Bookmark and Share

 

 

 

 

 

 

 

ناصر وخروشوف

مسيرة تعاون

د. سامي عمارة

 

(1-3)

 

لم تكن الخلافات بين الزعيمين جمال عبد الناصر ونيكيتا خروشوف ورغم كل ما اتسمت به من حدة وتجاوزات في بعض جوانبها، لتحول دون إعلان كل منهما عن حرصه وتمسكه بضرورة مواصلة مسيرة التعاون والانصراف إلى ما هو أجدى وأنفع. وقد كشف ما أعقب ذلك من اتصالات ومداولات عن إعلاء الزعيمين للعام دون الخاص، ما عكسته الزيارات التي قام بها المشير عبد الحكيم عامر لموسكو، وما أسفرت عنه من نتائج مثمرة، سجل السفير السوفييتي في القاهرة يروفييف بعضاً منها في رسائله التي بعث بها إلى قيادته في وزارة الخارجية في موسكو. ومن واقع ما اطلعنا عليه من وثائق في أرشيف وزارة الخارجية الروسية يمكن القول بنجاح الجانبين في تجاوز خلافات الأمس ومواصلة مسيرة التعاون بين البلدين في مختلف المجالات دون التقيد بالأطر الثنائية التي تجاوزاها إلى ما وراء حدود الجمهورية العربية المتحدة، تأكيداً على أهمية وضرورة التنسيق المشترك بين البلدين على الصعيدين الثنائي والدولي، بما في ذلك داخل إطار منظمة الأمم المتحدة.

انطلقا في تعاونهما من أسس ومقتضيات الأمن القومي للبلدين

كان السفير السوفييتي يروفييف قد بعث في 16 نوفمبر 1960 رسالة إلى وزارة الخارجية السوفييتية تحت رقم 493 حول لقائه المشير عامر في الثاني من نوفمبر 1960 حول الإعداد لزيارته المرتقبة للاتحاد السوفييتي، قال فيها:

"تطرق الحديث إلى رأينا في محادثات ناصر مع خروشوف، وقلت إنها وحسب علمي اتسمت بطابع الصراحة، وإن رئيس الحكومة السوفييتية وصفها الآن بأنها طبيعية وعادت إلى طابعها الجيد، وأن الزعيمين اتفقا على تطويرها وتعزيزها".

وعرج عامر على تناول ما جرى خلال زيارتيه السابقتين للاتحاد السوفييتي، وكذلك لقاءاته مع خروشوف. قال إنه وجد لغة مشتركة فيما يتعلق بالعلاقات السياسية والاجتماعية، لكنه لا يستطيع أن يقول ذلك بشأن العلاقات العسكرية. ثم أضاف مازحاً: إنه لن يعود هذه المرة إلى القاهرة، إذا لم يصل إلى اتفاق حول القضايا العسكرية.

وأضاف المشير عامر أنه يريد التزام الجانب السوفييتي بما وعد به خروشوف حول شروط توريد الأسلحة والمعدات. وحين أجبته بأن الاتحاد السوفييتي نفذ ما وعد به خلال الظروف الاستثنائية التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط، وأن الأمور الآن قد هدأت وتتجه صوب الأحسن، قال عامر إنه وعلى العكس فإن الأمور تسير نحو الأسوأ وهو ما يتطلب دعم القدرات الدفاعية للبلاد. وضرب مثالا على ذلك بما تنتهجه الجمهورية العربية المتحدة من سياسات الحياد الايجابي ودعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا، ما يلحق الأضرار بمواقع البلدان الغربية في القارة الإفريقية، وما يجعلها تبذل الجهود من أجل إرغام الجمهورية العربية المتحدة على التخلي عن هذه السياسات عن طريق:

1- الإجراءات الاقتصادية التي ستكون ضعيفة التأثير في حال تلقي الدعم من جانب الاتحاد السوفييتي.

2- التعاون في البلدان الإفريقية مع العناصر الرجعية وهو ما يمكن تجاوزه.

3- استخدام "إسرائيل" كقوة مضادة لـ ج ع م، وهو ما يشكل خطراً جدياً.

وطلب عامر من الاتحاد السوفييتي إمداده بالأسلحة لحل مشاكلهم والتصدي لهجمات "إسرائيل"، نظراً لأنها وفي حال شنها لأي عدوان لن تكون وحدها، فضلا عن أنها سوف تملك فرص استخدام القواعد الموجودة في الأردن وقبرص، وربما في أراض أخرى أيضاً، على عكس عدوان 1956. كما أن القوى الإمبريالية سوف تساعد "إسرائيل" في هذه المرة سراً ..

ورقة "إسرائيل"

وراح عامر يستعرض ما تمنحه الدول الغربية لـ"إسرائيل" من أسلحة ومقاتلات بأسعار وهمية مثل الميراج التي يقدر ثمنها بمئتي ألف جنيه إسترليني، تبيعها فرنسا لـ"إسرائيل" بمبلغ 80 ألف جنيه. ومن المعروف أن "إسرائيل" تعاقدت على شراء 60 مقاتلة من طراز ميراج قبل دخول مثل هذه المقاتلات الخدمة في القوات المسلحة الفرنسية. وقال إن الدول الغربية تريد السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتستخدم "إسرائيل" كورقة أخيرة للعب بها في اللحظة الحاسمة.

وتساءلت.. كيف يمكن الربط بين ما يقوله حول إن الولايات المتحدة تساهم في إعداد "إسرائيل" من أجل مهاجمة ج ع م في نفس الوقت الذي تقدم فيه القروض إليها والتي بلغت حسبما تقول مجلة "روز اليوسف" ما يقدر ب 140 مليون دولار؟

وراح عامر يؤكد أن ج ع م وافقت على قبول هذه القروض لأنها تغطي احتياجاتها من المواد الغذائية ولا تتعلق بمجالات الإنتاج، كما أن الأمريكيين كعنصر توازن، يمكن أن يساهموا في تضليل الأوساط الاجتماعية إلى جانب محاولة إقناعنا بان الأمريكيين يساعدون "إسرائيل" والعرب على حد سواء. وأشار إلى أنهم يدعمون بالمال والسلاح في لبنان أيضاً حزب الكتائب الذي يتزعمه بيير الجميل.

