهن  لم يمارسن الفساد الذي استشرى في فلسطين على يد رجالها. يكفي نساءنا شرفا أنهن لم يعتدين على المال العام، وبإمكان نساءنا أن يذهبن إلى أية مسابقة وهن مرتاحات الضمير، لأن أيديهن ليست مغمسة بدماء شعبهن. يكفي نساءنا شرفا أنهن بريئات من جريمة تقسيم الوطن إلى أشلاء. وهن بالمقدار ذاته بريئات من جريمة رمي الرجال المخالفين من الأبراج العالية، وبريئات من تهمة التمثيل في الجثث في شوارع غزة  وأزقتها.

لا يجوز أبدا أن يسمح لمن غمست يديه بالدم الفلسطيني، بإعطاء نسائنا دروسا في معنى الشرف، هو أحوج ما يكون إليها. أجل، تستطيع امرأتنا أن تذهب إلى أية مسابقة تريدها، وهي مطمئنة على سمعتها وعلى حسن سلوكها. وأنها وحدها القادرة على إعطاء دروس عن معنى الشرف لمن يجهلونه. وهي الوحيدة المخولة لتكون الأشرف والأجمل والأبهى والأجدر بكل المعاني النبيلة والشريفة.

وفي الختام، ندعو الجميع إلى التوقف عن هذه الاستعراضات المسرحية، وهذا  التباكي الكاذب على ما يسمى في مجتمعنا زورا وبهتانا شرفا، فالشرف الفلسطيني لا ينبغي له  أن يقبل التجزئة أو القسمة، والشرف بما هو منظومة كاملة ومتكاملة من القيم القابلة للحياة، لا يعني أن يرتكب بعضنا، وبدم بارد كل المخازي والجرائم بحق مجتمعه وشعبه، وقضيته ثم يصحو فجأة ليتذكر ويغضب للشرف المزعوم في فعالية راقية وحضارية وإنسانية، تقوم بها النساء، لا لشيء، إلا لتذكير الفلسطينيين بقيم الحياة التي جرى التضحية بها لقاء لا شيء، أو إرضاء لتجار السياسة ومحبي رؤية الجثث والأكفان.

إن هذا والله لأكثر من معيب، وهو الحرام، وهو العار بعينه.

 

 10

إنهم يعهرون

الشريعة!!

لا أحد استطاع أن يحط من قدر الإسلام بمقدار ما فعله أهله به، فلا الغرب، ولا المعاديين المفترضين للإسلام، ولا حتى صاحب الرسوم الكاريكاتورية الدانمركي، استطاعوا الإساءة للإسلام  والنزول به إلى  الحضيض بمقدار ما فعلته طائفة كبيرة من المعتوهين من  شيوخنا ومريدينا  في هذا الزمن الأغبر.

لا نستطيع إلا أن نتهم كل أولئك الشيوخ والمريدين ومن لف لفهم، من الذين دخلوا من باب الإفتاء ليعطوا لأمراضهم وعقدهم النفسية وميولهم الجنسية الشاذة ورغباتهم الداعرة، طابعا شرعيا.

أمثال هؤلاء هم من  ينبغي فضحهم  وتعرية دورهم الحقيقي والمباشر ليس في الإساءة إلى العقيدة الإسلامية فحسب، بل بسبب دورهم التحقيري وإساءاتهم البالغة إلى الكثير من القيم الإنسانية النبيلة التي تعارفت عليها البشرية والأديان كافة.

لقد حط هؤلاء من قدر الزواج والأسرة، بمقدار ما حطوا من دور المرأة والطفل والرجل وكل ما يمت للحياة السليمة والقويمة في مجتمعاتنا بصلة.

وربما كان الأجدى بنا قبل أن نطالب الآخرين بإزالة القذى من أعينهم أن ننزع نحن  تلك الخشبة الكبيرة التي تعمي أعيننا، وربما كان من المستحسن قبل توجيه أصابع الاتهام  للغرب بالإساءة إلى معتقداتنا، أن نحاول أن نقف مع أنفسنا وقفة ضمير لتنقية صفحتنا وتنظيف بيتنا من تلك الأفكار والمعتقدات التي بث سمومها بعض الشيوخ المعتوهين في بلادنا وقاموا بإخراجها على شكل فتاوى ادعت لنفسها ، النطق باسم الشرع والشريعة.

ونحن لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نقبل أو نتفهم، أو نبرر اعتداء أمثال هؤلاء على مؤسسة الزواج بما هي مؤسسة مقدسة، وبما هي خلية أولى للمجتمعات القابلة للحياة، وتحويلها بخفة واستخفاف إلى مكان للدعارة.

