Deutsch

عربي

قصة قصيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حسن بارود

 

علاء الدين

في الأراضي المقدسة

قصة لم تكتمل بعد

 

أتم علاء الدين (12 سنة)، وأختاه عبير (16 سنة)، وزين (9 سنوات) استعداداتهم للرحلة المرتقبة، بينما ازداد توتر الأم كلما اقترب موعد الرحيل في اتجاه مطار فيينا الدولي، إذ هي المرة الأولى على الإطلاق التي يسافر فيها أطفالها بدون والديهم، فأبوهم سيكون في استقبالهم في محطة الوصول، أما هي فقد قررت الأسرة بقاءها في فيينا مع "أروى"  كبرى الأبناء الأربعة بسبب دراستها التي تقتضي إنجاز عدد من الدراسات وتسليمها قبل نهاية العام. ثم إن اتجاه الرحلة وحده كفيل برفع ضغط الدم وزيادة التوتر داخلها، لذلك انتابت الأم حالة من القلق جعلتها لا تكاد ترفع نظرها إلى ساعة تطوق معصمها، إلا ووجهته مرة أخرى إلى نفس الموضع، وكأنها تراقب عقرب الثواني، في انتظار بدء رحلة الرحيل في اتجاه المطار.

لم تتوقف الأم المتوترة عن الحديث إلى أبنائها خلال رحلتهم في السيارة إلى المطار، تبدي النصائح تارة والتحذيرات تارات أخرى، وكأن أبناءها مقبلون على رحلة إلى كوكب سماوي آخر.

أعادت الأم على أسماع أبنائها - ربما للمرة المائة -  ما يجب أن يردوا به على أسئلة شرطة الجوازات في تل أبيب، ودخلت مع كل منهم في حوار، تقمصت فيه دور الجانب الإسرائيلي، تطرح أسئلة عادية وأخرى استفزازية، وتقوّم إجابات أبنائها عند الضرورة، وتثني على بعضها أحيانا أخرى.

في مطار فيينا تعرضت حقائب الركاب لتفتيش دقيق ، كما لم تسلم أجساد الأطفال من جسات لم تخل من القسوة سببتها الأصابع الغليظة لأفراد الأمن وحتى للنساء منهم التابعين لشركة الطيران النمساوية في رحلتها المتجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي. 

لفت انتباه علاء الدين وأخته زين وجود أعداد كبيرة من الرجال  المسافرين على نفس الطائرة ذوي شعور طويلة تتدلى حتى الأكتاف، ولحى كثيفة، وقبعات سوداء كبيرة، فوجها حديثهما إلى الأم مستفسرين عن أولئك الرجال، فأجابت الأم في اقتضاب بأنهم " شيوخ اليهود"، وأضافت : "ألم تريا مثلهم في شوارع فيينا من قبل؟" ، فأومآ بالإيجاب.

استهلت الأم مراسم الوداع ودموعها تتساقط كقطرات المطر في يوم عاصف، بينما اكتفى علاء بمطالبتها بالكف عن البكاء ، لأنهم لن يسافروا إلى الجحيم ، أما عبير فقد اكتفت باحتضان الأم وتقبيلها ، في حين لفت زين يديها حول رقبة أمها منتحبة وحزينة لفراقها.

في مطار فيينا تعرضت حقائب الركاب لتفتيش دقيق، كما لم تسلم أجساد الأطفال من جسات لم تخل من القسوة سببتها الأصابع الغليظة لأفراد الأمن وحتى للنساء منهم التابعين لشركة الطيران النمساوية في رحلتها المتجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي. 

لفت انتباه علاء الدين وأخته زين وجود أعداد كبيرة من الرجال  المسافرين على نفس الطائرة ذوي شعور طويلة تتدلى حتى الأكتاف، ولحى كثيفة، وقبعات سوداء كبيرة، فوجها حديثهما إلى الأم مستفسرين عن أولئك الرجال، فأجابت الأم في اقتضاب بأنهم " شيوخ اليهود"، وأضافت : "ألم تريا مثلهم في شوارع فيينا من قبل؟"، فأومآ بالإيجاب.