علاقات تل أبيب وموسكو

ولم تكن "إسرائيل" تقف بمنأى عن التقارب المصري السوفييتي، حيث عادت لتواصل محاولاتها رأب الصدع الذي كان أصاب علاقاتها مع العاصمة موسكو في نفس الوقت الذي كانت تتابع فيه بالكثير من الاهتمام كل مشاهد التقارب مع مصر، بما في ذلك ما يتعلق بالتعاون العسكري بين البلدين.

وفي الوقت الذي راحت تتصاعد فيه وتيرة الخلافات مع الحكومة "الإسرائيلية"، كانت موسكو تسير قُدُما على طريق الاستجابة لكل طلبات القيادة المصرية، بما فيها ما يتعلق بسياساتها خارج حدود "الجمهورية العربية المتحدة". وفي كتابه "ملفات سرية"، كشف ليونيد مليتشين عما قدمه الاتحاد السوفييتي من مساعدات عسكرية، دعماً لمشاركة مصر في حرب اليمن. وقال المؤرخ الروسي المعروف بموالاته لـ"إسرائيل":

"إن عبدالناصر طلب إمداد القوات المسلحة المصرية بطائرات النقل من طراز "انطونوف-12"، لنقل قواته إلى اليمن لدعم الثوار الذين أطاحوا نظام الإمام أحمد في اليمن في سبتمبر/ أيلول 1961. وأضاف أن موسكو استجابت لهذا الطلب، بل وأرسلت طيارين سوفييت لقيادة هذه الطائرات نظراً لعدم وجود طيارين مصريين مؤهلين لقيادة طائرات النقل الثقيلة".

واستطرد ليقول إن الأمر لم يقتصر عند حد طلب طائرات النقل حيث سرعان ما تقدمت القاهرة بطلب الحصول على قاذفات سوفييتية. وكشف مليتشين عن أن هيئة رئاسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ناقشت في 11 أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام طلب المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية المصرية بشأن إمداد القوات المسلحة المصرية بقاذفات "تو-16" لاستخدامها في حرب اليمن.

وقال إن خروشوف رفض في البداية الاستجابة لهذا الطلب لكنه سرعان ما عاد عن موقفه، ليعلن عن موافقته على بيع هذه الطائرات، وإرسالها إلى مصر مع طيارين سوفييت، نظراً لعدم توفر الطيارين المؤهلين لقيادة هذه القاذفات، لكن دون الإعلان عن ذلك بطبيعة الحال.

ونقل مليتشين عن خروشوف بعضاً مما أشار إليه في مذكراته حول علاقته مع عبد الناصر:

"لقد كانت رؤية عبد الناصر للاشتراكية فريدة من نوعها. وكنا نعتقد أحيانا أن عبد الناصر يضلل شعبه حين راح يدعو إلى ما كان يسميه بالاشتراكية على الطريقة العربية، وهو ما كان سبباً في الفتور الذي طرأ على علاقاتنا، ولم يدم طويلا لحسن الحظ.

والآن.. عن انتصارات مصر.. فإذا كان عبد الناصر وقبل خلافاتنا التي يعزوها إلى تدخلنا فإنه راح وبعد التوتر الذي كان أصابها لبعض الوقت، يقول إن مصر انتصرت بفضل إرادة الله. وحين التقينا بعد استعادة العلاقات بيننا إلى سابق عهدها الودي تساءلت على نحو أقرب إلى التلميح عمن ساعده نحن أم الله؟، وهو ما رد عليه بالابتسامة".

وأضاف مليتشين أن غيوم الخلافات بين البلدين سرعان ما انقشعت ليعود البلدان إلى سابق عهد صداقتهما السابقة والتي كانت أساساً لتوقيع اتفاقية سلاح جديدة في يونيو 1963 تضمنت إرسال الدبابات من طراز "ت-54"، والقاذفات المتوسطة من طراز "تو-16" المزودة بصواريخ "جو-أرض"، والمقاتلات ـ الاعتراضية من طراز "ميغ -21".

مشكلة الكونغو

ونعود إلى وثائق الخارجية التي تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن أن الزعيمين ناصر وخروشوف انطلقا في تعاونهما من أسس ومقتضيات الأمن القومي للبلدين والتي تقول إنّ الأمن القومي للوطن لا يتوقف عن حدوده الجغرافية، وأنه يتطلب الكثير من الخطوات والإجراءات التي تكفل ضمانه وتأمينه بعيدا عن حدوده الدولية، وهو ما كشفت عنه الرسالة "السرية" التي بعث بها السفير السوفييتي في القاهرة يروفييف إلى وزارته في 24 نوفمبر 1960 تحت رقم 526 حول لقائه علي صبري وزير الدولة، مدير مكتب الرئيس عبد الناصر وقال فيها:

"التقيت علي صبري في مكتبه بدعوة منه. قال إنه استجاب لطلب موسكو حول اطلاعنا على الأوضاع في الكونغو. وقال إن الدول الاستعمارية تحاول بكل السبل توطيد مواقعها في الكونغو من خلال الاعتماد على القوى الرجعية ويمثلها العقيد موبوتو وكاسافوبو وكالونجي.

وقال صبري: إن هذه القوى الاستعمارية وحين وجدت أن تشومبي لا يستطيع تنفيذ أهدافهم في الكونغو تحاول استمالة كالونجي من مديرية كاساي لتأكيد أن المناطق الأخرى في الكونغو تبدو ذات توجهات انفصالية شأنها في ذلك شأن كاتانجا. وأضاف صبري أن الأمريكيين والبلجيك والانجليز وكذلك الفرنسيين يواصلون دعم موبوتو من خلال تقديم الأموال لرشوة أنصاره في الجيش في الوقت الذي يفتقد فيه رئيس الحكومة باتريس لومومبا مصادر التمويل. كما أن الاستعماريين يحاولون سلب لومومبا كل مصادر الدخل في البلاد وتقويض مكانته في أوساط الشعب والجيش والبرلمان. والآن تفتقد الحكومة المركزية في جمهورية الكونغو الميزانية والأموال.