لكن هذا ما حصل ويحصل يوميا بقحة أمام أعيننا، ودون أن يتجرأ إلا القليل القليل، على نقد مثل هذا التفكير الشاذ وفضح أصحابه، لقد تحول الزواج في الإسلام  بما هو مؤسسة دائمة وواحدة لا تقبل القسمة، وبما هو مودة ورحمة ورباط مقدس دائم بين الزوجين اللذان ينجبان الأبناء ويتحملان مسؤولية تربيتهما، إلى أنواع لا حصر لها من زيجات "على الماشي" لا تخرج جميعها عن معنى الإمتاع الجنسي الذي توفره عادة علب الليل ومواخير الدعارة.

لقد أتحفنا هؤلاء الذين أرادوا تدنيس مؤسسة الزواج بفتاوى تنتهك حرمته بقحة نادرة  لتحوله إلى زواج "متعة" وزواج "مسيار" وزواج "مصياف" وزواج "عرفي" وآخر"سري" وزواج "على بيتها" إلى آخر ما هنالك من تسميات ومعاني ما أنزل الله بها من سلطان، وتفيد جميعها بالحط من قيمة وقداسة رباط الزوجية وتنزل بها  إلى أسفل السافلين.

لقد بتنا نسمع بأنواع بأسماء متعددة للزواج العابر والمشروط والمؤقت، لم نكن نسمع بها مطلقا في الماضي، ومن حقنا أن نتساءل إذا ما كانت إرادة الله تجيز أن يكون الزواج "على الماشي" أو عابرا أو ملتقطا  على الطرقات كذاك الزواج المدعو بـ"المسيار"؟. أي دين هذا الذي يبيح للرجل أن يتزوج زواجا لا تتجاوز مدته الإجازة الصيفية للرجل خارج بلاده؟ وأي إله هذا الذي يبارك رغبة رجال يريدون أن يستمتعوا بامرأة لفترة مؤقتة في إجازاتهم ثم يقومون بلفظها لدى عودتهم كذاك الزواج المدعو بـ"المصياف"؟ أهكذا كرّم الله المرأة في الإسلام؟ أهذه هي عظمة الإسلام؟ أم هذا هو إعجاز القرآن الذي يتشدق به بعض المفترين عليه جهارا نهارا؟

ما طينة هذا الإله الذي يقبل أن بوجود مليون ونصف طفل في مصر وحدها غير محددي النسب بسبب ما يدعى بالزواج "العرفي" الذي أفتى به شيوخ الشهوات العابرة؟ أي شريعة تلك التي تهتم بمتعة الرجل الجنسية على حساب الأسرة وعلى حساب مصلحة الأبناء الذين يقذف بهم  إلى مصير مجهول، وإلى الشوارع مجردين من النسب ومن رعاية الأبوين وحمايتهما، ومجردين من أبسط  حقوقهم الاجتماعية والإنسانية؟

نحن لا ندري حقيقة إذا كان من حق الشيوخ تصوير الله بصورة رذائلهم!!! ولا ندري من أين يستمدون الحق في الإعلان عن تلك الفتاوى التي تريد أن تقنعنا بأن  الإرادة الإلهية تبارك كل ملذات الرجل الجنسية وشهواته وهلوساته وتضعها فوق كل تلك الاعتبارات الأخلاقية والأسرية والاجتماعية والإنسانية؟!!!!!!!

وهل يمكننا بعد كل تلك التصورات التي تقدم الإسلام في الصورة التي  تحط  من قيمة الإنسان الذي تحوّل على أيدي هؤلاء العابثين إلى مجرد حيوان متنقل وحامل للشهوات، أن نطالب الغرب باحترامنا واحترام عقيدتنا؟ وهل يمكننا أن نطالب الآخرين باحترامنا ونحن لا نحترم أنفسنا ولا نحترم عائلاتنا ولا نحترم امرأة أو طفل؟

متى يكف بعض شيوخ الإسلام عن النظر إلى مؤسسة الزواج نظرتهم  إلى علب الليل؟ ومتى يكف هؤلاء عن النظر إلى نسائنا بمنظور بائعات الهوى وبائعات الحب الرخيص والعابر؟ متى يستطيع أمثال هؤلاء الشيوخ التمييز بين بيت الزوجية  وبين الماخور؟

وهل بإمكان هؤلاء الذين لا يقيمون وزنا إلا لشهواتهم الجنسية، أن يصلوا إلى  النظرة الإنسانية في اعتبار الزواج مسؤولية كاملة تشمل كافة أفراد الأسرة، وشراكة كاملة ودائمة، وليست فقط مجرد مكان لإشباع الرغبات الجنسية؟

ومتى تصبح مجتمعاتنا قادرة على التصدي لأصحاب كل هذه الترهات؟

متى؟؟؟.. متى؟