استهلت الأم مراسم الوداع ودموعها تتساقط كقطرات المطر في يوم عاصف، بينما اكتفى علاء بمطالبتها بالكف عن البكاء، لأنهم لن يسافروا إلى الجحيم، أما عبير فقد اكتفت باحتضان الأم وتقبيلها، في حين لفت زين يديها حول رقبة أمها منتحبة وحزينة لفراقها.

لكن الأم تذكرت شيئا، ظنت أنها لم تقله بالقدر الكافي، فهمست في أذن علاء متوسلة أن يحسن معاملة زين الصغيرة، وألا يعبث بملابس عبير، وبالذات قمصان الـ " تي شيرتس " التي يحاول ارتداءها، ودائما بدون استئذان.

أما زين فتلقت من أمها كلمات خففت عنها آلام الفراق، مع وعد بالاتصال الهاتفي كل يوم للاطمئنان عليها، ثم أعادت الأم على أسماع عبير طلبها الذي يعد وصية هامة، بأن تأتي لها عند عودتها بحفنة تراب من أرض فلسطين، وألا تخجل من ذلك.

استقبل الأب أبناءه الثلاثة في لهفة واصطحبهم إلى سيارته في ساحة الانتظار، وبدأت أسئلته تنهمر وكأنها سيل من لحظات الشوق والقلق والفضول، في حين كانت إجابات الأطفال مقتضبة إلى حد كبير، ربما لانشغالهم بالنظر إلى ما حولهم وكأنهم في عالم غريب .

لم يبخل علاء الدين على والده بإبداء ملاحظة لفتت انتباهه فور هبوط الطائرة ودخولهم قاعة الجوازات في المطار الإسرائيلي، إذ قال لأبيه إنه لا حظ وجود شرطيات كثيرات في المطار، وتساءل: " ألا يوجد ما يكفي من الرجال في هذا البلد؟" فابتسم الأب مجيبا بوجود الرجال، لكنهم بلا شك يحملون السلاح ويطوقون المناطق الفلسطينية التي يفرضون عليها حصارا عسيرا.

أثارت إجابة الأب فضول أبنائه الثلاثة فاندفعوا في آن واحد يسألون،  إن كان هذا يعني تعذر سفرهم إلى غزة، إلا أن الأب طمأنهم بأن هويته من المنظمة الدولية ستيسر لهم دخول المدينة ، وإن كان عليهم أن ينتظروا لفترات قد تطول أمام منافذ الدخول، وربما لا يخلو الأمر من عمليات تفتيش ذاتي قد تضايقهم.

قبل أن يكتمل دخول الأبناء سيارة أبيهم دق جرس هاتفه المحمول ، فصاح ثلاثتهم : " هذه بلا شك أمنا "!، فابتسم الأب مؤكدا صحة توقعهم ومضيفا بأنها المرة الخامسة منذ مغادرة طائرتهم فيينا، والثالثة بعد هبوطها في اللد، فاندفعت زين إلى الهاتف بين أصابع أبيها لتكون أول من يسمع صوت الأم، وتناقل الثلاثة الهاتف متحدثين إلى أمهم التي تمنت لهم إقامة طيبة، وكررت نصائحها، وإن كانت هذه المرة في اقتضاب فرضه ارتفاع أسعار المكالمات الهاتفية عبر هذا الاختراع العجيب.

أمام منفذ الدخول المخصص للعاملين في المنظمات الدولية أبرز الأب هويته وهويات أبنائه، وحيا الشرطي الإسرائيلي بابتسامة باهتة، ودس في يديه علبة من الشيكولاتة النمساوية تتربع صورة " لموتسارت " على غلافها، فانفرجت أسارير الإسرائيلي، وشكر الأب بلغة ألمانية لهجتها نمساوية، وألقى بنظره داخل السيارة ليتفحص وجوه من بداخلها، وتساءل:  " هل هؤلاء أبناؤك القادمون من فيينا ؟"، فرد الثلاثة بالألمانية " JA ".

التفت الأب إلى أبنائه وقال لهم : "إن هذا الجندي لأبوين نمساويين لكنه ولد هنا، وقد تعرفت عليه قبل أسبوعين فقط، عندما بدأ عمله على هذا المنفذ".