وأضاف إلى ذلك قوله إن الامبرياليين وبعد أن تأكدوا من أن الأعمال التخريبية ضد الجيش أيضا ليست كافية، بدأوا في محاولة رشوة أعضاء البرلمان في محاولة لاستمالتهم إلى جانب مواقفهم لعقد جلسة لسحب الثقة من حكومة لومومبا وإطاحته بطريقة شرعية، واستبداله بآخر موال لهم.

دور مزدوج

أما عن دور الأمم المتحدة فقد قال الوزير صبري إنه إذا حاول ممثلو المنظمة الدولية الحيلولة دون تنفيذ هذا التكتيك من جانب المستعمرين فإنهم يكونون بذلك يستهدفون رفع مكانة حكومة لومومبا. وأضاف أن ممثلي الأمم المتحدة يلعبون الآن دوراً مزدوجاً.. فهم لا يؤيدون الحكومة المركزية ولا يسمحون للعقيد موبوتو باعتقال لومومبا من جانب، ومن جانب آخر لا يوفرون للومومبا حرية الحركة ويسلبونه فرص الاتصال بالشعب والبرلمان!

ويتلخص مثل هذا التكتيك في إقناع لومومبا وخصومه بأنهم لا يستطيعون توقع إحراز النصر لأي من الجانبين وأنهما يجب أن يجلسا معا حول مائدة المفاوضات للاتفاق حول تشكيل الائتلاف. وما إن بدأت الأمم المتحدة تعمل في هذا الاتجاه حتى راح المستعمرون يحاولون إقناع موبوتو وكاسافوبو بعدم الموافقة على ذلك .

وبعد ذلك أوجز صبري موقف ج ع م تجاه مسألة الكونغو في هذه المرحلة مع مراعاة كل القوى العاملة هناك، وهي الاستعماريون ومنظمة الأمم المتحدة والدول الإفريقية المرتبطة بالغرب والبلدان الإفريقية المستقلة التي تريد صادقة تأكيد الوجود الشرعي لحكومة لومومبا، في ظل الفرقة بين القبائل التي يؤججها الامبرياليون .

وتعتقد حكومة ج ع م في أن موبوتو لن يستطيع التحكم في الأوضاع في الكونغو، كما أن الأوضاع غير المستقرة هناك ليست في صالح لومومبا. ولذا فقد تقدمت حكومة ج ع م بمشروع قرار إلى الأمم المتحدة تدعو فيه إلى الاعتراف بممثلي لومومبا بأنهم أصحاب الحكومة الشرعية الوحيدة في الكونغو بما يكفل للأمم المتحدة لاحقاً العمل الشرعي ضد موبوتو. وخشية إسقاط هذا المشروع قدم ممثلو ج ع م والدول الإفريقية الأخرى اقتراحاً يقضي بإرسال لجنة تمثل الدول الإفريقية لتقصي الحقائق لمحاولة المصالحة".

.........

التعاون المصرى ـ الروسى فى إفريقيا

(2ـ3)

رسالة خروشوف إلى عبد الناصر حول دعم حركة التحرر

 

وتمضى مسيرة التعاون والتنسيق المشترك بين القاهرة وموسكو في إفريقيا. ويتدخل الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف من أجل علاقات أكثر شفافية، ويبادر بمخاطبة عبد الناصر بشأن الأوضاع في الكونغو في رسالة بعث بها مع سفيره في القاهرة يروفييف، تأكيداً من جانبه لبدهيات تأمين الأمن القومي لكل من البلدين بعيداً عن حدودهما الجغرافية، وإدراكا لاحتمالات المواجهة مع آخرين، طالما عرفهم العالم من واقع ما ارتكبوه من أخطاء وخطايا في حقوق الكثير من الشعوب الافريقية والآسيوية.

وكان يروفييف قد أوجز ملابسات ذلك الموقف في "رسالته التي بعث بها إلى الخارجية السوفيتية تحت رقم 510 بتاريخ 22 نوفمبر 1960"، حول لقائه مع عبد الناصر وقال فيها:

"استقبلني ناصر في 12 نوفمبر بناء على طلبي. سلمته نص الرسالة التي بعث بها في 8 نوفمبر خروشوف رئيس الحكومة السوفيتية وترجمتها غير الرسمية الى الانجليزية، حول الأوضاع في الكونغو. وبعد اطلاعه على مضمون الرسالة طلب ناصر إبلاغ خروشوف بأنه متفق تماما مع طرحه وتقديره للأوضاع في الكونغو.

وأضاف ناصر أن حكومة ج ع م ترى ضرورة سرعة إيفاد لجنة المصالحة المشكلة من الدول الإفريقية بتكليف من الأمم المتحدة، الى الكونغو. وأعلن اتفاقه مع خروشوف حول إرسال قوات إفريقية موحدة الى الكونغو لتأييد السلطات الشرعية هناك. وقال إنها فكرة طيبة لكنها غير قابلة للتطبيق نظرا لعدم الاتفاق في الرأي بين الدول الإفريقية في مثل هذه الظروف.

وأشار ناصر الى أنه من غير المتوقع أن تسمح حكومات إثيوبيا وتونس وغانا، بل وحتى السودان بسحب قواتها من تحت قيادة الأمم المتحدة. هذا الى جانب أن قيادة الأمم المتحدة هناك سوف تعارض، مع العلم بأن قائد القوات وهو جنرال سويدى ونائبه الهندى يبدوان موالين تماما للغربيين. وقال أنه لم يكن من قبيل الصدفة سحب القوات المصرية من ليوبولد فيل وإرسالها الى شمال غربي الكونغو على الحدود المتاخمة لغربي السودان".

هذا الاهتمام من جانب موسكو بتطورات الأوضاع في الكونغو كان يعكس الرغبة في الارتقاء بالعلاقات مع مصر الى مستوى الحليف الاستراتيجي وهو ما تأكد لاحقا من خلال الرسائل المتبادلة بين الزعيمين ناصر وخروشوف، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون العسكرى.

ومن هذا المنظور يمكن تناول زيارات المشير عامر المتكررة لموسكو ومنها ما تناوله السفير السوفييتي يروفييف في رسالته حول لقائه مع حافظ إسماعيل نائب وزير الخارجية المصرية في 27 نوفمبر 1960 والتي بعث بها الى الخارجية السوفيتية في 13 ديسمبر تحت رقم 551 ممهورة بخاتم "سري" وقال فيها:

"أبلغت حافظ إسماعيل بالموعد المحدد لزيارة المشير عامر لموسكو في 30 نوفمبر من العام الجاري، وأنها سوف ترسل إليه طائرة "توـ104" رقم 4264 لتقله والوفد المرافق له الى الاتحاد السوفييتي. وقد أعرب حافظ إسماعيل عن شكره فيما أشار الى أنه يعتذر عن الانضمام للوفد، لأن عبد الناصر طلب بقاءه في القاهرة بسبب مرض الدكتور فوزى (محمود فوزي وزير الخارجية). وقال أن السفير القوني في موسكو سيتولى مهام المستشار السياسي للوفد المصري.

وتطرق الحديث مع إسماعيل للأوضاع في الكونغو وقال أن مراد غالب (سفير مصر في الكونغو) تلقى التعليمات الخاصة ببحث السبل اللازمة لنقل لومومبا سرا الى ستانلي فيل في حال تأكيد أنصاره في المحافظة الشرقية لضمان أمن القوات التي سوف تضطلع بهذه العملية وتوفير سبل الاتصال مع العالم الخارجي. وفي حال تعذر ذلك قال إسماعيل أنهم سيحاولون نقله الى القاهرة، وهو ما يعني إذا ما تيسر  ذلك أن ج ع م سوف تفقد كل شئ في الكونغو".

وتمضى الاحداث سريعة عاصفة، تتسم بأكبر قدر من التوتر والإثارة، وهو ما دفع السفير السوفييتي الى لقاء على صبري مدير مكتب الرئيس في نفس اليوم 27 نوفمبر 1960 وهو ما أوجز تفاصيله في رسالته التي بعث بها الى الخارجية السوفيتية تحت رقم 566 بتاريخ 17 ديسمبر من نفس العام ممهورة بخاتم "سرى للغاية".

"قمت بزيارة على صبري. أبلغته أن الحكومة السوفيتية تتابع نشاط حكومة ج ع م وتعرب عن قلقها تجاه الأوضاع العصيبة في الكونغو التي أضحت بها الحكومة الشرعية هناك بقيادة باتريس لومومبا. وقلت أن الحكومة السوفيتية تقدر ما تقوم به حكومة ج ع م وخاصة ناصر شخصياً من خطوات لتقديم الدعم والتأييد للحكومة الشرعية في الكونغو، وتعرب عن استعدادها لتقديم كل ما يمكن في هذا الشأن. كما قلت أن الحكومة السوفيتية تسأل رأي حكومة ج ع م في امكانية تقديمها للدعم والعون للحكومة الشرعية للكونغو بقيادة باتريس لومومبا.

ومن جانبه أعرب على صبرى عن شكره الى الحكومة السوفيتية لتعاونها مع حكومة ج ع م واستعدادها لتقديم المعونة الى الحكومة الشرعية في الكونغو. وقال إن المهم الآن وفي هذه المرحلة تقديم الدعم المالي وليس المادى، مثل السلاح والمواد الغذائية والمواد الطبية، نظرا لأن توفر المال يمكن أن يعوض كل ذلك.

وأكد حاجة لومومبا الى الأموال ليس فقط من أجل دعم أنصاره في البرلمان وإنما لتعزيز مواقعه ضد محاولات الآخرين ممن قام الغربيون برشوتهم من النواب وممثلي الأوساط الاجتماعية والإعلام، وضرورة تنظيم المظاهرات الجماهيرية تأييدا للومومبا في أوساط الشباب والنقابات عند وصول لجنة الامم المتحدة للمصالحة الى الكونغو.

وسألت على صبري حول رأيه تجاه طابع وحجم المعونة من جانب الاتحاد السوفييتي وطرق توصيلها الى حكومة لومومبا بمساعدة حكومة ج ع م. قال صبري إنهم على استعداد لتسليم المال الى لومومبا ـ دولارات امريكية أو جنيهات استرلينية أو فرنكات بلجيكية، ـ عبر قنواتهم في حال اتخذ الاتحاد السوفييتي مثل هذا القرار. أما عن حجم هذه الأموال فقال إن حكومة "ج ع م" أرسلت الى لومومبا منذ مدة غير بعيدة عشرة آلاف جنيه استرليني لشراء تأييد النواب في البرلمان. وتطرق الحديث الى كل ما تبذله حكومة ج ع م من محاولات لدعم مواقع لومومبا بما في ذلك لانتقاله الى ستانلي فيل مع حكومته وبرلمانه للإعلان من هناك عن أن السلطة انتقلت مؤقتا الى هذا المكان. وقال على صبري أن لومومبا يضغط على مراد غالب سفير ج ع م  في ليوبولد فيل لتنفيذ ذلك. لكن إتمام هذه العملية ليس بالأمر الهين أو السهل".

وهنا نتوقف للعودة الى ما كتبه الدكتور مراد غالب حول مهمته في الكونغو وما لقيه خلالها هناك من مصاعب، في مذكراته التي نشرها عن "مركز الاهرام للترجمة والنشر" في عام 2001.

قال غالب: إنه "ذهب الى مقر عمله في الكونغو في عام 1960 ليجد وضعا مضطربا وغير مستقر. فقد أقدم كاسافوبو وكان رئيسا للجمهورية على خلع باتريس لومومبا من منصبه كرئيس للوزراء وزعيم حركة التحرير في بلاده ولا يعترف بكاسافوبو رئيسا".