وبينما الأب يتأهب للإجابة على ما قد يطرحه الإسرائيلي من أسئلة، كان الأخير قد أعاد إليه بطاقات الهوية الأربعة، بعد أن احتفظ بصور منها، ثم أشار إليه بمواصلة الرحلة.

بدأ ظلام ليل شتاء ديسمبر ينسحب على المنطقة في ثقة واضحة، بينما أضواء المصابيح الشاحبة في المدينة البعيدة تسعى على استحياء لتبديد شيء من العتمة، لكن مع اقتراب السيارة من غزة ، بدا للجميع أن يد المصابيح هي العليا، وأنهم قادرون على رؤية من وما حولهم في وضوح،  وبدأت مقارنة مسموعة بين غزة وعمّان عاصمة الأردن التي لا يعرف الثلاثة سواها من المدن العربية، لتتهي المقارنة بحكم لجنة المحكمين الثلاثة الوافدين من أوروبا بأن عمان أفضل بكثير من غزة.

انبهرت زين ومثلها علاء الدين بما شاهداه من خليط عجيب من البشر والسيارات، وعربات تجرها البغال أو الحمير، وحيوانات ضالة ترتع في شوارع المدينة الضيقة، وكأنها تبحث عن مأوى لها بعد عناء يوم عسير،  بينما بدت الحركة أمام المحال التجارية المنشرة على جانبي الطريق مشابهة لما تعودا على رؤيته في أحياء عمان الفقيرة وبالتحديد في مناطق مخيمات اللاجئين.

 لم تكف زين عن التعبير عن استغرابها لما تشاهده حولها، وطلبت من أبيها أن يغلق نافذة السيارة لأنها لا تقدر على شم هذا الخليط العجيب من الروائح التي لم تألفها أنفها بعد، فاستجاب الأب مبتسما، معلنا أنهم سيصلون إلى هدفهم خلال دقائق معدودة.

أمام بيت يبدو حديث البناء توقفت السيارة ليطلب الأب من أبنائه النزول لتحية عمهم "أبو محمود" - صاحب البيت - وأسرته التي اصطفت أمام مدخل البيت ذي الطابقين. وبعد مراسم الترحيب العربية المعهودة من أحضان وقبلات كثيفة، وجدت زين كعلاء الدين نفسها في حاجة إلى تجفيف ما تركته شفاه المستقبلين على خديها من آثار للعاب، خشيت أن ينساب على كل وجهها، أما عبير فقد مدت يدها في تحفظ الفلاسفة ولم تعط فرصة التقبيل سوى لزوجة "عمو محمود" وابنته التي قد تكبر عبير بعامين على أكثر تقدير.

بعد تناول العشاء مع أسرة "أبو محمود"، أمضى الأبناء الثلاثة مع أبيهم ساعتين في جولة داخل المدينة تنقلوا خلالها بين مناظر معظمها مقزز، وشاهدوا تكدسا للفقر البشري لم يعهدوه من قبل، وحاولوا قدر جهدهم تفادي الخوض في مياه عفنة غطت سطح الحواري الضيقة في المدينة والمخيمات المجاورة لتسمم هواء المنطقة بما تنشره من الروائح الكريهة، بعد أن لفظتها قنوات بدائية للمجاري محفورة في الطرقات.

خالجت الأب مشاعر متباينة من القلق أثناء رحلتهم الاستكشافية الأولى، فأبناؤه لم يهعدوا هذه المشاهد المقززة، وأشفق عليهم من الصدمة، لكن بقدر إشفاق الأب وقلقه كانت دهشته وهو يتلقى تعليق علاء الدين وأخته عبير على ما شاهداه، فقد التفت الصبي إلى أبيه وقال في صوت يعبر عن إصرار واضح " إنني أشعر الآن بفلسطينيتي، ولا أخفي عليك أنني كنت من قبل لا أدري ما ذا يعني أن يكون المرء فلسطينيا، فلم تكن هناك روابط بيني وبين ذلك الوطن الخيالي...

هنا التقطت عبير خيط الكلام وكأنها تكمل قول أخيها فاستطردت : " بقدر ما يعاني الفلسطينيون هنا، بقدر ما تولد داخلي اليوم من مشاعر وأحاسيس نحو هذا الوطن، والآن أفهم يا أبي ما ذا تعني هذه الرحلة لنا ولك، إنها رحلة اكتشاف الهوية لنا وتأكيدها لديك".