ومضى ليقول:

إنه "نتيجة للتدهور الكبير والمستمر في الوضع هناك قرر داج همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة أن يرسل قوات دولية من الدول الافريقية المستقلة وكان لمصر ضمنها كتيبة تتبع الأمم المتحدة ويرأسها الصاغ (الرائد) سعد الدين الشاذلي" (ص44).

وحول الخلافات بين لومومبا ورفاقه قال غالب:

إن "موبوتو وكان على رأس القوات المسلحة الكونغولية جاءه يشكو لومومبا ويطلب التدخل حتى لا يقوم بإهانته أمام جنوده، لأنني كنت في هذه الأيام أصبحت وثيق الصلة بلومومبا الذي كان يكن كل الحب والاحترام لمصر وللرئيس عبد الناصر". (ص45).

على أن هذه المذكرات التي ورغم أهميتها لصدورها عن أحد أهم شهود العيان لحقبة من أهم الحقب التاريخية لمصر والمنطقة، لم تتضمن وثيقة واحدة يمكن الاستناد إليها، ولم تهتم بتأريخ وتوثيق ما ورد بها من سرد للأحداث. ومن ثم فإننا نكتفي بما تناولته حول قتل لومومبا وطرد البعثتين الدبلوماسيتين السوفيتية والمصرية.

كتب مراد غالب يقول:

"فوجئت في صباح أحد الأيام بصدور إحدى الصحف وعنوانها الرئيسي يقول: "ملف الدكتور غالب"، وذهلت حين قرأت في الصحيفة نصوص رسائل مرسلة من محطة الاتصال المصرية اللاسلكية، ومن بينها وأخطرها، رسالة منى للرئيس عبد الناصر أبلغه بالحالة في الكونجو، وكيف أن بلجيكا والغرب هم المسيطرون تماما الآن وإذا لم يتدخل الاتحاد السوفييتي ـ وهو أمر صعب جدا ـ فإن الوضع سيظل تحت سيطرة الغرب" (49).

وأضاف قوله: "في الحال قامت السلطات الكونغولية بطرد البعثة الدبلوماسية للسفارة السوفيتية ولسفارات المعسكر الاشتراكي وطلب مني السوفييت أن أكون ممثلا لمصالحهم في الكونجو. قمت بسرعة بتقدير خطورة الموقف وحولت جهودى ناحية موبوتو وطلبت مقابلته وحدد لي موعدا داخل معسكر الجيش الذي يتخذه مقرا له. وذهبت إليه ومعى بعض الهدايا التذكارية القيمة التي نالت إعجاب جميع الموجودين معه. واعتقدت أن ذهابي إليه ومعي هذه الهدايا قد يذيب الجليد بينى وبين موبوتو لأنني في الحقيقة كنت أريد البقاء في الكونغو" (ص49). واستطرد مراد غالب ليتحدث عن هروب لومومبا ووقوعه في أيدى خصومه الذين قاموا بتعذيبه ثم إعدامه. وقال أن بومبوكو وزير الخارجية في حكومة موبوتو استدعاه بعد هروب لومومبا ليبلغه بأنه "شخص غير مرغوب فيه" هو وجميع أعضاء السفارة المصرية. 

وقد كانت هذه التطورات محور حديث مفصل بين الرئيس عبد الناصر ويروفييف سفير الاتحاد السوفييتي في القاهرة في الثالث من ديسمبر 1960 وهو ما أوجزه الأخير في رسالته التي بعث بها 17 ديسمبر 1960 تحت رقم 567، وقال فيها أن الجانبين تبادلا وجهات النظر حول مشروعي القرارين المقدمين الى الأمم المتحدة من جانب الاتحاد السوفييتي والهند حول حقوق الشعوب المستعمرة في الاستقلال.

ومضى السفير السوفييتي ليقول:

"تطرق الحديث الى الأوضاع في الكونغو وآفاق تطورها. وقال ناصر إنه وقبل طرد سفارة "ج ع م" من الكونغو وكان كاسافوبو يضغط في هذا الاتجاه منذ ما قبل رحيل لومومبا عن ليوبولدفيل، بعث الى كل من نهرو ونكروما وسوكارنو وإمبراطور إثيوبيا والجنرال عبود وملك المغرب ورئيس حكومة الصومال برسائل يسأل فيها عما يمكن اتخاذه من خطوات للحفاظ على استقلال الكونغو. وسأل مباشرة عما إذا كان يمكن دعوة البرلمان الى الانعقاد.

وقال إن إجابة نهرو لم تكن مشجعة بالنسبة للومومبا، لأن نهرو انطلق في موقفه من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت مع شرعية انتقال مقعد الكونغو الى كاسافوبو، ولذا فإن أية اقتراحات تستهدف دعم مواقع لومومبا ستفشل، فضلا عن أن أية محاولات تعنى إعلان الحرب ضد كاسافوبو كرئيس لدولة الكونغو التي تحظى باعتراف الأمم المتحدة. وأشار الى ضعف مواقع دول عدم الانحياز تجاه هذا الشأن وأن إي عمل في اتجاه دعم لومومبا يعني عمليا التدخل في الشئون الداخلية".

........

ناصر وخروشوف.. مسيرة تعاون

(3-3)

لم تكن الخلافات بين الزعيمين جمال عبد الناصر ونيكيتا خروشوف ورغم كل ما اتسمت به من حدة وتجاوزات في بعض جوانبها، لتحول دون إعلان كل منهما عن حرصه وتمسكه بضرورة مواصلة مسيرة التعاون والانصراف إلى ما هو أجدى وأنفع. وقد كشف ما أعقب ذلك من اتصالات ومداولات عن إعلاء الزعيمين للعام دون الخاص، ما عكسته الزيارات التي قام بها المشير عبد الحكيم عامر لموسكو، وما أسفرت عنه من نتائج مثمرة سجل السفير السوفييتي في القاهرة يروفييف بعضاً منها في رسائله التي بعث بها إلى قيادته في وزارة الخارجية في موسكو. ومن واقع ما اطلعنا عليه من وثائق في أرشيف وزارة الخارجية الروسية يمكن القول بنجاح الجانبين في تجاوز خلافات الأمس ومواصلة مسيرة التعاون بين البلدين في مختلف المجالات دون التقيد بالأطر الثنائية التي تجاوزاها إلى ما وراء حدود الجمهورية العربية المتحدة، تأكيداً على أهمية وضرورة التنسيق المشترك بين البلدين على الصعيدين الثنائي والدولي، بما في ذلك داخل إطار منظمة الأمم المتحدة.