في صباح اليوم التالي استقل الأب سيارته مصطحبا أولاده الثلاثة مبتدئين رحلتهم داخل ذكرياته في فلسطين، فغزة لم تكن موطن أسرته وكذلك الضفة الغربية، فقد عاش أهله وأجداده في قرية صغيرة تبعد قليلا عن ساحل البحر المتوسط، وتقع بين القدس ومنطقة اللد، حيث اشتغلوا بالزراعة، وورث أبوه عن أبيه طاحونة للغلال أعانهم عائدها على العيش إلى جانب ما تدره عليهم حدائق البرتقال والحامض وأشجار الزيتون، ومساحة صغيرة من "الدونمات " خصصت لزراعة الغلال كالقمح أو الشعير والعلف الأخضر لحيواناتهم.

لم يتوقف الأب طوال رحلتهم في اتجاه قريته وموضع ميلاده وسنوات طفولته الأولى عن الكلام، وأولاده الثلاثة يستمعون في شغف لمعرفة أكبر قدر ممكن من تاريخ فلسطين الحديث.....

فها هي الأسماء العبرية للقرى والمدن العربية التي أزيل بعضها من الوجود وتبدلت معالم البعض الآخر، وها هي طرق حديثة وأسوار وجدران تفصل وتعزل، وبين المكان والآخر بعض الخيام للبدو الرحل، ومخيمات للاجئين؛ فعبق الأرض عربي وإن كان سكانها خليط من الأجناس البشرية وكأنهم في ساحة انتظار للعرض يوم الحشر.

فجأة تغيرت نبرات صوت الأب وهو يعلن لأبنائه أنهم على مشارف قريته التي بدت للوهلة الأولى أقرب إلى المدينة الصغيرة من القرية القديمة التي كان يلعب في شوارعها وحواريه الترابية، بل يمكن وصفها بأنها كالضواحي الخارجية الهادئة والغنية على أطراف المدن الكبرى.

لم تمض سوى دقائق قليلة حتى دخلت السيارة أحد شوارع القرية وبدأت سرعتها في التراجع قبل أن تتوقف بالقرب من أحد المنازل ليشير الأب إلى واحد من البيوت المقابلة لموضعهم داخل السيارة قائلا: " هذا بيت عائلتنا" ... لم يتغير كثيرا... استبدل السياج الحديدي بجدار خراساني وهذه بوابة حديدية عليها اسم ساكن البيت و"الإنتركم" الذي يعمل بالكهرباء وكاميرا الفيديو، وتحول  اسطبل البغال إلى جراج... وتبدل لون الواجهة، وتكاثفت الأشجار بمحاذاة السور الخارجي.

هيا انزلوا!... تعالوا لتروه عن قرب! املئوا عيونكم من بيت أبيكم واحفروه في ذاكرتكم ! ... وتنفسوا هواء بلدتي!... من يدري، متى نعود إلى هنا مرة أخرى؟....

فتح نزلاء السيارة أبوابها في هدوء وحذر رغم توترهم الظاهر وارتفاع نبضات قلوبهم داخل صدورهم، وكأنهم مقدمون على اقتحام حصن منيع، يخطون عبر الشارع متجهين نحو البيت والأب يمسك بيدي ابنتيه " زين وعبير " ، في حين سبق علاء الدين الثلاثة ببضعة خطوات يدفعه الفضول الحذر ليكون أول المقتربين من بيت أبيهم، وليلتقط كرة سقطت على أرض الشارع.

بينما انحنى علاء الدين ليرفع الكرة وعلى مقربة منه أبوه وأختاه، إذا بصبي في عمره يهرول نحوه ويمد يديه لتسلم الكرة من علاء الدين ويصيح الصبيان في نفس واحد : " علاء الدين! ... ديفيد!

 What are you doing here? "

أجاب صاحب الكرة :" إنني أعيش هنا... وهذا بيتنا...، ولكن ما ذا تفعل أنت هنا؟

- إنني أقضي مع أبي وأختي عطلة الكريمساس، ولكن هل هذا بيتك بحق؟، مشيرا إلى بيت أبيه..

* نعم أعيش مع أمي وجدي في هذا البيت... وتقدم  ديفيد لمصافحة الأب وابنتيه المذهولين من هول المفاجأة... ثم أردف: " انتظروا قليلا.. حتى أستأذن جدي في دخولكم"!....

مرت اللحظات القليلة على الضيوف الواقفين على مقربة من مدخل البيت وكأنها ساعات عصيبة لم ينطق أحدهم بكلمة، وتجمدت نظراتهم صوب مدخل البيت، حتى عاد الصبي مهللا ومرحبا بهم...

قدم ديفيد ضيوفه لجده: هذا علاء الدين زميلي القديم في " VIS " مدرسة فيينا الدولية، وهذا والده مستر...، ليضيف الوالد :" حسن" ، وهاتان أختاه..، ليكمل علاء الدين: " زين وعبير".

رحب الجد في فتور بضيوف حفيده الذين ظنوا أن كل من في البيت يسمع ضربات قلوبهم من وقع المفاجأة التي أدخلتهم بيتا كانوا يتمنون مجرد الاقتراب من أسواره...

تفرس العجوز وجوه الغرباء وسألهم بلغة انجليزية عن هويتهم وسبب ومدة إقامتهم في إسرائيل، وإن كانت زيارتهم هذه هي الأولى للدولة العبرية، فزاد سؤاله من ربكتهم الواضحة، فالتفت كل منهم إلى الآخرين وكأنهم يخشون الكلام. إلا أن  ديفيد خفف عنهم دون قصد الحرج الذي ألم بهم، ووجه حديثه إلى جده:" اسمح لي ياجدي أن أصطحب علاء الدين وأختيه إلى غرفتي لنلعب "كمبيوتر جيمز"، فأومأ الجد مبتسما...

بدأ الأب حديثه بصوت مرتعش قائلا:

" تعيش أسرتي في فيينا كما علمت من ديفيد، أما أنا فأعمل لدى منظمة الأنروا في غزة بعد انتقال مكاتبها من مقر الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية، وأتردد بين المدينتين كلما سنحت ظروف عملي، وقد قررنا الهجرة إلى كندا بعد انتهاء العام الدراسي الحالي. لذلك دعوت أبنائي لزيارتي في غزة لقضاء عطلة الكريسماس، بينما بقيت زوجتي وابنتنا الكبرى في فيينا لانشغالها بأمور دراستها".....

- وأنت ... هل أنت عربي؟

* نعم، فلسطيني من لاجئي 48 ...

- فهمت...

 في تلك الأثناء دخلت على الرجلين خادمة البيت الإثيوبية الملامح فيسأل الجد ضيف المفروض عليه: ماذا تود أن تشرب؟

* قهوة سادة من فضلك!

- إلى أي منطقة في كندا ستهاجرون؟

* إلى بريتيش كولومبيا" حيث هاجر عدد من أصدقائي....

- يا لها من مصادفة! أنا أيضا أصلي من " بريتيش كولومبيا" ، لكني     تركت كندا منذ أكثر من 50 عاما، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حين كنت أخدم في جيش بريطانيا العظمى....... تفضل قهوتك!...

على الجانب الآخر من غرفة الصالون ، حيث التف الصغار حول جهاز الكمبيوتر في غرفة ديفيد، طلب علاء من زميله القديم أن يريهم بيته والحديقة، فلم يجد  ديفيد غضاضة في ذلك... "هذه غرفة أمي ، وتلك غرفة جدي، والغرفتان الأخريان كانتا لخالين لي؛ إحداهما الآن غرفة مكتب لوالدتي، والأخرى للضيوف... وهذا الحمام ... والمطبخ.. والمخزن... وهذا جراج ... وذاك مكان لعبي في الحديقة.. وهذه شجرة زيتون عتيقة، وهذه أحواض الزهور التي يرعاها جدي"... والضيوف مستغرقون في خيالهم ويومئون برؤوسهم دون أن يتفوهوا بلفظ ينم عما بداخلهم ....