ناصر يكلف سامي شرف بتولي ملف التعاون مع موسكو في الكونغو

نظل مع التنسيق المستمر بين (ج ع م) والاتحاد السوفييتي في مجال دعم حركة التحرر الوطني في إفريقيا، من واقع الخطوات المشتركة التي بذلها البلدان لإنقاذ حكومة باتريس لومومبا في الكونغو. ومن واقع وثائق "أرشيف الخارجية السوفييتية" في موسكو ومكاتبات السفير السوفييتي في القاهرة، نستطيع تأكيد أن التعاون بين البلدين تحول إلى مرحلة نوعية جديدة تكشف عن مدى إدراكهما لأهمية هذا التعاون بما يتسق مع متطلبات الأمن القومي لكل منهما والتي تنطلق من "إن الأمن القومي لا ينتهي عند الحدود الجغرافية للدولة، بل يمتد بعيداً إلى ما وراء هذه الحدود"، بما يعني أنه يقترب من منابع النيل في الحالة المصرية. وكان السفير السوفييتي قد تناول بعضاً من هذا التعاون في معرض رسالته التي بعث بها إلى وزارة الخارجية في موسكو تحت رقم 567 ـ "سري" بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول 1960 حول لقائه مع الرئيس عبد الناصر في الثالث من ديسمبر.

قال السفير يروفييف: "إن الحديث مع ناصر تطرق أيضاً إلى البيان الذي أصدره وزير الإعلام حاتم تعليقاً على قرار كاسافوبو حول طرد سفارة ج ع م من الكونغو. وحذر البيان من مغبة خطورة طرد السفارة واحتمالات انعكاس ذلك على أرصدة بلجيكا في (ج ع م) والتي قدرها ناصر إجابة عن سؤالي بهذا الشأن أنها تتراوح بين 30 و35 مليون جنيه مصري، وكانت في هيئة صكوك مالية بنسبة 5% لمدة 12 عاماً. وألمح ناصر إلى أن البلجيكيين سيكونون مضطرين إلى بيعها للمصريين بأسعار زهيدة. وقال: إن هذه الخطوة وإن كانت من حيث التكتيك تبدو رداً على طرد السفارة من الكونغو، فإنها كانت موضوعة في وقت سابق منذ عام 1956 للرد على قرار القيادة البلجيكية وهجومها ضد تأميم قناة السويس".

ومضي السفير السوفييتي ليشير إلى: "أن ناصر قال تعليقاً على ما يدور في الكونغو إن حكومة (ج ع م) قررت بعد اعتقال جنود موبوتو للومومبا، الانسحاب من لجنة المصالحة وتبحث موضوع سحب كتيبة (ج ع م) من قوات الأمم المتحدة، وبالتالي من الكونغو عموماً، لكنه ربما يكون من الأفضل الإبقاء عليها في الكونغو. وقال إنه كان من المفروض وبالاتفاق مع القادة الأفارقة بحث مسألة تشكيل قيادة مشتركة لهذه القوات من هذه البلدان".

وتأكيداً لتكثيف الاتصالات وتنسيق المواقف تجاه ما يجري في الكونغو، واصل السفير السوفييتي اتصالاته مع المسؤولين المصريين وهو ما سجله في رسالته التي بعث بها إلى وزارة الخارجية السوفييتية في 20 ديسمبر 1960 تحت رقم 580 ـ "سري"، حول لقائه مع علي صبري مدير مكتب الرئيس عبد الناصر: "قمت بزيارة علي صبري بتعليمات من المركز لأعرب له عن ارتياحنا لاستعداد حكومة "ج ع م" للتعاون معنا لتقديم المعونات للحكومة الشرعية في الكونغو برئاسة باتريس لومومبا. وقلت: إن موسكو تتفق في الرأي حول أن تقديم المعونة في مثل هذا الوقت من خلال حكومة "ج ع م" يعني أهمية كبرى وطلبت من علي صبري تنفيذ هذه المهمة والإفادة عما تم بخصوص هذا الطلب".

وقال علي صبري إنه لا توجد أي إمكانية لتنفيذ ذلك الآن بسبب اعتقال لومومبا، لكنهم على استعداد لتقديم هذه المعونة إلى أنصاره في ستانلي فيل، ويطرحون اسم نائب رئيس الحكومة جيزينجا بوصفه الشخصية الأنسب لهذه المهمة. وكنت قد أشرت إلى أن الحديث تطرق خلال اللقاء الأخير مع ناصر إلى احتمالات سحب كتيبة (ج ع م) من الكونغو. وقلت إنه من الأفضل عدم القيام بذلك، وسألت علي صبري عن الدوافع التي حدت بحكومة (ج ع م) إلى اتخاذ مثل هذا القرار، وما إذا كان سحب قواتها من الكونغو يمكن أن يساعد على تحسين الأوضاع هناك. واستطرد علي صبري في تبرير ما جرى اتخاذه من قرارات حول هذا الموضوع.

وكان السفير يروفييف قد أشار في رسالة أخرى بعث بها إلى وزارة الخارجية السوفييتية تحت رقم 5 "سري جداً" بتاريخ 6 يناير/ كانون الثاني 1961 حول نفس اللقاء السابق الذي جرى مع علي صبري قال فيها:

"إن علي صبري قال في معرض تناولنا للشؤون الكونغولية أن سالومو الذي كان مرشحاً لنقل المعونة المالية إلى أنصار لومومبا، غير معروف للمصريين. أما انطوان افاسي فلا يعلمون من سيرته سوى أنه على اتصال باليونانيين الذين يساعدون لومومبا في ستانلي فيل.

أفاسي، وحسب قول علي صبري، نقل إلى القاهرة مؤخراً رسالة من لومومبا يطلب فيها تقديم الدعم المالي والسلاح، ويطلب من المصريين أيضاً نقل ذلك عبر الحدود السودانية. وقال علي صبري إنه ولما كان الحديث يدور حول شاحنات ومحطات لاسلكي محمولة، فإنه ليس متأكداً من موافقة الحكومة السودانية على تسهيل مهمته. ولذا فإنه غير متفائل ومن ثم فقد اقترحوا على أفاسي أن يحاول بنفسه الاتصال والاتفاق مع السودانيين وسافر إلى الخرطوم حيث سيقوم سفير "ج ع م" بتعريفه بالسلطات السودانية".

لقاءات مع سامي شرف

وتتوالى الأحداث عاصفة ومثيرة، ما تطلب سرعة التدخل والتعجيل بتقديم المعونات وتنسيق الخطوات وهو ما بحثه السفير يروفييف مع سامي شرف سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات. وحول هذه المرحلة كتب السفير يروفييف يقول في رسالته التي بعث بها تحت رقم 7 ـ "سري للغاية" بتاريخ 6 يناير 1961 حول لقاءاته المتكررة مع سامي شرف في 14 و16، 17 و18 و23 ديسمبر 1960: "في 14 ديسمبر وبناء على طلب سامي شرف التقيته في مقر السفارة الساعة 13. قال إنه مكلف من رئيس (ج ع م) بطلب إبلاغ الحكومة السوفييتية على وجه السرعة بالآتي: تلقت حكومة (ج ع م) رسالة من جيزينجا نائب رئيس حكومة الكونغو يبلغنا فيها أن الأوضاع في سبيلها إلى أن تصبح أكثر حرجاً وخطورة بالنسبة لحركة التحرر الوطني في الكونغو، نظراً إلى أن الإمبرياليين يحاولون القيام بانقلاب في ستانلي فيل ويقومون بتقويض وحدة أنصار الحكومة الشرعية من رجال جيزينجا من خلال رشوتهم وابتزازهم. وقال جيزينجا إنه إذا لم تصله الأموال والسلاح خلال الأيام القليلة المقبلة فإن كل شيء سينتهي. وتقترح حكومة (ج ع م) إرسال طائرة خاصة تحمل الأموال بالدولارات إلى ستانلي فيل خلال 40 ساعة إلى جيزنيجا من دون أي إذن من أي سلطات، وذلك من الحصة التي خصصها الاتحاد السوفييتي لهذا الغرض من مساعدات مالية وأسلحة.

وقال إن في حوزتهم في بنوك القاهرة نحو ثلث المبلغ الذي وعدناهم به. لذلك فإنهم يطلبون وعلى وجه السرعة تحويل هذه المبالغ إلى البنك الأهلي المصري باسم حكومة (ج ع م) وكذلك إرسال محطات لاسلكي محمولة في أول طائرة حسب الاتفاق مع علي صبري في 13 ديسمبر. وقال إن الطائرة التي قرروا إرسالها إلى ستانلي فيل قد تكون الأخيرة. وقد وعدت بإبلاغ موسكو بطلب ناصر على الفور.

في الساعة 15 من اليوم نفسه، أبلغنا شرف بأن تحويل المبالغ إلى البنك الأهلي لن يكون ممكناً نظراً إلى أن البنك وحسب قوله لا يملك في خزينته مثل هذه الأموال لذلك فإنه يطلب تسليم المبالغ المطلوبة نقداً، وتوصيلها بالطائرة.

في 16 ديسمبر ونظراً لعدم وجود علي صبري قمت بدعوة سامي شرف وطلبت منه إبلاغ ناصر وبتكليف من المركز بما يلي:

أولاً: تعرب حكومة الاتحاد السوفييتي عن ارتياحها إلى اتساق مواقفها مع مواقف حكومة (ج ع م) تجاه موضوع ضرورة تقديم الدعم الفوري إلى حكومة جيزينجا الذي يترأس عملياً الآن حكومة الكونغو الشرعية.

الحكومة السوفييتية تتفق تماماً مع حكومة (ج ع م) حول ضرورة تشكيل القيادة المشتركة للقوات الموحدة من أربعة بلدان هي ج ع م وغانا وغينيا وإندونيسيا. وترى الحكومة السوفييتية أن تشكيل مثل هذه القيادة المشتركة أمر حيوي وملح، وسوف تخاطب حكومات البلدان الثلاثة الأخرى حول هذه المسألة.

ثانياً: ترى حكومة الاتحاد السوفييتي ضرورة عدم سحب قوات (ج ع م) من الكونغو بأي حال من الأحوال، نظراً لأن سحبها سوف يضعف مواقع البلدان الإفريقية التي تدعم الحكومة الشرعية في الكونغو. كما أن ذلك سوف يكون سابقة غير طيبة وغير مرغوب فيها.

ثالثاً: سوف تحاول الحكومة السوفييتية من جانبها الاتصال بحكومات السودان والمغرب وإثيوبيا لتوضيح مدى أهمية وضرورة المشاركة في القوات الموحدة للبلدان الأفرو ـ آسيوية وانسحاب هذه القوات من تحت قيادة الأمم المتحدة.

رابعاً: ترى الحكومة السوفييتية عدم التقليل من شأن خطورة التدخل المباشر للقوات الأمريكية والإنجليزية والبلجيكية. وعلاوة على ذلك فإن التصرفات الحاسمة السريعة من جانب بلدان آسيا وإفريقيا التي تملك قوات في الكونغو وتؤيد الحكومة الشرعية هناك، يمكن أن تقيد حركة وتصرفات المستعمرين خاصة خلال عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث إنه لا يمكن لهذه البلدان إلا أن تؤيد ذلك.

خامساً: تتفق الحكومة السوفييتية مع ما قاله علي صبري حول ضرورة الاتصال بجيزينجا وإمداده بالدعم المالي، حسب ما جرى التوصل إليه بيننا. ستصلكم الأموال المطلوبة مع مخصوص على الطائرة التي تصل القاهرة في 16 ديسمبر.