في غرفة الصالون استمر حوار الأب والجد عن كندا وبريتيش كولومبيا، وبدا أن رب البيت لا يريد أن يطول بقاء الضيوف أكثر من ذلك فقد دفعته هواجسه إلى الشك في هدفهم من تواجدهم في هذا المكان بالذات....

لم يخف الجد رغبته في انتهاء الزيارة، فبدأ يكرر النظر إلى ساعة يده ويبتسم ابتسامات غامضة. ولم يقطع عليه هذا الموقف سوى اندفاع  ديفيد  كالسهم داخل الصالون ووجهه مقفهر متسائلا:

 " جدي! أصحيح أن هذا البيت كان بيت جد علاء الدين وأبيه؟ "

اندفعت الدماء في وجه الجد الذي حملق في الحاضرين الغرباء قائلا :

" تملكني إحساس غريب بأنكم لستم هنا مصادفة" ثم أردف :" آه من كل ما تجلبه علينا النمسا"‍‍‍‍!

وتوجه بكلامه نحو حفيده الذي ارتمى في حضنه :" هون عليك يا صغيري!، فأنا أعيش في هذا البيت منذ 50 عاما... وقد عاشت فيه جدتك إلى أن رحلت عن عالمنا قبل 5 أعوام ، كما عاش فيه خالاك إلى أن سقطا أكبرهما في حرب لبنان، والآخر في إحدى العمليات الإرهابية، وتعيش أنت وأمك معي منذ وفاة أبيك في حادث سيارة قبل عامين، فكل ذكرياتي في هذه البلاد في هذا البيت الذي لم نعرف غيره..، صحيح لم أبن هذا البيت، ولكني جددته ورممته وجعلت منه بيتا يليق بأسرة متحضرة"..

ثم التفت نحو الضيوف الغرباء موجهها حديثه للأب: " أما أنت يا سيد حسن فهل لك أن توضح لحفيدي ما لم تخبرني به خلال حديثنا؟"

اتجه الأب بحديثه نحو الجد وحفيده بينما التف حوله أبناؤه الثلاثة... وفي صوت خافت لا يخلو من رعشة واضحة قال:" سيدي إن الصدفة وحدها هي التي قادتنا إلى هذا المكان ... أقصد دخول البيت... لقد كنت حريصا على أن يرى أبنائي بيت أبيهم وأجدادهم قبل أن نهاجر إلى كندا ويكبرون في بلاد المهجر، وربما قضيت نحبي قبل أن أريهم بيت طفولتي وصباي".. نعم يا ديفيد لقد ولد أبي وولدت و9 من إخوتي وأخواتي في هذا البيت، وكان عمر أصغرنا عدة أسابيع حين أجبرنا على تركه والرحيل من ديارنا..."

رد الجد في غضب:

"أتظنني أصدق كلمة واحدة مما تقول، كيف تثبت لي صحة مزاعمك؟ "

استطرد الضيف:

" كما ذكرت لك لتوي .. لسنا هنا لنطالبك بإخلاء البيت ورده إلينا،، كما أنني لم أحضر معي أوراقا أو مستندات ثتبت ملكيتنا للبيت، لكن إذا أردت وإذا أراد حفيدك أن تتأكدا من صحة قولي فليكن! هل تسمح لنا بالخروج إلى حديقة البيت؟ فكما لا حظت عند دخولي لم يحدث أي تغيير في جدران اسطبل البغال الذي أصبح جراجا"... ثم هم بالوقوف فتبعه أبناؤه فديفيد، ثم نهض الجد من مقعده وتساءل:" أهذا لغز جديد"؟...

فرد الأب:" لا يا سيدي، فربما بقيت خبيئة أمي مدفونة بجوار جدار الإسطبل، فقد ظننا قبل أن نرحل أننا مغادرون ليوم أو بعض يوم، وربما لعدة أسابيع نعود بعدها إلى ديارنا. لذلك حرصت أمي على حفظ صيغتها وبعضا من قطع النقود الفضية داخل جرة صغيرة من الفخار ودفنها في هذا الموضع قبل أن تغلق البيت وراءها"...

حينئذ صاح ديفيد وعلاء الدين في وقت واحد: " أهو الكنز إذن...؟"

رد أبو علاء: " ليس كنزا حقيقيا، فقد كنا أسرة بسيطة تكافح كي تعيش حياة كريمة، وكل ما دفنته أمي من مجوهرات كان إما ميراثا عن أمها أو ما قدمه لها أبي قبل زواجهما"...

أردف ديفيد: سأتولى أنا وعلاء الدين الحفر، ياله من أمر مثير ... انتظروا هنا حتى آتيكم من مخزن الحديقة بالمعولين!" ....

لم تمض سوى برهة قصيرة حتى عاد  ديفيد وفي كل يد معول، فناول علاء الدين أحدهما وطلب من أبيه أن يعيّن لهما مكان الكنز...

خطى الأب بضعة خطوات خلف جدار الإسطبل، وأشار إلى موضع ظن أنه مكان الخبيئة، فهمّ الصبيان بالحفر والعيون مصوبة نحوهما... ولم تمض دقائق حتى سمع المترقبون صوت احتكاك أحد المعولين بجسم مدفون، فبدأ الصبيان يتحسسان بحرص ويزيلان التراب بأيديهما حتى بدت لهما وللمتحلقين حولهما آنية فخارية سوداء رفعاها بحنو ووضعا غطاءها جانبا.

تهللت أسارير الأب وأبنائه، وبدى على الجد التوتر... بينما اتسعت حدقات عيون علاء الدين وديفيد، واستأذن ديفيد أن يدس يده في الآنية، فسمح له جده فأخرج بين أصابعه أقراطا فضية، وعقدا وكردانا ذهبيين، وخلخالا من الفضة، وبضعة قطع من النقود الفضية اعتراها صدأ الفضة... والجميع صامتون...

انتهزت عبير حالة الصمت التي خيمت على المكان، فانحنت تغمرها نشوة لم تعهد مثلها من قبل، فملأت يديها بحفنات من التراب الذي كومته معاول الصبيين على جانب الحفرة، ثم أفرغت ما في يديها في كيس صغير من القماش، حتى امتلأ ، فشدت عليه رباطا من الخيط، وحملته في حنو بين أصابع يديها المتربتين، لتضعه في كيس آخر من البلاستيك، وابتسمت موجهة حديثها للجد العجوز: " هذه هديتي لأمي يا سيدي!...أمنية تحققت الآن؛ حفنة تراب من فلسطين، بل من بيت أبي!"

اتجه علاء الدين ببصره نحو "ديفيد" وقال في صوت لا يخلو من ثقة في النفس:

" آسف يا صديقي العزيز لما سببته لكما زيارتنا من إزعاج، لكني كنت متأكدا من صحة ما ذكرته لك في غرفتك"...

التقط الجد خيط الكلام وقال: " أرجوكم، خذوا كنزكم وارحلوا !، وإلا اضطررت لاستدعاء الشرطة، فقلبي لا يحتمل أكثر من هذا".

رد الأب : " أكرر أننا لسنا هنا لاسترداد بيتنا، لكن الظروف شاءت أن يعرف حفيدك أنه يعيش في بيت علاء الدين، والآن فسنترككما آسفين على سببناه من إزعاج"...

تعانق علاء الدين وزميله القديم في مدرسة فيينا الدولية، فهمس ديفيد في أذن زميله قائلا: "لا تنس يا علاء الدين أن تراسلني من كندا، بل انتظر حتى أكتب لك عنواني في إسرائيل"!

رد علاء الدين مبتسما: " لست في حاجة لكتابة عنوانك يا ديفيد، فأبي يحفظه عن ظهر قلب وقد حفر اليوم في وجداني  إلى الأبد".....

 

http://www.jusur.net/barud.kesas.htm

hassanbaroud@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

عودة للرئيسة

مدرسة/مقهى

دراسات

سينما ومسرح

موسيقى أدب مكتبة

فنون

فعاليات

بيت

الرئيسة

 

مواقع للزيارة

جسور

http://www.jusur.net

عبد الوهاب مسعود

http://www.rearte-gallery.at

عبد الخالق أغزوت

http://www.aghzout.com

نورا الكردي

http://atelier.el-kordy.at

أحمد حمودة

http://www.a-hamouda.at

سعاد سعيود

http://souaadsabl.blogspot.co.at

حنان عاد

http://www.hananeaad.org