سادساً: سنتخذ الإجراءات الفورية اللازمة لإرسال محطات اللاسلكي ذات الخواص التقنية المناسبة لتغطية منطقة الخرطوم ـ ستانلي فيل.

سابعاً: تعرب الحكومة السوفييتية عن استعدادها لوضع طائرات نقل من طراز "انتونوف-10" تحت تصرف حكومة (ج ع م) والتي سبق أن أشار إليها علي صبري بتكليف من رئيس (ج ع م) مع مراعاة أن هذه الطائرات سوف تحمل علامات (ج ع م) ومن الممكن أن تكون بقيادة أطقم سوفييتية إذا رأت حكومة ج ع م ضرورة ذلك. وسوف يكون استخدام مثل هذه الطائرات من الأمور المنطقية الطبيعية، نظراً إلى أن (ج ع م) تملك قوات في الكونغو الأمر الذي يتطلب التواصل الدوري معها. وقال سامي شرف إنه سيبلغ فوراً الرئيس ناصر بذلك.

في 17 ديسمبر قال سامي شرف: إن الجانب المصري يوافق على وضع علامات (ج ع م) على طائرات "انتونوف-10" في موسكو أو القاهرة. أما عن أطقم قيادة الطائرات ومدى الحاجة إلى أطقم سوفييتية فسوف يتقرر هذا الأمر لدى وصول الطائرات إلى القاهرة حيث سيحددون ما إذا كان الطيارون المصريون يستطيعون قيادة مثل هذه الطائرات.

في 18 ديسمبر وبحضور مستشار السفارة باركوفسكي جرى تسليم سامي شرف نصف المبلغ المخصص من جانبنا لدعم حكومة لومومبا لتسليمه إلى جيزينجا. كما سلمته أيضاً ثلاثة أجهزة إرسال واستقبال محمولة.

ورداً على سؤالي، وصف سامي شرف برنارد سالومو المحافظ السابق لليوبولد فيل والقائم بأعمال محافظ ستانلي فيل حالياً، بأنه نصير نشيط للومومبا ويحظى بتقدير واسع بين أوساط الشباب.

وكان الحديث قد تطرق أيضاً إلى المسائل المتعلقة بإرسال الطائرات السوفييتية إلى القاهرة، وتحفظات ناصر على هذه المسألة إلى جانب تفسير ناصر لتأخر الرد على هذه المسائل بأنه يعود إلى أسباب تقنية، وأن القاهرة لم تتلق بعد إجابة عن تساؤلاتها لدى جيزينجا بشأن المواقع المخصصة لهبوط هذه الطائرات، أو أن الأمر سيقتصر على إلقاء المعونة من الجو بالمظلات".

وكان السفير السوفييتي مضى ليكشف عن دهشته إزاء ما وصفه بأن الجانب المصري كان قد أعرب في السابق عن موقف مغاير حين قال في لقاءات ماضية أن التأخير يعود إلى أن المصريين لا يريدون خلق مصاعب ذات طابع دولي للسوفييت، نظراً إلى أن الحديث يتعلق بطائرات يعرف العالم أن المصريين لا يملكونها.

اتصال مباشر

وقال أيضاً: إن اللقاء تطرق كذلك: "إلى أسباب استقالة فيصل. وقال شرف رداً على سؤالي بهذا الصدد إن ذلك يعود إلى خلافات بين الملك سعود وفيصل بشأن قضايا مالية بالدرجة الأولى، نظراً إلى أن فيصل كان يريد الحد من سلطات الملك في مثل هذه القضايا. واقترح تشكيل نظام لإدارة مالية الدولة وهو ما لقي تأييداً من جانب الأمراء السعوديين الآخرين".

ومن اللافت أن موسكو كانت مع تصاعد الأحداث قد تحولت إلى فتح قنوات مباشرة مع ممثلي حركة التحرر الوطني في الكونغو حين استقبلت سفارتها في القاهرة برنارد سالومو قوميسار الكونغو الذي كشف السفير السوفييتي يروفييف عن استقباله هناك وهو ما أوجزه في رسالته التي بعث بها إلى وزارة الخارجية تحت رقم 21ـ "سري" في العاشر من يناير 1961 من دون إشارة إلى أنه أبلغ القاهرة بذلك.

وقال يروفييف: "استقبلت ومعي مستشار السفارة باركوفسكي سالومو بناء على طلبه في 19 ديسمبر 1960. سلمنا نسخة من برقية أرسلها إلى خروشوف رئيس الحكومة السوفييتية مرفقة بها ترجمتها إلى الفرنسية يشكو فيها من موقف الحكومة السوفييتية. وقال سالومو إنه يبلغ خروشوف أنه وأعضاء الوفد الكونغولي وصلوا إلى القاهرة بعد الكثير من الصعوبات مكلفين بمهمة إجراء الاتصالات باسم الحكومة الشرعية مع البلدان الصديقة المحبة للسلام. وأشار إلى أن شعب الكونغو يتابع مواقف الاتحاد السوفييتي من الأعمال الهمجية من جانب المستعمرين في الكونغو، وأنه يطالبه بالقيام بدوره في الدفاع عن الحرية والسلام. ويحذر من مخاطرة الوقوف مكتوف اليدين بعيداً عن التدخل في الوقت العصيب الذي يقوم فيه المستعمرون من بلجيكا والولايات المتحدة وفرنسا والناتو بكل شيء بما في ذلك إمداد موبوتو بالأسلحة والمدرعات والطائرات والذخيرة بالرغم من وجود قوات الأمم المتحدة.

وأشار إلى أن قوات موبوتو أقدمت على مهاجمة القوات الأفرو ـ آسيوية ذات القبعات الزرقاء، فيما لم تفعل الأمم المتحدة شيئاً مكتفية بإعرابها عن الاحتجاج. وقال إنه يطالب خروشوف بالتدخل ويرجو مساعدته على إعادة خمس طائرات ايليوشين إلى ستانلي فيل، قال: إن ملكيتها تعود إلى الحكومة الشرعية كما طلب دعم أنصاره في مواجهة موبوتو".

 

إرشيف الكاتب

 

حدث الصفحة

 

هنا النمسا  /  من نحن

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر