عودة إلى جسور

  1   

رسائل الكترونية

 

الرسالة الأولى

 

تلقيت على عنوان بريدي الإلكتروني رسالة من صديق عزيز يهنئني فيها بالعام الجديد 2008 ضمنها عتابا مسبقا رقيقا أبدى فيه خشيته من احتمال تأخري في الرد على رسالته الوحيدة التي تلقيتها منه طوال العام المنصرم، وإن كان قد عبر عن أمله في أن يكون المانع في حالة التأخير خيرا، ثم ضمن رسالته القصيرة سؤالا منه عن كيفية قضائي ليلة رأس السنة في فيينا عاصمة الثقافة والفنون والجمال، على حد وصفه لمدينتي الحبيبة.

و ها هو ردي على رسالة صديقي العزيز:

الصديق العزيز.....

مع بداية عام آخر جديد يسرني أن أبعث ردي الفوري على رسالتك الوحيدة التي وصلتني في العام الماضي، وها أنت تتلقى ردي عليها في العام الجديد. لذلك أرجوك المعذرة مع أملي في تعدد رسائلنا في المستقبل. ومن يدري فلعلنا نلتقي هذا العام، كما التقينا قبل عامين بعد غيبة طالت كثيرا لتتم أعواما ثلاثة كاملة.

إن بداية عام آخر جديد تعني لي دائما بداية أخرى جديدة للمجهول الذي يتجدد ويتواصل كتواصل دقّات الساعة؛ فلا تكاد تدق الثانية الأخيرة في اليوم الأخير لآخر شهر من السنة ـ بغض النظر عن اسم وهوية التقويم ـ حتى تعقبها دقّة أخرى لثانية أخرى من يوم آخر، في شهر آخر، بداية لعام آخر درجنا على أن نطلق عليه لسويعات قليلة "عاما جديدا". فما أقرب القديم للجديد، والدّقة للدقّة... بل ما أشبه الأشياء! أليست تلك الأشياء كلها بشائر لتواصل واتصال المجهول القادم؟!

أما الإنسان يا صديقي العزيز، فيحاول دائما أن يبدأ مواصلة رحلته مع المجهول الزائر ليلة بداية العام الجديد بداية مفتعلة متكررة لا تخلو من المبالغة؛ ضجيج صاخب، أنوار وأضواء يطلقها نحو السماء البعيدة العالية المتعالية، وكأنه يرجوها ويسألها أن تبدد بعضا من ظلماتها، ليستكشف بما أطلقه من أنوار وأضواء ـ قبل أن تذوب في الفضاء ـ بعض أركان ذلك الغيب الواسع الفسيح القابع تحت أجنحة ذلك المجهول الغامض.

بل لعل الإنسان بما يطلقه من قذائف وصواريخ مشتعلة مضيئة يتمنى لو أيقظ الكون الممتدة أطرافه من سباته الموحش، أو قل من صمته المريب، ليته يكشف لنا مواقع أقدامنا مع بداية أخرى جديدة لعام آخر جديد، وكأننا نطفئ أنوار الأرض لنبحث عنها بين أركان الكون الفسيح.

نعم، إن رحيل عام ومقدم آخر يعني أننا قد عشنا عاما آخر يضاف إلى أعمارنا، وربما لا تكون تلك الضجة التي نحدثها مع نهاية كل عام سوى تعبيرا عن فرحتنا بالقادم الجديد لبقائنا أحياء. ولكن، ألهذا الحد نخاف الموت ونخشاه؟ إن سألتني إجابة عن سؤالي هذا لأجبتك بنعم، لأن المرء منا يكره المجهول، وما الموت سوى البداية "الرسمية" الوحيدة المؤكدة لدخول الإنسان إلى عالم المجهول. إن وجودنا أحياء على ظهر الأرض ـ حتى ولو بدون دور إيجابي يذكر ـ يبقي على انتسابنا للكائنات "الحية". وهذا في حد ذاته سبب كاف للعديد من البشر كي تقرّ أعينهم حين يهجعون إلى مضاجعهم، وعندما توقظهم أنوار شمس يوم جديد.

إن خوف الناس من الموت يزيدهم تمسكا بالحياة، ربما مع جهل الكثيرين منهم لقيمتها ومعناها، ورغم افتقار البعض لدور يؤدونه. لذلك تجد أغلب الناس يحتقر ويمقت المنتحر منهم لأن من ينتحر يفضل الموت على الحياة، بل إنه يلجأ إلى المجهول فرارا من المعلوم والمعروف. نعم إنه بانتحاره يهرب إلى ظلام المجهول بعد يأسه من نور الحياة، مع أن الإنسان بطبيعته يخشى الظلمة ويقاومها، ولا يستسلم  لها إلا بعد أن يغلق عينيه، حيا في فراشه، أو ميتا في قبره. لذلك يرى الكثيرون منا في المنتحر عدوا ارتكب جرما كبيرا في حق الأحياء، لأنه عقد حلفا مع عدوهم، الموت، ضد معشوقتهم، الحياة. ولولا خشية الأحياء على حياتهم لما واروا جثة المنتحر في التراب.

ولو أنصف المرء، لآمن بأن الحياة والموت طرفا حبل الوجود، نمسك عند مولدنا بطرف، ونترك الآخر عند رحيلنا عن عالم الأحياء. ومع ذلك فمن الناس من يموت حيا، أو يحيا ميتا، إلا أن الاثنين لو خيرا لحبذا الخلود أحياء، حتى ولو بعد الموت. وإلا لما أبدع الإنسان  الفنون والصناعة، كي يحيا ميتا بين الأحياء. فالموت والحياة إذن متصلان اتصال الليل والنهار، وهذان الخيط الذي يفصلهما ويربطهما ـ  في نفس الوقت ـ ذو طرفان؛ الأسود في ناحية، والأبيض في الناحية الأخرى، تماما كطرفي حبل الوجود، الموت والحياة.

هذا التواصل الطبيعي بين الليل والنهار، لا يختلف إذن عن تواصل آخر ثانية في العام الراحل بأختها التي تبدأ اليوم الأول الجديد من العام المقبل الجديد، إنها دقّة لثانية واحدة بعد منتصف الليل نقول بعدها: "اليوم، وأمس"، أو لنقول عن عزيز لنا مات بعد أن كان حيا. كذلك فإن انتصاف الليل يوشي باقتراب النهار، كما يوشي انتصاف النهار ـ على طوله ـ باقتراب زحف الليل الذي ما يلبث أن يرحل من جديد، وهكذا تدور بنا الأيام.

حتى العقائد على تنوعها واختلافها قد اتفقت على أمر واحد يجمعها، وهو الموت، فلا توجد عقيدة واحدة تنكره، لأن الموت لا يسأل ولا يستأذن، بل هو فرض على كل من ذاق للحياة طعما. فالديانات والعقائد لا تنكر الموت لأنها لا تقدر على ذلك، لكنها ربما تختلف على معناه ومغزاه؛ فبعضها يرى بالموت انقطاعا تاما عن كل ما هو حي، وبعضها يرى فيه انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر ـ تناسخ الأرواح ـ، والبعض الآخر يرى فيه مرحلة انتقالية تسبق حياة أخرى في عالم آخر وتحت ظروف أخرى.

الاختلاف الأبرز إذن هو في مكانة الحياة في نفوس البشر، فمنهم من يوليها النصيب الأكبر من حبه واهتمامه على أساس أنها الحقيقة الوحيدة الملموسة، وما عداها ـ أي مرحلة ما بعدها من موت ـ  ضرب من الخيال والغيب، ومنهم من يعرض عنها طمعا في الحياة الآخرة، والقليلون منهم من يعملون على الإمساك بالعصا من منتصفها.

لكن أمرا واحدا يبقى القاسم المشترك بين مختلف أنواع البشر، وهو الخوف من الموت، حتى مع الإيمان بالقيامة كحقيقة، ذلك لأننا نرى في الموت هزيمة للحياة.

الصديق العزيز!

شاءت الأقدار أن تكون رسالتك دافعا لي إلى الكتابة في أمور تشغلني كلما اقترب عام من الرحيل، وأن تكون أنت أول من يتلقى خواطري. أهي الأقدار ؟ أم الصدف؟ ولعلك تعلم أن الكثيرين لا يؤمنون بالقضاء والقدر، مع أنهم يعتقدون في الصدفة، ويسلمون بوجود المجهول. أو ليست الأقدار سوى ما نجهل، أو ما يأتينا دون ترتيب منا، أو سابق توقع؟! فكلانا مثلا يتوقع انتهاء عام وبداية آخر، لكننا لا نعرف إن كنا سنشهد تلك اللحظة، فقد تشاء الأقدار أن يتصادف مولد العام الجديد مع بقائنا أحياء. فالقدر والصدفة مسميان لمجهول واحد.

إن من يتدبر قوله تعالى في الآية 12 من سورة الإسراء:" وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصّلناه تفصيلا"، وجد أن إحدى الحكم من تعاقب الليل والنهار هي أن يسأل الأحياء الله بعضا من فضله، أي بعضا من خير ما قدر لنا ، وأن يعيننا على يومنا، ويحيي الأمل في نفوسنا وقلوبنا نحو الغد. فالزمن هو وسيلة لقياس وتحديد مدى ما خطونا في أمسنا، وما نخطوه  لتونا، وما قد نخطوه غدا ـ إن قدر لنا ـ نحو ما لا نعرف.

والآن أستودعك الله يا صديقي العزيز، فقد اقترب ليل العام الراحل من الانتصاف، وإن كان العام الجديد قد بدأ عندك قبل نحو ساعة نظرا لفارق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك العزيزة والأولاد.

حسن بارود

فيينا في 31/12/2007

الموافق 1/1/2008 بتوقيت القاهرة

  ............................

 

الرسالة الثانية

 

 

فيينا في أول فبراير 2008

صديقي العزيز!

 

أرجو أن تكون قد قرأت ردي على رسالتك الوحيدة، ونظرا لأنني لم أتلق منك ردا عليها حتى الآن ـ لعل المانع خير ـ فها هي رسالتي الثانية، لمجرد التذكرة.

ملحوظة: أخشى أن تكون قد أطلعت زوجتك العزيزة على مضمون رسالتي الأولى، فنصحتك بعدم الاستمرار في مثل هذا النوع من الصداقة مع أناس يحتفون بمقدم عام جديد بالتفكير في الموت والليل والمجهول.

وعموما على المقيمين خارج إطار هذا النوع من التفكير مراعاة فروق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك أم أولادك.

المخلص حسن

 

  2   

 خواطر حول مسألة الاندماج

في عصر العولمة

 

تحظى مسألة الاندماج، والمقصود بها هنا اندماج المهاجرين الأجانب في المجتمعات الأوروبية، بمساحة كبيرة من الاهتمام، سواء من جانب المشتغلين بالسياسة وصناعة القرار في دول المهجر، أو علماء الاجتماع، وممثلي الديانات المختلفة، بالإضافة إلى الاهتمام الخاص الذي توليه الأحزاب والتيارات السياسية اليمينية المتشددة أو المتطرفة في أوروبا، لما تسميه التهديدات القادمة لتركيبات المجتمعات الأوروبية التي قد تصل إلى حد الانقراض نتيجة لتزايد أعداد المسلمين في القارة الأوروبية المسيحية.

والذي لا شك فيه أن تنامي ظاهرة وجود الأجانب في أوروبا ـ والمسلمين بصفة خاصة ـ يحتم علينا الاقتراب من تلك الظاهرة، ومحاولة التعرف على العوائق التي تواجه اندماج الشرقيين عامة، والمسلمين بصفة خاصة، إذ لا يعقل ولا يتوقع أن يظلوا في أوروبا على أحوالهم التي تركوا بلادهم عليها، وجاءوا للعيش والاستقرار في بلاد تختلف تماما، مناخيا، وثقافيا، وحضاريا، ودينيا، عن أوطانهم الأصلية، وما مدى صحة المثل الشعبي القائل : "من عاشر القوم أربعين يوما، صار واحدا منهم!" في هذه القضية الشائكة؟

الواقع يقول أننا أمام عدة عوامل تؤثر بالسلب أو الإيجاب على اندماج الأجانب في بلاد المهجر بصفة عامة؛ منها ما هو خاص بالمهاجر، ومنها بما هو خاص بدولة المهجر، ومنها ما هو خارجي تماما يتمثل في مظاهر العولمة وإنجازات العصر الراهن.

ويمكن إيجاز ما يتصل بالمهاجر في العوامل الآتية:

  • المرحلة العمرية

  •  الجنس

  •  الخلفية التعليمية والثقافية والاجتماعية

  •  الدافع للهجرة

أولا: المرحلة العمرية

لا شك في أن المهاجر صغير السن أكثر وأسهل تقبلا لطبيعة ومظاهر الحياة في المجتمعات الجديدة، نظرا لقدرته على استيعاب لغة المجتمع الجديد بسرعة وسهولة أكثر من والديه مثلا، كما أن التحاق الأطفال والشباب بمؤسسات التعليم في الوطن الجديد يقرب من الفوارق الفكرية بين النظراء في العمر، ويجعل مهمة تلقين الثقافة الجديدة، وربما الغريبة أكثر يسرا وسهولة؛ فالتعليم في الصغر يبقى أثره كالنقش على الحجر. وقد يشكل هذا الأمر ناحية إيجابية للاندماج، أما الناحية السلبية فتتضح معالمها في حالة الصدام التي قد تنشأ حتما بين جيل الأبناء الصغار وآبائهم، نتيجة لما يطرأ على شخصياتهم من ملامح التشكيل المغاير لعادات وتقاليد ومعتقدات الآباء. يشترك في هذا الأمر جيل الآباء بصفة عامة بغض النظر عن خلفياتهم المجتمعية والثقافية، لوجود اختلاف ما بين خلفيات الآباء الشرقيين والواقع المعاش في المجتمعات الأوروبية، أي أن الصدام قادم لا محالة في أغلب الأحوال.

ثانيا جنس المهاجر:

هناك فرق كبير بين هجرة الرجال وهجرة النساء، فهجرة الرجال عادة ما تكون أسهل وأيسر، خاصة أن رجال المجتمعات الشرقية يتمتعون بحرية "حصرية"، لا تتاح لنساء تلك المجتمعات، كما أن القيود التي تضعها العادات والتقاليد الشرقية على النساء تجعل من أمر هجرتهن بدون "محارم" من الرجال "من الكبائر"  التي تستوجب الستر، أو الإزالة!

فالرجل الشرقي هو المؤهل لاتخاذ قرار الهجرة إلى الغرب، سواء كانت هجرة اختيارية، أو اضطرارية.

أما المرأة أو الفتاة فلا نصيب لها في هذا الرخاء، فغيرها يقرر لها؛ وفي أغلب الأحيان يكون الزوج الذي يصطحبها للتغلب على وحدته في الغربة، أو الأب الذي يسعى إلى لم شمل الأسرة، وفي كل الحالات عليها أن تستسلم كاملا للقيود التي يضعها لها "رجلها" في دولة المهجر لوقايتها من شرور الفتنة، ولصيانة عفتها وشرفها في مجتمعات تفتقد لتلك المفردات لغويا وسلوكيا.

لكل هذه العوامل تصبح المرأة المهاجرة الضحية الأولى للفوارق الاجتماعية والثقافية والشخصية بين مجتمعي النشأة والهجرة؛ مجتمع يشد إلى الخلف، أو على الأقل يسعى للتثبيت في المكان من منطلق "محلك سر!"، وآخر يجذب إلى الأمام ـ بما يتيحه من مظاهر للحرية والاستقلالية، والحقوق ـ ولكن ربما إلى مقاصد غير معلومة بحكم قلة الخبرة وغياب الثقة في النفس، والخشية من الوقوع في الخطأ.

هنا تبرز إلى السطح أعراض نوع من الانفصام في شخصية المهاجر؛ ذكرا كان أو أنثى، بالميل إلى العزلة، والابتعاد عن الانخراط في الحياة اليومية داخل المجتمعات الجديدة، والتقوقع داخل ما يشبه المعسكرات السكنية للمتشابهين، وقصر العلاقات الاجتماعية على "المثليين مجتمعيا"، وعمليات الشراء والبيع على حوانيت الشرقيين، وقضاء أوقات الفراغ في أماكن تكاد مقصورة عليهم، بل والسعي إلى دفع الأبناء إلى مؤسسات تعليمية خاصة بالمهاجرين دون غيرهم، ومن ثم تتحول العلاقات بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة إلى نوع من "زواج الأقارب". لذلك يلاحظ وجود فوارق واضحة بين سلوكيات من يتلقى تعليمه في مؤسسات الدولة المضيفة، وأولئك الذين يتلقون تعليمهم في مؤسسات خاصة بالمهاجرين، كما يكرس الصورة السلبية للمرأة الشرقية عموما، والمسلمة تحديدا، في ضوء ما يتردد عن إحجام كثير من التلميذات المسلمات عن المشاركة في حصص التربية البدنية والأنشطة الرياضية المشتركة مع البنين، بل والمشاركة حتى في الرحلات المدرسية خارج محلات إقامة الأسرة، بل يصل الأمر في الكثير من الحالات إلى تحريم قراءة المطبوعات العربية أو الأجنبية التي تتضمن آراء أو مناظر غير مألوفة لفكر الآباء.

هذا عن جيل الشباب، أما جيل الوالدين، فحدث ولا حرج عن رفض الكثيرات من النساء المسلمات السماح لأطباء ذكور بتوقيع الكشف الطبي عليهن، ولم لا وجسم المرأة كله عورة؟! فتترتب على هذا الأمر عواقب وخيمة على حالاتهن الصحية.

والغريب أن بعضهن قد يقبل مضطرا أن تنكشف "عوراتهن" على طبيب أجنبي، ولا تقبل ذلك من طبيب شرقي؛ ربما بدافع من الحياء تجاه "الأقارب أو أبناء البلد الواحد"، أو رغبة في الاختفاء وراء ستار السرية والخصوصية التي قد لا تتوافر لدى عدد من الأطباء الشرقيين الذين قد يذكرون في أحاديثهم العارضة بطريقة عفوية بعض أخبار مرضاهم.   

ثالثا الخلفية الاجتماعية والثقافية للمهاجر:

هناك حكمة عربية تقول: "كل إناء ينضح بما فيه". وهذا القول بالتحديد ينطبق تماما على تركيبة مجتمعات المهاجرين في الدول الأوروبية، حيث تتباين أنماط السلوك داخل الشرائح الاجتماعية المختلفة للمهاجرين بما يعكس في وضوح الحالة الاجتماعية والثقافية لأفراد تلك الشرائح، ويدل بجلاء على مرجعياتهم المجتمعية والفكرية في مواطن النشأة.

فالملاحظ، أن غالية المهاجرين من الفقراء ومحدودي التعليم والثقافة العامة تركز خلال تواجدها في المهجر على العيش في أحياء فقيرة لسهولة التخفي، ورخص المعيشة في تلك البيئات، لتزداد بذلك أعداد أبناء المهاجرين في المدارس لينقلوا تلقائيا سلوكيات أهلهم إلى فصول المدارس، وتتراجع معدلات استيعاب اللغة الجديدة في مراحل عمرية هامة، لتؤثر على مستوى التحصيل العلمي لصغار المهاجرين وأقرانهم من المواطنين الأصليين على حد سواء. كل ذلك وغيره مما نراه من مظاهر أخرى مثل انتشار الزى "الإسلامي" بصوره المختلفة أقلها تشددا غطاء الرأس "الحجاب"، وأكثرها تطرفا "النقاب"، سواء في الشارع أو المدرسة أو مكان العمل؛ وهي مناظر غير مألوفة لدى السكان الأصليين للبلاد، فتتصاعد صور المواجهات بين المهاجرين وأهالي تلك الأحياء، ويسود نوع من التوتر الاجتماعي، وتكثر أشكال الاستفزاز المتبادل التي تؤدي حتما إلى النفور والسخرية من الآخر، بل والازدراء والكراهية، والسعي إلى مضايقته،  والدعوة التي قد تصل إلى حد الإلحاح على التخلص من وجوده.

تفرز هذه الظروف المعيشية وتلك الأنماط من السلوك سلبيات كثيرة تؤثر بالطبع على اندماج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة، وعلاقتهم بمواطني تلك المجتمعات من أبرزها العزلة شبه التامة داخل بلاد المهجر، وتشكيل ما يسمى بتجمعات موازية، والجهل المشين بلغة القوم والمفردات الأساسية للسلوك الاجتماعي. إذن نحن أمام شريحة إنسانية تتقوقع في "جيتو" بشري واجتماعي مغلق داخل مجتمعات غريبة عنها وعليها، المحصلة التلقائية والطبيعية لكل ذلك هي تدني مستويات التعليم، ومن ثم انتشار البطالة داخل تجمعات المهاجرين، والالتفاف على القوانين للحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات المالية التي تدفعها حكومات دول المهجر لمكافحة الفقر. وفي أغلب الحيان لا يخلو الأمر من قيام المهاجرين بأعمال خارج نطاق القانون، مثل "سوق العمالة السوداء" بجانب الاستمرار في الحصول على المزايا المالية التي تكفلها قوانين التكافل والتضامن الاجتماعي في بلاد المهجر.....

والنتيجة الطبيعية لهذا الواقع هي بروز عناصر سياسية ـ داخل مجتمعات ليست مؤهلة بطبيعتها لاستيعاب الغرباء وتسهيل انصهارهم داخلها ـ تتبني قضايا وهموم المواطنين الأصليين وطرحها على الرأي العام لكسب أصواتهم في الانتخابات، مستخدمين في حملاتهم أساليب لا تخلو من المبالغة في بعض الأحيان، ولا ترى غير واقع واحد هو واقع أصحاب الأرض، فتصورهم كالغرباء في بلادهم نتيجة لمزاحمة الغرباء "الحقيقيين" وسعيهم لفرض أنماط حياتهم وسلوكهم على المجتمع الجديد. بالإضافة إلى اتهام المهاجرين  بإساءة استغلال القوانين المحلية، وتكرار الخروج عليها.

رابعا الدافع للهجرة:

طرأت على معظم مجتمعاتنا العربية في العقود الأربعة الماضية ظاهرة غريبة على شعوبها، ألا وهي هجرة الشباب بوجه خاص في اتجاه الدول الغربية وشمال أمريكا واستراليا، بعد انحسار موجات الهجرة التقليدية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي خرجت  من بلاد الشام بالتحديد، هربا من ويلات الحكم العثماني التي طالت الطوائف المسيحية في الغالب.

وبالإضافة إلى الهجرة التقليدية لأبناء الدول العربية في شمال أفريقيا في اتجاه دولة الاستعمار السابقة فرنسا، وكذلك الظروف الخاصة وغير العادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ 6 عقود كاملة، إلا أن دولا مثل مصر أو العراق لم تكن من الدول الطاردة لأبنائها أو المصدرة للمهاجرين.

ولنا أن نتخيل الظروف المختلفة التي دفعت بأبناء تلك الدول الغنية سكانيا وربما ثقافيا، بالإضافة إلى الغنى المالي في حالة العراق مثلا، إلى الهجرة والعيش في الغربة داخل مجتمعات تختلف كثيرا في عاداتها وتقاليدها وعقائدها عن المجتمعات الأصلية للمغتربين العرب.

ويمكن حصر دوافع الهجرة لدى المهاجرين العرب في الدراسة والتعليم، العمل، اللجوء، والشعور بالاغتراب داخل الأوطان. ومن هنا تتفاوت درجات الاستعداد  للاندماج لدى المهاجرين باختلاف دوافعهم للهجرة.

ثمة تطور آخر جديد طرأ على العالم بأسره وهو ظاهرة انفتاح السماوات بانتشار القنوات الفضائية، وسهولة الاتصالات بين أرجاء العالم، الأمر الذي أزال المسافات تقريبا بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة ومواطنهم الأصلية، فانكبوا على مشاهدة ومتابعة محطات التلفزيون الوافدة عبر الأثير إلى بيوتهم ومضاجعهم الجديدة، لتتسع الهوة بينهم وبين عادات وتقاليد وسلوكيات المجتمعات المضيفة، الأمر الذي يعيق حتما عملية الاندماج.    

أما ما يتعلق بدولة المهجر، فإن الأمر قد يختلف بعض الشيء، نظرا لأن الدولة المتلقية أدركت بعد فترة من الزمن أنها أمام نوعيات ربما تكون عشوائية من المهاجرين تعددت خلفياتهم ودوافعهم للهجرة. وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدا إذا أدركنا أن بعض الدول الأوروبية فتحت أبوابها أمام قوى عاملة أجنبية، توقعت ـ أو تمنت ـ أن تكون إقامتها على أراضيها مؤقتة، أو أن من يبقي منهم سيسهل صهره أو انصهاره في المجتمعات الأوروبية الأكثر جاذبية للحياة الدنيا بكل مغرياتها المادية والحسية.

بالإضافة إلى ما سبق، فهناك عوامل ثلاثة رئيسية بالغة الأهمية تؤثر بشكل واضح على استعداد أهل الدولة المضيفة لاستيعاب المهاجرين الجدد وتسهيل اندماجهم في المجتمعات الجديدة، أولها ارتفاع درجة الجهل لدى مختلف شرائح المجتمعات الأوروبية عن الديانات والشعوب الأخرى، رغم ارتفاع معدلات التعليم، والانفتاح الإعلامي، وانتشار حرية الرأي والتعبير في المجتمعات الأوروبية. ومع ذلك نجد للأحكام المسبقة عن الآخرين اليد العليا في توجيه مسار وطبيعة العلاقة بين أهل البلد والوافدين إليه من الأجانب. لذلك ينحصر مفهوم معظم الغربيين عن الإسلام مثلا في تعدد الزوجات، وإقامة الحدود، واضطهاد واحتقار المرأة، ومن ثم ينعكس سلوك الغربيين مع أتباع الدين الإسلامي بتلك المفاهيم، فتزداد الفجوات بين الطرفين عمقا، ويهيمن التوجس والخوف من الآخر على العلاقات الإنسانية بينهما.

ولا شك أن تباين سلوكيات المسلمين داخل المجتمعات الجديدة، وإصرارهم على ربط تلك السلوكيات بأسباب دينية، يزيد من حالة الارتباك لدى المتلقي الغربي، فقد يجد مسلما يحلل ما يحرمه آخر، وحجة الاثنين هي الإسلام بالطبع، سواء كان ذلك في مجال المعاملات، أو السلوكيات اليومية، مثل مشروعية تلامس يد الأنثى المسلمة بيد رجل من غير المحارم، أو اختلاط الجنسين في مؤسسات التعليم ومزاولة الرياضة البدنية في المدارس، أو في مدى التشدد أو التساهل بشأن زى المرأة المسلمة.

العامل الثاني هو انتشار ظاهرة التعطش إلى السلطة والتلذذ بشهوة الحكم لدى التيارات السياسية اليمينية المتطرفة، التي تتخذ من تزايد أعداد المهاجرين من أصول عرقية "غريبة" أو خلفيات ثقافية وحضارية مغايرة للمألوف في المجتمعات الأوروبية، ذرائع لتأجيج مشاعر الجماهير تجاه الغرباء، والتحذير من عواقب ذلك على تركيبة المجتمع، وصورته العامة نتيجة لاختلاط الأنساب، وذوبان الهوية تدريجيا. وما التحذيرات من ضرورة التصدي لموجات "أسلمة أوروبا" سوى النتيجة الطبيعية لهذا الكم من الضغائن المتراكمة في عقول أولئك المتطرفين. كل ذلك وغيره بغرض الحصول على مزيد من الأصوات تمكن تلك القوى من التأثير على مجريات الأمور في البلاد، والتي تؤدي حتما إلى تشديد القوانين المنظمة لعلاقات المجتمعات الأوروبية بالوافدين من الغرباء.

أما العامل الثالث فتمثله مؤشرات التوجهات الواضحة لقيادات وممثلي مذاهب الطوائف الدينية المسيحية، التقليدية منها أو الأصولية التي بدأت تدرك عواقب التوجه الليبرالي والعلماني في المجتمعات الأوروبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، واندلاع ثورة الشباب في أوروبا عام 1968، وما أعقب ذلك من تراجع معدلات الانتماء الشعبي للكنائس الأوروبية بصفة عامة، بالإضافة إلى تزايد أعداد المهاجرين من غير أتباع المذاهب المسيحية بصفة عامة ومن المسلمين بصفة خاصة.

لذلك ارتفعت أصوات الكثيرين من رموز الطوائف المسيحية في أوروبا لتأكيد الهوية المسيحية للقارة، والتحذير من اندثار التقاليد المسيحية ـ التي يختصون أنفسهم بها دون غيرهم ـ مثل التسامح والدعوة إلى المحبة، وتحكيم العقل، واحترام الحرية الشخصية. وبالطبع فإن وقف المد أو الزحف الإسلامي هو الغرض والهدف الأول لتلك الدعاوي.

خلاصة القول أن قضية الاندماج شائكة وتحتاج إلى تضافر جهود كل الأطراف لتحقيق  الهدف من طرحها للمناقشة، وعلى كل الأطراف أن تدرك أن حلها لن يتم بالابتزاز، أو التعسف، أو الانتهازية، وإنما بالسعي إلى التوصل إلى حلول وسط، بحيث تلتقي أطرافها في منتصف الطريق، ولا تتمسك كل طرف بالبقاء في مكانه على أطراف الطرق.

فالمهاجرون الجدد مطالبون بالتخلي عن مساعيهم في فرض عاداتهم وتقاليدهم الغريبة على المجتمعات الجديدة، وإظهار حسن النوايا تجاه تلك المجتمعات، وإبداء نوع من الولاء حيث يتعذر الشعور بالانتماء لدى الأجيال الأولى منهم لأوطانهم الجديدة.

وأهل البلد "الأصليون" مطالبون بتفهم تأثير ودور العوائق النفسية، وغلبة "الطبع على التطبع"  التي تحول دون اندماج المهاجرين. عليهم كذلك أن يتفهموا أن الاندماج لا يعني الذوبان، وفقدان الهوية، بل يعني التعايش والتفاعل مع شرائح المجتمع بالقدر الذي يتحمله كل طرف، فلن يفيد أحدا تحميل أي طرف بما يفوق  قدرته على الحمل.

يأتي دور الساسة وصناع القرار في عملية الاندماج، إذ يجب الاتفاق على "ميثاق شرف" للعمل السياسي يضع سقوفا وخطوطا حمراء للمساحة المسموح للتيارات السياسية على اختلاف أطيافها بالحركة داخلها، خاصة إذا تعلق الأمر بالأمن والسلم الاجتماعي للأوطان، وحرمة حقوق الإنسان، بغض النظر عن هويته العرقية أو العقائدية.

كل هذا في إطار منظومة إعلامية لا تنحاز للإثارة الرخيصة التي تؤجج مشاعر ونزعات التعصب والعنصرية.

 

 

  3 

خواطر حول

مسألة الاندماج في عصر العولمة

(2)

 

تعرضنا في طرحنا الأول لهذه القضية لعدد من الأمور، نظن أنها قوبلت بقبول من معظم من قرأها على صفحات مجلة " أخبار الأدب" المصرية التي نشرتها في 9 مارس الماضي، أو من قراء "جسور"، حيث تلقينا العديد من الرسائل يؤيد أصحابها أطروحتنا، ولم نتلق حتى الآن تعليقا واحداً يمكن أن يوصف بالسلبي. ومن منطلق أن السكوت علامة الرضا، يمكن القول بأن ما عرضناه يمثل نوعا من النقد الذاتي نراه الخطوة الأساسية نحو الإصلاح والتغيير الإيجابي، إذا صدقت نوايا الأطراف ذات المصلحة في حل مشاكل اندماج العرب والمسلمين في الغرب بصفة عامة، وفي النمسا التي نعيش على أراضيها وبين فئات مجتمعها المختلفة، ويحمل الكثيرون منا جنسيتها، بصفة خاصة.

والآن، هل لي أن أدعو إلى الدخول في صلب بعض المشاكل التي تعوق اندماجنا في المجتمعات الجديدة التي اخترنا أو أجبرنا على العيش داخلها؟

وحتى لا يتشعب الأمر، سأطرح في هذا المقال، والمقال الذي يتلوه قضيتين أساسيتين هما اللغة والتعليم.

أولا: قضية اللغة:

من المؤكد أن الجهل بلغة لغة البلاد الجديدة يؤثر مباشرة على مفردات حياتنا اليومية بكل صورها، الأمر الذي يؤدي إلى تأصيل حالات سوء الفهم لدى الطرفين الفاعلين في الحياة الاجتماعية، وتقليل فرص تبادل المنفعة، وتعظيم الفوائد من هذا التنوع البشري والثقافي، ومن ثم ترسيخ النزعات الانعزالية، وتأجيج مشاعر الرفض المتبادل، واندلاع الصراعات، وبالتالي تلاشي الرغبة أو القدرة على التحاور الإيجابي والبناء.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن الخطير هو: ماذا فعلت الجمعيات الأهلية للجاليات العربية والإسلامية في النمسا ـ الدينية منها أو المدنية على حد سواء ـ لتغيير هذا الوضع المشين؟

هل نظمت دورات لتعليم اللغة الألمانية في المساجد، والكنائس، ومقار الأندية والمنظمات العديدة التي لا نشك في أن بعض بنود لوائح إشهارها تنص على تسهيل اندماج أعضائها في المجتمع النمساوي، وتوطيد العلاقات الثقافية بين المهاجرين وشعب بلد المهجر؟!!!

هل سأل القائمون على أمور تلك الجمعيات أنفسهم عن سبل تحقيق تلك الأهداف النبيلة في غياب لغة التفاهم والحوار؟!!!

هل أولت الهيئة الدينية الإسلامية الرسمية نفس العناية لتعليم اللغة الألمانية لآباء التلاميذ الذين تحرص على تعليمهم الديانة الإسلامية في المدارس النمساوية، خاصة وأن بها إدارة خاصة للاندماج؟ وهل خصصت إدارة شئون المرأة بالهيئة يوما في الأسبوع لتعليم النساء المسلمات لغة النمسا، بجانب حرصها على تخصيص يوم لسباحة أولئك النساء في حمامات مغلقة؟!!!

وأي دور قامت به المئات من "الزوايا"  للجمعيات الدينية التي انتشرت في ربوع النمسا خلال العقود الأخيرة كي تنهض بمستوى إجادة أعضائها ومريديها للغة البلاد؟!!!

وهل تحظى لغة الشعب النمساوي بمكانة تذكر لدى قيادات التيارات السلفية الحريصة على ترسيخ أفكار وسلوك السلف في عقول ونفوس أتباعها من مواطني القرن الحادي والعشرين؟!!!

وكذلك هل فتحت الكنائس العربية والشرقية أبوابها لأجيال الآباء لتعلم لغة البلاد التي يعيشون فيها؟!!!

وماذا فعلت المراكز والجمعيات والروابط الثقافية لتعليم الألمانية لأفراد الجاليات العربية في النمسا؟!!!

ما الذي حققناه للنهوض بالمستوى اللغوي لربات البيوت العربيات المقيمات في مدن وقرى النمسا، لتيسير تعاملهن مع المجتمع الذي يعشن فيه؟!!!

أسئلة كثيرة، والإجابات عليها مؤلمة، وأكثرها إيلاما ما نشهده حاليا من تصارع بين تنظيمات أهلية لبعض الجاليات العربية لتحقيق الشهرة والرغبة في تسليط الأضواء على بعض قياداتها، بتوجيه الاتهامات بالتآمر، والسعي إلى تهميش الآخر، واستخدام المرأة ـ مرة أخرى المرأة ـ أداة في تحقيق تلك المآرب.

والغريب والمدهش أن جل ـ إن لم يكن كل ـ اهتمام تلك التنظيمات ـ باستثناء الدينية منها ـ ينحصر في استقدام الفنانين والفرق الموسيقية من دولنا لإقامة بعض الحفلات الترفيهية لأعضاء الجاليات العربية ـ وهذا أمر مهم لا يجب التقليل من فوائده ـ لكن الأهم في نظرنا أن نعتني بأمور تؤدي إلى رفع مستويات جاليتنا في مجتمعاتها الجديدة، خاصة وأن المؤسسات النمساوية الرسمية تساهم ماديا في تمويل أنشطة استقدام الفنانين، بنفس درجة حماسها في دعم أنشطة تعليم اللغة الألمانية للمهاجرين، لكن الرغبة ـ فيما يبدو ـ ليست متوفرة لدى الكثيرين منا في الاستفادة من التسهيلات والخدمات التي يقدمها الجانب النمساوي.

لماذا نلوم الدولة والمجتمع، ونتهم مؤسساتهما بالتخاذل، وإهمال شئون المهاجرين، وتعمد تأجيل حل مشاكلهم، بل والسعي إلى إغلاق أبواب ونوافذ الاندماج في المجتمع أمامهم؟

لماذا نقذف بيوت الآخرين بالحجارة، وكل بيوتنا من زجاج هش وليس شفافا؟!!

أسئلة أطرحها على كل من يقرأ هذا المقال، مع إدراكي بأن حديثي في المقال الأول اتسم بالعمومية، أما الآن فأحسب أنني وضعت نفسي أمام جبهات كثيرة، ستحاول بشتى الطرق الدفاع عن نفسها وإبراء ذمتها من المصير الذي آلت إليه أوضاعنا في هذه البلاد، بل وقد لا يخلو الأمر من ازدياد حدة ودرجة التصارع، وتبادل الاتهامات، والسعي للاستقواء بمؤسسات من خارج النمسا للدفاع عن حقوقنا "المهضومة أو المغتصبة" من جانب أناس منا وضعناهم ـ عن وهم ـ  في عداد الخصوم، بل وربما الأعداء.

 

  4 

دور الجالية المسلمة

في المجتمع النمساوي

 

قبل عدة أيام، وقبيل توجهنا إلى قاعة الاجتماعات بمبنى السفارة المصرية، لمناقشة مسألة تأسيس أول اتحاد عام للمصريين في النمسا، فاجأني صديق بسؤال عن موعد إجراء الانتخابات لاختيار مجلس الإدارة الجديد للهيئة الدينية الإسلامية، بعد الإعلان المفاجئ لرئيسها الحالي الأخ الأستاذ أنس الشقفة، الذي تحمل عناء ذلك المنصب طوال السنوات الماضية بجرأة وشجاعة يحسد عليهما، خاصة في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي مرت بالمجتمع الإنساني ككل، وبمجتمعاتنا الإسلامية بشكل خاص.

أجبت على سؤال صديقي بأنني أتوقع أن تجرى الانتخابات في نهاية شهر يونيو ـ حزيران ـ أو يوليو ـ تموز ـ، وإن كنت لا أعرف موعد إجرائها بالضبط، ثم أعقبت إجابتي المقتضبة على سؤاله الهام بتساؤل من جانبي عن الدافع وراء سؤاله، وهل ينوي ترشيح نفسه لأحد المراكز في مجلس الإدارة الجديد؟ فأجابني بأنه ليس عضوا في الجمعية العمومية، لكنه يفكر في مسألة العضوية، ثم قال جازما: "بالطبع أنت عضو في الجمعية العمومية للجالية"! فأردفت والخجل يغلف نبرات صوتي، بأنني ـ مثله ـ لست عضوا، لكنني سأسعى إلى عضوية الجالية، كي يكون لي صوت من داخل الجالية، وليس كعشرات الآلاف من أصوات "الكسالى" من خارجها.

واليوم بعثت برسالة عبر البريد الإلكتروني إلى قسم الخدمات بالهيئة أرجو من القائمين على أمره بإمدادي باستمارة للعضوية.

والآن، فإنني ـ من خلال منبر جسور ـ أناشد الأخوات والإخوة الحريصين على مصالح الجاليات الإسلامية أن ينضموا لعضوية الجمعية العمومية، وأن يدلي كل منا بدلوه من الطيبات، وأن يضع نصب عينيه أن في اتحادنا قوة نوظفها لأعمال الخير والتعايش السلمي والتفاعل الإيجابي داخل المجتمع الذي اخترنا أن نعيش بين ظهرانيه، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:" يد الله مع الجماعة".

 

فيينا في 21/4/  2008

 

  5 

خواطر حول

قضية التعليم في مصر

 

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن خطط إصلاح أو تطوير التعليم في مصر، ليجاري روح العصر وتحديات المستقبل، كما نشهد افتتاح مراكز تعليمية حديثة، يعد القائمون على أمرها بأنها ستكون فاتحة عهد جديد للعملية التعليمية في أرض الكنانة.

والواقع أن المتابع لتطور العملية التعليمية في السنوات الأخيرة، لا يملك إلا التعبير عن حيرته إزاء الكم الهائل من التجارب التي تجرى على مدارسنا وتلاميذنا، وكأننا بصدد "اختراع" التعليم أو "اكتشافه" لأول مرة؛ فتارة "نقرر" تخفيض عدد سنوات التعليم الابتدائي لتصبح خمسا بدلا من ست سنوات، مع ما ترتب على ذلك من دخول خريجي التعليم بمختلف أنواعه لمعترك الحياة مبكرين، فيصدمون بواقع مؤداه انعدام فرص العمل، وطول فترة انتظار الفرج، ولينضموا إلى طوابير العاطلين القدامى، مع ما يعنيه ذلك من شعور بالإحباط واليأس، وفقدان الثقة في نظم المجتمع ومؤسساته، ثم نعود بعد ذلك  و"نقرر" إعادة السنة الملغاة، وكأن شيئا لم يكن، لنجد في المدرسة الواحدة تلاميذا سوف ينتقلون إلى المرحلة الإعدادية بعد خمس سنوات فقط في التعليم الأساسي، وآخرين قرر "أولو الأمر" من المسئولين إطالة فترة بقائهم لعام آخر، حتى يتم نضجهم وتتناسب مداركهم وقدراتهم مع طبيعة المراحل التعليمية التالية.

هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون فقد تفتق ذهن "أولي الأمر" عن قرارات أرادوا بها تطوير العملية التعليمية، تضمنت إجراء امتحانات رسمية لسنوات التعليم الابتدائي الأولية بكل ما تحمله الكلمة من معان، كلجان الامتحانات والمراقبين من خارج المدرسة وطقوس فض المظاريف وإغلاقها، ليدخلوا براعمنا البريئة وأسرهم المغلوبة على أمرها في مناخ تربوي ونفسي وعلمي ومادي ما كان لهم أن يدخلوه لو أنهم ولدوا وعاشوا على أرض دول أخرى أكثر منا تقدما. وأخيرا أعلن "أولوا الأمر" عن نيتهم في إلغاء امتحانات نهاية العام المدرسي لعدد من سنوات التعليم بمختلف مراحله، لأنهم "اكتشفوا" مرة أخرى ما يسمى بعملية التقييم المستمر.

وإذا انتقلنا بعد ذلك لمرحلة التعليم الثانوي العام لأدركنا ما سببته التجارب العديدة التي أجريت على أبنائنا وأسرهم من ضغوط نفسية ومبالغ مالية طائلة بسبب الدروس الخصوصية، لهثا وراء التحسين وغيرها من المسميات التي لا يوجد مثلها في غير بلادنا، ثم يعود "أولوا الأمر" مرة أخرى ويلغون "اختراع التحسين" ولتصبح أعلى نسبة للدرجات يمكن الحصول عليها هي 100% بدلا من 110% أو حتى أكثر من ذلك.

أما التعليم الفني فلم يسلم أيضا من تجارب عدة أدخلت ازدواجية في مراحله، إذ نجد مدارس صناعية تمتد الدراسة فيها إلى خمس سنوات، جنبا إلى جنب مع المدارس التقليدية ذات السنوات الثلاث، مع غياب التدريب العملي السليم في كل من النظامين، ناهيك عن مستوى الخريجين من المدارس الثانوية التجارية أو الزراعية.

وللإنصاف فإن جهودا كثيرة قد بذلت في مجالات متعددة كإنشاء المئات من المدارس ومراكز تدريب المعلمين وإدخال تعديلات على مناهج الدراسة وتطوير الكتاب المدرسي في العديد من المراحل التعليمية، كما ارتفعت ميزانية التعليم لتصل إلى المليارات التهمت الأجور والمرتبات الجزء الأكبر منها ـ وهذا في حد ذاته مطلوب وحيوي - لكن أمرا أساسيا ظل غائبا وهو النظر إلى التعليم كعنصر حيوي وأساسي في تقدم المجتمع ونهوضه وضرورة وجود علاقة قوية بين مستقبل الخريج وحاجة المجتمع لمجهوده وعطائه، إذ لا يكفي أن تخرج مؤسساتنا التعليمية مواطنين قادرين على استخدام "الإنترنت"، بقدر ما نحتاج إلى خريجين مؤهلين للابتكار والتطوير والاختراع وتصنيع ما نبتكر، لنصبح مبدعين فعلا في مختلف المجالات وليس مستهلكين فقط لما ينتجه غيرنا؛ فلا يكفي أن نهلل لتحليق قمرين صناعيين يحملان العلم المصري في الفضاء، في حين تم إنتاجهما من جانب دول أخرى، اخترعت وصممت وصنعت ثم باعتنا بضاعتها، وأخذنا نروج لأنفسنا بأننا نواكب التقدم التكنولوجي في العالم، وقس على ذلك كل شئ أخر نشتريه بالعملة الصعبة من منتجيه الأساسيين ثم ننسب لأنفسنا أفضالا ليست لنا.

وإذا اتسعت صدور "أولي الأمر " من المسئولين عن التعليم في مصر، سأسمح لنفسي بعرض بعض الأفكار العامة ـ دون الدخول في التفاصيل - التي أرى أنها قد تؤدي إلى نتائج طيبة تعود بالنفع على المشاركين في العملية التعليمية بمختلف انتماءاتهم أوجزها في النقاط التالية:

أولا حق المعلم في الإعداد المناسب:

يشكل المعلم الفاعل الرئيسي في العملية التعليمية، حيث تقع على عاتقه مسئوليات جسام في إعداد أجيال المستقبل. وإذا كانت واجبات المعلم تفرض عليه الكثير من المسئوليات، فإن حقوقه على المجتمع لا تقل أهمية عن واجباته، بل إنها تشكل الأرضية الأساسية التي تبنى عليها معادلة العلاقة المتبادلة بين المعلم والمجتمع.

لذلك فإن الإعداد المناسب للمعلم يشكل حقا أساسيا له، يؤهله للنهوض بمسئولياته في مجتمع يتطلع إلى النهوض ومسايرة حركة العصر، على أساس تكافؤ الفرص ومنح الحقوق لمستحقيها وتقدير عطائهم.

وأولى تلك الحقوق هو عدم التمييز في الأهمية والقيمة بين المعلمين القائمين على تربية أبنائنا في مختلف مراحل التعليم، مع الوضع في الاعتبار وجود فوارق معقولة في مرتباتهم، لا تؤدي إلى إحساس شرائح بعينها بالامتهان.

معلمو رياض الأطفال:

ليس صحيحا أن تكون معلمات رياض الأطفال بالضرورة من خريجات الجامعات، بل يمكن تدقيق الاختيار عند التحاقهن بمعاهد متخصصة لإعدادهن بحيث يتم اختبارهن نفسيا من ناحية القدرة على الصبر وقوة التحمل والتعامل مع الأطفال، وكذلك التركيز على مواهبهن الفنية كالرسم والمهارات اليدوية والموسيقى، وهي أساسيات لا غنـى عنهــا للراغبات في العمل في رياض الأطفال، مع الاهتمام بمستوى الدخل المادي لهن ليتقارب مع زملائهن من معلمي المراحل الأخرى، والتجربة التي عايشتها في عدد من المدارس الدولية في كثير من الدول الأوربية تؤكد أن تلك المدارس تدفع لمعلمات رياض الأطفال المؤهلات نفس المرتبات التي تدفعها لزملائهن في المراحل الأخرى، وتبقى سنوات الخبرة الحكم الأخير في تحديد قيمة المرتب.

أشير كذلك إلى ضرورة التعاقد مع معاهد ومؤسسات تربوية في الدول الأوروبية يمكن تحقيق ذلك في إطار الاتفاقيات الثنائية الثقافية والعلمية بين مصر وكثير من الدول لاستقدام خبراء ومحاضرين في إعداد معلمات رياض الأطفال، كما يمكن التنسيق مع المدارس الأجنبية أو الدولية الموجودة في مصر لإلحاق خريجات تلك المعاهد فيها للتدريب على العمل "كمساعد معلم" لفترة تكفي لاكتساب الخبرات وتبادل الأفكار، كذلك يمكن استضافة عدد من أولئك الممارسين الأجانب من تلك المدارس للمشاركة في دورات تدريبية للخريجات المصريات، وهذا أمر يمكن تقنينه في إطار التراخيص الممنوحة لتلك المدارس.

معلمو المراحل الأخرى:

ضرورة مراجعة مناهج ونظم التدريس في الكليات التربوية بما يمكن الطالب من التمتع بمساحة كبيرة من الحرية في إبداء رأيه في نوع وكيفية ما يتلقاه، مع إعطائه الفرصة للمبادرات الفردية وإمكانية تقييمها - على الأقل - أثناء فترات التدريب العملي من جانب زملائه وأساتذته دون خوف من عقاب، وكحافز على الابتكار والإبداع، كي يتعود معلمو المستقبل على حرية التفكير والنقد المسبب واحترام وتقدير أراء الآخرين، حتى ولو كانوا تلاميذهم الصغار، وهذا أمر أساسي في عملية التعليم.

كما يجب التفكير في أسلوب جديد لتدريب المعلم الشاب على وسائل التدريس الحديثة، سواء عن طريق استقدام خبراء في التخصصات المختلفة وعقد دورات تدريبية منتظمة، والاستعانة بخبرات المدارس الدولية والأجنبية العاملة في مصر، وتخصيص يوم على الأقل في كل فصل دراسي لعقد دورات تدريبية مكثفة داخل المدارس أو المناطق التعليمية، وإتاحة الفرص للمعلمين داخل تلك المدارس للتقدم بأفكار جديدة وعرضها على زملائهم وتبادل الخبرات والمعرفة، كما يجب تشجيعهم على إبداء آرائهم والتقدم باقتراحات بشأن المناهج التي يقومون بتدريسها.

ثمة عامل آخر بالغ الأهمية أرى ضرورة عرضه على أولي الأمر، يتمثل في حتمية رفع مرتبات المعلمين، لتصبح مماثلة لمرتبات غيرهم من شرائح المجتمع "المتميزة" اجتماعيا كالأطباء ورجال الجيش والشرطة، إذ يجب أن نعي أن مسئولية تربية الأجيال لا تقل أهمية عن مسئولية رعايتهم الصحية، أو حماية الوطن من التهديدات الخارجية أو الداخلية.

وهذا يقتضي إعادة ترتيب الأولويات في العديد من أمورنا بصراحة وموضوعية ودون انحياز لفئة من فئات المجتمع على حساب الفئات الأخرى، لأن المعلم "المستريح ماديا" هو الذي سيساهم بارتياح في بناء مستقبل أبناء العمال والأطباء والضباط وغيرهم من شرائح المجتمع.

ثانيا حقوق التلميذ في مراحل ما قبل التعليم العالي:

يمثل التلميذ المحور الأساسي في العملية التعليمية بشكل عام، وهذا يعني ضرورة ضمان وحماية حقوقه على مجتمعه، فيوفر له مدرسة صالحة لقضاء نصف ساعات يومه بين جدرانها في فصول لا تزيد كثافتها عن 30 تلميذا - وفي بيئة تعليمية وتربوية تنمي مواهبه وتساعد على بناء شخصيته وتوجيه سلوكياته وتصون كرامته منذ نشأته المبكرة، في إطار القيم العامة للمجتمع واحترام عادات وتقاليد الآخرين، وفي مناخ من الحرية التي تشجع على إبداء الرأي وتفرض احترام الرأي الآخر، في مسئولية يتدرب الصغير على تحملها تدريجيا، فيبادل معلميه احتراما باحترام، ويسعى للتعاون مع زملائه داخل المؤسسة التعليمية، وينعكس سلوكه الإيجابي في تعامله مع غيره خارجها. حينئذ تكون العملية التعليمية قد أنتجت مواطنا صالحا بكل المقاييس.

ولتحقيق ذلك يجب وضع ما يلي في الاعتبار:

* أن عهد العقاب الجسدي وامتهان كرامة التلميذ بحجة تهذيبه وتعليمه قد ولى، فمن يتعرض في صغره للإهانة الجسدية والنفسية، يصبح فيما بعد مرشحا لإهانة غيره أنى سنحت له الفرصة، سواء مع إخوته أو أترابه أو مع زوجته وأبنائه ومرؤوسيه، وسنؤصل فيه صفات الجبناء والانتهازيين ونشجعه على العنف، إذ لا إبداع تحت القهر.

* أن يقوم على أمر تعليمه معلمون مؤهلون يؤمنون بأن التدريس رسالة قبل أن يكون وظيفة أو مهنة مضمونة الدخل، وأن المعلم يؤدي واجباته تجاه مجتمعه عن إدراك لجسامة مسئوليته في تكوين عقول وشخصيات براعمه.

* أن تكون المناهج حافزا للتحصيل السليم للمعرفة ومثيرة لفضول التلميذ ومثرية لخياله، في إطار من الاحترام الكامل لعقله، وحافزا على التفكير والتعبير الحر المسئول وتنمية مواهبه وملكاته. كما يجب أن تتضمن مناهج التعليم في المراحل المختلفة دروسا جادة في العقيدة والأخلاق ودروسا في الدستور، تراعي تأصيل التسامح الديني بين أبناء الأمة على أساس المواطنة، وأهمية التعددية وتفاعلها واحترام الآخرين وحماية حقوقهم في حياة كريمة للجميع على تراب مصر الغالي.

* أن يكون الكتاب المدرسي شيئا يعتز به التلميذ ويسعى للاحتفاظ به، حتى بعد انقضاء الحاجة إليه، فنهتم بطباعة الكتاب المدرسي وطريقة إخراجه بنفس درجة اهتمامنا بمضمونه. ولتخفيض تكاليف طباعة الكتب يمكن تداولها مرتين على الأقل، إذا عودنا أبناءنا على العناية بكتبهم واقتنعوا بقيمتها، على أن يدفع التلميذ ثمن ما أتلفه من كتب عند نهاية العام الدراسي، وبالطبع يمكن البدء في تجربة كهذه في عدد من المدارس، ثم تعمم إذا ثبتت جدواها.

* أن تتاح له فرصة التعرف على بيئته ووطنه من خلال دراسة موضوعية ودون تمييز أو انحياز لتاريخ بلاده على مر العصور، بالإضافة إلى نواحي المعرفة النظرية والعملية الأخرى وممارسة الرياضة وصقل مواهبه وممارسة هواياته الفنية والإبداعية والاشتراك في المسابقات المختلفة بين مدارس المناطق التعليمية والقيام بالرحلات المدرسية داخل البلاد كي يتعرف النشء على بلادهم وينمو داخلهم الشعور بالانتماء والولاء لهذا الوطن الجميل.

* أن يحصل تلاميذ التعليم الفني على تدريب عملي مناسب في المؤسسات الصناعية أو التجارية أو الزراعية المتصلة بمجال دراسته فيما يسمى بنظام "التلمذة الصناعية أو المهنية" بحيث يدرس كل تلميذ نظريا في مدرسته ويطبق عمليا في الورش والمزارع والبنوك أو المؤسسات التجارية ما درسه نظريا في المؤسسة التعليمية. وهذا الأمر يتطلب التنسيق مع عدد من مؤسسات القطاع العام والخاص المشهود لها بالكفاءة والجدية والمصداقية لقبول أعداد من التلاميذ للتدريب داخلها وتحت الإشراف المزدوج، حتى نسهل انتقال الخريج إلى الحياة العملية، ونتيح له فرصة التدريب قبل التخرج ليدخل مرحلة الإنتاج في أسرع وقت ممكن.

* من حق النشء على المجتمع أن يقدم له القائمون على أمر التعليم في مصر أنماطا جديدة منه، فلا يقتصر المعروض على التعليم الثانوي العام والتعليم الفني التقليدي، فقد تعددت حاجات المجتمع في العصر الحديث بعد أن دخلت المرأة سوق العمل وأصبحت الأسر في حاجة إلى من يعاونها في أعمال البيت أو رعاية الأطفال. لذا يجب تقديم أنواع مختلفة من التعليم في مجال المهن "المجتمعية" كرعاية المسنين  والمرضى سواء في بيوتهم أو في مراكز الرعاية والمصحات أو المستشفيات، والمعاونة في الأعمال المنزلية، مع إتاحة فرص التدريب للملتحقين بهذا النمط من المدارس في الأماكن التي قد يعملون فيها مستقبلا. إن زيادة المعروض من فرص التعليم المهني ستخفف بلا شك من حدة البطالة التي يعاني منها شبابنا وستفتح مجالات جديدة أمامهم.

وكاتب هذه السطور عايش هذه التجربة عن قرب، حيث كانت تلميذة في السادسة عشرة من عمرها تتردد على بيته 4 مرات في الأسبوع لقضاء وقت يتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات في كل مرة، تتدرب خلالها على يد ربة المنزل على أشغال البيت كالطهي وإعداد السفرة وكي الملابس وترتيبها، ومجالسة الأطفال والتعود على التعامل معهم، تتجه بعدها أو قبلها إلى المدرسة لتلقي العلوم النظرية، ثم تقوم ربة المنزل بإعداد تقرير عن أداء المتدربة تعتمده المدرسة ويدخل ضمن التقييم الرسمي للتلميذ أو التلميذة.

ثالثا: حقوق طلبة التعليم العالي

تشكل الجامعات والمعاهد العليا الهدف الأسمى لأغلبية شباب مصر، وهذا في حد ذاته أمر طبيعي، خصوصا في مجتمع ينظر لحاملي الشهادات الجامعية نظرة تكاد تبلغ حد التقديس، وكأن من لم يحصل على واحدة منها لا قيمة له. من هنا بدأ التكالب على دخول الجامعات، فتكدس الطلبة بين جدرانها وأصبحت تلك المؤسسات "كالمفارخ" المنتشرة في البلاد، تدفع بدجاجها إلى المستهلك بعد فترة زمنية قصيرة وبأحجام وأوزان متقاربة، يسعى أصحابها إلى التعجيل بإنتاجها فيحقنون دجاجهم بالهرمونات ويعدون خلطات من العناصر الكيماوية والمضادات الحيوية المختلفة التي تساعد على زيادة الوزن، وإن كان كل ذلك على حساب صحة الطائر ومستهلكه.

وهكذا أضحى حال التعليم الجامعي وخريجيه في مصر؛ آلاف مؤلفة من الشباب تلفظهم الجامعات إلى معترك الحياة دون سابق خبرة أو حتى سلاح يعتمدون عليه في بداية تعاملهم مع المجتمع العامل، هذا إذا قدر لبعضهم أن يحصل على فرص عمل مناسبة.

وللخروج من هذا المأزق أطرح ما يلي من الأفكار:

أولا : حقوق الطالب الجامعي

* يجب على المجتمع الذي قرر التوسع في إنشاء مؤسسات التعليم العالي في كافة أنحاء البلاد، بما أطلقنا عليه الجامعات الإقليمية، أن يعدل بين طلبة الجامعات في مصر بشكل عام، فلا يحرم بعضهم من موارد بشرية أو مادية ينعم بها آخرون في الجامعات "الأم"، إن جاز لنا هذا التعبير، حتى يتقارب مستوى الخريجين من كافة الجامعات من حيث درجة الجودة طبعا. وربما تطلب الأمر إعادة هيكلة بعض الجامعات، فلا يشترط وجود كل التخصصات في كل الجامعات على حد سواء، إذا لم تتوافر الموارد البشرية والمادية.

* أن يتلقى الطالب علمه على يد معلم مؤهل بأسلوب صحيح، يشعر بالاستقرار النفسي والمادي، فلا يضطر إلى قضاء أكثر وقته متنقلا في وسائل المواصلات بين عواصم محافظات الجمهورية لهثا وراء بضعة جنيهات هي أجره عن  انتدابه للتدريس هنا وهناك.

* ومن حق طالب الجامعة أن يتمتع بالحرية التي تكفل له التعبير عن آرائه في قضايا وطنه دون وصاية من أحد كبر أو صغر، وأن يتدرب على ممارسة الحياة السياسية والاجتماعية في الجامعة، قبل أن يخرج إلى معترك الحياة، فيحسن التحاور والتعبير عن رأيه، ويحترم آراء غيره ويعرف كيف يختار من يمثله في المجالس المحلية والبرلمان، ومن ثم يتأصل انتماؤه وولاؤه لوطنه، ويدرك قيمته في مجتمعه، فلا يتقاعس عن أداء واجب ولا يتخاذل في تحمل مسئولية، ولا يستسلم ليأس.

* ومن حق الطالب في جامعات مصر أن يدرس في جامعات تستقبل أساتذة زائرين من خارج مصر ليدرسوا للطلبة المصريين، ولا تقتصر إقامتهم في أرض الكنانة على لقاءات احتفالية مع زملائهم المصريين، والانشغال في الترتيب لاستضافة نظرائهم في الدول الأجنبية، وأن تتاح لعدد من طلبة الجامعات المصرية فرص للدراسة في جامعات أجنبية داخل مصر وخارجها لفترات قصيرة، عن طريق تبادل الطلبة في إطار الاتفاقيات الثقافية والعلمية، كي تتسع مداركهم ويحصلوا خبرات ليست متاحة لهم فرص تحصيلها.

* كذلك من حق الطالب في الكليات العملية أن يمارس الشق العملي من دراسته في معامل مجهزة تجهيزا مناسبا، وأن يتردد على مراكز الأبحاث للتعرف عليها وأن يتدرب على البحث العلمي في وقت مبكر، وأن يشجع الموهوبون من الطلبة من جانب أساتذتهم وإدارات جامعاتهم، مع وجود تخصصات في دراسة صيانة الأجهزة والمعدات التقنية، ولا حرج من تأسيسها على أيد خبراء ومعلمين من الأجانب، يتم الاستغناء عن بعضهم تدريجيا.

هذا إن أردنا نهضة علمية حقيقية في بلادنا ولم نكتف بشراء ما نحتاج إليه من "أحدث" ما أنتجته عقول ومصانع غيرنا - وسط تهليل إعلامي ممجوج - ما تلبث أن تصبح تلك الأجهزة بعد فترة قصيرة جثثا لا حياة فيها بسبب سوء استخدامها، أو نقص قطع غيارها، أو عدم وجود المؤهلين لصيانتها.

* من حق طالب الجامعة في مصر على أساتذته أن يكونوا قدوته الطيبة ومثله الحميد، يحترمون آدميته ويوجهونه في لين أو حزم عند الضرورة، وأن يخلصوا في عملهم ويراعوا ضمائرهم في أجيال المستقبل، فلا يقومون بتعديل المناهج الدراسية على أهوائهم، ووفقا لظروفهم الشخصية وضيق وقتهم وذات أياديهم، فيتصارعون في إعداد "مذكرات" هزيلة يفرضونها على طلبتهم فرضا، ويقلصون برنامج ومناهج الدراسة في صفحات معدودة، لا شئ سواها، وكأن لا وجود لمكتبات الجامعات ومؤلفات غيرهم، فيصبح الأستاذ "رب" المادة ولا "رب" سواه.

* وأخيرا من حق كل طلبة مصر أن يحتفل المجتمع بتخرجهم، ولا يقتصر الأمر على حفلات التخرج الضخمة والفخمة التي تقام لخريجي المؤسسات العسكرية والبوليسية، كي نؤصل في مواطني مصر دون تمييز أو تفرقة بين أبنائها - الانتماء للمجتمع المدني القائم على قواعد ومبادئ ديموقراطية حقيقية.

ثانيا: حقوق أعضاء هيئة التدريس

يعد المعلم في الجامعة الركيزة الأساسية في التعليم العالي، لأنه يمثل مفتاح المعرفة، فقد يكون الكتاب ضعيفا وقد تكون الموارد المادية الأخرى محدودة ، لكن قدرة الأستاذ على توصيل المعرفة هي في النهاية الدعامة الرئيسية في التعليم بشكل عام، وفي المراحل الجامعية بشكل خاص نظرا لارتفاع مستوى النضوج الفكري والذهني لكل من الأستاذ وتلميذه، ولأهمية توجيهات المعلم الجامعي لطلبته وإشرافه المباشر على أدائهم.

* لذلك فإن من حق المعلم في الجامعة أن ينعم بالاستقرار المادي والمعنوي، فلا يشعر في بداية حياته بعد التخرج بالغبن عند التعيين أو الاختيار، فتكون الكفاءة وليست المحسوبية هي المعول الأساسي، بل الوحيد لاختيار معلم المستقبل.

* من حقه كذلك أن يجد - منذ بداية عمله - المناخ المناسب لإجراء الأبحاث العلمية وتحفيز الهمم  للابتكار والإبداع، دون حاجة إلى السعي لمصادر إضافية لتعديل أوضاعه  المادية، كي تستقيم أمور حياته اليومية، فلا كرامة لأستاذ المستقبل إذا اضطر في بداية نشأته أن يبيع علمه لتلاميذه في بيوتهم.

* من حق المعلم في الجامعة كغيره من زملائه في مراحل التعليم المختلفة أن يشعر بكرامته داخل وخارج الحرم الجامعي، وأن تتاح له فرص حقيقية للاحتكاك بزملائه في الجامعات الأجنبية، وليس فقط عن طريق زيارات المجاملة والمهام الشكلية أو الوهمية، كما يحق له أن تتيح له مؤسسته العلمية فرصة دعوة أساتذة أجانب للتدريس لطلبتها، مما يحقق الاستفادة المزدوجة لطالب العلم ومعلمه في آن واحد.

وبعد، فقد يطول الحديث ويمتد حول العملية التعليمية في مصر التي تعد واحدة من أكثر القضايا أهمية، لأنها تمثل معامل إعداد الأجيال التي تنهض الأمة بعقولها وعلى أكتافها، ولتفرض لنفسها مكانا متقدما بين الأمم الأخرى.

مع ذلك كله يبقى السؤال مطروحا؛ عن أي تعليم نتحدث ؟

هل عن التعليم الحكومي المجاني؟ أم عن التعليم الأزهري أو الديني بشكل عام؟ أم عن التعليم الخاص الاستثماري؟ أم عن التعليم الأجنبي داخل مصر؟

وهل فكرنا في أسلوب التعامل مع خريجي هذا الخليط المتنافر، و تحقيق اندماج عناصره في المجتمع بعد ذلك؟ هل فكرنا في كيفية تحقيق التجانس بين خريجي أنماط التعليم المختلفة في المدارس والجامعات المصرية بحيث يكون الولاء في البداية والنهاية لمصرنا الحبيبة وليس لغيرها؟

إذا أمكن لنا أن نجيب على تلك الأسئلة بموضوعية ودون انفعال أو عصبية، نكون قد قطعنا نصف الطريق في مشوار إصلاح التعليم وتطويره في مصر

نقطة أخيرة أود الإشارة إليها، وهي أن عملية التعليم لا تنفصل عن السياق العام للحياة في مصر، ولا يمكن أن تشذ عن المناخ السياسي والاجتماعي في البلاد، فالتقدم في المجتمعات وحدة متكاملة تتكون من عناصر متعددة، فلا تقدم في التعليم أو الفنون، أو الصناعة، أو الاقتصاد خارج إطار الحرية واحترام حقوق الإنسان وصيانة كرامته.......

وللحديث بقية،،،

 

  6 

وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر

"من يركب البحر لا يخشى من الغرق"! قول يعجبني كثيراً ويدفعني إلى التفكير في بعض مشاكل مصر، والبحث عن حلول لها. ولا أدعي انفرادي بامتلاك الحقيقة، أو قدرتي غير العادية على تشخيص أمراض مصر المزمنة، لكنني أدعي لنفسي – كما لغيري إن أرادوا - حقا في التفكير، وطرح رؤيتي لمستقبل مصر مهد الحضارات من خلال نتائج الممارسات التي عانت منها مصر في الماضي القريب والحاضر الراهن. لذلك سأغامر في السطور القادمة بطرح مشروع سياسي، اجتماعي، اقتصادي، ثقافي، في إطار أو صورة نصوص لميثاق مصري جديد يراعي الأبعاد السابق ذكرها. وكل ما أطلبه من القارئ العزيز أن يفسح لي مساحة من وقته وفكره وصبره، والله المستعان.

 

ميثاق العمل الوطني في مصر:

 

1- مصر دولة حرة مستقلة وطن لكل من يعيش على أرضها وتحت سمائها، لا تميز في حقوق مواطنيها بسبب العقيدة أو اللون أو الجنس، فكل المصريين سواسية أمام القانون، ولا فضل لمصري على آخر إلا بالولاء للوطن والالتزام بدستوره، والوفاء بواجباته نحو هذا الوطن.

2- تمثل مبادئ الديانات السماوية الثلاثة الإطار الأخلاقي والتشريعي للبلاد، مع الأخذ في الاعتبار أن الدين الإسلامي دين أغلبية المصريين.

3- تاريخ مصر الطويل بحقبه الفرعونية والمسيحية والإسلامية وانتماؤها لأفريقيا والعالم العربي والإسلامي يشكلان الدعائم الرئيسية الصلبة للشخصية المصرية المعاصرة.  

4- مصر دولة تحترم الشرعية الدولية، وتعلي قدر حقوق الإنسان، وتحترم معاهداتها واتفاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف، وتحترم سيادة الدول، وتؤمن بالعدل والسلام، وأن الحكمة من تعدد الثقافات والأعراق تكمن في أهمية وضرورة التعارف بين الشعوب بمختلف خلفياتها الثقافية والعقائدية، على أساس احترام الآخر، والحرص على إقامة علاقات توازن بين مصالحها وأمنها القومي وحماية حقوق مواطنيها.

5- نظام الحكم في مصر جمهوري رئاسي.

6- يختار الشعب رئيسه بالانتخاب الحر المباشر مرة كل خمس سنوات، ويجوز للرئيس الترشيح لدورة ثانية وأخيرة، ويحق للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ترشيح من تراه مناسبا لخوض انتخابات رئيس الجمهورية، ويعضد هذا الترشيح بتزكية 50 عضوا على الأقل من مجالس التمثيل الشعبي (الشعب والشورى، والمجالس المحلية بالمحافظات).

7- من حق كل مواطن مصري (ذكرا كان أو أنثى) يتمتع بالأهلية القانونية والسمعة الطيبة بغض النظر عن عقيدته أو جنسه الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية في حالة حصوله على تزكية 10 آلاف توقيع لمواطنين مصريي الجنسية يمثلون سكان ثلثي محافظات مصر الأقل.

8- يشترط في اعتماد صحة المرشح الحزبي لانتخابات رئيس الجمهورية التخلي عن عضويته الحزبية قبل تقدمه بأوراق ترشيحه، باعتباره – في حالة فوزه - رئيسا لكل المصريين، ويتعهد بالحياد التام في تعاملاته مع الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، ويلتزم الرئيس المنتخب بالتعاون والتنسيق مع رئيس مجلس الوزراء بغض النظر عن الانتماء الحزبي للأخير.

9- تداول السلطة مبدأ أساسي للعمل السياسي في مصر، والدولة ملتزمة أمام مواطنيها بضمان نزاهة الانتخابات، وحرية كل مواطن في التعبير عن اختياره في سرية تامة، وتحت إشراف القضاء والمنظمات غير الحكومية.

10- يتولى التشريع مجلسان للنواب منتخبان انتخابا حرا مباشرا، هما مجلسا الشعب والشورى، بحيث يتم انتخاب مجلس الشعب لدورة تشريعية عادية مدتها خمس سنوات، إلا إذا حل المجلس قبل إكمال فترته القانونية، فيتم إجراء انتخابات مبكرة. أما مجلس الشورى فدورته التشريعية مستمرة بلا توقف لأنه مجلس يمثل محافظات مصر وأعضاؤه من مجالسها المحلية المنتخبة انتخابا حرا مباشرا، ويتم تمثيل كل محافظة بمجلس الشورى حسب عدد سكانها، كما تتوقف تركيبة الوفد الممثل لكل محافظة على عدد النواب الممثلين لكل حزب سياسي في المجلس المحلي للمحافظة، بحيث تمثل جميع الأحزاب بنسبة تمثيلها في مجلس محلي المحافظة، ويتولى رئاسة مجلس الشورى ممثل لكل محافظة حسب الترتيب الأبجدي لأسماء محافظات مصر، بغض النظر عن الانتماء الحزبي، ومدة رئاسة مجلس الشورى 6 أشهر.

11- لمجلس الشورى صلاحيات دستورية تتمثل في إقرار القوانين ذات الطبيعة الدستورية أو المكملة للدستور بعد مناقشتها في مجلس النواب (البرلمان)، و يجوز للمجلس اقتراح التعديلات على نصوص مشروعات القوانين المعروضة عليه وإعادة عرضها على مجلس النواب، كما يتولى مجلس الشورى فض الاشتباكات والنزاعات التشريعية بين محافظات مصر. وفي حالة عجز المجلس عن حل الخلافات أو النزاعات بين المحافظات يوصي بعرضها على القضاء المختص.

12-أ- تجرى الانتخابات للمجالس التشريعية على أساس القوائم الحزبية التي يلزم أن تعبر عن تركيبة السكان فلا تقتصر على جنس بعينه أو أتباع عقيدة بعينها، كما يجب ألا تميز بين المهن والوظائف بحيث تعكس التمثيل الحقيقي لأهل الدائرة الانتخابية.

 ب- يجوز ترشيح أفراد بدون انتماء حزبي في حالة وجود قائمة تزكية للفرد من نحو 3 آلاف مواطن من سكان الدائرة الانتخابية أو المحافظة. 

13- يشكل الحزب الحائز على أغلبية مطلقة أو نسبية الحكومة الجديدة، سواء منفردا، أو بالائتلاف مع حزب أو أكثر من الممثلين في البرلمان، ولا يتدخل رئيس الجمهورية في تسمية رئيس الحكومة الجديدة، إلا في حالات بعينها يحددها القانون. ويحق لرئيس الجمهورية تعيين 3 وزراء يختارهم بمعرفته هم وزراء الخارجية والدفاع والعدل، مع مراعاة عدم انتماء أي منهم لأحزاب سياسية.

14- تنقسم مصر إداريا إلى 28 محافظة تتمتع كل منها بميزانية مستقلة يقرها المجلس الشعبي (المحلي) المنتخب انتخابا حرا مباشرا، وتدير شئونها حكومة محلية يشكلها حزب أو أكثر وفقا لنتائج الانتخابات المحلية، ويرأسها المحافظ المنتخب على رأس قائمة حزبه في الانتخابات، بعد انتخابه من جانب أعضاء المجلس المحلي.

16- حكومة المحافظة مسئولة أمام المجلس المحلي، وله الحق في مراقبتها ومساءلتها، وسحب الثقة منها مجتمعة أو من بعض أعضائها.

17- تتولى كل محافظة إدارة شؤونها بالتنسيق مع الحكومة المركزية، في إطار ما ينظمه دستور البلاد من أطر للعلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية.

18- يتم انتخاب عمد القرى ورؤساء المدن والأحياء، سواء بنظام القوائم الحزبية أو الانتخاب الفردي.

19- تكفل الدولة لكل مواطنيها حرية ممارسة العقائد في أماكن العبادة الخاصة بكل فئة أو طائفة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية المشاركة في الحياة السياسية بدون أي تمييز بسبب العقيدة أو الجنس، وكذلك حرية التظاهر والإضراب، وتشكيل أحزاب سياسية أو نقابات مهنية، أو جمعيات أهلية، وإصدار المطبوعات، وإقامة منابر إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية تلتزم باحترام الدستور وسيادة القانون، ولا تقوم على أسس عرقية أو عنصرية، أو التمييز بسبب العقيدة أو الجنس.

20- تلتزم الدولة بحماية وصيانة حقوق الإنسان انطلاقا من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وغيره من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الصدد.

21- المرأة إنسان كامل الأهلية لها ما للرجل من حقوق على الدولة، وعليها ما عليه من واجبات تجاهها.

22- ينشأ ديوان عام للمظالم يتلقى شكاوى المواطنين ضد جهات ومؤسسات الدولة، ويتولى جهاز يسمى "النيابة الشعبية" تابع للبرلمان تمثيل المتضررين من المواطنين ومقاضاة أجهزة الدولة أمام المحاكم المختصة.

23- التعليم حق أساسي من حقوق المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو العقائدية أو الجنسية، تكفله الدولة مجانا في جميع مراحله في مدارسها ومعاهدها ومؤسساتها العلمية، لكنها في نفس الوقت تشجع وجود تعليم خاص يخضع لإشرافها بحكم السيادة وبشرط عدم إخلاله بمبادئ الدستور وسيادة القانون وأمن البلاد القومي، واعتماد مناهجه وشهاداته من مؤسسات الدولة. وتلتزم الدولة بتطوير مقار ومناهج التعليم، وإعداد الكوادر البشرية الإعداد العصري المناسب.

24- تقر مصر بحق المواطن في المثول أمام محاكم عادية تكفل له محاكمة عادلة وفقا لمبادئ الدستور، وحقوق الإنسان والقوانين والمعاهدات الدولية.

25- الاقتصاد عصب الحياة في المجتمعات والدولة ملزمة بمراعاة البعد الاجتماعي في تحديد سياساتها الاقتصادية بحيث تمزج بين سياسة السوق الحر، والظروف الاجتماعية الراهنة، وتتعهد الدولة بضمان توفير الحد الأدنى لمعيشة المواطنين بكرامة، ومواجهة الفقر والاحتكار والاستغلال من خلال مؤسسات رقابية تابعة للدولة وتحت إشراف المجالس التشريعية في البلاد.

26- العمل الشريف حق لكل مواطن بغض النظر عن قدراته الذهنية والعلمية، والبدنية، وكذلك جنسه أو دينه، وتلتزم الدولة بتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.

27- الرعاية الصحية حق أصيل لكل مواطني مصر تتحمل الدولة مسئوليته، وذلك من خلال منظومة للتأمين الصحي تشمل كل المصريين، وتتحمل الدولة حصص غير القادرين لهيئات التأمين الصحي، سواء بسبب العجز أو الفقر أو البطالة.

28- القطاع الخاص جزء هام من منظومة العمل الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وتلتزم الدولة بوضع التشريعات المناسبة لتعظيم دوره في المجتمع، بمساهماته في المشروعات الصناعية وغيرها من مجالات الإنتاج، مع مراعاة حقوق العمال في إطار قوانين ومواثيق العمل القومية والدولية.

29- تلتزم الدولة بتسهيل عمل المنظمات الأهلية غير الحكومية في القيام بمهامها في إثراء العمل الطوعي، وتحفيز المواطنين لخدمة المجتمع.

30- الزراعة دعامة رئيسية للحياة في مصر، توليها الدولة عناية خاصة نظرا لحساسية وأهمية الأمن الغذائي في استقلال الإرادة الوطنية. ويمثل قطاع الزراعة واحدا من القطاعات التي تشرف الدولة عليها بالتنسيق مع القطاع الخاص لتدبير احتياجات البلاد من السلع والمحاصيل، وتوفر الدولة بالقانون الحماية اللازمة للمنتجين، وتعويضهم في حالة الكوارث عن خسائرهم من خلال صندوق خاص يتم تدبير موارده المالية من خلال استقطاع جزء يسير من ضريبة المبيعات العامة، باعتبار إغاثة الفلاح المصري فرضا على كل المصريين.

31- تلتزم الدولة بالحفاظ على مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتعمل على توسيع رقعتها بغزو الصحراء، وابتكار واستخدام طرق الري والزراعة الحديثة لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، وتلتزم الدولة بإعادة النظر في قوانين توريث الأراضي الزراعية بما يضمن عدم تفتتها بين الورثة، مع مراعاة القواعد الشرعية لضمان حقوق الورثة. ويمكن في هذا الأمر دراسة تجارب عدد من الدول الأوروبية في هذا الشأن.

32- المياه ثروة قومية لا تقدر بأموال ولا يمكن تعويضها؛ لذلك تلتزم الدولة بسن التشريعات والقوانين التي تنظم إدارة الموارد المائية بكفاءة وتخضع عملية إدارة الموارد المائية لإشراف جهاز خاص بذلك يراقب سلوكيات المجتمع في التعامل مع الموارد المائية للبلاد، بحيث يمنع استخدام المياه الصالحة للشرب أو ري الزراعات في ملاعب الجولف وحمامات السباحة، بل تلزم الدولة أصحاب تلك المشروعات بتنقية مياه الصرف الصحي، أو تحلية مياه البحار.

33- يشكل البحث العلمي أحد أهم الأعمدة للتقدم، والدولة ملزمة بتحفيز المؤسسات والجامعات والمعاهد العلمية على إجراء الأبحاث، وتطوير وسائل الإنتاج وتحسين المنتجات في إطار سياسة عامة واضحة للدولة بالتنسيق مع المؤسسات الصناعية العامة والخاصة.

34- الطاقة شريان الحياة في العصر الحديث، والدولة ملزمة بحسن إدارة مصادرها، وتطويرها وتعظيم الاستفادة منها جميعا، كما تلتزم بالسعي لتطوير واستحداث مصادر بديلة أتاحتها لنا الطبيعة، كالشمس والرياح وغيرهما. وتخصص الدولة نسبة محددة من إجمالي ناتج الدخل القومي – يحددها الخبراء - كل عام لتطوير مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، كما تتولى الدولة حملة قومية للتنوير والدعاية بين المواطنين لترشيد استخدام الطاقة، وتقديم حوافز عينية ومعنوية لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل بديلة للمصادر التقليدية للطاقة.  

35- خدمة الوطن واجب على كل مصري ومصرية، سواء بالخدمة الإلزامية في القوات المسلحة ومدتها 14 شهراً، أو الخدمة المدنية الاختيارية ومدتها 20 شهراً، وتؤدى الخدمة المدنية في قطاعات الصحة، والزراعة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والنظافة العامة، وحماية البيئة، ويمكن أن تتولى مسئوليتها هيئة خاصة تابعة للقوات المسلحة تسهم في تقديم خدمات متميزة للمجتمع بالتنسيق مع الوزارات المركزية أو المحلية المعنية.

36- الإعلام الحر النزيه ركن أساسي من أركان الحياة الثقافية في المجتمع، ولا سلطان للحكومة على استقلالية المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، وتتولى شؤونها هيئة مستقلة تمثل فيها الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية، وبعض الشخصيات العامة من ذوي الخبرة والسمعة الطيبة، وينظم أداؤها ميثاق شرف للعمل الإعلامي، ثم محكمة خاصة بفض النزاعات، وتخضع ميزانياتها لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات.

37- يسري هذا أيضا على دور المسرح والثقافة الجماهيرية التابعة للدولة التي تلتزم بتقديم خطط عمل سنوية لمشروعاتها وتتلقى الدعم المالي من الدولة بقرار من هيئة مستقلة تابعة للمجلس القومي للثقافة الذي يتبع رئاسة الجمهورية ويصدر قرار تشكيله من رئيس الجمهورية بحيث يراعى في تمثيل أعضائه تحقيق التوازن بين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

38- يتولى المجلس القومي للثقافة رعاية الآداب والفنون، وحماية التراث وتطوير الصناعات البيئية ذات الجذور التاريخية والشعبية.

39- يتم انتخاب رؤساء الطوائف الدينية مباشرة، ولا سلطان للدولة في اختيار أو تعيين أي منهم. يتم انتخاب رؤساء الجامعات من جانب مجالس الكليات التابعة لكل جامعة، ويقتصر دور الدولة في إصدار القرارات الخاصة باعتماد نتيجة الانتخابات.

40- الحفاظ على سلامة ونظافة البيئة مهمة قومية من الواجبات الأساسية للدولة .

 ........................

حسن بارود

فيينا في 23 يوليو 2008  

 

 

  7 

موائد الوحدة الوطنية الرمضانية

خواطر صائم يسعده الإفطار على مائدة إخوته المسيحيين

تذكرت وأنا في طريقي إلى مقر مجلس وزراء النمسا "المستشارية" تلبية لدعوة المستشار ألفريد جوزنباور لعشرات من المسلمين لتناول إفطار جماعي في هذا المبنى العريق مع ممثلي الديانات الأخرى في النمسا أنني حتى ذلك اليوم السابع عشر من شهر رمضان لم أتلق أو أسمع عن تلقي غيري دعوة إفطار من الكنيسة المصرية كسابق عهدها في سنوات كثيرة خلت، لكنني فضلت الانتظار وعدم استباق الأحداث فربما كانت الدعوات في الطريق، ومن يدريني فمازال أمامنا 12 يوما على نهاية شهر الصيام...

عصر يوم عشرين من رمضان الموافق العشرين من سبتمبر تلقيت اتصالا هاتفيا من الدكتور سمير شنودة يدعوني فيه إلى إفطار بقوله: "إن شاء الله نفطر سويا يوم السبت 26 في مقر الاتحاد العام للمصريين بمناسبة توديع المستشار طارق سلام"!.

طبعا ما كان هذا فقط ما كنت أتوقع سماعه من الدكتور شنودة، خاصة وأنه فيما يبدو مسئول العلاقات العامة في الكنيسة المصرية في فيينا، لكن الجملة التي كنت أنتظر سماعها لم تكن ضمن ما نطق به الصديق العزيز على الهاتف.

انقضى رمضان فلكيا وعمليا عن 30 يوما كاملة ولم تبادر الكنيسة المصرية في فيينا خلال أي من أيامه الثلاثين بدعوة مصريين مسلمين أو غير مصريين لتناول إفطار جماعي كنت شخصيا حريصا على حضوره والاستمتاع بتناول وجبة المحبة مع وإلى جوار إخوتي وأخواتي من الجالية المصرية المسيحية في فيينا. نعم لقد أصبحت أشتاق إلى دعوة لوجبة إفطار مع مصريين مسيحيين بعد أن كنت ورفاقي وأصحابي المسيحيين - في أول عهدنا بالغربة في فيينا في منتصف سبعينات القرن الماضي - نتناول تحت سقف واحد وعلى مائدة واحدة ، وفي مرات كثيرة من طبق واحد، وجبتين على الأقل كل يوم كأصدقاء وشركاء في أكثر من شقة انتقلنا إليها في أحياء فيينا، أو على مائدة طعام واحدة في النادي المصري سواء في رمضان أو غيره من شهور السنة.

عدت بذاكرتي إلى الوراء - نعم لأكثر من 30 سنة خلت - حين قدمنا لأول مرة إلى النمسا. تذكرت رفاقي الذين التقيت بهم في رحلة الغربة؛ نبيل يعقوب وعوض فرج وألفونس أمين وسمير بقطر ويحيى زغلول ونشأت خليل ورضا ناشد، وجرجس إسحاق، ونبيل يني وصبحي يعقوب، وحسن رمضان وعمر شكل، وأحمد القاضي ومحمد مرسي وخليل رزق الله، ونبيل برسوم، وكامل تادرس وأولاد غانم الأربعة "مدحت ونبيل وأحمد ومحمد" والسيد إبراهيم وأحمد خشبة، ونبيل البغدادي، وعادل البغدادي وسعيد الشاعر والرياضيين عبد العزيز حنفي ومحمود قاسم ومحمد بصري وغيرهم الكثيرين ممن باعدت الأيام بيننا وتفرقت أوطاننا ومواقع اغترابنا، فقد هاجر ألفونس الطبيب البيطري ومعه سمير إلى كندا، وعاد نبيل يعقوب بسيارة "بيجو" على الأقل إلى مصر ليخدم الآن في بلاط الكنيسة مقربا من قداسة البابا شنودة، ومثله عاد يحيى سعد زغلول المهندس الزراعي ليصبح مسئولا كبيرا في سوق روض الفرج وربما أيضا في سوق العبور، وبقيت أنا في فيينا مع نبيل وصبحي وخليل وكامل وفيليب لنسعد بالتعرف على رواد الرعيل الأول من أبناء مصر في النمسا مسلمين ومسيحيين، سواء من رحل منهم إلى عالم الغيب أو بقي مع من بقي في عالم الأحياء مع حفظ الألقاب طبعا، مثل نبيل زكي وسمير ستينو، ومحمد الشحومي، والعمدة الراحل حسن حافظ والسيدين؛ العربي والمهدي، فنابليون فرج، وعابد يني والسميرين؛ شحاته وشنودة، وفوزي نخلة، وكمال عاشور ومحمود فوزي والعادلين؛ ثابت وزعزوع وأحمد أبو العينين وخطاب لاودن، وإدمون فركوح، ثم مصطفى عبد الله وعبد المنعم توفيق ومنصور الجنادي وسهير الشيشيني وجورج يونان وأحمد جاويش ومحمد عزام، وأديبة الخولي وماجدة متولي وسامية تادرس وليلى طناش وميري عطية ونادية عزيز وحليم جرجس وأشرف وكيم، وعشرات آخرين أسعد في كل مرة ألتقي واحدا منهم، وأشعر بصدق مشاعره نحوي عند كل لقاء.

نعم كان النادي المصري في تلك الأيام بيتنا نلتقي بين جدرانه في ساعات الفرح والترح نتحادث، نتسامر، نتناقش ونأكل على مائدة واحدة طعاما قد يعده الطباخ المسلم أو المسيحي. ولم يخل الأمر أحيانا من تصايح أو تشاجر البعض كما يحدث في بيت الأسرة الواحدة. نعم كنا مصريين خرجنا من وطننا مصر لنعيش كمصريين في وطننا الثاني النمسا، أما عقائدنا فتمارس في بيوتنا ودور عبادتنا.

في تلك الأيام لم يكن غريبا أن يتقاسم المصريون - مسيحيين ومسلمين - شقة واحدة، بل وفي أحيان كثيرة غرفة واحدة تختلط فيها أنفاسهما، ويتقاسمان رغيف العيش الواحد في مودة ومحبة واحترام متبادل لآدمية وعقيدة الآخر.

لا أريد أن أفك مزيدا من قيود ذاكرتي لتعود بي إلى أيام الطفولة والصبا والشباب في القرية التي نشأت فيها، والقاهرة التي كنت أتردد عليها في زيارات متقاربة لأبناء عماتي في أحيائها المختلفة، قبل أن أنتقل للدراسة في جامعة الأزهر بالدراسة. وإن كانت أخصب ذكرياتي في حي شبرا – مسرة وروض الفرج – في منزل مكون من ثلاث طوابق وست شقق تسكن ثلاثة منها أسر مسلمة والثلاثة الأخرى لمثلها مسيحية. كنا نلعب على السلم وفي الشارع؛ محمد ومصطفى وحسن وفخري وفيكتور ومراد ويسري، ونذهب إلى السينما، ونؤجر دراجات نرتع بها في الشوارع، ونلعب كرة القدم، ونتخاصم ونتصالح، ونتقارب ونتباعد، لكن خيوط المودة الواصلة بين قلوبنا متينة، شأنها شأن الخيوط التي - كانت وما زالت - تربط وتصل الشرفات على جانبي كل شارع في شبرا وقد علقت عليها الزينات بالهلال والصليب احتفالا واحتفاء بأعياد المسلمين والمسيحيين.

نعم كم شاهدت وعايشت – طفلا وصبيا وشابا - الأسر المصرية المتجاورة تتبادل أطباق الأطعمة في الأعياد والمناسبات الدينية والخاصة، وفي أحيان كثيرة أرغفة الخبز أو الشاي والسكر والزيت والبصل والثوم عند الحاجة. وكم من مرة حل بعض أفراد الأسر المسيحية من جيران أقاربي في القاهرة ضيوفا علينا في القرية خلال العطلات الصيفية، وكم من مرة رافق الجيران المسيحيون- قادمين من القاهرة - جثمان من توفي من الأقارب المسلمين إلى مثواه الأخير في مدافن القرية. كم ... وكم... وكم...؟؟؟

 لقد كنا لبعضنا سترا وغطاء كما يقال، وسيبقى حي شبرا هذا يمثل لي بوتقة الحضارة والثقافة والعادات والتقاليد المصرية الأصيلة بكل ما تعنيه من المودة والرحمة والصفاء والعفة والنقاء.

نعم...، كنا في الأمس القريب، قبل ثلاثين سنة، مصريين مسيحيين ومسلمين متقاربين متحابين متسامحين، والآن نقول هم ونحن، كانوا وكنا، أصبحوا وأصبحنا، صاروا وصرنا في المقام الأول مسيحيين أو مسلمين متباعدين متعصبين متشددين متطرفين متحاقدين متباغضين، وربما في المقام الثاني أو الأخير مصريين، نتزاحم ونتصارع ونتقاتل.

صرنا نصادر حق الله الواحد في تصريف أمور خلقه وعباده ومحاسبتهم يوم القيامة، ننبذ هذا، ونضايق ذاك، نسخر من هذا ونكفر ذاك، وننسى أو نتناسى أن الله وحده هو الذي سيفصل بين كل الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه!

خلاصة القول؛ استجابت الكنيسة المصرية في النمسا لقرار الكنيسة الأم في مصر بعدم إقامة موائد إفطار الوحدة الوطنية هذا العام، بسبب وجود قداسة البابا شنودة خارج البلاد للعلاج، وهذا صحيح، ولكن هل هذا يمنع من إقامة المائدة السنوية في الكاتدرائية ويسعد الحاضرون بتلقي رسالة تحية بالفيديو من قداسة البابا من مقر إقامته وهو الذي حرص طوال أسابيع عدة على متابعة تطورات قضية دير "أبو فانا" بالمنيا، بل وكم من مرة استدعى قداسته أطراف الأزمة إلى أمريكا فهرع إليه مسلمون وقديسون ورهبان وسياسيون ورجال أعمال؟!

قد أميل وغيري كثيرون إلى تفهم الموقف الحساس لقيادات الكنيسة الأم في مصر تجاه عدد من الأمور مثل: من سينوب عن البابا ويجلس إلى جوار شيخ الأزهر على مائدة الوحدة الوطنية؟ وهل هو الخليفة القادم – أقصد البابا القادم؟ ولكن حل هذه المشكلة كما ذكرت بالحضور "الإلكتروني " لقداسة البابا من خلال "الفيديو كونفرانس". ولم لا وقداسته رجل عصري واسع الأفق والصدر كذلك؟ وما أظنه كان سيتردد أو يرفض تمثيله الإلكتروني بين ضيوف الكاتدرائية المرقسية بالعباسية!

سمعت مبررات أخرى عديدة من بينها تشكيك الكثيرين في جدوى تلك الموائد السنوية حيث يتبادل عنصرا الأمة الأحضان والقبلات مع بقاء أزمات البلاد ومشاكلها بدون حلول، وكأن أولئك المشككون والمتشككون يستكثرون علينا مسلمين ومسيحيين ما تبقى لنا من هذه الأحضان وتلك القبلات التي اختفت من حياتنا اليومية المشتركة ليقتصر تبادلها على مرة أو مرتين وربما ثلاثة في السنة بكل ما تعنيه سنواتنا من أزمات وضائقات معيشية وفكرية.

ماذا يضيركم أيها السادة إن بقي على أرض مصر من المسلمين والمسيحيين من يتعانقون ويتبادلون التحية والتهنئة بل وحتى القبل؟! إن مشاعر أغلبيتهم صادقة وهم متحابون رغم اختلاف العقيدة، بل وربما لاختلاف العقيدة، لكنهم مصريون قبل كل شيء، فالإنسان يولد على أرض وطن، ثم ينسب أو ينتسب بعد ذلك لعقيدة.

قيل أيضا إن توتر العلاقة بين مصر الدولة ومواطنيها من مسيحيي المهجر، خاصة بعد مظاهرات بعضهم التي شهدتها عدة عواصم ومدن أوروبية وأمريكية سبب آخر للتخلي عن عادة حميدة استنها قداسة البابا شنودة منذ سنوات، وأقول لؤلئك: وهل العلاقة متوترة فقط بين مصر الدولة ومواطنيها المسيحيين في الخارج؟ وماذا عن علاقتها بأغلبية مواطنيها المسلمين والمسيحيين في الداخل؟ هل توقف الاحتجاج والاعتصام والإضراب والتظاهر في مدن مصر، حتى لا يتزاور المصريون ولا يتعازمون؟!!

ولكن لماذا أكتب الآن عن هذا الموضوع؟ وماذا يضيرني أو يسعد غيري إن أقيمت موائد وحدة وطنية أم لا؟

الإجابة في منتهى البساطة أيها السادة، ولا تخلو من أنانية مشروعة!

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطوره وفرحة عند لقاء ربه ". وأصدقكم القول أنني أشعر بسعادة بالغة عندما يشاركني صديقي وأخي في الله والوطن المصري المسيحي فرحتي عند فطوري بعد غروب شمس يوم من أيام رمضان، وتزداد فرحتي إن دعاني هذا المصري المسيحي للإحساس بالفرحة الأولى على مائدته.

هل هذا كثير على المصريين أن يتشاركوا في الفرحة، ليبددوا ولو قليلا من ضباب الجهل والتعصب والكراهية؟

هل هذا بكثير على المصريين الذين يحرصون على التردد على المساجد والكنائس وترديد آيات القرآن والإنجيل والاستشهاد بها، أن يدركوا أن مصر وطن يتسع لهم جميعا وأن أرض مصر لن تضيق بمساجد وكنائس المصريين، وأن فضاءها يخلط في توليفة رائعة ترانيم الآذان ودقات أجراس الكنائس ؟!

هل تستكثرون علينا أن نلتقي مرة في السنة على مائدة واحدة نقتسم طعامنا وشرابنا ثم نتعانق  ونتبادل القبلات، إخوة مصريين متحابين متوادين متعاطفين متسامحين مسلمين ومسيحيين؟!

وهل نكتفي الآن باللقاء على موائد الوحدة الوطنية النمساوية؟!!!

أيها المصريون اتقوا الله في مصر ! ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر!!!    

 

  8 

قليل من السياسة

فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها 

نقلت وسائل الإعلام تصريحات لوزيرة خارجية إسرائيل "تزيبي ليفني" بشرت فيها عرب 48 باحتمال إقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب دولة إسرائيل، ونصحتهم الوزيرة الإسرائيلية بالنزوح عن أراضي دولة إسرائيل والتوجه إلى مناطق الدولة الفلسطينية الجديدة حيث الانسجام العرقي والديني والشعور بالانتماء الوطني الحقيقي. وعللت رئيسة حزب كاديما نصيحتها الغالية لعرب 48 بأن دولة إسرائيل أقيمت لتكون وطنا قوميا خالصا لليهود من شتى أنحاء المعمورة، وأنه من الأفضل لسكان إسرائيل من العرب – مسيحيين ومسلمين - أن يدركوا الحقيقة التاريخية والدينية لدولة اليهود التي لا مكان فيها لغير اليهود.

لم أفاجأ بتصريح " ليفني" وغيرها من ساسة وقادة إسرائيل، فقد كانت كلمات أستاذ إسرائيلي يدعى "إيلان بابّه Ilan Pappe" – 54 عاما - الذي يعمل أستاذا للعلوم السياسية بجامعة "Exeter" البريطانية، حول سياسة التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، في محاضرة له يوم 6 ديسمبر بقاعة الاحتفالات بمبنى رئاسة الحي التاسع في فيينا، ما تزال تملأ سمعي وتشغل حيزا كبيرا من ذاكرتي.

نعم لقد استعرض أستاذ التاريخ والعلوم السياسية – الإسرائيلي الجنسية - على مدار قرابة الساعتين تاريخ واستراتيجية الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في 1898 على يد النمساوي "تيودور هرتزل"، والتي توجت بإنشاء دولة إسرائيل في سنة 1947، بل وقبل ذلك التاريخ بعقود شهدت العديم من ممارسات الحركة الصهيونية التي وصفها المحاضر بالاستعمارية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وخلال فترة الوصاية البريطانية على فلسطين عمليات تطهير عرقي فظيعة ضد عرب فلسطين بمساعدة السلطات البريطانية حينا، ومن وراء ظهرها أحيانا.

وقد يكون من المفيد أن أبدأ باستدعاء ما احتفظت به ذاكرتي من أقوال وآراء المحاضر المتميز قبل أن أستطرد في طرح خواطري وانطباعاتي الشخصية عن الوضع الراهن للقضية الفلسطينية وعلاقة هذا الواقع بنصيحة السيدة ليفني لعرب 48 .

- أكد المحاضر أن الحركة الصهيونية ذات توجهات عنصرية منذ نشأتها في نهاية القرن التاسع عشر، رغم وجود مبررات منطقية لتأسيسها، كرد فعل لما تعرض له يهود أوروبا، وحاجة الجاليات اليهودية لرابطة تدافع عن هويتهم الدينية والثقافية، ومن ثم فإن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين شكل الهدف الأكبر للحركة الصهيونية. لذلك دأب الصهاينة الأوائل على تفريغ فلسطين من العرب لتصبح على حد وصفه "أرضا بلا شعب"، يسهل على اليهود التي اعتبرتهم الحركة الصهيونية "شعبا بلا أرض"، ملأ الفراغ السكاني في فلسطين.

- أن العرب لم يدركوا في بداية العقود الأولى للقرن العشرين المغزى الحقيقي من تدفق المهاجرين من دول شرق أوروبا على فلسطين، وانتقدوا أوروبا لطردها فقراء اليهود من أراضيها، في حين كانت موجات الهجرة اليهودية تنفيذا دقيقا لسياسة الحركة الصهيونية الرامية إلى التغيير التدريجي للتركيبة السكانية في فلسطين.

- بانتهاء فترة المواجهات العسكرية بين إسرائيل وبعض الدول العربية المجاورة في 1948 كانت إسرائيل قد تمكنت من تدمير نصف القرى والمدن الفلسطينية وإخلاء فلسطين من نصف شعبها، سواء بالقتل أو الطرد.

- نجح "دافيد بن جوريون" الأب الروحي للدولة العبرية ومن بعده  قادة إسرائيل مثل رابين، وآلون، وبيريز، وشامير، وشارون، وديان، وجولدا مائير وغيرهم في انتهاج نفس السياسة الرامية إلى بسط نفوذ إسرائيل على معظم الأراضي الفلسطينية، وإجبار المزيد من الفلسطينيين على الرحيل عن ديارهم.

- أحسن ساسة إسرائيل استغلال "الهولوكوست" في كسب ود وتأييد المجتمعات والحكومات الغربية، بل وفرض الصمت على دول أوروبا وأمريكا والمنظمات الدولية على حد سواء تجاه عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين خلال حرب 48، لخشية المنظمات الدولية من احتمال تبرير أفعال النظام النازي ضد اليهود من خلال توجيه انتقادات لممارسات الدولة اليهودية ضد الشعب الفلسطيني.

- أكد أن إسرائيل استفادت كثيرا من تباين مواقف الدول العربية واتساع هوة الخلاف بينها بالإضافة إلى التمزق الفلسطيني، وتمكنت من إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتبني سياسات الدعم المطلق للدولة العبرية باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وخط الدفاع الأول لحماية مصالح العالم المتمدن في الشرق الأوسط.

- حذر من عواقب استمرار الصمت الدولي، وبالتحديد صمت الشعوب الأوروبية والأمريكية تجاه السياسة العنصرية لإسرائيل ضد الفلسطينيين. وأكد أن ممارسة شعوب أوروبا ضغوطا على حكوماتها يصب في مصلحة إسرائيل واليهود والمنطقة، بل إنه يدعو إلى مقاطعة إسرائيل سياسيا واقتصاديا وثقافيا لحث حكوماتها على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، ورفع أياديها عن مصير الفلسطينيين.

- أوضح أن إسرائيل تمارس حاليا سياسة فجة لدرجة أنها تعطي لنفسها وحدها الحق المطلق في اختيار فريق المفاوضات بتحديدها هوية الفلسطينيين، حيث تنكر وجود  حقوق للاجئين، وتستبعد من المفاوضات من تشاء، كما تسمح لنفسها بتحديد المناطق التي يمكن لمن ترغب من الفلسطينيين التفاوض بشأنها، فتصر على الاحتفاظ بالقدس وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وتقيم الجدار العازل لتمزق ما تبقي من تجمعات متجانسة للفلسطينيين.

- شبه سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين بسياسة التفرقة العنصرية "الأبارتايد" في جنوب أفريقيا، وأشار إلى أن إسرائيل تطبق أكثر من 15 صيغة قانونية على الفلسطينيين داخل وخارج إسرائيل، في حين تطبق قانونا موحدا على مواطنيها من اليهود.

- يرفض المحاضر الإسرائيلي حل الدولتين ويستبعد احتمال استمراره في حالة التوصل إليه نظرا للأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل داخل المناطق الفلسطينية التي تتخللها المستعمرات اليهودية، ووجود مواطنين لكل دولة داخل أراضي الدولة الأخرى.

- يرى أن حل الدولة الواحدة أفضل الحلول بحيث يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أوطانهم، وللمهاجرين اليهود بالبقاء، والتوصل إلى حلول للنزاعات حول الملكية التي ستنشأ بين أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين والسكان الجدد من اليهود.

- أكد أنه يسعى مع عدد من المثقفين الإسرائيليين والفلسطينيين من مختلف الاتجاهات لوضع مشروع لدستور الدولة الموحدة يتناول فيه شكل الدولة، وطريقة حكمها، ونظام التعليم فيها وغير ذلك من الأمور، وأوضح أن الوقت لم يحن بعد لإعلان هذه الوثيقة، في ضوء الصمت الدولي على الممارسات الإسرائيلية.

هذا تقريبا معظم ما احتفظت به ذاكرتي من المحاضرة التي ألقاها الرجل باللغة الانجليزية رغم أنه ابن لوالدين ألمانيين اضطرا إلى الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي هربا من اضطهاد الحكم النازي، ورغم خدمته في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر/تشرين 1973 على هضبة الجولان السورية، إلا أنه كان من أول المعارضين لاستمرار احتلال إسرائيل للأرضي العربية، وعارض بشدة حرب إسرائيل على لبنان في صيف 2006، كما أعلن تأييده أكثر من مرة للمقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، مع اختلافه مع التوجهات السياسية لحركة حماس.

قد يتفق معي القارئ الكريم على أهمية وضرورة الاهتمام بترجمة مؤلفات هذا الرجل إلى اللغة العربية، والتي من أبرزها كتابه الأخير "The Ethnic Cleansing of Palestine التطهير العرقي لفلسطين" الذي صدر بالإنجليزية عام 2007، وصدرت ترجمته الألمانية هذا العام. وما المانع من قيام كل منا بإهداء نسخة بالألمانية  لأصدقائنا ومعارفنا من النمساويين والأجانب؟

عودة إلى تصريحات " تزيبي ليفني" الواضحة في ظاهرها وباطنها لأنها تندرج ضمن قائمة ممارسات تفريغ فلسطين من العرب بإقصاء كل من وما هو فلسطيني، أي التطهير العرقي الذي كتب وتحدث عنه البروفسور الإسرائيلي.

يخطئ من يظن أن إسرائيل قد تتخلى طواعية عن أراضي الضفة الغربية مقابل نزوح عرب 48 عن أراضيهم في إسرائيل، بل المؤكد أن إسرائيل قد تتكرم بترك ما تبقى من الفتات للفلسطينيين لإقامة دولتهم المزعومة، لأنها لن تسمح بأي حال من الأحوال بوجود يهود داخل أراضي الضفة يخضعون لسيادة الدولة الفلسطينية. لذلك ليس من المستبعد أن تضغط إسرائيل في اتجاه اعتبار قطاع غزة الدولة الفلسطينية المرتقبة بعد إضافة "هلاهيل" من الأرض الفلسطينية التي مزقتها المستعمرات والجدار العازل إلى القطاع. وعلى الفرقاء الفلسطينيين مواصلة نزاعاتهم على السلطة والسطوة في دولة المستقبل. 

ويخطئ من يظن أن المجتمع الدولي سيسمح في المستقبل المنظور بإخراج اليهود من المستوطنات التي أقاموها على ربوع أراضي فلسطين خلال العقود الأخيرة، تمكنت فيها حكومات إسرائيل المتعاقبة من فرض أمر واقع، على الفلسطينيين والعالم أن يتعايشوا معه، ومن الأفضل لهم أن يتعايشوا مع هذا الواقع في سلام.

لكن لا يخطئ من يظن أن حالة التفكك والتشرذم الفلسطينية الراهنة تصب في المقام الأول والأخير في مصلحة التوجه الإسرائيلي الذي عبرت عنه وزيرة خارجية إسرائيل بصراحة. وهل في مقدور عاقل أن يقنعني بجدوى الصراعات الفلسطينية، وفي مصلحة أي فريق تصب؟

لماذا لا يجتمع الفلسطينيون على كلمة سواء فيما بينهم؟ فلا يجعلوا سدة الحكم هدفهم، وأن يتخلوا عن خدمة أكثر من "سيد" من خارج فلسطين، فالشعب الفلسطيني هو السيد الوحيد على ما تبقى من أرضه وفي الشتات.

أيها الفلسطينيون، أفيقوا من غفلتكم وتخلوا عن غلوائكم وتناحركم، فلن يفيدكم غير عقولكم وسواعدكم، واعلموا أن فيكم أناسا شتى مغلوبين على أمرهم جراء ما تقترفه أيادي المتصارعين منكم، أعمت السلطة أبصارهم عن مصالحكم، فأصبحتم هوانا لأعدائكم - وما أكثرهم – تستجدونهم  رفع الحصار والتفضل بالمساعدات الإنسانية والصدقات، وتتلهفون على جرعة ماء أو لقمة خبز، ولا أقول دواء للعلاج، أو وقودا يقيكم برد الشتاء!!!

إعلموا أيها الناس أن أمريكا ساعدت ما أسمتهم مجاهدي أفغانستان نكاية في الاتحاد السوفيتي السابق، وليس حبا في الأفغان!

واعلموا أنها تتحالف الآن مع الروس وغيرهم ضد إرهابيي اليوم ومجاهدي الأمس، بعد انقلاب السحر على الساحر!

ألم تتساهل إسرائيل في الماضي القريب مع تنظيم حماس نكاية في منظمة التحرير الفلسطينية؟ ثم ألا تسعى إسرائيل الآن للإيحاء بأنها تساعد فتح نكاية في حماس؟

وهكذا سلوك كل القوى التي تتطوعون حبا أو كرها للعمل لمصلحتهم ونيابة عنهم، بينما يبقى الشعب الفلسطيني الأعزل تائها حائرا وسط نيران الفصائل المتصارعة، ربما لمصلحة قوى خارجية تدعي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

أيها الفلسطينيون، غيروا أنفسكم قبل أن تغيركم إسرائيل! وتأكدوا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!

 

   9 

خواطر حول

المقذوفات وحالات الهوس

التي أعقبت واقعة

الصحفي العراقي

في ثقافة التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم غير العربية، رأينا قبل ذلك تطاير مقذوفات مختلفة في الهواء في اتجاه إما قوات الشرطة أو المسئولين السياسيين، ففي بعض الأحيان يقذف المتظاهرون الطرف الآخر بالبيض الفاسد، أو الطماطم، أو بالكعكة كما في الأفلام، لكنها كلها أدوات ومواد تستخدم للتعبير عن سخط وغضب جماعة ما من البشر ضد مسئول بعينه أو حكومة في دولة تسمح بالمظاهرات باعتبارها حقا طبيعيا من حقوق الإنسان.

وقبل عدة سنوات احتجت قطاعات عريضة من شعب أوكرانيا ضد رئيس البلاد فخرج الناس إلى الشوارع وقد لفوا حول أعناقهم شرائط من القماش لونها برتقالي، وحملوا في أيديهم أواني معدنية أخذوا يطرقونها لأيام طويلة حتى سقطت الحكومة وأجريت انتخابات حرة.

وقبل عدة أسابيع خرج عشرات الآلاف من مواطني تايلاند في مظاهرات حاشدة استمرت عدة أيام واحتلوا مطار العاصمة مطالبين باستقالة رئيس الوزراء لتورطه في عمليات فساد، ولضلوع حزبه في تزوير الانتخابات البرلمانية، ثم انفضوا بعد قرار المحكمة الدستورية في بلادهم بحل حزب رئيس الحكومة وحرمانه مع كثيرين من رفاقه من ممارسة العمل السياسي لخمس سنوات قادمة.

أما في اليونان وعلى مدار الأسابيع الماضية تشهد العاصمة أثينا مظاهرات واحتجاجات صاخبة لشرائح عديدة من المجتمع احتجاجا على مصرع فتى عمره 15 عاما برصاصة من أحد جنود الشرطة. وفي مظاهرات أثينا شاهدنا أنواعا شتى من المقذوفات مثل زجاجات المولوتوف الحارقة وغيرها.

ومن منا ينسى أطفال وشباب الحجارة في فلسطين أثناء انتفاضتهم الشهيرة التي استمرت سنوات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، قذف خلالها الفلسطينيون أطنانا من الحجارة ضد جنود الاحتلال المدججين بأحدث الأسلحة.

لكن واقعة المقذوف "الحذائي" للصحفي العراقي تجاه الرئيس الأمريكي "الراحل" جورج بوش قبيل بدء مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء العراق احتلت مساحة واسعة من اهتمام الرأي العام في مختلف أرجاء العالم. وقد انصب معظم هذا الاهتمام على نقل ردود الفعل في العالم العربي بالذات وتحليل دوافع الشعوب العربية لحالات التلذذ والنشوة التي عكستها تعليقات الصحافة ووسائل الإعلام، بالإضافة إلى ما سطرته أقلام الكتاب وأنتجته قرائح الشعراء، وريشة الرسامين، وكذلك وقفات وبيانات التضامن من شتى التنظيمات الأهلية وشبه الرسمية تمتدح الصحفي وتعلي قدر حذائه، رغم بل وربما لوضاعة النعال والأحذية في الثقافة العربية.

لعلنا نتفق على أن أثمان النعال أو الأحذية لا تعلي من شأنها رغم الارتفاع الكبير في أسعار الأحذية بصفة عامة، وأحذية علية القوم من الماركات العالمية بصفة خاصة، لكن قيمة الحذاء في المفهوم العربي تبقى ملتصقة بالأرض وبسطح الشارع مهما كان نظيفا. فالحذاء هو المداس مهما ارتفع سعره ومهما كانت قيمته في إراحة القدمين اللتان تنتعلانه حتى لو كان حذاء طبيا.

عودة إلى ردود الأفعال والتي كان من بينها على ما يبدو احتجاج مكتوب تقدمت به السفيرة الأمريكية في القاهرة للحكومة المصرية تنتقد فيها ردود الفعل في الصحافة ووسائل الإعلام المصرية التي ركزت على إهانة الرئيس الأمريكي، واعتبار السفيرة أن الصحافة "القومية " على الأقل ما كان لها أن تسمح بنشر مثل هذه الإهانات إلا بتلقي الضوء الأخضر من الحكومة المصرية.

استهجن كثير من المصريين سلوك السفيرة الأمريكية لدى مصر، واعتبروا ذلك تدخلا في الشأن الداخلي لبلدهم، وقبل ذلك بأيام استهجنوا قيام متظاهرين إيرانيين بالهجوم على مكاتب البعثة المصرية في طهران وعدد من العواصم الأخرى احتجاجا على موقف مصر الرسمية من استمرار إغلاق المعابر بين مصر وقطاع غزة، ومنذ سنوات طويلة يستهجنون ويدينون موقف إيران من الإرهابي قاتل الرئيس الراحل أنور السادات، باعتبار تلك الأفعال إهانة لمصر والمصريين، لكن فيما يبدو ليس من حق السفيرة الأمريكية الممثلة الرسمية لبلادها الاعتراض على إهانة رئيس دولتها.

وقبل أن يشطح خيال بعض القراء باتهامي بالعمالة لأمريكا والدفاع عن رئيسها أسمح لنفسي بطرح وجه نظري في هذه المسألة:

أولا: في رأيي أن حذاء الصحفي العراقي رمز لأحذية ملايين من مواطني الشعوب المستضعفة والمغلوبة عل أمرها تمنوا لو استخدموها كمقذوفات في اتجاه الطغاة لكنهم عاجزون حتى عن مجرد خلعها ليس أمام حكامهم، بل أمام شرطي صغير في بلادهم. أما الحالات المشروعة لخلع الحذاء في الثقافة العربية المعاصرة فهي إما عند النوم، أو الصلاة، أو في غرف التعذيب لإزالة الحواجز بين هراوات المعذبين وأقدام الضحايا. أما الحالات الطبيعية لاختفاء الحذاء فهي العجز عن حيازته من الأساس، والاكتفاء بالحفاء الاضطراري لضيق ذات اليد والاقتناع بعدم حاجة القدمين للرفاهية الحذائية.

ثانيا: الاختلاف الأكبر بين أحذية أغلبية المواطنين العرب وحذاء الصحفي العراقي أنه بعد خروجه من السجن سيحتار في اختيار ما ينتعله من أحذية ستنهال تحت قدميه – لاحظ أنني تعمدت استخدام كلمة تحت قدميه بدلا من عليه - كهدايا من مختلف مصانع الأحذية، بل وربما فكر الرجل في تغيير مهنته ليعمل في مجال الدعاية والإعلان للأحذية المتميزة. أما المواطنون العرب فمن يجرؤ منهم على خلع حذائه في غير الحالات المشروعة سالفة الذكر، ومن ثم رفع الحذاء في وجه  أي من الأكابر، ولا سمح الله إذا أخذته العزة بالإثم وقذفه في تجاه هدفه فمن الأرجح أنه - في حالة بقائه على قيد الحياة - لن يتمكن من تعويض ما فقده بعد ضياع حذائه الذي سيتم التحفظ عليه كأحد الأحراز القانونية لاستخدامه كدليل دامغ على جرمه الحقير في حق الأكابر.

ثالثا: ربما كان من الأفضل للصحفي العراقي أن يطرح سؤاله بالصيغة التي يراها على الرئيس الأميركي ويستمع إلى إجابته، ثم يقدم على فعلته تلك، باعتبار الرئيس وممثلي الصحافة في حالة حوار لغوي وليس في معركة تراشق بالأحذية من طرف واحد.

ثم ما ذا لو كان الرئيس الأمريكي قد خلع حذاءه وصوبه نحو خصمه العراقي عملا بمبدأ القصاص والمعاملة بالمثل؟!!!

رابعا: ثم ألم يضرب عشرات من العراقيين بأحذيتهم تماثيل رئيس العراق السابق صدام حسين جهرا وعلانية على مرأى ومسمع من العالم؟ أو لم يستهجن كثيرون منا تلك الأفعال، رغم اقتناع مرتكبيها بدوافعهم نحوها؟!!!

خامسا: ألا يوجد بيننا كثيرون يترحمون على أيام صدام حسين مقابل آخرين يلعنون تلك الأيام، ولكل فريق مبرراته؟!!!

سادسا: هل يطغى ضجيج فرحتنا بالحذاء المقذوف صوب الرئيس الأمريكي على حالة عجزنا عن توحيد صفوف الفلسطينيين المتناحرين على السلطة في قطاع غزة رغم كثافة وتنوع المقذوفات الإسرائيلية من قنابل عنقودية وأسلحة فتاكة على رؤوس الفلسطينيين العزّل، وكذلك عجزنا عن وقف الصراع بين طوائف العراق ولبنان، والسودان وغيرها؟!!!

سابعا: هل تنسينا النشوة بما أقدم عليه الصحفي العراقي واقعنا اليومي الذي نعيش فيه وقد تخلفنا عن ركب الحضارة، وحصرنا اهتماماتنا بالقشور من أمور ديننا ودنيانا؟!!!

ثامنا: هل نحن حقا مؤمنون بتحرير أنفسنا من التبعية للغير بأحذيتنا، أم بالعمل الجاد وإنتاج غذائنا وكسائنا بأيدينا وعلى أرضنا وباستثمار أموالنا فيما ينفع شعوبنا ويحقق لها الازدهار؟

تاسعا: هل نحن قادرون على نزع الخوف من أنفسنا في مواجهة المتسلطين على أقدارنا والمتحكمين في مصائرنا من بني جلدتنا ومن الغرباء؟!!!

عاشرا: هل صرنا نخشى النظر في مرايانا لنرى بأعيننا حقيقة أنفسنا، أم أن مرايانا مشروخة لا ترينا حقيقتنا، وهل نعجز عن التفكير بهدوء في سبل الخروج من مأزقنا، ولا ننتظر حذاء آخر يصوبه أحدنا نحو هدف غريب؟!!!

فيينا في 19 ديسمبر 2008

 

 

   10 

قليل من السياسة

خواطر حول الآثار النفسية

للحرب الإسرائيلية

 على الناجين من محرقة غزة 2008

 

من منا ومن غيرنا في شتى بقاع الأرض لم يشاهد مئات بلا آلاف الصور المشينة لآثار العمليات العسكرية الإسرائيلية طوال الأسابيع الأخيرة على ضحايا القنابل المتساقطة من الجو وقذائف المدفعية والدبابات والأسلحة الأخرى من البر والبحر على رؤوس وبيوت المدنيين الفلسطينيين في مختلف أنحاء قطاع غزة، لتخلف وراءها تحت أنقاض البيوت والمدارس والمساجد والشوارع والأزقة والحقول آلافا من الضحايا بين قتلى وجرحى من كل شرائح المجتمع الفلسطيني العمرية والاجتماعية دون تمييز؟!

ومن منا ومن غيرنا لم ينفطر قلبه لصور الضحايا من الأطفال الأبرياء والنساء الحوامل والمرضعات وقد تكومت جثثهن المشوهة إلى جانب من يحتضن من صغارهن القتلى أو أولئك من الصغار الأحياء الصارخين والباكين لصمت أمهاتهم، غير مدركين أن تلك الأمهات لا ولن تسمعن أو تستجبن لصراخ ونداءات أبنائهن وقد قضت الآلة العسكرية الإسرائيلية برحيلهن عن الحياة الدنيا إلى الأبد بهذه الصورة الوحشية؟!

ولكن ما ذا سيقول ممثلو مدارس ومذاهب التحليل النفسي التي أسستها العقلية والثقافة الأوروبية التي تربط بين تجارب الجنين منذ بدايته الأولى في رحم أمه وسنوات طفولته المبكرة وسلوكه الشخصي مع نفسه وفي المجتمع في أمر الناجين من أطفال غزة وشبابها ونسائها ورجالها بعد كل ما عانوه وعايشوه من مآس يندى لها جبين البشرية والعالم "المتحضر والمتمدن" في القرن الواحد والعشرين؟!

ما قول تلاميذ سيجموند فرويد في تأثير تلك العمليات على أجيال فلسطينية قادمة؟ هل سترسخ تجارب ومعاناة أولئك الناس في نفوسهم وعقولهم ثقافة السلام ونبذ العنف والتعايش السلمي والإيجابي بين القاتل وأهالي القتلى والضحايا؟

هل فكر دعاة حقوق الإنسان وحماية البيئة والرحمة بالحيوان في مستقبل أولئك الضحايا من الناجين؟ وهل يفترض العلماء والمتخصصون في علم النفس أن المواطنين العرب مخلوقون من طينة أخرى لا تتأثر بالجراح في الجسد والروح، غير طينة الأوروبيين والأمريكيين وسكان إسرائيل الذين وفدوا إلى أرض فلسطين من شتى بقاع الأرض؟!

نحن ندرك مدى الهلع والخوف الذي يعانيه مواطنو القرى والمدن الإسرائيلية التي تسقط عليها صواريخ فصائل المقاومة الفلسطينية، ليضطروا إلى البقاء في ملاجئ الحماية وتحرمهم من الخروج إلى حدائق بيوتهم، أو التوجه إلى أعمالهم!

من حقنا أيضا أن نتمنى للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية أن يجدوا ملاذا آمنا يقيهم ويلات القنابل الإسرائيلية الفسفورية، والصواريخ وقذائف المدافع والدبابات والرشاشات الآلية خفيفها وثقيلها، قبل أن تنهار على رؤوسهم أسقف وجدران مخيمات اللاجئين وبيوت المواطنين ومدارسهم، لتتحول كل غزة إلى مقابر جماعية لآلاف من الضحايا الأبرياء.

لكن من حقنا أيضا أن نطلب من أولئك الإسرائيليين من شتى أرجاء العالم الاكتفاء بما قررته لهم الأمم المتحدة قبل 60 عاما من أراضٍ لإقامة دولتهم عليها، والإقرار بحق الفلسطينيين الأصليين في حياة آمنة وإنسانية على ما من عليهم به المجتمع الدولي من مناطق لإقامة دولتهم، وحينئذ ربما لن يكون أي من الجانبين في حاجة لإنشاء ملاجئ لحمايتهم من تهديدات الآخر لأمنهم وسلامه، ومن يدري فقد يتمكن الفلسطينيون في يوم ما من الخروج مثلكم إلى حدائق بيوتهم.

لقد صدق رئيس النمسا في تعبيره عن مخاوفه من تزايد التطرف نتيجة للحرب الدائرة على قطاع غزة، وتوقع أن يبرر متطرفو المستقبل سلوكهم المتطرف بما شاهدوه من صور لضحايا الحرب البشعة على أطفال ونساء وشباب القطاع الفلسطيني.

 لكني أهمس في أذن الرئيس فيشر وآذان المسئولين في النمسا والاتحاد الأوروبي وأقول: "أيها السادة! معكم حق في التحذير من تزايد التطرف في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم، لخشيتكم على أمن وسلامة أوطانكم وبلادكم من تبعات التطرف.

إنني أذكركم بواجباتكم أيضا نحو الناجين من الضحايا بأن توقفوا الحرب ضدهم، وتعيدوا لهم حقوقهم المشروعة، كي يتمكنوا من التغلب تدريجيا على آثار المحرقة الدائرة رحاها في غزة. ولكم في تاريخ بلادكم الحديث عبرة، وقد تحليتم بالشجاعة واعترفتم بمسئولية قطاعات عريضة من شعوبكم عن "الهولوكوست"، فلتراجعوا أنفسكم، واعملوا بما تمليه عليكم ضمائركم، واستجيبوا لنداء الإنسانية بأن تحبوا لغيركم ما تحبونه لأنفسكم من العيش في أمن وسلام، ولا تدعوا ثقافة العين بالعين والسن بالسن تهيمن على السلوك الإنساني، وإلا حملكم التاريخ مسئولية تهاونكم وتخاذلكم عن نصرة الحق، لأن التاريخ علمنا أيضا أن البادئ بالظلم أظلم.  

  Bookmark and Share

   11 

معذرة إن كتبت!

خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث

في الآونة الأخيرة

 

أقر وأعترف أن ميلي للكتابة في الآونة الأخيرة أصابه الوهن والضعف، لا لندرة ما يدور في رأسي من أفكار، أو لعجزي عن التعبير عنها، ولكن لأنني بدأت أتشكك في جدوى الكتابة لقوم لا تقرأ أغلبيتهم، وإن قرأ بعضهم، فأكثرهم لا يحركون ساكنا - سلبا أو إيجابا - وكأن العلاقة بين الكاتب والقارئ ذات اتجاه واحد، فأنت تكتب، وهو يقرأ، وانتهى الأمر! لذلك أخذت أطرح الأسئلة على نفسي: ما جدوى ما تكتب أنت ويكتب غيرك، مادام مردود معظم ما يكتب يكاد يكون هباء؟!

لكن وكما يقول المثل: "يموت الزمار وأصابعه تلعب"، فإن داء الكتابة من "العلل" التي يستعصى اجتثاث جذورها، وربما أغراني هذا الموقف إلى القياس على المثل السابق بطريقة أخرى على نحو: "يموت الكاتب وقريحته تنضح أفكارا"! ومن هذا المنطلق قررت العودة إلى صياغة ما تنضح به قريحتي من أفكار في كلمات أردتها صادقة ومعبرة عما يجول في خاطري حول بعض التطورات والأحداث التي عايشناها خلال الأسابيع الأخيرة.

شهدت مدينة نجع حمادي بصعيد مصر ليلة السابع من الشهر الأول في سنة 2010 مجزرة أطفأت أنوار الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، وغمرت القلوب بالألم والحزن والأسى، وراح ضحيتها مواطنون مصريون أبرياء، خرجوا لتوهم من بيت لله يحتفون معا بمناسبة مقدسة، صاموا قبل حلولها نحو شهر ونصف، وكانوا مقبلين على العودة إلى الحياة الطبيعية، إلا أن آثمين أرادوا لهم مصيراً آخر، وبهذه الصورة البشعة، فنقلوهم إلى عالم الأبدية شهداء أبرارا للغل والكراهية!

تأزمت نفسيتي كثيرا لهذا العمل الإجرامي، وانهالت تساؤلاتي عن دوافع مثل أولئك الأشرار؛ هل لبشر أن يستأثر لنفسه وحدها بحق الحياة على أرض لها خالق ومالك غيره؟ وهل لضيف في الحياة الدنيا سويّ السريرة أن يعاند مضيّفه، رب البيت وصاحبه، ويحرم غيره من ضيوف الأرض حقهم في ضيافة الخالق؟ هل يتوقع هؤلاء الأشرار أنهم بقتلهم من يخالفهم في عقيدة أو توجه أو فكر سينالون رضا الله ويحظون برحمته، وينعمون بجنته التي لن تتسع لسواهم، كما أنكروا دنياهم على غيرهم؟ بأي رب يؤمن هؤلاء، حتى يريقوا الدماء ويروعوا الأبرياء ويقذفوا بالهلع في قلوب الأهل والأصحاب والأحباب، ييتموا أطفالا، ويرملوا زوجات، ويثكلوا أمهات؟

ألا إنه رب غير من نعبد وبه نؤمن، إنه صنم وليس إلها! صنم شيطاني صنعته أياد لا تجري في عروقها دماء بشرية، لأن الصنم بلا قلب.

إلى متى سنظل نقاسي ونعاني ونتألم من شرور التعصب والتطرف ونتلظى بنيران الإرهاب، أما حان الوقت كي يتروى مدعو ملاك الحقيقة دون غيرهم ويراجعوا أنفسهم في زعمهم بأحقيتهم في اعتلاء منصة المحكمة الإلهية في الدنيا والآخرة بدلا من الخالق؟

تساؤل آخر استلهمته من عملية محاولة تفجير إحدى الطائرات المدنية في الجو ليلة الخامس والعشرين من آخر شهور سنة 2009، سعى المخططون لها ومعهم من حاول تنفيذها أن يقذف بالركاب الأبرياء إلى الحياة الآخرة، متوهمين أنهم آلة طيعّة لتنفيذ إرادة الله، لكن إرادة الله كانت غير إرادتهم، فحبط عملهم، وافتضح أمرهم. وتساؤلي البريء هو: ما قول هؤلاء الأشرار في إقدام بعض الدول على استخدام آلة المسح الضوئي لأبدان البشر في المطارات والموانئ، والمراكز التجارية، وربما الفنادق، ووسائل المواصلات العامة، لضمان عدم إخفاء متفجرات في فروج النساء أو الرجال؟ وهل توهم عتاة الترويع أن التقنية الحديثة ستعجز عن إظهار أو كشف ما يستر الخمار أو الحجاب أو النقاب أو غيره من ثياب؟ هل سيفتي شيوخ الإرهاب بمنع النساء - وإن تنقبن - من مبارحة بيوتهن للسفر أو التسوق في المراكز التجارية، أو دخول الفنادق، وأماكن تستخدم فيها أجهزة المسح الضوئي للأبدان؟ ألا يخشون من إساءة استخدام ما تصوره أجهزة المسح الضوئي للأبدان في ابتزاز المحصنات من النساء، بعد أن كشفت المستور وربما بالألوان؟

هل يعتقد فقهاء الإرهاب أن غيرهم غير قادر على التصدي لحيلهم الشريرة وكشف عوراتهم بالعلم والتقنية الحديثة للوقاية من شرهم وحماية مواطنيهم الأبرياء من غدرهم؟

أسئلة وتساؤلات أرددها وأطرحها على من يقرأ، لعلها تنشّط أفكار البعض، وتضيء ولو شمعة صغيرة في نفق التعصب والتطرف والإرهاب المظلم!

 

 

   12 

خواطر في المقابر

 

شاركت يوم الاثنين 15 فبراير 2010 في جنازة الأستاذ جلال جبريل، أحد رجال الجيل الأول من شباب المصريين، الذين وفدوا إلى النمسا نهايات خمسينيات القرن الماضي لغرض الدراسة. لا أزعم أنني كنت واحدا من المقربين للراحل، لسبب بسيط هو حكم فرق السن؛ فقد رحل الفقيد عن عالم الأحياء عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، بينما أقترب أنا من إكمال عامي السادس والخمسين بين أحياء هذا العالم. هذا إن قدر لي ذلك!

وصلت إلى المقابر الرئيسية بفيينا قبل الموعد المحدد لمراسم الجنازة بساعة كاملة، وقبل أن أتوجه صوب محل لبيع الزهور، رأيت السيد رضا شكري وزوجته في سيارته على بعد خطوات مني فتبادلنا التحية وفاجأني بقوله إنه متأثر جدا لرحيل جلال، وسألني إن كنت أعلم أنهما عاشا سويا في شقة واحدة لمدة ثلاث سنوات كاملة، كانا يتقاسمان كل شيء بدءا بالهواء وانتهاء بالملابس، ولفت نظري إلى رشاقة الفقيد في شبابه، وقد وبدت عليه علامات التأثر واضحة وهو يحدثني عن قرية الفقيد،  نزلة حنّا، مركز الفشن بمحافظة بني سويف، وجذور رضا شكري الصعيدية أيضا.

تجاورنا في المقاعد داخل قاعة المراسم التي كنا أول من دخلها، وانتهزت فرصة جلوس السيدة هيلجا شكري بيني وبين زوجها مع فسحة الوقت التي سبقت بدء طقوس الصلاة على روح الفقيد لأطوف بذكرياتي عن الفقيد الراحل ورفاقه منذ أول مرة رأيته فيها في النادي المصري، أنيقا، ودودا، مجاملا، بشوشا، لا تفارق شفتيه ابتسامة صادقة، ليّن الجانب، حلو الحديث، لا يلغو ولا يغتاب، ولا يسعى وراء نميمة.

كانت المرة الأولى التي دخلت فيها النادي المصري في صيف عام 1974 لتبدأ علاقتي بهذا المكان ومن يتردد عليه من البشر، حيث بدأت معرفتي عن قرب بالرجل ورفاقه فترة من الزمن تربو على 30 عاما ترددت خلالها على النادي المصري وسط مدينة فيينا عشرات المرات، وربما مئات المرات، جالست وتحاورت خلالها مع جلال جبريل، وأحمد أبو العينين، وإدمون فركوح، ومحمد الشحومي، ونابليون فرج، والسيد العربي، وسمير ستينو، وكمال عاشور، ونبيل البنايوتي، ومحمود فوزي، وأنور البطرماني، والسيد المهدي، ورضا شكري، وسمير شنودة، وحسن حافظ، وحنا زكي، وعلي سالم، ونبيل زكي، ومحمد زكي، وعادل زعزوع، وعابد ينّي، وفوزي متولي، وسمير شحاته، وعلوي الزيات، وعبد القوي بركة، واحتفينا بكل تقدير واحترام بالرواد أمثال المهندس شكري فرج المسيحي أبا وأما، والدكتور برادة المسلم أبا وأما، أو الدكتور حسين ضو من أب مسلم وأم مسيحية، وغيرهم الكثيرين من المصريين الذين عاشوا في الغربة الإرادية وقلوبهم في مصر، لا نشعر بفرق بين مسلم ومسيحي، نحتفل سويا بأعيادنا الدينية والقومية تحت سقف واحد، نتناول طعامنا من طبق واحد وعلى مائدة واحدة، نتسامر، نتناقش، نتفق وقد نختلف حول أمر أو أمور، وفي نهاية الجلسة أو السهرة تجد مسلما في سيارة مسيحي أو مسيحي في سيارة مسلم في طريق العودة إلى بيوتهم، حيث كان الكثيرون منهم يقيم في شقة واحدة. هكذا كانت تجاربي الأولى في المجتمع المصري في فيينا طوال عقود ثلاثة مع الجيل الأول.

لم تختلف تجاربي كثيرا مع الجيل الثاني من المصريين، فقد كان بيت خليل رزق الله مفتوحا للكثيرين من الشباب الوافدين إلى فيينا، كما عشت مع نبيل يعقوب ومصريين آخرين مسيحيين ومسلمين في الحي الثالث، وفي الحي العاشر مع نبيل وأحمد ومحمد غانم المسلمين ورضا ناشد ونشأت تادرس من مسيحيي بني مزار، وفي الحي السابع عشر مع يحيى زغلول المسلم وألفونس أمين وسمير تادرس من مسيحيي شبرا، وفي الحي التاسع عشر مع أحمد الصعيدي السكندري، ومحمود عثمان القاهري، وعوض فرج وثلة من أقاربه من مسيحيي الظاهر، نتناوب إعداد طعامنا لوجبتي الفطور والعشاء، أما وجبة الغداء فكنا نتناولها خارج بيوتنا لظروف عملنا.

ولمن يشاء أن يسأل صبحي يعقوب عمن درّبه على العمل في توزيع الإعلانات بشركة "فايبرا"، أو يسأل نبيل ينّي ومحمد مرسي ملكي محطة الجنوب عن علاقة المحبة والمودة التي سادت بين المصريين وكيف كانت مصريتنا هي سر قوتنا في مواجهة الغربة، وعامل توحدنا وتضامننا!

مع توافد المشاركين في الجنازة الذين تساوت أعدادهم تقريبا بين مسلمين ومسيحيين، أغلقت نافذة ذاكرتي ووجدتني أنظر بتأمل في واقع الجالية المصرية في النمسا، وما نسمعه ونقرؤه عن أحوال المصريين في الخارج، فهالني واقعنا المعاصر؛ فقد تفرقنا وتشرذمنا، وصرنا طوائف أصبحت العقيدة جنسيتنا الأصلية، وما عداها قشرة رقيقة لا تستر عورات سلوكنا!

صار النادي المصري ـ وأخشى أن يصبح اتحاد المصريين الوليد مثله ـ امتدادا للمسجد لا يدخل أيهما ـ تقريبا ـ إلا المتوضئون، وأصبحت الكنيسة بيت العائلة والنادي الاجتماعي ونقطة الجذب الوحيدة المجمعة لأتباعها. اختلط الحابل بالنابل وتبدلت وظائف الأماكن، وتداخلت الأمور عند الناس، وانهمك رجال الدين في السياسة، وتقمص الناشطون في العمل الاجتماعي والخدمي للجالية أدوار الوعاظ والنساّك، وتوهّم كثيرون ممن هبّوا ودبّوا أنهم حملة مشاعل الصحوة ـ عفوا ـ النعرة الطائفية التي ستأتي على الأخضر واليابس، ومضى كل فريق منا في طريق!

سألت نفسي: "هل كان المصريون في النمسا أو في بلاد الغربة خارج الوطن حالة استثنائية آنذاك؟"، فأجابتني: "لا، بل كانت مصر منذ فجر التاريخ وعاء تفاعل وتجانس لمواطنيها على اختلافهم وتنوعهم، ولا تنس أن كل إناء ينضح بما فيه، وما حال أبناء مصر الآن على أرض الوطن أفضل من أحوال أبنائها في بلاد الغربة!".

قبل أن يوارى جثمان جلال جبريل التراب، رأيت المشيعين وقد التفوا حول حفرة هي المثوى الأخير لكل بني الإنسان يودعون صديقهم ورفيقهم والأب الروحي لكثيرين منهم، ويسترجعون مع جثمانه المتواري مخزونا ضخما من ذكرياتهم مع الراحل من دنيا الفناء إلى عالم الخلود، فتساءلت مرة أخرى: "هل نواري اليوم ـ مجرد ـ جثمان فقيد عزيز، أم ندفن مع جثمان جلال جبريل وأمثاله كثيرا من القيم النبيلة التي تربينا عليها وعشنا بها ولها على أرض الكنانة المباركة آلاف السنين، وعددا من العقود الجميلة في بلاد الغربة"؟!

.......................................

فيينا في 17 فبراير 2010

 

  13 

وإذا الأبرياء سئلوا،

بأي ذنب قتلوا ؟!

 

في مقال سابق كتبته قبل عام كامل كرد فعل على فاجعة نجع حمادي، تساءلت فيه عن جدوى الكتابة، وهل تجد كتاباتنا من يقرؤها، وإن قرئت هل من يعيها ويفهمها، وإن فهمت فهل من أثر إيجابي تتركه في نفوس من وعوا وفهموا؟

واليوم وقد وقعت الواقعة وتعرضت إحدى الكنائس المصرية مرة أخرى لعملية إرهابية خسيسة ودنيئة ـ وهل يوصف الإرهاب بغير الخسة والدناءة؟! ـ أجد من واجبي أن أكتب بقلمي وأن أتكلم بلساني، لأعبر عما يراودني من أفكار ويختلج نفسي من مشاعر، إذ يجب على كل من يرى خللا أو شططا أن يشير إليه وينبه إلى خطورته بيده التي تمسك القلم أو بلسانه الذي يعبر عن أفكاره، أو بقلبه الذي ينفطر حزنا على ضحايا أبرياء خضبت دماؤهم أيادي آثمة استحلت أرواحهم ـ والأرواح من أمر الخالق وحده ـ فما بالك إذا كان الأمر قتلا لأبرياء وترويعا لبشر آمنين في بيوتهم أوفي بيوت لله يذكر فيها اسمه، أو في طريق له على الناس حق كف الأذى عن الغير.

ثم تعالوا نتساءل أولا عن الهوية "الدينية" لمرتكبي تلك الجرائم؛ هل هم مسلمون حقا؟

المسلم كما عرفّه الرسول عليه الصلاة والسلام هو من سلم الناس من لسانه ويده، أي هو الإنسان الذي لا يجند لسانه في إهانة الآخرين "الناس" أو تجريحهم أو سبهم في عقيدتهم والتحريض على كراهيتهم ونبذهم أو قتلهم. وهو أيضا الذي لا يسخر يده في إيذائهم وإيقاع الضرر بهم، ناهيك عن ترويعهم وقتلهم، فهل مرتكبو تلك الجرائم متدينون حقا، سواء في الإسكندرية أو الكشح أو نجع حمادي، أو في بغداد أو البصرة وبيروت وباكستان وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك ومدريد ولندن ونيويورك وبومباي وغزة والضفة الغربية والقدس وأيرلندا، حيث قتل ويقتل أطفال ونساء وشيوخ أبرياء عزل على أيدي الجماعات الإرهابية "المسلمة في الشرق والمسيحية في الغرب" أو قوات الجيوش الإسرائيلية والأمريكية والروسية في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان وغيرها من بقاع الأرض.

هذا عن تعريف المسلم، أما المؤمن فهو كما حدده الرسول أيضا من وطرت، أي رسخت واستقرت في قلبه العقيدة ـ أيا كانت ـ وصدقه العمل؛ أي هو الإنسان التقي الملتزم بأركان ومبادئ عقيدته التي تحرم الكذب والغش والنفاق والسرقة والزنا والغيبة والنميمة والقتل وغيرها من المثالب، بل وحتى السخرية من الغير.

هو إذا الإنسان الذي يصل الرحم ويبر الجار، ويفي بالوعود والعهود ويؤدي الأمانات إلى أهلها، ويجادل بالتي هي أحسن، ويتقن عمله ويخلص لنفسه ولغيره؛ ويعدل بين الناس إذا حكم، وهو الذي يعي ويدرك أن عبادته لله لا تنفصل ولا تنفصم عن معاملته لغيره من الناس، وأن حسن عبادته لربه مرتبط أساسا بحسن معاملته لغيره من البشر، بل والحيوانات. هو الذي يعي ويدرك أن الله خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتبادلوا المنافع والمعارف فيما بينهم، وأنه تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وأن من آياته سبحانه اختلاف ألسنة وألوان وأشكال الناس، وأن أكرم الناس ـ كل الناس ـ عند الله أتقاهم. هذا هو المؤمن كما نفهم؛ فهل أولئك القتلة مؤمنون؟!!

أليس هؤلاء القتلة خارجين عن العقيدة ـ أيا كانت ـ خائنين للعهد وللعقد الاجتماعي الإنساني الذي على أساسه يعيش المجتمع يومه وغده كما عاش أمسه؛ عقد اجتماعي يقوم على أركان الأمن والأمان والسلامة والثقة وحسن النوايا؛ يتعامل الناس بموجبها مع بعضهم البعض، فأنت لا تسأل سائق السيارة التي تركبها إن كان حاملا لرخصة قيادة، أو عن رخصة صلاحية سير المركبة، كما لا تسأل قائد الطائرة عن مدى كفاءته لقيادتها، ولا تسأل الطبيب عن شهاداته العلمية ورخص مزاولته لمهنته قبل أن تسلمه بدنك ونفسك، وهكذا في كل ما يتصل بأمور.

هذا العقد الاجتماعي هو الذي على أساسه يذهب كل منا إلى عمله مطمئنا، ويرتاد بيتا لله يعبده فيه، ويسير في شارع أو طريق، ويبيع ويشتري ويتنزه ويتسامر، ويتزاور مع غيره من البشر، ويمشي في مناكب الأرض سعيا لرزق أو طلبا لعلم، ينهل على أساس هذا العقد الاجتماعي الإنساني من علوم ومعارف الآخرين، ويتلقى علاجا على أيدي أناس قد يختلفون معه في العقيدة أو الجنس أو اللون، ولكن توحدهم الإنسانية وتكريم الله لبني آدم أجمعين.

ألم ينصب هؤلاء القتلة ـ على اختلاف أنسابهم ومشاربهم ومآربهم ـ أنفسهم بدلاء لله تعالى الذي سيحكم ـ وحده ـ بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه؟!

هل يدرك أولئك المجرمون ـ أفرادا أو جماعات أو دولا ـ حقا أن الفتنة أشد من القتل وأن ترويع فرد واحد ـ ناهيك عن مجتمع كامل ـ جرم عند الله عظيم. ألا يعرفون أن من قتل نفسا واحدة بغير حق ـ وليس لديهم أي حق ـ كمن قتل الناس جميعا، فما بالك بالتحريض على الفتنة وإشعال نيرانها؟

أيها القتلة أينما وأنّى كنتم!

كيف سولت وتسول لكم أنفسكم قتل أبرياء لم يقاتلونكم في دينكم أو رزقكم ولم يخرجوكم من دياركم أو يظاهروا أعداءكم عليكم، بل دخلوا بيتا من بيوت الله يتضرعون إليه ويطلبون مغفرته ورضوانه، والله وحده أعلم بما يسرون أو يعلنون وما استقر في ضمائرهم؟  

إن كنتم تنسبون أنفسكم للإسلام، فلستم مسلمين، وإن كنتم تنسبون أنفسكم للمسيحية، فلستم مسيحيين، وإن كنتم تنسبون أنفسكم لليهودية فلستم يهودا، وإن كنتم تنسبون أنفسكم لعقيدة أنزلها الله فلستم من أهلها؛ فالله واحد وإن تعددت أسماؤه وصفاته، والدين واحد وإن تعددت عقائده وشعائره. إنكم من حزب الشيطان، وكان الشيطان للإنسان عدوا مبينا.

أنتم بالقطع لستم مؤمنين ولم يدخل الإيمان في قلوبكم!

......................................

فيينا في 5 يناير 2011

 

 

  14 

 

 

وجعلنا لكل شيء سبباً.....!

 

الآن وقد هدأت العاصفة قليلاً بعد اعتداءين إجراميين تعرض لهما مواطنون مصريون دفع إخوة لنا في الله والوطن والإنسانية أرواحهم فداء لعقيدتهم ووطنهم وإنسانيتهم، حان وقت الوقفة مع النفس، وقفة أدعو إليها كل مصري وعربي لينظر من موقعه أولاً إلى الماضي القريب، يسترجع ما أدبر من أمور ـ حلوها ومرّها ـ وسيجد حتما كثيراً من الطيبات وغير قليل من الخبائث، ثم أن ينظر على حاضره فقد يرى كما أرى ومعي الكثيرون أن كفة الخبائث قد ثقلت، فأما الطيبات فأبرزها أننا شعوب خصّ الله بلادها ـ ربما دون غيرها ـ برسالاته السماوية المتعددة، وهي رسالات وإن تفاوتت مواقيت نزولها، واختلاف ألسنة وطباع وعادات وتقاليد أصحابها، إلا أنها ـ جميعا ـ ذات جوهر واحد، وهو الإيمان بالله، بالإضافة إلى إيمان كل فريق برسالة ورسول من سبق من الرسالات والرسل. من هذا المنطلق علينا أن نعي حكمة الله من تعدد رسالاته ورسله، فكما أراد تعدد صورنا وألواننا، واختلاف ألسنتنا، ومناخ وطبيعة بلادنا، ومن ثم تنوع طباعنا وعاداتنا وتقاليدنا، حثنا كذلك على إدراك أهمية تنوع صور فهمنا لعقائدنا. لذا وجب علينا أن نجتهد ـ إيجابيا ـ في تحقيق الهدف من وجودنا بهذا التعدد والتنوع في الارتقاء بعبادتنا للإله الواحد بتعظيم القواسم المشتركة التي تجمع بيننا، وأن ندع لله وحده ما نختلف فيه بحكم طبائع الحياة والبشر، ليفصل فيه يوم القيامة.

من الطيبات أيضا أن تتابع الرسالات السماوية على منطقتنا وشعوبها وقبائلها جعل لكل من يعيش على أرضها الحق في المساواة مع من سبقه ومن لحقه في الحياة على هذه الأرض، لأن الله تعالى كرّم بني آدم كجنس بشري، استخلفه في الأرض ليتحمل الأمانة التي عرضها سبحانه على السماوات والأرض والجبال، فأشفقن منها ـ من الأمانة وهي المسئولية ـ وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان ـ كل إنسان ـ منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها.

من هذا المنطلق تعالوا نتحاور كمؤمنين بإله واحد، نعيش في كون واحد ـ لسنا خالقيه ـ ولكننا مكلفون بعمارته وصيانته والحفاظ عليه!

الواقع إذن أننا أمام بيت عائلة كبيرة يعتنق الجد اليهودية والابن المسيحية والحفيد الإسلام، ومن أبناء الجد الآخرين هناك من اتخذ لنفسه مذهبا آخر ليهوديته، وأبناء مسيحيون آخرون اختاروا مذاهب مختلفة لفهمهم لعقيدتهم المسيحية، وهكذا المسلمون؛ هذا سني، وذاك شيعي؛ وهكذا تعددت صور وألوان المذاهب كما تعددت صور وأشكال وألوان وألسنة وطباع الناس.

فلمن يا ترى الحق المطلق في تركة جده الأكبر؟ وهل يستأثر أحدنا ببيت العائلة دون إخوته وأبناء عمومته؟ أم أن للجميع نفس الحق في الوجود والحياة الآمنة جنبا إلى جنب، كما نعيش في عالمنا، نشارك كل قدر طاقته واستطاعته في حمل الأمانة – المسئولية ـ نحو هذا الكون؟

وهل من العدل أن يأتي قوم منا يحاربون إرادة الله في خلقة، ويسعون بالقول أو العمل أو بكليهما إلى تغيير إرادته، ليفرضوا نمطا معيناً لشكل الإنسان ولغته ولونه؟ هل بمقدور أي منا أن يحول لون الأفارقة إلى لون الأوربيين أو الآسيويين؟ وهل منا من يقبل هذا؟

أو ليس الله بقادر على أن يجعل الناس أمة واحدة؟

وكما خلق الله الناس بألوان وأشكال وألسنة مختلفة، لنا أن نتوقع وجود تفاوت وتباين في درجات الفهم والإدراك لدى البشر، بحكم ظروف تربيتهم وتعليمهم وحتى تغذيتهم. لذلك وجب علينا أن نخاطب الناس بقدر عقولهم، وأن نجادلهم – نحاورهم ـ بالتي هي أحسن.

هل بمقدور إنسان أن يحوّل الليل إلى نهار؟ أوليس اختلاف الليل والنهار من آياته سبحانه وتعالى؟

إذا استوعبنا هذه الحكمة الإلهية في الخلق، لأدركنا بدون عناء أنّ من واجبنا أن ندع الخلق للخالق – على الأقل ـ في أمور العقائد وتقييم الأعمال والأفعال المتصلة بعبادته، وأن نعي أنّ تقربنا إلى الله واقترابنا من فضاء رحمته يحتم علينا أن نحافظ على الكون الذي استخلفنا فيه، وأن نتعاون كجنس بشري على البر والتقوى، لأن أكرمنا عند الله أتقانا بخشيته لله واحترامه لحقوق وكرامة الإنسان الذي كرّمه الله.

كيف كان ماضينا القريب؟

كناّ في الماضي القريب – مصريين وعربا ـ نعيش متوادين متراحمين متعاونين على السراء والضراّء، نتبادل المنافع في معاملاتنا الإنسانية والاجتماعية، يذهب موسى أو إبراهيم أو عيسى المسلم يوم الجمعة إلى مسجده، ويوم السبت يتعبد موسى أو إبراهيم اليهودي في كنيسه، وموسى أو عيسى أو إبراهيم المسيحي يوم الأحد في كنيسته، ولم يكن غريباً أن تتجاور بيوت الله الثلاثة، كما يتجاور أتباع هذه العقائد في بيوتهم، لكن من العجيب أنك تستطيع أن تميز بين رجال الديانات الثلاثة بمجرد النظر إلى أئمتنا فهذا شيخ وذاك قس والثالث حاخام. لذلك لا تستغرب أن يكون بعض أولئك من دعاة الفرقة والمحرضين على الفتنة، لأن منهم من يظن ـ وبعض الظن إثم ـ أنه وحده أكثر الناس علماً، وأن ما يدعو إليه هو الحق وحده والحقيقة المطلقة، وأنّ رحمة الله لن تسع سوى أتباع هذه الديانة التي ينتمي إليها دون غيرها، وأنّ أبواب الفردوس موصدة أمام الآخرين.

وفي ظني ـ وليس كل الظن إثما ـ أنهم ينسون أو يتناسون أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه وحده العليم الخبير بما في الصدور، وأن العمل الصالح – أيّا كان فاعله ـ عبادة، وأن الله ليس بظلاّم للعبيد، وإنما الإنسان هو الذي يظلم نفسه ويظلم غيره، وأن الأمر لله من قبل ومن بعد ولؤلئك أقول؛ إذا كانت النظافة من الإيمان، فنظفوا قلوبكم وطهروها من الخبائث، قبل أن تطلبوا من غيركم النظافة! واعلموا أنّه إذا زلّ عالِـمٌ، زلّ بزلّّته عالَـمٌ، وأنكم ستسألون يوم القيامة عن خطايا أتباعكم الذين انقادوا وراءكم وصدّقوا ما قلتموه!

ولو نظرنا إلى حاضرنا لوجدنا أنفسنا منقسمين متصارعين؛ يرفض كل منا الآخر ويسعى إلى حصاره وخنقه، وربما إزاحته من الوجود؛ فنحن نلقن صغارنا ثقافة العزلة والتميز عن الآخرين، ونشجعهم على التنافر والتباعد والتنابذ، وتتعالى أصواتنا وادعاءاتنا بالحق المطلق في امتلاك الأوطان في الدنيا والجنة في الآخرة، فندّعي أننا أهل البلد الأصليون، وغيرنا وافدون، وننسى أن أرض الله واسعة وأننا جميعا ضيوف الله عليها، نمشي في مناكبها ونأكل مما رزقنا، فنأنف من طعام الآخرين، وقد أحلّ الله لنا طعام أهل الكتاب. ونحرم تبادل الحديث مع الأغيار، وقد حثنا الله على التحاور بالتي هي أحسن.

نبني لأنفسنا بيوتا نعبد الله فيها، ونضيٌق على غيرنا، وكأن الله لا يدخل سوى بيوتنا.

نقيم الدنيا ولا نقعدها إذا تحاب رجل وامرأة اختلفت عقائدهما، ونتشدق دائما بأن الله محبة، وأن الزواج مودة ورحمة، فنبذل قصارى جهدنا للتفريق بين الرجل وزوجه، وبين الأم وصغارها، والأب وفلذات كبده، إما بالترويع لينفصلا أحياء، أو بالقتل ليفرق الموت بينهما.    

نعيش في مبنى واحد، وفي شارع واحد، ونتعلم في مدرسة واحدة، ونعمل في مؤسسة واحدة، ونركب في قطار واحد، نتنفس نفس الهواء، ونشرب نفس الماء، ونأكل ما ينبت في تربة وطننا الواحد، ثم يخرج من بيننا من يقول: لا تزر جارك، ولا تهنئه في عيده، ولا تأكل طعامه، ولا تجالسه ولا تصاحبه، ولا تتعامل معه، فأنتم الأعلى وهو الأدنى، وأنت المحبوب من الله وغيرك مذموم!

ما جدوى إذن ما يردده بعض أئمتنا – مسلمين ومسيحيين ويهود ـ على أسماعنا ليل نهار، بأن الله محبة، وأن الناس سواسية، وأنه لا إكراه في الدين، وأن نحب لأنفسنا ما نحب لغيرنا، وأن للجار عليك حقا، وأن صلة الأرحام ـ وكلنا أبناء آدم وحواء ـ واجبة وأحد أعمدة العلاقات الإنسانية السوية.

إذا كان ماضينا الذي صنعه أجدادنا أفضل من حال حاضرنا الذي هو من صناعة أيدينا، فتعالوا نغير هذا الواقع المؤلم من أجل أبنائنا وأحفادنا في المستقبل، فنطهر أنفسنا وقلوبنا وعقولنا من الخبائث، كي يعود الصفاء والتحاب والتواد إلى ديارنا، والآن وقد عرفنا أسباب الفتنة، تعالوا نتفق على علاج للعلة قبل أن تنتشر الأورام الخبيثة في نسيج مجتمعاتنا فتمزقنا وتفتتنا، بل وتدمرنا وتأتي على كل الأخضر واليابس، ومن الخاسر سوانا جميعا؟

 ..............................

فيينا في 14 يناير 2011

 

  15 

 

عزيزي القارئ!

هذه بعض الأفكار التي كتبتها في يوليو 2008 حول بعض تصوراتي لما يمكن أن يتضمنه دستور جديد لمصر من مبادئ أساسية، وربما تناولت مسائل قد لا يرى البعض أهمية أو ضرورة لوجودها في الدستور مثل الزراعة والمياه والبيئة، ناهيك عن نص خاص بالمرأة المصرية، لكنني ارتأيت أن التأكيد على هذه الأمور كنصوص دستورية يبرز أهميتها في حياة المصريين المعاصرة، ويعد مؤشرا على رؤية شاملة لقضايا مجتمعية ترسّخ أهمية هذه الأمور في وعي الإنسان المصري في القرن الواحد والعشرين.

ومع ذلك فكل ما كتبته لا يعدو سوى مجرد اجتهادات من شخص يتمنى ويأمل أن يرى موطن آبائه وأجداده وقد خرج من جحر التاريخ ليستعيد مكانته الفريدة في تاريخ الحضارات الإنسانية التي كانت مصر مهدها الأول. وكل ما أطرحه من أفكار محاولة للإسهام في انطلاق حوار بيننا يحترم فيه كل منا رأي ورؤية الآخر. وقد حرصت على إعادة طرح هذه الأفكار كما صغتها أول مرة قبل نحو ثلاث سنوات من الآن، ونشرت على موقع "جسور" رغم ما تم من اقتراحات بتعديلات في مواد الدستور المصري المعطل حاليا لطرحها للاستفتاء الشعبي العام خلال أيام معدودة!

 

 

وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر

 

 

"من يركب البحر لا يخشى من الغرق"! قول يعجبني كثيرا ويدفعني إلى التفكير في بعض مشاكل مصر، والبحث عن حلول لها. ولا أدعي انفرادي بامتلاك الحقيقة، أو قدرتي غير العادية على تشخيص أمراض مصر المزمنة، لكنني أدعي لنفسي ـ كما لغيري إن أرادوا ـ حقا في التفكير، وطرح رؤيتي لمستقبل مصر مهد الحضارات من خلال نتائج الممارسات التي عانت منها مصر في الماضي القريب والحاضر الراهن. لذلك سأغامر في السطور القادمة بطرح إطار أو صورة لنصوص دستور مصري جديد يراعي الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكل ما أطلبه من القارئ العزيز أن يفسح لي مساحة من وقته وفكره وصبره، ربما للاتفاق على بعض أو جل ما أطرحه، وربما لاقتراح ما قد يكون أفضل مما طرحت، مع يقيني الكامل بأن صياغة مثل هذه الأفكار أو غيرها من اختصاص فقهاء القانون الدستوري، وليس لأمثالي حق التجرؤ على مقامهم الرفيع.

1- مصر دولة حرة مستقلة وطن لكل من يعيش على أرضها وتحت سمائها، لا تميز في حقوق مواطنيها بسبب العقيدة أو اللون أو الجنس، فكل المصريين سواسية أمام القانون، ولا فضل لمصري على آخر إلا بالولاء للوطن والالتزام بدستوره، والوفاء بواجباته نحو هذا الوطن.

2- تمثل مبادئ الديانات السماوية الثلاثة الإطار الأخلاقي والتشريعي للبلاد، مع الأخذ في الاعتبار أن الدين الإسلامي دين أغلبية المصريين.

3- تاريخ مصر الطويل بحقبه الفرعونية والمسيحية والإسلامية وانتماؤها لأفريقيا والعالم العربي والإسلامي يشكلان الدعائم الرئيسية الصلبة للشخصية المصرية المعاصرة.   

4- مصر دولة تحترم الشرعية الدولية، وتعلي قدر حقوق الإنسان، وتحترم معاهداتها واتفاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف، وتحترم سيادة الدول، وتؤمن بالعدل والسلام، وأن الحكمة من تعدد الثقافات والأعراق تكمن في أهمية وضرورة التعارف بين الشعوب بمختلف خلفياتها الثقافية والعقائدية، على أساس احترام الآخر، والحرص على إقامة علاقات توازن بين مصالحها وأمنها القومي وحماية حقوق مواطنيها.

5- نظام الحكم في مصر جمهوري رئاسي برلماني.

6- يختار الشعب رئيسه بالانتخاب الحر المباشر مرة كل خمس سنوات، ويجوز للرئيس الترشح لدورة ثانية وأخيرة، ويحق للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ترشيح من تراه مناسبا لخوض انتخابات رئيس الجمهورية، ويعضد هذا الترشيح بتزكية 50 عضوا على الأقل من مجالس التمثيل الشعبي (الشعب والشورى، والمجالس المحلية بالمحافظات).

7- من حق كل مواطن مصري (ذكرا كان أو أنثى) يتمتع بالأهلية القانونية والسمعة الطيبة بغض النظر عن عقيدته أو جنسه الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية في حالة حصوله على تزكية 10 آلاف توقيع لمواطنين مصريي الجنسية يمثلون سكان ثلثي محافظات مصر الأقل.

8- يشترط في اعتماد صحة المرشح الحزبي لانتخابات رئيس الجمهورية التخلي عن عضويته الحزبية قبل تقدمه بأوراق ترشيحه، باعتباره ـ في حالة فوزه - رئيسا لكل المصريين، ويتعهد بالحياد التام في تعاملاته مع الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، ويلتزم الرئيس المنتخب بالتعاون والتنسيق مع رئيس مجلس الوزراء بغض النظر عن الانتماء الحزبي للأخير.

9- تداول السلطة مبدأ أساسي للعمل السياسي في مصر، والدولة ملتزمة أمام مواطنيها بضمان نزاهة الانتخابات، وحرية كل مواطن في التعبير عن اختياره في سرية تامة، وتحت إشراف القضاء والمنظمات غير الحكومية.

10- يتولى التشريع مجلسان للنواب منتخبان انتخابا حرا مباشرا، هما مجلسا الشعب والشورى، بحيث يتم انتخاب مجلس الشعب لدورة تشريعية عادية مدتها خمس سنوات، إلا إذا حل المجلس قبل إكمال فترته القانونية، فيتم إجراء انتخابات مبكرة. أما مجلس الشورى فدورته التشريعية مستمرة بلا توقف لأنه مجلس يمثل محافظات مصر وأعضاؤه من مجالسها المحلية المنتخبة انتخابا حرا مباشرا، ويتم تمثيل كل محافظة بمجلس الشورى حسب عدد سكانها، كما تتوقف تركيبة الوفد الممثل لكل محافظة على عدد النواب الممثلين لكل حزب سياسي في المجلس المحلي للمحافظة، بحيث تمثل جميع الأحزاب بنسبة تمثيلها في مجلس محلي المحافظة، ويتولى رئاسة مجلس الشورى ممثل لكل محافظة حسب الترتيب الأبجدي لأسماء محافظات مصر، بغض النظر عن الانتماء الحزبي، ومدة رئاسة مجلس الشورى 6 أشهر.

11- لمجلس الشورى صلاحيات دستورية تتمثل في إقرار القوانين ذات الطبيعة الدستورية أو المكملة للدستور بعد مناقشتها في مجلس النواب (البرلمان)، و يجوز للمجلس اقتراح التعديلات على نصوص مشروعات القوانين المعروضة عليه وإعادة عرضها على مجلس النواب، كما يتولى مجلس الشورى فض الاشتباكات والنزاعات التشريعية بين محافظات مصر. وفي حالة عجز المجلس عن حل الخلافات أو النزاعات بين المحافظات يوصي بعرضها على القضاء المختص.

12-أ- تجرى الانتخابات للمجالس التشريعية على أساس القوائم الحزبية التي يلزم أن تعبر عن تركيبة السكان فلا تقتصر على جنس بعينه أو أتباع عقيدة بعينها، كما يجب ألا تميز بين المهن والوظائف بحيث تعكس التمثيل الحقيقي لأهل الدائرة الانتخابية.

 ب- يجوز ترشيح أفراد بدون انتماء حزبي في حالة وجود قائمة تزكية للفرد من نحو 3 آلاف مواطن من سكان الدائرة الانتخابية أو المحافظة. 

13- يشكل الحزب الحائز على أغلبية مطلقة أو نسبية الحكومة الجديدة، سواء منفردا، أو بالائتلاف مع حزب أو أكثر من الممثلين في البرلمان، ولا يتدخل رئيس الجمهورية في تسمية رئيس الحكومة الجديدة، إلا في حالات بعينها يحددها القانون. ويحق لرئيس الجمهورية تعيين 3 وزراء يختارهم بمعرفته هم وزراء الخارجية والدفاع والعدل، مع مراعاة عدم انتماء أي منهم لأحزاب سياسية.

14- تنقسم مصر إداريا إلى 28 محافظة تتمتع كل منها بميزانية مستقلة يقرها المجلس الشعبي (المحلي) المنتخب انتخابا حرا مباشرا، وتدير شئونها حكومة محلية يشكلها حزب أو أكثر وفقا لنتائج الانتخابات المحلية، ويرأسها المحافظ المنتخب على رأس قائمة حزبه في الانتخابات، بعد انتخابه من جانب أعضاء المجلس المحلي.

16- حكومة المحافظة مسئولة أمام المجلس المحلي، وله الحق في مراقبتها ومساءلتها، وسحب الثقة منها مجتمعة أو من بعض أعضائها.

17- تتولى كل محافظة إدارة شؤونها بالتنسيق مع الحكومة المركزية، في إطار ما ينظمه دستور البلاد من أطر للعلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية.

18- يتم انتخاب عمد القرى ورؤساء المدن والأحياء، سواء بنظام القوائم الحزبية أو الانتخاب الفردي.

19- تكفل الدول لكل مواطنيها حرية ممارسة العقائد في أماكن العبادة الخاصة بكل فئة أو طائفة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية المشاركة في الحياة السياسية بدون أي تمييز بسبب العقيدة أو الجنس، وكذلك حرية التظاهر والإضراب، وتشكيل أحزاب سياسية أو نقابات مهنية، أو جمعيات أهلية، وإصدار المطبوعات، وإقامة منابر إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية تلتزم باحترام الدستور وسيادة القانون، ولا تقوم على أسس عرقية أو عنصرية، أو التمييز بسبب العقيدة أو الجنس.

20- تلتزم الدولة بحماية وصيانة حقوق الإنسان انطلاقا من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وغيره من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الصدد.

21- المرأة إنسان كامل الأهلية لها ما للرجل من حقوق على الدولة، وعليها ما عليه من واجبات تجاهها.

22- ينشأ ديوان عام للمظالم يتلقى شكاوى المواطنين ضد جهات ومؤسسات الدولة، ويتولى جهاز يسمى "النيابة الشعبية" تابع للبرلمان تمثيل المتضررين من المواطنين ومقاضاة أجهزة الدولة أمام المحاكم المختصة.

23- التعليم حق أساسي من حقوق المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو العقائدية أو الجنسية، تكفله الدولة مجانا في جميع مراحله في مدارسها ومعاهدها ومؤسساتها العلمية، لكنها في نفس الوقت تشجع وجود تعليم خاص يخضع لإشرافها بحكم السيادة وبشرط عدم إخلاله بمبادئ الدستور وسيادة القانون وأمن البلاد القومي، واعتماد مناهجه وشهاداته من مؤسسات الدولة. وتلتزم الدولة بتطوير مقار ومناهج التعليم، وإعداد الكوادر البشرية الإعداد العصري المناسب.

24- تقر مصر بحق المواطن في المثول أمام محاكم عادية تكفل له محاكمة عادلة وفقا لمبادئ الدستور، وحقوق الإنسان والقوانين والمعاهدات الدولية.

25- الاقتصاد عصب الحياة في المجتمعات والدولة ملزمة بمراعاة البعد الاجتماعي في تحديد سياساتها الاقتصادية بحيث تمزج بين سياسة السوق الحر، والظروف الاجتماعية الراهنة، وتتعهد الدولة بضمان توفير الحد الأدنى لمعيشة المواطنين بكرامة، ومواجهة الفقر والاحتكار والاستغلال من خلال مؤسسات رقابية تابعة للدولة وتحت إشراف المجالس التشريعية في البلاد.

26- العمل الشريف حق لكل مواطن بغض النظر عن قدراته الذهنية والعلمية، والبدنية، وكذلك جنسه أو دينه، وتلتزم الدولة بتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.

27- الرعاية الصحية حق أصيل لكل مواطني مصر تتحمل الدولة مسئوليته، وذلك من خلال منظومة للتأمين الصحي تشمل كل المصريين، وتتحمل الدولة حصص غير القادرين لهيئات التأمين الصحي، سواء بسبب العجز أو الفقر أو البطالة.

28- القطاع الخاص جزء هام من منظومة العمل الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وتلتزم الدولة بوضع التشريعات المناسبة لتعظيم دوره في المجتمع، بمساهماته في المشروعات الصناعية وغيرها من مجالات الإنتاج، مع مراعاة حقوق العمال في إطار قوانين ومواثيق العمل القومية والدولية.

29- تلتزم الدولة بتسهيل عمل المنظمات الأهلية غير الحكومية في القيام بمهامها في إثراء العمل الطوعي، وتحفيز المواطنين لخدمة المجتمع.

30- الزراعة دعامة رئيسية للحياة في مصر، توليها الدولة عناية خاصة نظرا لحساسية وأهمية الأمن الغذائي في استقلال الإرادة الوطنية. ويمثل قطاع الزراعة واحدا من القطاعات التي تشرف الدولة عليها بالتنسيق مع القطاع الخاص لتدبير احتياجات البلاد من السلع والمحاصيل، وتوفر الدولة بالقانون الحماية اللازمة للمنتجين، وتعويضهم في حالة الكوارث عن خسائرهم من خلال صندوق خاص يتم تدبير موارده المالية من خلال جزء يسير من ضريبة المبيعات العامة، باعتبار إغاثة الفلاح المصري فرضا على كل المصريين.

31- تلتزم الدولة بالحفاظ على مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتعمل على توسيع رقعتها بغزو الصحراء، وابتكار واستخدام طرق الري والزراعة الحديثة لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، وتلتزم الدولة بإعادة النظر في قوانين توريث الأراضي الزراعية بما يضمن عدم تفتتها بين الورثة، مع مراعاة القواعد الشرعية لضمان حقوق الورثة. ويمكن في هذا الأمر دراسة تجارب عدد من الدول الأوروبية في هذا الشأن.

32- المياه ثروة قومية لا تقدر بأموال ولا يمكن تعويضها؛ لذلك تلتزم الدولة بسن التشريعات والقوانين التي تنظم إدارة الموارد المائية بكفاءة وتخضع عملية إدارة الموارد المائية لإشراف جهاز خاص بذلك يراقب سلوكيات المجتمع في التعامل مع الموارد المائية للبلاد، بحيث يمنع استخدام المياه الصالحة للشرب أو ري الزراعات في ملاعب الجولف وحمامات السباحة، بل تلزم الدولة أصحاب تلك المشروعات بتنقية مياه الصرف الصحي، أو تحلية مياه البحار.

33- يشكل البحث العلمي أحد أهم الأعمدة للتقدم، والدولة ملزمة بتحفيز المؤسسات والجامعات والمعاهد العلمية على إجراء الأبحاث، وتطوير وسائل الإنتاج وتحسين المنتجات في إطار سياسة عامة واضحة للدولة بالتنسيق مع المؤسسات الصناعية العامة والخاصة.

34- الطاقة شريان الحياة في العصر الحديث، والدولة ملزمة بحسن إدارة مصادرها، وتطويرها وتعظيم الاستفادة منها جميعا، كما تلتزم بالسعي لتطوير واستحداث مصادر بديلة أتاحتها لنا الطبيعة، كالشمس والرياح وغيرهما. وتخصص الدولة نسبة محددة من إجمالي ناتج الدخل القومي ـ يحددها الخبراء - كل عام لتطوير مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، كما تتولى الدولة حملة قومية للتنوير والدعاية بين المواطنين لترشيد استخدام الطاقة، وتقديم حوافز عينية ومعنوية لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل بديلة للمصادر التقليدية للطاقة.   

35- خدمة الوطن واجب على كل مصري ومصرية، سواء بالخدمة الإلزامية في القوات المسلحة ومدتها 14 شهرا ، أو الخدمة المدنية الاختيارية ومدتها 20 شهرا، وتؤدى الخدمة المدنية في قطاعات الصحة، والزراعة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والنظافة العامة، وحماية البيئة، ويمكن أن تتولى مسئوليتها هيئة خاصة تابعة للقوات المسلحة تسهم في تقديم خدمات متميزة للمجتمع بالتنسيق مع الوزارات المركزية أو المحلية المعنية.

36- الإعلام الحر النزيه ركن أساسي من أركان الحياة الثقافية في المجتمع، ولا سلطان للحكومة على استقلالية المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، وتتولى شؤونها هيئة مستقلة تمثل فيها الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية، وبعض الشخصيات العامة من ذوي الخبرة والسمعة الطيبة، وينظم أداءها ميثاق شرف للعمل الإعلامي، ثم محكمة خاصة بفض النزاعات، وتخضع ميزانياتها لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات.

37- يسري هذا أيضا على دور المسرح والثقافة الجماهيرية التابعة للدولة التي تلتزم بتقديم خطط عمل سنوية لمشروعاتها وتتلقى الدعم المالي من الدولة بقرار من هيئة مستقلة تابعة للمجلس القومي للثقافة الذي يتبع رئاسة الجمهورية ويصدر قرار تشكيله من رئيس الجمهورية بحيث يراعى في تمثيل أعضائه تحقيق التوازن بين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

38- يتولى المجلس القومي للثقافة رعاية الآداب والفنون، وحماية التراث وتطوير الصناعات البيئية ذات الجذور التاريخية والشعبية.

39- يتم انتخاب رؤساء الطوائف الدينية مباشرة، ولا سلطان للدولة في اختيار أو تعيين أي منهم. يتم انتخاب رؤساء الجامعات من جانب مجالس الكليات التابعة لكل جامعة، ويقتصر دور الدولة في إصدار القرارات الخاصة باعتماد نتيجة الانتخابات.

40- الحفاظ على سلامة ونظافة البيئة مهمة قومية من الواجبات الأساسية للدولة .

 .................................

فيينا في 23 يوليو 2008  

 

 

  16 

 

وطفــح الكيــل فـي أطفيــح

 

يبدو أن لعنة الفراعنة عادت تحلق بأجنحتها على المصريين الذين لم يهنئوا بعد بحصد وتذوق بعض ما أثمرته ثورتهم العظيمة التي أخرجتهم من شقوق وجحور الظلم والاستبداد إلى ربوع بلادهم المضيئة بالأمل في حياة حرة وكريمة تسطع في فضائها شمس حقوق الإنسان لتدفئ مشاعرهم وتعيد إلى نفوسهم الطمأنينة والأمان، وتسري في أرجائها نسمات هواء نقي من الفساد والطغيان، ليتنفسها المصريون بكل طوائفهم وانتماءاتهم.

نعم فقد نبش لصوص الفرح مقبرة الفتنة الطائفية - التي أغلقتها ثورة المصريين العظيمة - لينطلق شبحها الدنيء ليأتي على الأخضر واليابس من كل ما ترسخ في عقول وقلوب المصريين من تواد وتآخ وتراحم عبر عصور تغلغلت جذّورها في التاريخ لتتشكل شخصية المصري الطيب والصابر على الشدائد والظلم والمتسامح مع من ظلمه انتظارا لعدالة الإله الواحد.

لقد أتى علينا حين من الدهر صار فيه الحب السبب والذريعة للفتنة، مجرد حب يتبادله شخصان مختلفا العقيدة أصبح كفيلا بإشعال نيران الفتنة، ودافعا إلى الاقتتال والقتل، وهدم الكنائس، ولا أقول هدم دور العبادة، فما هدم كنيسة وليست دار عبادة أخرى! ولكن ما الذي يمنع في المستقبل أن يهدم جامع أو مسجد، مادام بعض مدعي الإسلام يتجرأ على هدم كنيسة؟!

نعم لقد أصبح الحب في مصر بين شخصين جريمة تتأجج بسببها المشاعر والعواطف ويغيّب من أجلها العقل!

وللحق أقول، أنني أخشى أن هذه المرة لم ولن تكون الأخيرة، فما نسمعه ونقرؤه عن مواقف مماثلة حدثت – وستحدث- يؤكد ضرورة تحريم الحب بين المصريين، وربما وجب على المجلس العسكري الأعلى أن يصدر مرسوما يحّرم فيه وبه الحب بين المصريين بصفة عامة، وليس بين المسيحيين والمسلمين فقط، وإلا شابته تهمة التمييز بين المصريين بسبب عقيدتهم. كم من مرة سمعنا فيها اتهامات للمسلمين باختطاف الفتيات المسيحيات وإجبارهن على اعتناق الإسلام في إطار ما يشاع  عن عمليات "أسلمة"  المسيحيات، وكأننا بذلك ننكر على الفتاة المسيحية احتمال أو إمكانية أن يتعلق قلبها بشاب مسلم لمجرد أنه مسلم! والويل - كل الويل - للفتى المسيحي الذي ينقاد لقلبه إذا تعلق بفتاة مسلمة، لا لشيء إلاّ لأن الآنسة مسلمة وقلوب المسلمات حكر على بني عقيدتهن من الفتيان!

لا  أدعي أن الأمر لا يخلو في بعض الأحيان – قلّت أو كثرت- من سوء نيّة لدى أي من الطرفين أو كلاهما، لكن الأمر في النهاية لا يعدو مجرد قصة أو حالة حب بين شخصين، ربما تكون ناضجة أو عفوية، لكنها لا تستدعي ولا تستحق بأي حال من الأحول أن يحترق وطن وتزهق أرواح وتدنس دور عبادة- وبالتحديد كنائس- ليس لشيء سوى الكثرة العددية والغلبة الصوتية للمسلمين في مصر!

فإذا كان أهل الفتاة المسلمة يرفضون ارتباطها بالفتى المسيحي أو العكس، فلنحصر هذا الأمر في هذا الإطار لنقطع الطريق على دعاة الفتنة كي لا يصبّوا الزيت على النار! ولتكن للدولة يدها العليا في تطبيق القانون على الجميع بلا تفرقة أو تمييز!

أيها المصريون!

أليس قلب الفتاة المسيحية كقلب أختها المسلمة، ودم المسلم بنفس طهارة دم المسيحي؟ أليس كل المصريين سواء، أم أن قلوبهم مختلفة لا يصح أن تنجذب إلا إلى قلوب في أجساد المثليين في العقيدة والمذهب؟

أيها المسلمون!

لن تكونوا مؤمنين حقيقيين بهدمكم كنائس المسيحيين وترويعهم وإخراجهم من بيوتهم وديارهم، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة لأنهم أقل عددا منكم!

أيها المسيحيون!

لن تكونوا مؤمنين حقيقيين برفضكم حق المسلمين في اختيار منهاج حياتهم وهم الأكثر عددا!

أيها المصريون!

لقد حان الوقت لمراجعة النفس والإيمان بأن الله رب كل المصريين وأن مصر وطن للمصريين جميعهم، وأن الله محبة، وأن الحب غريزة طبيعية في البشر، وأن العقيدتين الإسلامية والمسيحية تدعوان كلا منا أن يحب لغيره ما يحب لنفسه، وأن ما لا ترضاه لنفسك لا ترضاه لغيرك؟ من منّا لن يغضب إذا هدم الآخر مسجده أو كنيسته أو أخرجه من بيته وحرمه من حقه كإنسان في حياة حرة كريمة يأمن فيها على نفسه وعقيدته وعرضه وممتلكاته.

أيها المصريون!

إن وحدتكم واتحادكم هما حصنكم الوحيد والأخير، فلتفرغوا الكيل الذي طفا في أطفيح مما فيه من حقد وكراهية وأنانية، ولتعلموا أن من يلوّث يده بدم غيره لن يتمكن من تطهيرها أبدا، وأن من عبّـأ قلبه بالضغائن لغيره لن تفلح أيادي أمهر الجراحين في تنقية شرايينه من خبثها!

واعلموا أن هناك فلولا من الناقمين على ثورتكم ووحدتكم واتحادكم لن تتوانى عن غرس فتيل الفتنة والاقتتال، فأنتم الأعلون وستبقى مصر شامخة بعلوّكم، وليس بدناءة الحاقدين والمنتقمين!

ويا شباب ثورة مصر!

اخرجوا واحتشدوا معا يدا في يد وكتفا إلى كتف، وسيروا نحو أطفيح، وأعيدوا بناء ما هدمته معاول الجهل والكراهية، وأثبتوا للحاقدين والساعين إلى الانتقام من ثورتكم أن مصر بلد آمن، بلد غرس النبتة الأولى للحضارة البشرية فأثمرت وأظلّت وبنت وعمّرت!

أدعوا الله تعالى أن يجعلكم - كما كان أجدادكم وكثير من آبائكم- متحابين متوادين متراحمين، وأن يمنح القلّة من آبائكم البصيرة والحكمة، فلا يسعون إلى وأد الحب في قلوب مسلميكم ومسيحييكم!

 

  17 

فلنضع أيدينا على قلوبنا!

 

فور سماعي لخبر انفجار واحد من ثلاثة من المفاعلات النووية في اليابان في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب عدة مناطق بالقرب من مفاعلات نووية، وما أعقب الزلزال من تقلبات مناخية وموجات تسونامي أتت على الأخضر واليابس وأسقطت الآلاف من الضحايا ودمرت حياوات كثيرة، تذكرت - مرة أخرى - هذه العبارة التي أطلقها مستشار النمسا الراحل "برونو كرايسكي" عقب الإعلان مساء يوم الخامس من نوفمبر عام 1978 عن نتيجة الاستفتاء الشعبي الذي أجري في النمسا في حول تشغيل المفاعل النووي الوحيد في النمسا بمنطقة "Zwentendorf" بمقاطعة النمسا السفلى والذي جاءت نتيجته بواقع 50,47% من الرافضين لتشغيل المفاعل، مقابل 49,53% من المؤيدين لتشغيله.

أراد كرايسكي بهذه المقولة أن يعبر عن استجابته لمخاوف شعبه من أخطار التقنية النووية، وأن الحذر قد يمنع القدر!

كانت حكومة برونو كرايسكي الأولى قد قررت في 1971 البدء في استخدام التقنية النووية وأعدت مشروع المفاعل النووي الأول، وبدأت في تنفيذه على أن يتم الانتهاء من إنشائه وبدء التجارب الأولية للتشغيل في عام 1978، إلا أن المعارضة الشعبية للمشروع أجبرت مستشار النمسا القوي آنذاك على الموافقة على إجراء استفتاء شعبي تكون نتيجته ملزمة للبرلمان والحكومة على حد سواء، بمعنى أن يصدر البرلمان قانونا يعكس الرغبة الشعبية، سواء بالتشغيل أو الوقف، وأن تلتزم الحكومة ـ والحكومات التي تليها - بذلك القانون.

كان المستشار الراحل بمثابة الأب الروحي للمشروع والمدافع العنيد عنه، لدرجة أنه هدد بالاستقالة من رئاسة الحكومة إذا جاءت نتيجة الاستفتاء عكس ما تمنى، لكنه بعد إعلان النتيجة تراجع عن تهديده بالاستقالة وقال قولته المشهورة: "فلنضع أيدينا على قلوبنا"! وأكد احترامه لرغبة الأغلبية!

ومن ثم انعقد البرلمان النمساوي وأقر في الأسبوع الأول من ديسمبر من نفس العام قانونا يحظر استخدام الطاقة النووية في النمسا، ثم أعقب ذلك القانون الأول قانون آخر في عام 1999 نص على الحظر الكامل لاستخدام الطاقة النووية في الحاضر والمستقبل واعتبار النمسا منطقة خالية من الطاقة النووية، بل بلغ الأمر حد وضع هذا النص في دستور النمسا الحالي.

والواقع أنني كنت من الرافضين لتشغيل مفاعل "Zwentendorf"، رغم أنني لم أكن قد حصلت بعد على الجنسية النمساوية كي أدلي برأيي في الاستفتاء الشعبي، لكني كنت أتابع المناقشات والندوات التي انطلقت طوال أكثر من عام قبل موعد الاستفتاء في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، بالإضافة إلى المناقشات التي كانت تحتدم بين أطراف العملية السياسية، سواء في البرلمان أو الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وكذلك من خلال ما كان المعارضون للمشروع ينظمونه من مظاهرات وما يوزعونه من منشورات رافضة للمشروع، حتى جاء يوم أعلن فيه كرايسكي في رده على واحد من الاستجوابات البرلمانية ـ وبعد إلحاح من المستجوب، وتردد واضح من المستشار الراحل في الإفصاح عن اتفاق أجراه مع رئيس مصر الراحل أنور السادات يقضي بقبول مصر تخزين النفايات النووية للمفاعل النمساوي في صحراء مصر الغربية.

منذ تلك اللحظة تغير موقفي من متابع لما يجري إلى ناشط يساعد في توزيع المنشورات ويشارك في لصق الدعاية المضادة للمشروع في مقاطعتي النمسا السفلى والعليا تحت جنح الظلام في أغلب الأحيان.

في ربيع 1978 سافرت إلى مصر للاستعداد لدخول امتحان الليسانس بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر حيث كنت أدرس، فحملت معي كل ما نشرته الصحف النمساوية عن المفاعل النووي النمساوي وعن إعلان كرايسكي أمام برلمان بلاده أن النفايات النووية النمساوية ستخزن في صحراء مصر الغربية.

في مصر التقيت بالأستاذ الفاضل خالد محيي الدين، أحد ضباط ثورة يوليو، ورئيس حزب التجمع آنذاك ـ وأنا "بلديّاته" من كفر شكر - وأفرغت أمامه ما في جعبتي من معلومات وأطلعته على ما كان غير معلوم في مصر في ذلك الحين عن الاتفاق بين السادات وكرايسكي، وطلبت من الأستاذ خالد أن يثير هذا الموضوع في مجلس الشعب المصري، لكنه فضل ألا يثيره هو شخصيا، بل بالتنسيق مع الدكتورة فرخندة حسن التي كانت محسوبة على نظام الرئيس السادات، لأن "السادات سينفي كل ما يأتي من طرف خالد محيي الدين" كما ذكر الرجل. وقد حدث أن تقدمت السيد فرخندة حسن بسؤال للحكومة تستفسر فيه عن صحة ما أعلنه المستشار النمساوي كرايسكي عن استعداد مصر لدفن نفايات المفاعل النووي النمساوي في أراضيها دون عرض الأمر على البرلمان المصري! أدى هذا الموقف إلى إحراج بالغ للحكومة المصرية التي يبدو أن رئيسها وأعضاءها لم يكونوا على علم بالأمر، ثم جاءت نتيجة الاستفتاء السلبية في النمسا في خريف نفس العام، لتضع نهاية طبيعية لذلك الاتفاق!

بعد ثمان سنوات ـ في 1986 ـ وضعت يدي على قلبي للمرة الثانية حين وقعت كارثة المفاعل النووي الروسي في تشرنوبيل في وقت كانت حكومة مصر آنذاك تسعى جاهدة لبناء مفاعل نووي مصري في منطقة الضبعة بصحراء مصر الغربية، لكن هول الكارثة أجبر المسئولين المصريين على التراجع عن مسعاهم واضطروا إلى إغلاق ملف البرنامج النووي المصري.

وقعت بعد ذلك بسنوات حوادث مماثلة في مفاعلات نووية أمريكية أدت إلى تلويث الماء والهواء والتربة الأرضية وأعادت إلى الذاكرة مرة أخرى مخاوف البشر من حوادث المفاعلات النووية.

قبل أكثر من عام بقليل خرج علينا جمال مبارك نجل الرئيس السابق بالبشرى التي ظن أنها تعني النقلة المعنوية والعلمية الكبيرة لمصر إلى العالم المتقدم، بإعلانه تبني الحزب الحاكم لفكرة إحياء البرنامج النووي المصري بعد طول غياب، فهللت لذلك الإعلان أبواق الدعاية الإعلامية والسياسية، وبدأ الحديث عن موضع المحطة النووية المصرية، والصراع المحتدم بين أنصار استغلال منطقة الضبعة لأغراض السياحة، وأولئك المبشرين بمستقبل نووي واعد لمصر وشعبها.

فجأة، هرعت وزارة الكهرباء المصرية ـ بعد تلقي الإشارة من نجل الرئيس - إلى الدعاية للبرنامج وكلّفت شركة أسترالية متخصصة في إعداد دراسة الجدوى للمشروع واختيار أفضل المواقع لتنفيذه، وأنفقت مصر عشرات الملايين من الدولارات، ثم عادت الوزارة وتراجعت عن تعاقدها مع الشركة الأولى لتسند الدراسة لشركة أخرى حصلت على عشرات الملايين أيضا من قوت الشعب المصري، ثم في مشهد كوميدي موحي أعلن الرئيس السابق أن الاختيار وقع على منطقة الضبعة، وأنه حسم الخلافات بين أنصار السياحة وأنبياء البرنامج النووي.

في الخامس والعشرين من يناير اندلعت ثورة الشعب المصري، وفي الحادي عشر من فبراير تنحىّ الرئيس السابق، وبدأنا عهدا جديدا طغت أحداثه وتطوراته على كل ما عداها من مشاكل وهموم، ومن بينها بالطبع ملف البرنامج النووي المصري.

فوجئ العالم بعد نحو شهر من قطف أولى ثمار الثورة المصرية بالزلزال الذي ضرب اليابان، وما أعقبته من موجات سونامي دمرت مناطق شاسعة بأكملها وأوقعت عشرات الآلاف من الضحايا، وشردت أعدادا أضخم من السكان.

ولكن، وكأن الكارثة لم تكن لتكتمل أبعادها إلا بإصابة بعض المحطات النووية بأعطاب تفاقمت درجاتها يوما بعد يوم، بل ساعة بعد أخرى حتى وجدنا أنفسنا أمام تسرب هائل للإشعاع النووي يهدد أرواح البشر وكل الكائنات الحية في مناطق عدة من اليابان والدول المجاورة، ويركز درجة التلوث الإشعاعي لمناطق شاسعة من أرض اليابان سيكون محظورا على البشر الاقتراب - مجرد الاقتراب- منها لآلاف بل عشرات الآلاف من السنين!!!

العجيب أنه في الوقت الذي يحبس فيه العالم أنفاسه توجسا مما يمكن أن يحدث من عواقب وخيمة لهذه الكارثة، فتقرر حكومات دول نووية مثل ألمانيا وأمريكا وإيطاليا والصين وغيرها إغلاق بعض مفاعلاتها النووية، أو مراجعة شروط الأمان في المفاعلات القائمة، ووقف تنفيذ مشروعات جديدة، ووسط هذا الكابوس المرعب نجد في مصر بعض الأصوات التي تدعو إلى المضي قدما في مسيرة تنفيذ البرنامج النووي المصري، وكأن شيئا لم يحدث، وكأننا نعيش في جزيرة معزولة عن عالم لا نتنفس هواءه، ولا نشرب مياهه، ولا نأكل ما تنتجه أرضه!

ومع إيماني بحق كل فرد في تخيل وتصور مستقبل لوطنه وأسلوب تنميته وتطويره، أسمح لنفسي كما يفعل الآخرون بالدعوة إلى التفكير في حلول بديلة لمشكلة الطاقة في مصر نستفيد من خلالها من التقنيات الحديثة في توليد الطاقة من مصادر غير تقليدية أو نووية.

لقد حبا الله مصر بشمس تسطع 360 يوما في السنة وبمتوسط معدلات تفوق العشر ساعات في اليوم، مع امتداد الصحراء الشاسعة التي تشكل 90% على الأقل من مساحة مصر، أي أن مصدر الطاقة متاح وكذلك الأرض التي تقام عليها محطات توليد الكهرباء من الشمس، هذا بالإضافة إلى الرياح التي تشتد في أماكن بعينها يمكن الاستفادة منها أيضا كما يحدث الآن في منطقة الزعفرانة وغيرها. نعم إن تكلفة مثل هذه المشاريع مرتفعة مقارنة بغيرها من مصادر الطاقة الأخرى، لكن تكلفة مكافحة عواقب وأضرار مصادر الطاقة التقليدية والنووية باهظة، خاصة إذا أدت إلى فقد الحياة وتلوث الهواء والماء والتربة لمئات أو آلاف السنين.

لماذا لا نفكر إذن في البحث عن حلول بديلة، حتى ولو كان عائدها يسيرا في البداية، وسأسمح لنفسي بعرض موجز لبعض التصورات المتواضعة، وذلك على النحو التالي:

· لماذا لا نتبنى حملة قومية لتزويد كل بيوت ومساكن مصر القديم منها والحديث، وكذلك مؤسسات الدولة والمصانع والشركات والمتاجر بسخانات شمسية لتسخين المياه، فنوفر بذلك آلاف الأطنان من الغاز المستخدم حاليا في تشغيل السخانات الحالية وعددها بالملايين؟ أليس هذا الغاز مدعوما من الدولة، وفي هذه الحالة نوجه ما نوفره من أموال الدعم لأغراض تنموية أخرى؟

·  لماذا لا نشترط على كل المنشآت العقارية الحديثة في مدن مصر الجديدة ومنتجعاتها السياحية المنتشرة في أرجاء مصر تزويد تلك المنشآت بمصادر بديلة للطاقة التقليدية؟

· لماذا لا نضيء شوارع مدن وقرى مصر بالطاقة الشمسية ونستخدم مصابيح توفر في استهلاك الطاقة؟

·   لماذا لا نحفّز مراكز الأبحاث على ابتكار وتطوير تقنيات الطاقة النظيفة؟

·  لماذا نوافق على مشروع أوروبي عملاق لإنشاء محطات عملاقة لتوليد الطاقة من شمس دول شمال أفريقيا، ثم ينقل التيار الكهربائي عبر خطوط عابرة للمتوسط إلى دول أوروبا، ونصرّ رغم ذلك على تنفيذ برنامج نووي لمصر؟

· لماذا لا نتبنى مشروعات صغيرة الحجم، ولكنها كثيرة العدد لاستخراج الطاقة من القمامة ومخلفات المحاصيل الحقلية؟

· لماذا لا تتبنى الحكومة ممثلة في وزارتي الصناعة والإنتاج الحربي ومؤسسات القطاع الخاص وقطاع الأسر المنتجة برامج لتصنيع ألواح السخانات الشمسية للبيوت والبنايات الضخمة، كل حسب قدراته، فنضرب بذلك أكثر من عصفور بحجر واحد: نخلق فرص عمل جديدة وعديدة، ننمي الوعي البيئي لدى المواطنين، نقي بيئتنا من التلوث، ونعظم من القيمة المضافة لاقتصادنا، بالإضافة إلى خلق مناخ تنافسي في الأبحاث الخاصة بتطوير تلك التقنيات، وأعمال الإنتاج والتركيب والصيانة، بالإضافة إلى فتح مجالات واسعة للصناعات المغذية لهذه التقنية؟

· لا شك أن هناك احتمالات ومجالات أخرى للبحث عن مصادر في بيئتنا للطاقة البديلة والمتجددة قد تتفتق عن أذهان الشباب من العلماء والباحثين المصريين، وغيرهم في مختلف أنحاء العالم.

· لماذا لا نحرص في مفاوضاتنا مع الدول الغنية على تخصيص جزء من المساعدات أو المنح أو القروض لهذا النوع الواعد من التقنية؟

· لماذا لا نفكر في عرض أسهم على الشعب لتطوير الصناعات البيئية في مصر، فيصبح كل مواطن شريكا إيجابيا في الحفاظ على بيئة بلاده؟

· إلى متى سنبقى ضحايا لسماسرة المفاعلات النووية من الغرب والشرق، ونعتقد أن تقدمنا يعني ضرورة انضمامنا لحزب هلاك البشرية؟

· ثم لماذا لا نسعى جاهدين إلى دعوة العلماء المصريين في الخارج العاملين في مجال الطاقة النظيفة ونؤسس معهم معالم إستراتيجية مصرية للطاقة لفترة قد تمتد إلى 50 سنة قادمة؟

· ثم لماذا لا نفكر في الاستفادة من المصادر البديلة للطاقة كالشمس والرياح والمياه ودرجة حرارة التربة في تنفيذ المشروع العملاق لممرات التنمية الذي يقترحه بعض العلماء المصريين؟

أيها المصريون!

هل نسيتم أن بلادكم مهد الحضارات الإنسانية؟!

لقد شيد أجدادكم الأهرامات والمعابد، وكان لهم السبق في العلوم الطبيعية والفلكية والرياضيات والعلوم الطبية في زمن كانت أغلبية البشرية تعيش في كهوف مظلمة.

لقد تمكن أجدادكم من مواجهة تقلبات الطبيعة فأقاموا الجسور لحماية بلادهم من مخاطر الفيضانات، وأقاموا أقدم وأضخم شبكة ري في التاريخ لتوفير المصدر الآمن والنظيف لغذائهم.

وفي العصر الحديث قدم أجدادكم الذين حفروا قناة السويس عشرات الآلاف من الأرواح  لتيسير اتصال وتواصل أطراف العالم، كما كانت جامعاتكم حتى وقت قريب منارات العلوم في الشرق، وأسهم أدباؤكم وفنانوكم في تنوير المنطقة، كما أسهمت سواعد عمالكم في تنمية وتحديث دول كثيرة من حولكم.

أفبعد كل هذا تعجزون عن ابتكار ما يساهم في تطوير وتنمية بلادكم بعقولكم وسواعدكم وحسن استغلال ما أتاحه الله لكم من موارد، وما حباكم به من نعم، فتركنون إلى ما يسعى الآخرون لفرضه عليكم ليدخلوكم في حظيرة التبعية لهم؟

 

فيينا في 15 مارس 2011

 

 

  18 

دعوة إلى وقفة مع النفس

 

* أثارت عملية الاستفتاء الشعبي على بعض المواد الدستورية وما أعقبها من إعلان دستوري مؤقت زوابع داخل الوطن المصري حركت أتربة وغبارا حجبا رؤية البعض منا، ولوثا ما يتنفسه المصريون من هواء، جرّاء ما صاحب فترة إعداد النصوص الجديدة لتلك المواد الدستورية من جدال وسجال، وما تلا ذلك بعد إعلانها من انقسام المصريين بين مؤيدين ومعارضين لما طرح عليهم للاستفتاء عليه.

* لقد غاب عن كثيرين منا أن استفتاء يطرح فيه سؤال واحد تكون الإجابة عليه إما بالإيجاب أو السلب، ما كان له أن يتسبب في تصارع المصريين من مؤيدين ومعارضين للنصوص الجديدة.

* كان على المصريين أن يدركوا أن حرية الرأي تمثل أول بنود الديمقراطية، وأنه كما يحق لي أن أوافق على شيء ما، فعليّ  أيضا أن أعي أن من حق غيري أن يرفض ما أقبله، وأن خلافنا حول أمر من الأمور لا يعني بالضرورة التخندق داخل جحور فكرية أو عقائدية، والتعسف في الحكم على حكمة ووجاهة رأي من يخالفني؛ فكلنا مصريون نعيش تحت سماء وطن واحد، لكن كلا منا ينظر إلى وطنه من منظوره هو، وإلا لما رسخ في وعي الإنسان تعبير "وجهة النظر"، فكلنا يرى أي أمر من الأمور من موقع وجهة نظره، فإذا تعددت مواقع وجهات النظر تعددت الرؤى والنتائج، والحكمة تقتضي هنا أن نناقش هذه الوجهات والرؤى المتعددة ومحاولة التوصل إلى توافق مجتمعي يسعى إلى الوصول إلى محصلة تعكس ما ينفع الظرف الراهن من هذه الرؤى، فلكل مقام مقال، ولكل وقت أذانه.

* إنّ مصر تعيش الآن مرحلة استثنائية في تاريخها الحديث في أعقاب ثورة شعبية لم تكتمل ملامحها بعد، أي أن الظرف الحالي يقتضي توافقا مجتمعيا يعني أن ما لا يمكن أن ندركه كله لا يجب ولا يصح أن نتركه كله!

والذي  لا شك فيه أن المرحلة الراهنة تعج بالعديد من المشاهد قد تبدو متناقضة أو متنافرة، تتباين فيها المواقف والرؤى، يمكننا استعراض ملامحها على النحو التالي:

أولا موقف التيار الثوري

*  نرى شباب الثورة يستعجل عملية التحول الديموقراطي ويطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته الحاكم الحالي للبلاد بالإسراع في اتخاذ الإجراءات لحماية وإنجاح الثورة، سواء بتطهير مؤسسات الدولة من رموز ومعاوني وبطانة النظام السابق بإزاحتهم من مواقعهم، أو بسرعة تقديم الفاسدين منهم ـ وهم كثر ـ إلى المحاكمة، كما يطالب الثوار الذين لا قيادة واضحة لهم حتى الآن بتمديد الفترة الانتقالية لتمكين القوى السياسية الجديدة من ترسيخ أقدامها في الساحة الحزبية والسياسية للبلاد؛ وبالطبع كل هذه المطالب مشروعة ويمكن فهم دوافعها. لكن، ومع مشروعية المطالب، إلا أن هناك بعدا هاما يجب أن يراعيه المطالبون بالتغيير الجذري والفوري والشامل، وهو أن مصالح البلاد والعباد مازالت في أيدي العديد ممن قد يطالهم التغيير أو الحساب وربما العقاب، مع عدم وجود رؤية واضحة لطبيعة تركيب وتكوين تلك المؤسسات لغياب الشفافية طوال العقود الأخيرة. فلن يندر أن يقع الاختيار على شخص ما لتولي مركز ما ثم تفاجأ برفض بعض شرائح العاملين بالمؤسسة لهذا الشخص أو ذاك، ولكل رافض بالطبع أسبابه ودوافعه.

* مسألة أخرى ينبغي على الثوار أن يراجعوا أنفسهم فيها وهي مبدأ رفضهم لكل من عمل أو خدم في مناصب عليا أو مسئولة خلال عهد النظام السابق، خاصة أن ما يتردد الآن حول حجم الفساد الذي تغلغل في مؤسسات مصر السياسية والاقتصادية لم يخطر على بال أكثر المصريين تشاؤما؛ فقد تمكنت أبواق إعلام النظام السابق من تخدير الشعب لسنوات عديدة، جعلت الكثيرين منا يعتقدون أن الرئيس السابق ـ على الأقل ـ كان نصيرا للمستضعفين من المواطنين، فكم من مرة خرج علينا الرئيس السابق بقرارات تلغي أو تعدل قرارات للحكومات السابقة، أو يقرر حل مشكلة ما بأسلوب غير تقليدي، وكأنه يستجيب "لنبض الشارع" كما كانوا يروّجون. حتى جولات نجل الرئيس السابق في بعض ما يسمى بالقرى والمناطق الأكثر فقرا روجها الإعلام الحكومي على أنها مبادرات حميدة من سيادته بصفته الحزبية تتبنى مشروعات للنهوض بأوضاع تلك المناطق. نعم، فقد ساهم الإعلام الحكومي بكل أبواقه في حجب رؤيتنا لحقيقة ما كان يحدث في مصر رغم هوله.

* صحيح أننا كنا جميعا نرى صورا للفساد والانتهازية، ولكن من منا كانت لديه البصيرة النافذة القادرة على اختراق جدران وسياج سرية المعلومات والإفلات من صرامة الحصار الأمني الذي تكاتفت وتحالفت أجهزة الأمن المختلفة في البلاد في فرضه لحماية الفاسدين والمفسدين؟

ثم إن المنطق يقول أنه من الممكن أن تقبل أو ترفض التعاون أو العمل مع نظام سياسي ما يعلن عن سياساته ويتيح المعلومات كي تتمكن من تقييمها، ومن ثم تقدر على اتخاذ قرار بالمشاركة أو الممانعة في العمل أو التعاون مع هذا النظام أو ذاك.

* ثم، ألم يسبق أن تلقت النيابة العامة بلاغات عن حالات فساد مالي وإداري يشتبه تورط مسئولين كبار أو مقربين منهم في بعضها إن لم يكن في معظمها أو جميعها؟! وماذا فعلت النيابة في هذه البلاغات قبل وقوع الطوفان الأخير؟!! وهل فوجئت النيابة العامة كما فوجئ الشعب المصري بكم ّ وحجم الفساد في ربوع الوطن المقهور؟!!!

أسئلة كثيرة وكثيرة لن نتلقى إجابات شافية على كثير منها في الأوقات الراهنة، لكن الأيام ستكشف المزيد مما كان غامضا، وستنقشع الغيوم وتتضح الرؤية أكثر وأكثر.

* والواقع أن النائب العام في موقف لا يحسد عليه؛ فالرجل تولى منصبه بقرار جمهوري من الرئيس السابق، كما تربطه صلة مصاهرة بوزير الزراعة السابق أمين أباظة، ونفس الوزير السابق شقيق زوجة محمود محيي الدين وزير الاستثمار و"جوكر" خصخصة القطاع العام السابق. كما أن رئيس مجلس الشعب السابق كان المشرف الرئيسي على أطروحة النائب العام لنيل درجة الدكتوراه وقس على ذلك ما شئت من علاقات شخصية نمت ونضجت بين الرجل وكبار المسئولين في العهد السابق.

* إننا أمام شبكة عنكبية من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية متداخلة الخيوط، أطرافها من كبار المسئولين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين، وكذلك المثقفين وصناع الرأي في الإعلام والفنون، خاصة مع امتداد فترة حكم الرئيس السابق ونظامه لعقود ثلاثة متصلة. ولنا أن نتصور حجم الضغوط النفسية والمعنوية التي يتعرض لها النائب العام وهو يقضي بالتحفظ على أموال هذا الشخص أو ذاك ومنعه وزوجته وأبنائه القصر من التصرف في ممتلكاتهم، وربما منعهم من السفر وحبسهم على ذمة التحقيق. إننا لا نشكك في نزاهة الرجل أو عدالته، لكننا نقدر حجم ما يتعرض له من ضغوط وما قد يشعر به من حرج وهو يقضي في مصائر أشخاص غير مجهولين بل كانوا من المقربين منه طوال عقود من السنين.   

* لذلك، ليس من العدل إذا أن يعاقب بالعزل والإقصاء كل من تولى مسئولية ما خلال عهد النظام السابق، مادام لم يكن متورطا بشكل مباشر في إفساد الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو الاقتصادية في المجتمع المصري.

إذ ليس من المتوقع أن يحاسب كل موظف أو مسئول صغير عن مخالفات أو جرائم أو تجاوزات ارتكبها "الأعلون"، فالمساءلة والحساب يجب أن تتم مع الكبار ثم تتدرج مع تدرج حجم المسئولية.

* فالعقل والحكمة في هذا المقام يقتضيان التريث في الحكم بالإدانة على الأشخاص بدون أدلة إدانة دامغة، والسعي إلى ترويض بعضهم وتحييد بعضهم الآخر، كي تأمن الثورة شرور الأخطر منهم، وتقلل قدر الإمكان من أعداد حزب الأعداء، خاصة وأن بقايا النظام السابق من مسئولي الصف الثاني وما دونه مازالوا في مواقعهم الوظيفية يتحفزون إلى العودة إلى سلطانهم وسطوتهم قبل أن تدركهم عجلة التغيير. وهل نسى الجميع أن وزير الدفاع رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة معين بقرار جمهوري من الرئيس السابق؟!

* على كل من شارك في الثورة بيده أو بلسانه أو قلمه أو حتى بقلبه أن يعي أننا لسنا في حاجة إلى التغيير وحده وإنما إلى التغيير والإصلاح، فقد يمكن تغيير شخص بآخر، لكن إصلاح مؤسسة واحدة سيحتاج إلى وقت ورؤية، وكل ذلك يحتاج حالة من الاستقرار تتيح لأولي الأمر رؤية واضحة للأمور كي يؤتي التغيير والإصلاح ما نصبو إليه من ثمار تعود بالنفع على الوطن والمواطنين، فأنت قد تستطيع أن تهدم صرحا في سويعات قليلة، لكن إعادة بنائه قد تحتاج شهورا وربما سنين عديدة، فما بالك بوطن وهنت أطرافه وتصدعت دعائمه وأنهكه الظلم والفساد لنصف قرن أو يزيد من الزمان، وفجأة يجد نفسه أمام قوى جديدة تتحفز للانقضاض على مصيره بدوافع وحجج شتى ظاهرها التغيير والإصلاح وربما كان باطنها الاستبداد والانفراد بالسلطة بالتلويح بفزاعة التكليف الإلهي.

ثانيا موقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة

* ندرك جميعا أن القوات المسلحة المصرية وجدت نفسها مضطرة للتدخل في المشهد السياسي وبدون مقدمات خلال الأحداث غير المسبوقة التي تشهدها مصر ابتداء من الخامس والعشرين من يناير الماضي، فقد اضطرت وحدات من الجيش في بداية الأمر إلى النزول للشوارع بعد انسحاب أو فرار قوات الشرطة من شوارع مصر وغالبية أقسام الشرطة، ثم جاء قرار الرئيس السابق بالتنحي عن منصبه وإلقاء المسئولية على كاهل القوات المسلحة التي لم يكن لها أدنى دور في التخطيط والإعداد للثورة؛ ومن ثم لم تكن لدى قيادة الجيش ممثلة في مجلسه الأعلى خطة أو برنامج للتعامل مع ما يستجد من مواقف. والأقرب إلى التصور أن رؤية المشهد السياسي لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ـ على الأقل في ذلك الوقت ـ كانت مرحلية ولم تكن رؤية بعيدة المدى، ذلك أن أعضاء المجلس وجدوا أنفسهم فجأة مطالبين بإدارة دولة في أزمة غير مسبوقة حيث تداخلت الأحداث داخل مؤسسات الدولة مع تلك التي يصنعها الشعب في الشوارع والميادين المصرية بطول البلاد وعرضها. ويمكننا أن نقسم تلك المراحل من الرؤى على النحو التالي:

1 ـ مرحلة الترقب وربما التوجس:

* في ظني ـ وليس كل الظن إثما ـ أن الشعور أو الانطباع المبدئي العام لدى كثيرين من قطاعات الشعب ومن بينها المجلس الأعلى للقوات المسلحة ربما تمثل في أن ما كانت تشهده مصر من مظاهرات شعبية تدرجت مطالبها من خبز وحرية وعدالة اجتماعية إلى تغيير الحكومة، كان مجرد "انتفاضة شعبية"تصور البعض أن تتراجع حدتها مع الوقت نتيجة لعوامل عدة من بينها احتمال تمكن بعض رموز النظام السابق من النهوض مرة أخرى بدليل استمرار بقاء اللواء عمر سليمان والفريق أحمد شفيق في منصبيهما، رغم أنهما كانا من أهم أركان ذلك النظام ومن أكثر الشخصيات العسكرية قربا من الرئيس، بالإضافة إلى شخصيات أخرى تولت مناصب وزارية في حكومتين متعاقبتين شكلهما السيد أحمد شفيق.

2    ـ مرحلة التكهن والتوقع:

* انحصرت مطالب المتظاهرين في بداية فترة الاحتجاج وقبيل تنحي الرئيس السابق في بعض المطالب الأساسية البسيطة مثل الحرية والعدالة الاجتماعية؛ وكلها مطالب مشروعة قد توحي في الظاهر بأن ما تشهده مصر ربما "فـورة" وليست " ثورة"، لكن مع تصاعد رفع المتظاهرين سقف مطالبهم بعد موقعة الجمل - ورفاقه من الحيوانات المستأنسة - بالدعوة ليس فقط إلى رحيل الرئيس، وإنما أيضا إلى إسقاط النظام كاملا وتطهير البلاد من كل رموزه وأعوانه، وبهذا الإصرار الذي اتخذ مناحي عدة كان أبرزها توجه آلاف المتظاهرين نحو القصر الجمهوري بمصر الجديدة لحصاره وربما اقتحامه.

* حينئذ بدأت قيادة الجيش ممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة ـ الذي يرأسه في العادة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ـ  في التكهن وربما التوقع لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في حالة وقوع مواجهات بين قوات الحرس الجمهوري وجموع المتظاهرين، وأدركت أن الأمر جد خطير.

هنا ـ وربما بالتحديد - بدأ دور المشير طنطاوي، الذي كان قائدا لقوات الحرس الجمهوري المسئول عن حماية رئيس الجمهورية قبل توليه وزارة الدفاع، يتبلور في الانحياز إلى المصلحة العليا للوطن وليس الولاء لفرد مهما كان قدره، خاصة وقد بدأت ملامح نهاية سلطته وسطوته تتشكل بوضوح.

* ويخطئ من يظن أن قرار انحياز المشير ومن معه من قيادات الجيش للشعب كان سهلا على متخذيه، وقد كان الجمع في صحبة الرئيس السابق ونائبه قبل عدة أيام من قرار التنحي في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة يتابعون معا تطورات الاحتجاجات الشعبية، ويتدارسون سبل وقفها، ناهيك عن العلاقات الشخصية التي كانت - وربما ما زالت - تربط الرئيس السابق ونائبه ورئيس وزرائه في ذلك الوقت بقادة الجيش وعلى رأسهم القائد العام.

3   ـ مرحلة الحسم:

* بعد أن اتضحت الرؤية وبدأت تظهر معالم طريق جديد ومستقبل مختلف لمصر أمام قيادة الجيش ممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة تغير إيقاع ولغة أولي الأمر الجدد، فرأينا تدخلا صريحا في أزمة كنيسة قرية صول وغيرها من الأزمات التي توالت على المجتمع ومن أبرزها احتجاجات مسيحيي مصر، والاحتجاجات الفئوية. لكن هذا الحسم بدا متواضعا - ربما بدافع من الحكمة والرغبة في احتواء الأمور كي لا تقع "الفأس في الرأس" وتندلع مواجهات بين طوائف المجتمع الدينية تأتي على الأخضر واليابس - تجاه نشاط رموز الجماعات الإسلامية المتطرفة بعد خروجها من السجون، وبداية انطلاق التيارات السلفية والمتشددة من جحورها في "غزوات" لمسرح العمل السياسي والشعبي، وما ارتكبه بعض المنتمين لهذا التيار المتشدد أو ذاك من تجاوزات في حق المواطنين والوطن، وما أطلقوه من تصريحات تبشر بإعادة مصر إلى مجتمعات العصور الوسطى على غرار تجربة طالبان في أفغانستان والوهابيين في بدايات نشاطهم في شبه الجزيرة العربية.

* ومع ذلك فقد أشاع إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن رفضه لقيام دولة دينية في مصر ـ على غرار التجربة الإيرانية ـ جوا من الطمأنينة لدى التيار التنويري والمستنير في مصر، لكن السؤال الذي نحتاج إجابة عنه هو: هل ستقبل القوات المسلحة في المستقبل إقامة نظام لدولة دينية في مصر، في حالة فوز السلفيين أو المتشددين الإسلاميين في انتخابات تشريعية مقبلة أو قادمة. وهل يعني هذا أن الجيش المصري سيقوم في المستقبل أيضا بدور مشابه لدور الجيش التركي في الحفاظ على مدنية الدولة في مصر؟ إذا كان هذا ما قصده بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهل وضع في الاعتبار ضرورة وجود نص على هذا الدور الجديد للجيش في الدستور الجديد القادم؟

* لقد كانت تجربة تنحي الرئيس السابق عن السلطة وتخويل صلاحيات رئيس الجمهورية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة خطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر، فهل يمكن تقنين مثل هذه التجربة دستوريا ـ في حالة الاضطرار إلى اللجوء إليها في المستقبل؟                  

ثالثا: مواقف القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني

* لا شك أن التطورات الأخيرة في مصر أحدثت نقلة نوعية غير مسبوقة في مسار الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، فقد أزيلت ـ فجأة - القيود التعسفية التي طوق بها النظام السابق أعناق الناشطين طوال العقود الثلاثة الماضية على صعيدي العمل السياسي الاجتماعي، الأمر الذي بدا وكأنه حالة من الانفلات؛ فقد انشقت الأرض عن حركات سياسية واجتماعية ودينية ذات توجهات عديدة، بعضها قد يكون مألوفا وبعضها قد يكون غريبا على الساحة المصرية، خاصة تلك المنتمية للتيارات الدينية الإسلامية؛ فالصوفيون لا يقبلون منهج السلفيين، والإخوان المسلمون يرفضون مواقف التيارين، والجماعات الإسلامية الجهادية ترفض الجميع، وهكذا الحال مع الليبراليين والمحافظين واليساريين والشيوعيين والقوميين، والحركات التي تنتمي لما يسمى بتيار الوسط.

* وبالنسبة للأحزاب القديمة فالملاحظ أنها مازالت غير قادرة على الخروج من  حالة فقدان التوازن الواضح التي تعيشها بعد أن فوجئت بالثورة المصرية. ويبدو أنها لم تفق حتى الآن من المفاجآت والتغيرات التي ترتبت على الثورة، خاصة بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا بحل الحزب الوطني الديمقراطي لتخلو الساحة الحزبية من المارد الذي ظل يخنق تلك الأحزاب منذ تأسيسه، فلم يعد لديها مبرر تطرحه لاستمرار عجزها عن النهوض، وإنما عادت من جديد حالات الانشقاق داخل صفوف تلك الأحزاب والنزاعات على قيادتها.  

* أما الجمعيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان فنجد منها ما يطالب بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، في حين يتبنى بعض الناشطين ذات المرجعيات الدينية نزعة تدّعي حرصها في الظاهر على المساواة بين المصريين، إلا أن باطن تلك الدعوات يميز بين المصريين على خلفية العقيدة أو المذهب، فالسني غير الشيعي، والمسلم غير المسيحي.

* في مقابل التيار الإسلامي المتنامي يمكن أن نتفهم بعض دوافع بعض ما نلحظه من نشاط غير مسبوق لحركات مسيحية داخل مصر ومن خارجها تجمع على التوجس من المد الإسلامي، وتسعى لإثارة حالة من الفزع بين مسيحيي مصر بصفة خاصة لأن الإعلان الدستوري الأخير تضمن المادة الثانية من الدستور القديم التي تنص على الهوية الإسلامية للدولة، وكأن مصر قد صارت بين عشية وضحاها إمارة طالبانية.

* وإذا ألقينا نظرة سريعة على ملامح برامج من أعلنوا عن نيتهم في الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية في العهد الجديد نجد أن أغلبيتهم تطرح برامج متشابهة إلى حد كبير، فالكل ـ تقريبا - يعد بإنزال النجوم والكواكب من السماء وتوزيعها على المصريين بالعدل والقسطاس، إلا القلّة الأصولية والمتطرفة التي مازالت ترى في تجربة صدر الإسلام الطريق الوحيد للخلاص والرفاهية في ظل قوانين تفتقد روح العصر وإنجازات الإنسانية على امتداد قرون طويلة. 

*ومع إدراكي أن حالة الحرية غير المعهودة التي وجد المصريون أنفسهم يعيشونها فجأة قد تفرز مثل هذه السلوكيات المتناقضة، وهذه الحالة من المزايدات والمبالغات في التصورات والتوقعات والوعود، إلا أنني على يقين أيضا أن الزمن كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها ومسارها الطبيعي بعد أن تلتئم جراح عملية التغيير، فتعود مصر كما كانت شعلة للحضارة الإنسانية المستنيرة تتسع لكل من يعيش على أرضها، ودولة ملهمة لما حولها من دول، ويعود المصريون كسابق عهدهم متحابين مسالمين متعاونين متضامنين يختلفون في عقائدهم ومذاهبهم الفكرية والدينية، لكنهم متوحدون على حب وطنهم.

* لذلك فإنني أتوجه بندائي لكل المصريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم وتطلعاتهم؛ أن انتبهوا إلى مخاطر التشرذم والانقسام، فسماء مصر يجب أن تظل كل المصريين، وهواء مصر كاف لتنفس كل شعبها، وتربتها وماؤها ملك أصيل لكل المصريين.

* راجعوا مواقفكم وضعوا مصالح مصر المتحدة فوق المصالح الحزبية والمذهبية والطائفية والفئوية، وليقف كل منا مع نفسه يراجع مواقفه، ولا يدع ذاته تطغى على غيره! ولنعلم جميعا أن مبدأ الدين لله، والوطن للجميع هو الحصن الوحيد لأمن وسلامة هذه البلاد وتقدمها!

....................................

فيينا في 29 ابريل 2011

 

 

 

         19 

واختلط الحابل بالنابل!

محاولة لاستكشاف ملامح

الواقع المصري المعاصر

 

أكدَ تتابع أحداث العنف الطائفي في مصر منذ عملية نجع حمادي مرورا بكنيسة القديسين وأحداث العمرانية ثم أطفيح، وقبل ذلك في الكشح، وغيرها، وتوقفا عند محطة إمبابة أن شرائح كبيرة من المصريين مازالت تعتقد في نجاعة الحناجر والعضلات والتعصب في فرض سيطرتها وسطوتها على المشهد الاجتماعي والديني في البلاد. نعم فقد خرجت علينا أصوات صراخ صاخبة من حناجر من يطلقون على أنفسهم الدعاة بعد تغير السلطة في مصر والإفراج عن أبدان ورؤوس وألسنة رموز العديد من المذاهب والنحل والفرق الإسلامية لتعتلي منابر المساجد والزوايا ومنصات الخطابة في الميادين والشوارع وجلسات القضاء العرفي، وصالونات الفضائيات المصرية والأجنبية لتبشر أتباعها بالجنة وتعد غيرهم بالجحيم في الدنيا والآخرة. إن احتكار أولئك "الدعاة" لصكوك الغفران وبطاقات دخول الفردوس خلق حالة من الاحتقان والتوتر في المجتمع المصري يتلظى بنيرانها وشررها كل المصريين.

ثم هل سألنا أنفسنا عن الجدوى من وراء التحريض ضد عقيدة المسيحيين والتشكيك فيها، والتضييق عليهم في ممارسة عقائدهم بحرية في دور عبادة لائقة بديانة سماوية عند أتباعها كالإسلام عند المسلمين! ولماذا يحتكر المسلمون لأنفسهم مناصب ووظائف دون آخرين من غير أتباع عقيدتهم، قد يكونوا درسوا نفس التخصص وربما يسكنون معهم في بناية واحدة، بل وربما يكونون خريجي نفس الجامعة؟ هل في هذا إرضاء لله وبطاقة تأهيل لدخول الجنة على حساب العدالة التي هي صفة من صفات الله الحسنى؟    

نفس المشهد وإن كان بإخراج مختلف وربما بعدد أقل من المؤدّين نرى ملامحه على الجانب المسيحي، فنعرة التطرف والتشدد أخذت في الازدياد بعد الثورة وإطلاق الحريات، فقد انطلقت أصوات تضغط لإلغاء المادة الثانية من الدستور، وكأنها مادة دخيلة عليه الغرض منها تكريس اضطهاد غير المسلمين. كما أن صمت الكنيسة المصرية فترة طالت أكثر من اللازم عن الرد على اتهامات الإسلاميين باحتجاز سيدتين ضد إرادتهما زعم أنهما غيرتا دينهما، ثم تفاجئ المجتمع بإظهار إحداهما على شاشة محطة فضائية مسيحية جالسة مع زوجها وطفلهما لتعلن للعالم أنها على دينها ولدت وعليه ستموت، ثم يعلن أحد المحامين المعروفين أن السيدة عادت لزوجها قبيل عيد القيامة، وكأنها كانت في رحلة سفر، وكذلك إنكار ما أشيع عن احتجاز سيدة أخرى في إحدى كنائس إمبابة لنفس السبب، ثم تخرج السيدة بصوتها على المجتمع لتؤكد أنها كانت محبوسة داخل مبنى ملحق بالكنيسة في غرفة بلا نافذة أو شرفة تتيح لها فرصة الإطلال على الشارع!

كل هذا وغيره من مظاهر الضغط على الحكومة" المغلوبة على أمرها" للإفراج عن معتصمين مسيحيين أو مرتكبي أعمال عنف في مواجهات سابقة وحالية بين مسلمين ومسيحيين، أو خلال تظاهر أو اعتصام مسيحيين وقطعهم للطرق في أماكن الاعتصام، فكم من مرة هدد قداسة بابا الكنيسة القبطية بالاعتكاف والامتناع عن الخروج للحياة العامة، إذا لم تستجب هذه الحكومة أو تلك لطلبات شعب الكنيسة، لنجد بعد ذلك انصياعا من مؤسسات الدولة لتهديدات البابا! 

وللإنصاف فقد أصابتني الدهشة عندما قرأت ما نسب لفضيلة شيخ الأزهر من قول في قنا "أن استقالته في جيبه إذا أقدمت الحكومة على محاكمة أي من المشاركين في التظاهر والاعتصام ـ بل وقطع الطرق ـ احتجاجا على قرار الحكومة بتعيين محافظ مسيحي للمحافظة". أليس هذا هو الابتزاز بعينه، والالتفاف على سيادة القانون؟!

ألا يرى فضيلة شيخ الأزهر في سلوكه هذا ـ إن كان قد حدث ـ تحريضا للمسلمين على تحدي السلطات والتحقير من هيبة المجتمع ودعوة إلى التمرد ولي ّ ذراع العدالة. ألا يشكل قطع الطريق وتعطيل مصالح العباد والبلاد لونا من الحرابة، أم أننا نأمر غيرنا بالمعروف وننسى أنفسنا؟

قس على هذا إن شئت ما يتفوّه به خطباء المنابر ووعاظ الفضائيات من مسلمين ومسيحيين وأمراء الجماعات والمذاهب الإسلامية والتبشيرية، الذين نصَبوا أنفسهم خلفاء لله في الأرض يتحدثون باسمه، ويقضون في مصائر الناس بما تمليه عليهم أهواؤهم وأوهامهم؛ فهذا سلفي وذاك صوفي والآخر جهادي والآخر تكفيري، وأولئك إنجيليون، وغيرهم رسوليون، والمصريون يطحنون برحاياهم.

كل مظاهر الاستهانة بالدولة هذه من جانب صاحبي القداسة والفضيلة رأسي المؤسستين الدينيتين في مصر وغيرهما من أمراء الأديان توحي لأتباع كل فريق أن افعلوا ما شئتم، وستجدون زعيمكم وراءكم يلوي ذراع الدولة ويجعلكم الأعلون على قوانينها!

إنني أذكر أولي أمر الأديان والمذاهب والشيوخ والعلماء والقساوسة وأصحاب القداسة والنيافة بالحكمة القائلة:" إذا زلَ عالم زلَ بزلته عالمّ"! إن مسئوليتكم الأخلاقية أمام الله والوطن تحتِم عليكم التحلي بالحكمة، وعدم التسرع في القول أو العمل، وأن تكونوا أكثر حذرا في تعاملكم مع بورصة الشائعات والادعاءات والافتراءات والفتاوى والتحريض التي تروج تجارتها في مصر منذ عقود عديدة، وربما اقتضت منكم الحكمة في أحيان كثيرة ألا تقولوا كل ما تعرفون، لأن مردود أقوالكم على سلوكيات أتباعكم قد يؤدي إلى ردود أفعال تحركها العصبية والتعصب والحماس الخاطئ والانفعال الفوضوي الذي يدفع إلى تخريب النفوس وهدم السلام الاجتماعي في مصر!

واعلموا أن مسئوليتكم عما ترتكبه الدهماء من جرائم في حق هذا الوطن لا تقلُ بحال من الأحوال عن مسئولية الجناة الذين حركتهم أقوالكم وأنتم تعتلون منابر التحريض!

من منا يستطيع أن يميز بين اثنين من المصريين من الرجال أو النساء أيهما مسلم والآخر مسيحي؟ ألسنا أسرة واحدة ظلَ بعضنا على مسيحيته، ودخل إخوتهم في الإسلام؟ فلمن منا الحق في احتكار مصر لنفسه؟ فمصر لنا فنحن أصحاب أرضها وليس بيننا ضيوف عليها!

ولكن من منا لا يقدر على نسبة أي من رجلي دين يرتدي أحدهما العمامة الحمراء والآخر السوداء إلى دين بعينه؟ إنَ مظاهر المصريين العاديين لا تشي في الغالب بالهوية الدينية، أما مظاهر رجال الدين فهي الوحيدة التي تشير إلى أي فريق ينتمي هذا الشيخ أو ذاك القس! لذلك أقول لرجال دينينا: "لا مانع أن تتميزوا بما ترتدون من ملبس، لكن لا تفرقوا بيننا بما تختزنونه في رؤوسكم من هواجس، وركزوا رسالاتكم في الدعوة على الفضيلة والتعايش على أسس من المودة والرحمة والتآخي في الله الذي خلقنا جميعا من ذكر وأنثى، وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ولنتعاون، وفي الوطن الذي نعيش على أرضه وتحت سمائه نبني حاضره ونتطلع سويا إلى مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا، ثم نرد إلى عالم الغيب والشهادة فيثيب المحسن ويجازي المسيء، لأنه وحده الذي يخلق ثم يعيد ثم يحاسب يوم القيامة حين يستوي أمام الله العادل صاحب الفضيلة وصاحب القداسة وصاحب العصمة وصاحب السمو، فلا تغني عنهم ألقابهم ونعوتهم أو أموالهم وجاههم وسلطانهم، وإنما أعمالهم وأفعالهم"!

فاتقوا الله في مصر والمصريين، لتعود كما كانت وطنا آمنا مسالما لشعب واحد يعبد إلها واحدا سواء في مسجد أو كنيسة بنيا من طين مصر التي بارك الله أرضها وشعبها وسميت كنانته في أرضه!

 ...........................

فيينا في 11/5/2011

 

 

  20 

العدل والعدالة والاعتدال

 

هبّت على مصر في الأيام الأخيرة رياح وعواصف خماسينية شديدة حركت رمالا وأتربة أتت علينا من كل صوب فأثارت الغبار وحجبت الرؤية وذرت رمادا كثيفا في عيون المصريين، ولوثت هواءهم وعكرت صفاء نفوسهم، وأشعلت حرائق في صدورهم ربما لما استنشقوه من هواء ملوث، وما تلقته آذانهم من دعوات للبغضاء والكراهية بحجة تميز فريق على آخر، وعلو شأن هذا الفصيل أو ذاك.

نعم إنها خماسين الفتنة الطائفية التي اندلعت كنتيجة متوقعة لفترة احتقان طالت دون أن نسعى لمعالجة أسبابها التي نعرف معظمها، كما نعرف حلولها أيضا، لكننا ركنّا إلى التواكل وجعلنا الإهمال يقودنا إلى ما وصلنا إليه طوعا أو كرها. والمثير في الأمر أن مراصدنا الاجتماعية قادرة على توقع هبوب الرياح والعواصف الطائفية، مثلها مثل مراصدنا الجوية التي تطل علينا بياناتها كل يوم بتوقعات حالة الطقس في البلاد بل في العالم أجمع، لكننا قد نتحسب لتقلبات الطقس والمناخ وهي عابرة، في حين لا نبالي بتوقعات المراصد الاجتماعية وتحذيراتها من زلازل وأعاصير وبراكين الطائفية التي تحيق أخطارها بالبلاد والعباد، وتبقى آثارها ممتدة لأجيال وأجيال.

نعم، فقد تركنا لسنوات طويلة الحبل على الغارب في المدارس والمساجد، والمصالح والمؤسسات الحكومية، بل في الشوارع ووسائل المواصلات العامة لجماعات بعينها تدعو وتروج لأفكارها وتجمع التبرعات لبناء مساجد خاصة بأعضائها وأفكار قياداتها لتعتزل مساجد بقية المصريين، وتنزوي داخل كهوف تـَرشح منها أفكار غريبة علينا تدعو إلى الفرقة والتفرقة بين مسلمي مصر ومسيحييها، وبين المسلمين أنفسهم، فتتَهم بعضهم بالانحراف عن صحيح العقيدة، والبعض الآخر بالضلال، وهذا أضعف الاتهامات فيما يخص المسلمين.

أما عن نظرة أمراء وأتباع وأنصار تلك الفرق تجاه غير المسلمين من المصريين، فحدث ولا حرج؛ فاليهود في الدرك الأسفل من النار، والمسيحيون على الأقل مشركون، إن لم يكونوا كفرة، وسيصلون نار جهنم ويئس المصير، أما أولئك الأمراء ومعهم رعيتهم فلهم جنة الله سيخلدون فيها دون غيرهم من الفرق المسلمة الأخرى، وفي أحسن الأحوال قد يتوافد عليها بعض منهم لفترات قد تطول وقد تقصر.

لم يقف الأمر عند حد التفرقة اللفظية، بل تجرأ المتشددون من تلك الفرق والنحل وتمردوا على الدولة والقانون، فأعلنوا العصيان وأقاموا محاكم خاصة بهم قضت باستباحة دماء وأملاك من أخرجوهم من رحمتهم، فاعتدوا على الأبدان والأعراض والممتلكات وأزهقوا أرواحا ونهبوا أمتعة استحلوها لأنفسهم، لأنهم نفوا عن غيرهم الحق في الحياة، لأن هذا هو مفهومهم للعدل والعدالة؛ ولم لا وقد نصبوا أنفسهم قضاة وجلادين على مصائر المخالفين لهم في الفكر أو العقيدة؟

الغريب أن مؤسسة الأزهر التي يتشدق أمراؤها بالاعتدال والوسطية ظلت تغض البصر عن تلك الفرق والنحل عقودا طويلة، لم تسع خلالها للتحاور معهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ما دامت لم تتلق الضوء الأخضر من النظام الحاكم، واكتفت بالاحتماء بأجهزة الدولة الرسمية فتعاونت مع جهاز أمن الدولة وغيره من أجهزة الأمن، وحرص شيوخ الأزهر المتعاقبون على التواجد في كل حفل رسمي وحتى الصلوات "الرسمية" لرأس الدولة وكبار معاونيه في السلطة، فخطب الأعياد يلقيها شيخ الأزهر أو مفتي الجمهورية، وكذلك مراسم الجنازات والدفن للرسميين وذويهم لا تصح عند الله إلا إذا كانت بقيادة كبار علماء وشيوخ الأزهر.

إضافة إلى ما سبق فقد أتى علينا حين من الدهر تنافس فيه كثير من الأزهرين للظفر بإعارة أو عقد عمل في هذه الدولة الخليجية أو تلك، فلم يستحسنوا فقط أرصدة الأموال بالريالات والدراهم والدينارات، ولم يكتف بعضهم بارتداء ملبس أهل الخليج واقتباس طباعهم وعاداتهم، بل زايدوا عليهم في تشددهم - وهم المصريون الذين عاشوا قرونا متجاورين متعاونين ومتجانسين رغم اختلاف عقائدهم - فعاد كثير منهم مستأنسين بفكر مذهب متشدد يحرم الخروج على الحاكم الظالم، ولكنه لا يتورع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب في التعامل مع الرعية، بل ويصر على إنشاء شرطة خاصة تراقب سلوك العامة في الطرق وتنزل العقاب بمن يراه رجالها مخالفا، فهذه امرأة سافرة، وذاك رجل أطال شعره، وأخرى تقود سيارة، لكن هذا المذهب المتشدد لا يمانع أن يختلي سائق غريب بامرأة في السيارة، المهم أنها لا تقودها بل تقاد!، مذهب يغيّب حقوق الأنثى لمجرد كونها أنثى في مجتمع يستحل جسدها بزواج المتعة والمسيار وغيرهما من صور النكاح ولا يقيم قيمة لعقلها ومشاعرها، وكأن رجال تلك المجتمعات لم يخلقوا من ذكر وأنثى كغيرهم من البشر، بل توالدوا وتكاثروا ذاتيا ذكورا، وذكورا فقط!

وكم عايشنا حالات مشابهة لأمراء وجنود الجماعات المتأسلمة في جامعات مصر ومدنها وقراها، بل في وسائل المواصلات والمؤسسات العامة بالفصل بين الجنسين في قاعات الدرس والعمل، وإجبار الفتيات على ارتداء النقاب أو الحجاب، وإيذاء من ترفض، وكذلك الضغط على غير المسلمين وإجبارهم على الانزواء والعزلة.

لقد طال صمت الأزهر طويلا على فتاوى الغلو في العقيدة بصفة عامة، واستبعاد غير المسلمين واستهدافهم واحتقار المرأة والسعي لعزلها عن الحياة العامة، اللهم إلا منقبة تسير كالشبح الأسود، في نفس الوقت الذي هلل فيه كثير من علمائه لمؤسسات توظيف الأموال وكشوف البركة، والاستكانة أمام الحكام.

خلاصة القول أن غلاة المسلمين حصروا العقيدة داخل منظور جنسي بحت، وقيدوا ثراء الإسلام بأغلال الغرائز والشهوات وحصروا حدوده في فضاء غرف النوم، وحملوا المرأة أوزار المجتمع؛ فشعرها عورة، ووجهها عورة وكفاها عورة، وصوتها عورة، بل وعيناها إن كانتا جميلتين! عورة، وكأن الرجال من المسلمين جبلوا على الاندفاع وراء شهواتهم، وغير مطالبين بالتحلي بخلق الديانات السماوية جميعها التي تستهجن انتهاك الحرمات وتحث على غض البصر وكف الأذى عن الناس ومنهم النساء أيضا! فكيف لامرأة مسلمة أن تساهم في تنمية مجتمع ذكوري يلفظها بعقلها وفكرها، لكنه يستحلها بجسدها - وبه فقط - أليست هؤلاء النسوة أمهات الغد إن أعددن الإعداد السليم خلقيا وفكريا ونفسيا واجتماعيا، صرن مؤهلات و قادرات على إعداد شعب طيب الأعراق؟! وكيف لولد صالح أن يحترم أمه وهو ينظر إليها تلك النظرة الدونية وكأنها مخلوق آخر لا حق لها في القيام بدور إيجابي في الحياة؟!

لقد انتهكت كرامة الأنثى كثيرا تحت سمع وبصر الأزهر، فمن علمائه من أباح - على سبيل المثال لا الحصر - ختان الأنثى وحلله، ثم عاد بعضهم وحرموه واستهجنوه، وآخرون اعتبروه محببا، كل ذلك قبل أن تلفت ألأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومعها حرم الرئيس السابق نظر المجتمع إلى خطورة تلك العملية على صحة المرأة ونفسيتها، فتغيرت لغة الخطاب الديني، وأقرت قوانين تجرم الختان وتعاقب مرتكبيه، وقس على ذلك قضية النقاب، لنسمع فجأة أنه عادة وليس عبادة بعد أن استمر زحفه داخل المجتمع المصري أربعين عاما صار خلالها رمزا للتقوى والصلاح والاستقامة!

لم نشاهد حقا تدخلا حقيقيا من قيادات الأزهر لتخفيف الاحتقان الطائفي والحوار مع المتشددين من الإسلاميين، واكتفت رموز الأزهر والكنيسة بتبادل الدعوات على الموائد والتهاني في الأعياد والمواسم.

كل هذا انتقص من مصداقية مؤسسة الأزهر وخصم من رصيد علمائها الكثير لدى عامة المسلمين المصريين بصفة عامة، فما بالك بمصداقيتهم لدى الجماعات والفرق المنشقة أصلا عن إجماع مسلمي مصر فغاب الاعتدال واختفى العدل ومعه العدالة، بعد أن أخليت الساحة أمام المتشددين من الإسلاميين والمتأسلمين.

على الجانب الآخر نرى كثيرا من مسيحيي مصر وقد حصروا أنفسهم داخل جدران كنيستهم التي أصبحت الغاية والوسيلة والمبتغى في الحياة الدنيا والآخرة، إذ دأبت قيادة الكنيسة طوال ما يزيد عن أربعين عاما على احتواء أتباعها فعزلتهم عن المشاركة في الحياة السياسية كمصريين يعيشون آمال الوطن وهمومه كغيرهم، فقد حرصت قيادة الكنيسة المصرية على عزل "شعبها" داخل دويلة الكنيسة، فلا يشارك المسيحيون في مظاهرات أو احتجاجات ولا ينتقدون سياسة الدولة تجاه المصريين، بل انحصرت احتجاجات المسيحيين على ما سلبته الدولة والمجتمع من حقوقهم فقط، فلا غياب العدالة الاجتماعية وضحالة الحياة السياسية وانتهاك حقوق الإنسان مثل هما لمسيحيي مصر يدفعهم للمشاركة على الأقل في الاحتجاج والمطالبة بحقوق المصريين على حد سواء، ليبدو الأمر وكأن الإسلاميين فقط هم الضحايا ومن ثم فهم المتمردون، وليس كل المصريين. 

لقد نصبت الكنيسة نفسها متحدثا باسم المسيحيين، تماما كما دأب أئمة بعض المساجد المتشددين في الحديث باسم الإسلام والمسلمين، وكأن الأمر أضحى منافسة بين الأئمة والوعاظ على استقطاب الأتباع والأنصار، والتباهي بالتشدد الديني، فلم يقتصر الأمر على منابر الوعظ في الكنائس والمساجد ليمتد إلى صفحات الجرائد والفضائيات التحريضية التي يؤمن القائمون على أمرها أن تحقير عقيدة الآخر نصر لعقيدتهم يقربهم من الله ومن جنته.

ثمة أمرا آخر أغفلته الكنيسة المصرية وهو أن المسيحيين المصريين لا يختلفون عن غيرهم من البشر في أرجاء المعمورة، حيث تغير مفهوم بعض المسيحيين المصريين لرباط الزواج في الأزمنة الراهنة نتيجة لعوامل عدة ليس هنا مجال سردها، لكن الواقع يقول أن إصرار قيادة الكنيسة على أبدية العلاقة الزوجية ـ ونحن لا نشكك في مرجعية الكنيسة في هذا المقام - يؤدي في أحيان كثيرة إلى شعور الزوجين المتنافرين إلى الرغبة في الفكاك من هذا الأسر بأي وسيلة بعد استحالة الحياة المشتركة، فيلجأ بعضهم إلى تغيير عقيدته وسط ترحيب - لا داعي حقيقي له من جانب بعض المسلمين ـ فيتم تبادل الاتهامات بالأسلمة والاختطاف من ناحية، وبالحجز والمطاردة، بل وربما بالقتل من الناحية الأخرى، فيتفشى الاحتقان في مجتمع ليس مؤهلا للتنازل عن أي شيء، إنه مجتمع يسعى إلى استحواذ كل شيء. نفس الأمر في حالة وجود حالة حب بين اثنين من المصريين مختلفي الديانة، فأهل الفتاة المسيحية أو المسلمة يتهمون الطرف الآخر بإغراء ابنتهم أو اختطافها وإجبارها على الزواج من رجل على غير عقيدتها، ويخفون أن الدافع لكل هذا الغضب والانفعال وربما الاقتتال ليس سوى مفهومهم الخاص للدفاع عن الشرف والسمعة في مجتمع  الأنثى فيه هي الراية البيضاء لشرف وسمعة الأسرة المصرية، مسلمة كانت أو مسيحية.

ليس غريبا إذا أن ندعي أن مجتمعنا مجتمع غير عادل يزن الأمور بأكثر من مكيال، فالمسلم المصري يستحل لنفسه بناء ما وأين يشاء من مساجد ترتفع على مآذنها مكبرات الصوت في الاتجاهات الأربعة تلعن غير المسلمين وتحض على كراهيتهم، بينما يحظر على المسيحي المصري حقه في بناء كنائس، والمسلم المصري يرى نفسه فقط جديرا بتولي المناصب القيادية في دولة حديثة وعلى غيره أن يكتفي بالفتات.

نرى أيضا المسيحي المصري وقد سلخ نفسه عن بيئته واتجه غربا في مناح كثيرة للحياة، وحقر من شأن المسلمين يتهمهم تارة بالبداوة وتارة أخرى يشكك في نسب نبيهم وفي صدق رسالته، ويعتبرهم غرباء على مصر وهو الأصل، وكأنه يصبر فقط على وجودهم على أرضها لأنهم دخلاء عليها، بل بلغ الأمر عند بعضهم حد الاستقواء بدول أجنبية ـ مسيحية طبعا - ودعوتها لاحتلال مصر لتخليصها من المحتلين المسلمين، لتعود مصر دولة مسيحية للمصريين المسيحيين والمحتلين المسيحيين أيضا!

نعم فبغياب العدل تتوارى العدالة لتصبح عدالة ذاتية عوراء لا يرى كل منا إلا نفسه فيطالب بتفعيلها لفريقه دون الآخرين، وبغياب العدل وانتفاء العدالة يعوج المجتمع لاعوجاج أفراده فتميل نفوسنا كل الميل لأنفسنا ويزول الاعتدال ويطفو التطرف والتشدد، وهما المولد الرئيسي للاحتقان الذي يقود إلى الفتنة، والفتنة أشد من القتل تزهق الأرواح وتحرق الأخضر واليابس وتمحو المحبة من قلوب مصريين أعطوا للعالم في أزمنة خلت مثالا فريد للحضارة الإنسانية الرفيعة القائمة على العدل والعدالة والاعتدال!

.............................

فيينا في 24 مايو 2011

 

 

 

  21 

مازال القدر مملوءا

تأملات مراقب للأوضاع في مصر

 

عدت قبل عدة أيام من زيارة لمصر حرصت على القيام بها للوقوف على الواقع المصري الراهن بعد الأحداث غير المسبوقة التي حبست أنفاسنا طوال شهور أربعة خلت، تغيرت فيها أشياء وأحوال كثيرة وتبدلت.

نعم لقد أردت أن أشاهد الواقع المصري وأعيشه كما يعيشه الآخرون من مواطني بلادي أستمع إليهم وأتبادل معهم الآراء والأفكار، وأكون مشاعري وأحاسيسي الخاصة التي لا يمكن أن تتشكل من قراءة الصحف ومشاهدة التلفزيون.

المشهد الأول: زوال الأصنام

حقيقة الأمر أن إحساسا غريبا علي تسرب إلى نفسي بعد خروجي من مطار القاهرة، فلم تقع عيناي على أي من صور الرئيس السابق على امتداد الطريق من المطار وحتى بيتي بالقرب من ميدان الحجاز بالنزهة، كما خلت صحف يوم وصولي من أخبار مقابلات الرئيس وتصريحات نجله وتنقلات زوجته وهم الثالوث المقدس الذي سيطر على المشهد المصري طوال العقد الأخير على الأقل بعد أن اكتمل بانضمام الابن إلى الأب والأم الفاضلة منذ طفا على سطح الحياة السياسية في مصر.

خلاصة القول أن غياب أسماء وصور رموز النظام السابق عن العناوين الرئيسية للصحف ونشرات الأخبار المسموعة والمرئية يعطيك الإحساس بأن حجرا ثقيلا قد أزيح من فوق صدرك، وأن بمقدورك أن تتنفس بيسر وسهولة.

المشهد الثاني: الفوضى الإعلامية

تهيمن وسائل الإعلام بشكل غير مسبوق على الساحة التفكيرية للمصريين، نعم فأنت تقرأ مقالات في الصحف وتسمع أحاديث من الإذاعة وتشاهد حوارات في التلفزيون يوميا لنحو 50 اسما لأشخاص من مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية، نصبوا أنفسهم نخبة المجتمع المصري بعد الثورة، فهم المحللون والمفكرون والموجهون وطليعة الثوار وحكماء العصر الجدد القادرون وحدهم على توجيه بوصلة الحياة في مصر الجديدة.

أما الأخبار التي تنشر عن ثالوث الأسرة الحاكمة السابقة ورابعه النجل البكر للرئيس السابق فهي إما تكهنات أو تخمينات أو ربما مبالغات حول ما يجري معهم من تحقيقات أو عن أوضاعهم النفسية والصحية، ناهيك عن حجم ثرواتهم المعلومة والمجهولة، وكلها أخبار أو معلومات تساهم في ترويج بيع الصحف ورفع معدلات توزيعها، والسعي إلى "تكتيف" وربما تجميد المصريين أمام أجهزة التلفزيون التي تبث قنواتها الفضائية والأرضية سيلا لا يتوقف من الحوارات والمناقشات. لعدد محدود من الشخصيات – العامة - تتنقل من استديو لآخر لتعيد على المتلقي ما في جعبتها من آراء وتحليلات وآراء تتكرر من قناة إلى أخرى ومن برنامج لآخر دون تغيير أو تجديد.

ولا تندهش إذا وجدت نفسك أمام شيوخ و"دعاة" وقساوسة ويساريين وقوميين وليبراليين، ومتشددين ومتطرفين، ومقيمين ومغتربين، ومسئولين سابقين وحاليين، كل منهم يسعى لإقناعك بأن رؤيته هي الرؤية المثلى لمستقبل مصر، وأن منهم كثيرين استخاروا الله فيما يقولون وما يفعلون، ولن يخلو الأمر من اقتباس لآية أو آيات من القرآن الكريم أو الإنجيل للتدليل على صحة آرائهم ومصداقية توجهاتهم. ومع ذلك فهناك برامج جادة تسعى بقدر الإمكان إلى تحقيق توازن بين الإثارة ورسالة التنوير.

الأمر الآخر أن كل هؤلاء يكتبون ويتحدثون من العاصمة، وكأن مصر اختزلت في القاهرة ليبقى ريف مصر وحضرها خارج العاصمة متلقيا فقط وليس فاعلا أو مشاركا في الفعل الوطني.

المشهد الثالث: الحالة الأمنية

لا تخطئ العين خلو معظم شوارع وطرق مصر بحضرها وريفها من عناصر الشرطة، ومن تواجد منهم ترى بعضهم خجولا مهزوما مستسلما لأقدار الشارع المصري العشوائي، فلا تنظيم للمرور، ولا انضباط في السلوك وكأن شيئا لم يحدث في البلاد، بل قد يحدث ـ وقد حدث فعلا - أن ترى من يتعمد المخالفة فيسير في عكس الاتجاه بتبجح ممجوج، وكأنه يتحدى رجل الشرطة، ولا يقيم وزنا لما قد يترتب عن سلوكه الفج من عواقب وخيمة لبشر مثله لم يسلكوا سلوكه المشين.

بالتوازي مع هذا المشهد ترى عددا من الوقفات الاحتجاجية والاعتصام في أكثر من موقع حيوي بالنسبة للحياة اليومية للمصريين تؤدي بالضرورة إلى شل حركة المرور وزيادة حالات السخط بين الكثيرين الذين تتعطل مصالحهم وهم محبوسون في سيارات وحافلات لا تتحرك من مواضعها في الشوارع والطرق وعلى الكباري وداخل الأنفاق لساعات طويلة!

وما يزيد الطين بللا أن جماعات كثيرة من المحتجين تلجأ إلى قطع الطرق بالكامل للضغط على الحكومة وابتزازها لتحقيق مطالبها مهما كانت مشروعة!

المشهد الرابع: سويقة رئاسة الجمهورية

يندر أن تجلس مع مصريين دون أن يطرح أحدهم على الحاضرين سؤالا عن رأيهم حول أي من الأسماء المطروحة على ساحة المنافسة على منصب رئيس الجمهورية، لكن الغريب وما أزعجني حقا خلال المناقشات أن شريحة كبيرة من المصريين مازالت تردد ما دأبت أبواق النظام السابق على ترويجه بشأن محمد البرادعي، فهو إما زنديق علماني، أو زوج لسيدة يهودية وصهر لمسيحي، ثم إنه أيضا جاء إلى مصر يحمل أجندة أمريكية تعمل على تقسيم مصر إلى ثلاثة أو أربعة دويلات، وأنه الممثل المعتمد لأمريكا في مصر.

لكني أقر أنني شعرت ببعض الارتياح بعد اقتناع كثيرين ممن تحاورت معهم بوجهة نظري حول تلك الادعاءات الكاذبة، خاصة وأنني أعرف الرجل وأسرته الصغيرة؛ فزوجته دمثة الخلق السيدة "عايدة الكاشف" كانت زميلة لي في مدرسة فيينا الدولية حيث عملت مدرسة في روضة أطفال المدرسة لسنوات طويلة، كما أنني أحد المشاركين ـ من وراء الكواليس - في تنظيم عملية زواج كريمته "ليلى" في السفارة المصرية بفيينا من مواطن كان مسيحيا واعتنق الإسلام، كما أقام سفير مصر السابق لدى النمسا "رمزي عز الدين" حفل العرس بمنزل السفير.

ملاحظة أخرى بشأن الجدل الثائر حول المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية هي غياب رؤية واضحة لدى كثير من المواطنين لدور رئيس مصر القادم، خاصة مع غياب تصور واضح لمستقبل شكل نظام الحكم القادم في مصر، فهل سيكون نظاما برلمانيا أو رئاسيا، أو خليطا من النظامين؛ فمعظم المرشحين يعدون المصريين بدولة كبرى وعظمى تسودها العدالة الاجتماعية والرخاء والرفاهية والشفافية وكأن رئيس الجمهورية القادم سيمتلك عصا سحرية ويمتلك إرادة وقدرة إلهية فيقول للشيء كن فيكون، ويتناسى أولئك المرشحون أنهم لا يعرفون بعد أي نظام دولة سيرأسه الرئيس القادم، هل سيكون رئاسيا يصبح فيه الرئيس هو اللاعب الرئيسي وربما الوحيد، وهل ستكون مصر دولة ذات نظام برلماني لرئيس وزرائها السلطة الأقوى والأكثر قدرة على صياغة سياسات الدولة، وكيف ستكون العلاقة بين الرئيسين ـ رئيس الدولة ورئيس الوزراء - في هذه الحالة، أم أن نظام دولة مصر بعد الثورة سيكون خليطا من الرئاسي والبرلماني؟!

خلاصة القول أن حالة الجدل الثائر حول رئاسة الجمهورية تضيف إلى حالة الغموض العامة التي تتعلق بمستقبل نظام الدولة المصرية بعد الثورة بعدا آخر لحالة التخبط المهيمنة على الساحة السياسية في البلاد، خاصة مع ظهور مرشحين يصنف بعضهم على أنه فقيه في الدين، أعلن عن نيته في الترشح من قاعة مناسبات ملحقة بأحد مساجد القاهرة، فهل نحن بصدد نظام آخر جديد لمصر الجديدة هو ولاية الفقيه؟!

المشهد الخامس: الحالة الاقتصادية والمعيشية

الاضطرابات الطائفية والاحتجاجات الفئوية وغيرها من مظاهر الانفلات والتفكك التي عمت مصر عقب ثورة الشعب المصري أصابت قطاعات حيوية في الاقتصاد المصري كالسياحة والتصدير في مقتل، الأمر الذي أدى إلى تسريح الآلاف من شباب مصر العاملين في قطاع السياحة وغيره من القطاعات الحيوية لتواجه عشرات الأسر المصرية مصاعب جمة في تدبير قوت أفرادها والوفاء بالتزاماتهم الحياتية فتراجعت القوة الشرائية للمصريين وحل كساد اقتصادي ملموس أثر بدوره على العاملين في قطاعات التجارة والخدمات.

في مقابل ذلك لم نلمس تحركا إيجابيا من جانب المسئولين عن السياحة في مصر فلم تشجع شركة الطيران الوطنية المصريين في الخارج على زيارة مصر بأسعار مريحة ليشغلوا غرف الفنادق الشاغرة وينفقوا أموالهم في بلادهم، متعللة بحجم الخسائر التي نجمت عن تراجع معدلات السفر إلى الوطن خلال فترة الثورة وما بعدها، ثم فاجأنا مسئولو مصر للطيران مؤخرا بزيادة الوزن المسموح به للركاب، وكأن هم المصريين فقط في مقدار ما يحملون من أثقال، لأن السائح الأوروبي وغيره من الأجانب لا يولي أهمية للوزن المسموح له باصطحابه، وإنما لسعر تذكرة الطيران إلى مصر.

بجانب كل هذا فإن استمرار الأوضاع على ما كانت عليه في المحليات دون أي تعديل أو تغيير يساهم بدرجة كبيرة في ترسيخ الاعتقاد لدى شرائح كثيرة من المصريين بأن الفساد الإداري سمة أساسية من سمات وخصائص المجتمع المصري المعاصر، وأن ما يقال عن الثورة لا يعدو حيز ميدان التحرير وصفحات الجرائد وغرف القنوات الفضائية، فلا وجود فعلي وحقيقي لثورة مصرية في محافظات مصر، ولا تغيير إيجابي ملموس في أي من نواحي الحياة اليومية للغالبية العظمى من المصريين، وإنما التغير الظاهر والواضح فينحصر في انتشار الدعاة والوعاظ في ربوع مصر للترويج للدولة الدينية التي تحكم بما أنزل الله، وتكفير من يسمونهم بالعلمانيين والليبراليين المحرضين على السفور والإباحية!

المشهد السادس: الخوف من المستقبل

في ظل حالة الغموض التي تلف الوضع المصري العام تنتشر الشائعات والتكهنات والتوجسات التي تغذيها ثقافة غريبة للحوار الإقصائي، فكل فصيل يسعى لاحتلال الساحة والانفراد بها، وارتفعت لغة التخوين والتشكيك في النوايا والمقاصد.

وفي رأيي أن هذه الظاهرة المرضية نتيجة طبيعية لغياب، وربما انعدام التربية السياسية السليمة للشعب المصري طوال العقود الستة الماضية، فقد نشأنا وتربينا وكذلك آباؤنا في مجتمع يفرض عليه حاكمه فبدلا من أن يخدم شعبه يتحكم وبطانته في أقداره فيقيدون المواطنين بالهموم اليومية التي تتكالب عليهم فلا يستطيعون منها فكاكا. مجتمع أحادي الرؤية المفروضة عليه من النخبة الحاكمة والمتحكمة، فالرئيس رئيس الدولة والحزب ورئيس فعلي أو شرفي لكل مؤسسات الدولة الفاعلة ابتداء من الجيش مرورا بالشرطة والقضاء، وهو الحاكم بأمره ولا راد لحكمه، وقس على هذا كل رئيس لمؤسسة أو مصلحة والشعب مغيب عن العمل والمشاركة بل وربما التفكير. بجانب هذه الأصنام الدنيوية هناك أصنام أخرى "روحية" هم رجال الدين يقررون مصائر الناس في الآخرة كما يقررها رئيس الدولة وبطانته في الدنيا، فلا تقل سطوتهم وسلطتهم كثيرا عن سلطة وسطوة الفرعون الأكبر، فمنهم من يهادنه وينافقه لينعم بجواره ويستأنس ويأنس برضاه، ومنهم من يخرج عليه، لا لشيء إلا ليحل محله في الحكم، ومصر والمصريون بين مطرقة ضغوط الحياة ومصائبها وسندان التشدد والتخاذل لرجال الدين.

كل هذه الأمور المتداخلة أفرزت إنسانا مصريا سلبيا أنانيا يرى سطوة المال والسلطة تخنقه فلا يعنى بأمور بلاده وهموم الوطن وإنما يسعى للنجاة بنفسه والمقربين منه، فتراجع الانتماء للوطن ليصير انتماء الكثيرين لمن يطعمهم ويعينهم على الثراء والفساد، وازداد التعصب للعقيدة ـ لكونها في نظر الكثيرين طوق النجاة الأوحد - وضاقت صدور المصريين، فلا تقارع حجة بحجة، ورأي بآخر، وفي غياب الحرية والعدالة يزول العدل والاعتدال، ليتصارع الناس على فريسة ـ هي في النهاية وطنهم - كل يسعى لاقتناص ما تظفر به يداه أو مخالبه، وأضحت مصر مباحة للمغتصبين، بعضهم لا يتورع عن اغتصابها في وضح النهار، وآخرون يغتصبون من وراء حجاب.

نعم إن خطايا النظام السابق ومن سبقه من حكام مصر مسئولة وحدها عن مصير مصر المعاصرة، فقد أساءوا استغلال السلطة وتعمدوا إهمال تربية المصريين تربية سياسية سليمة، لتبقى كراسي السلطة والنفوذ في حوزتهم، ولينعموا وبطانتهم دون غيرهم بثرواتها، فانتشر الجهل والفقر، واختفى التضامن والتكافل والتسامح والجمال من حياة شعب بأكمله، وتراجع دور مصر في نفوس شعبها وشعوب جيرانها وانتهكت حرمات المصريين في شتى بقاع الأرض بعدما انتهكت في أرض الوطن، فهنا على أنفسنا والناس بعد أن كنا أعزة أقوياء.

لقد تصور حكام مصر على مدار العقود الستة الماضية أن صمت المصريين يعني موافقتهم على ما يقع لهم وعليهم من مظالم، وظنوا - وكانوا آثمين في ظنهم - أن المياه في قدور المصريين لن تغلي، لتزحزحهم عن مواقعهم، وتخيلوا أن الموت وحده هو القادر على إزاحتهم من سلطانهم. لذلك حرص آخرهم على انتقال السلطة لنجله ليمتد مجد الأسرة الحاكمة لعقود أخرى آتية. لقد خدعوا أنفسهم بظاهر المصريين، وأغفلوا حقيقة بديهية أن النار الهادئة تؤدي، ولو بعد حين إلى الغليان.

المشهد قبل الأخير: ماذا عن الثورة؟

من خلال مناقشاتي مع أطراف عدة في مصر تفاوتت درجات تعليم وثقافة ووعي أشخاصها وكذلك من خلال متابعاتي لأحاديث المصريين العاديين الذين لا يكتبون في الصحف ولا يظهرون على شاشات المحطات الفضائية يمكنني أن ألخص الأوضاع الراهنة في مصر على النحو التالي:

ـ أن لفظ الثورة الذي تردده الألسنة بدون مردود واقعي ملموس في حياة معظم المصريين، بل هو مجرد لفظ يمكن أن نصفه بأنه يعبر عن رغبة في نفوس مردديه في تحقيق تغيير حقيقي في مصر لم تتضح ملامحه بعد. 

ـ أن غياب قيادة حقيقية وفعلية للثورة لا يؤخر فقط اتضاح معالمها، بل يعيق مسيرتها ويحجب الرؤية أمام الذين شاركوا في انتفاضة الشعب وعرضوا حياتهم للخطر من الآملين في تحقيق التغيير المنشود.

ـ أن ما حدث في مصر طوال الفترة من 25 يناير وحتى الآن يمكن أن يوصف بأنه بدأ بحالة غليان شعبي عارمة أدت إلى فوران قدر السلطة الحاكمة فأزاحت تلك الفورة رأس النظام وكبار معاونيه، لكن بعد تراجع شدة النيران تحت القدر توقفت حالة الغليان ومن ثم الفوران، وبالتالي توقفت عملية "طرد" القابعين داخل القدر المملوءة بالمفسدين والناقمين على ما حدث.

ـ أن استمرار بقية أركان النظام السابق في مواقع المسئولية في العديد من القطاعات - وربما في أغلبيتها ـ حتى الآن يعوق حركة التحول الثوري الذي يجب أن يستمر وبقوة دفع ملموسة، حتى نرى فعلا مظاهر ثورة وليس فورة.

ـ أن تعدد آباء الثورة يجعلها فريسة مستباحة لقوى انتهازية تصورت أن مجرد خروجها في المظاهرات يؤهلها للاستيلاء على الثورة والاستحواذ على ثمارها.

ـ أن حالة التضارب والتداخل التي تتسم بها عملية اتخاذ القرارات والإجراءات من جانب القائمين على أمور البلاد نتيجة طبيعية لغياب برنامج واضح للثورة يحدد أهدافها وإستراتيجية تحقيق تلك الأهداف، بدليل انقسام المجتمع حول تحديد آليات العمل في الفترة المقبلة وحالة الانقسام الواضحة داخل المجتمع بين المطالبين بوضع الدستور قبل الانتخابات ومخالفيهم في الرأي.

ـ أن فشل جلسات الحوار الوطني وسعي معظم الأطراف المشاركة إلى إقصاء أطراف أخرى يمثل عبئا قوميا لن تتمكن البلاد من التخلص من توابعه في المستقبل القريب، بل سيؤدي إلى زيادة أعراض حالة التربص بين الفرقاء داخل الوطن الواحد.

ـ أن ربط السلوك الوطني بالالتزام الديني للمواطنين يحصر المصريين داخل إطار مصطنع يتعلق بالمطلق وليس النسبي من الأمور، ويلزمهم بقبول أحزمة للعفة يتولى رجال الدين تثبيتها على عقول وضمائر المصريين.

ـ أن الحرية والعدالة الاجتماعية هما الضامن الحقيقي لتحقيق نقلة حقيقية ومؤثرة في حياة المصريين، وأنهما لن يتحققا بدون إفساح المجال لكل من يرغب في المساهمة والمشاركة في صياغة مستقبل الوطن على أساس من المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين في إطار من الشفافية والمحاسبة.

ـ أن تمسك المصريين بالعدالة والاعتدال هو السبيل الأمثل لطمأنة العالم من حولنا بأننا أرباب ودعاة حضارة إنسانية سامية تبث روح التفاؤل في المجتمعات المجاورة، وتعيد الروح للشخصية المصرية داخل محيطها العربي والإقليمي.

ـ وأخيرا، ما أحوج المصريين اليوم وليس غدا إلى صياغة دستور حديث مستنير يحدد أطر العمل الوطني وينظم العلاقة بين المواطنين والدولة من ناحية وبين مؤسسات الدولة الحديثة؛ دستور يعبر عن ثورة مصرية غير مسبوقة تعلي قيمة الإنسان المصري ووطنه وتفتح آفاقا للعمل الجماعي بما يكرس انتماء المصريين لوطنهم وأمتهم والمجتمع الإنساني.

...............................

فيينا في 22 يونيو 2011    

 

 

 

    22 

وأين المرأة

في الثورة المصرية؟!

 

مساء الحادي عشر من فبراير 2011 أسدل الستار عن واحد من الفصول المثيرة لثورة المصريين وما حوته من مشاهد كثيرة إيجابية ظلت طوال 18 يوما تبهج الناظرين وهي تعرض تلاحما لشعب مصر بعنصريه من الرجال والنساء في ملحمة إنسانية بديعة لم تشهد أجيال كثيرة من المصريين والعرب مثيلا لها.

منذ انطلاق الشرارة الأولى لثورة مصر في الخامس والعشرين من يناير 2011 خرج الشعب رجالا ونساء يعبر عن غضبه ويعلن على الملأ مطالبه في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية مؤكدا أنها لن تتحقق بغير سقوط النظام الحاكم وتطهير التربة المصرية من النباتات والحشائش الضارة بمزرعة الوطن الممتدة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، وما يستدعيه ذلك من تطهير مجرى الشريان الرئيسي في جسد مصر من سموم القهر والظلم والطغيان والفساد.

كانت المرأة المصرية حاضرة بوضوح في كل مشاهد الاحتجاج والتظاهر، تسكن الخيام ثم تخرج لتهتف لتحفيز الغاضبين على الاستمرار ومواصلة الكفاح من أجل حياة أفضل لشعب مصر. رأيناها تدلي بتصريحات لوسائل الإعلام المحلية والعالمية وتحاور وتتحاور بمنطق ناضج ورؤية واضحة وملمة بقضايا الوطن ورغبة صادقة في مستقبل أرحب لأجيال مصر القادمة. رأيناها أيضا تصرخ في وجوه الطغاة، وتحمي غيرها من المتظاهرين، وتضمد جراح المصابين، وترفع من سقط من شهداء الثورة رجالا ونساء، وتشارك في تنظيف الشوارع وتجميلها، كما رأيناها أيضا تتزوج في ميدان التحرير لتبني بيتا أسريا يحدوه الأمل في مصر المستقبل.

مشاهد كثيرة متناغمة شاركت المرأة المصرية في صياغتها وصنعها وإخراجها بسلاسة وطنية وإنسانية بلا تكلف.

نعم كانت المرأة المصرية؛ الفتاة والعجوز، العاملة والطالبة والعالمة، والفنانة والمثقفة، وربة البيت، الأم والأخت والابنة والزوجة تشارك في إعادة بناء مصر الجديدة، وتوسمنا خيرا.

ولكن بعد فترة لم تطل خرج كثيرون من ذكور مصر بفزاعاتهم وهراواتهم يطاردون نساء مصر ليعيدوهن إلى بيوتهن ثم يغلقونها عليهن بالضبة والمفتاح.

لم نعد نرى رجالا ونساء جنبا إلى جنب، بل احتل الرجال ساحات الحوار والسجال، وإن كان المشهد لا يخلو بين حين وآخر من سيدة أو اثنتين وقد دستا وسط الرجال لتحسين الصورة الإعلامية لحلقات الحوار والنقاش.

لكن الحقيقة تقضي أيضا أن نقر ونعترف بوجود مذيعات ومقدمات برامج في القنوات التلفزيونية يقمن بمحاورة ومناقشة رجال، لكن دورهن هنا يقتصر على طرح الأسئلة وفتح موضوعات للمناقشات، ولن  تجد إلا قليلا من النساء يعرضن قضايا المرأة المصرية ويدافعن عن حقوقها، فقد ولى هذا العهد بعد زحف دعاة الأصوليين والسلفيين وجند الإخوان المسلمين وتصدرهم قافلة الدعاية السياسية، فمنهم من يرفض الجلوس إلى امرأة لتحاوره في التليفزيون، ومنهم من يحرم زواج الأخ المسلم من غير أخت مسلمة تنتمي للفرع النسائي للجماعة، ومنهم من يرى كراهة في تصويت المرأة في الانتخابات، ناهيك عن تجرئها للترشيح لمنصب ما، ومنهم من يروج بين المسلمين لشن غزوات على ديار غير المسلمين لسبي نسائهم والتمتع الجنسي ببعضهن كملك يمين، وبيع أخريات إذا ضاقت ذات اليد.

وطبعا يرى كثير من "أنبياء" العصر الحديث أن خروج المرأة للتظاهر وسط الرجال وإطلاق صوتها عمل مشين من الأساس يجلب عليها سخط الله وغضبه، فالمرأة عورة أو نجاسة يجب عزلها، فإن لم تعزل في البيت ففي خيمة سوداء تخفي سوءاتها إذا اضطرت لمغادرة بيتها والخروج إلى الشارع.

لذلك لن يكون مفاجئا أو مستغربا أن يخرج علينا من يفتي بأن دية الفتاة التي استشهدت خلال المظاهرات نصف قيمة دية الشهيد من الرجال، هذا إن أفتى أصلا بأحقية أهلها في الدية لأن خروجها في المظاهرات باطل، وما نتج عن باطل فهو مثل ما ترتب عليه، ومع ذلك يصر أولئك المؤمنون الجدد على التأكيد أن الفتاة كانت قد "تحجبت" قبل قتلها، وكأن الحجاب هو بطاقة الدخول إلى الجنة مع غيرها من الشهداء!

لقد حصر أولئك مفهومهم للمرأة في منطقتين فقط؛ فرجها ونهديها؛ فالأول وعاء لإمتاع الرجل وإشباع نزواته وشهواته واستقبال بذور نسله - ويا حبذا لو كان من الذكور - والثاني لإرضاع الخلف ما روض الآباء نساءهم عليه من الخنوع والانصياع لما يؤمرن به.

للأسف الشديد هذا هو مصير المرأة الذي يسعى جند السلفيين والأصوليين وغيرهم من المتأسلمين لدفعها إليه، لأنهم لا يرون إلا أنفسهم ولا يطيقون وجود غيرهم، وإذا قدر لغيرهم أن يتواجد فليكن أسيرا ذليلا بلا إرادة.

إن كرامة الوطن من كرامة المرأة، بل لعلي لا أبالغ في القول بأن المرأة هي الوطن؛ فهي التي خلقها الله مع الرجل من نفس واحدة، وهي الأم التي تحمل وتلد وتربي، والزوجة التي تشارك الرجل في عراك الحياة، وهي الناقلة الأمينة لعادات وتقاليد الشعوب والأمم منذ فجر التاريخ. فكيف تستقيم أمور وطن تقهر فيه المرأة وتسلب حقوقها، وكيف لوطن أن ينهض ويتقدم ونصفه كسيح مكسور الجناح، وكيف لشعب أن يرتقي بين الأمم وأمهات رجاله سبايا وجواري ومحظيات لأمراء التعصب والكراهية والتمييز بين البشر؟

ولننظر حولنا لنرى أي الأمم تقدمت! أهي الأمم التي حبست نساءها خلف جدران عادات وتقاليد يمكن فهم دوافعها من منظور تاريخي وبيئي اختلفت ظروفهما الآن؟ أم هي الأمم التي أقرت حقوق المرأة وأفسحت لها المجال في بناء مجتمعاتها وصياغة مستقبلها؟

قد يتحجج البعض بأن إطلاق الحريات في مجتمعات الغرب وأمريكا يعني الإباحية والانحلال الأخلاقي وانتشار الفاحشة في المجتمعات، بهدف تضييق الخناق على المرأة المصرية، ولكن من قال بأن علينا التخلي عن أخلاقيات مجتمعنا المنبثقة عن عقائدنا الدينية السمحة؟ إن احترام حق المرأة في حياة كريمة تخلو من القهر والابتزاز والتسلط ركن أساسي من عقائدنا الدينية ، مسيحية كانت أو إسلامية، ولا يعني بحال من الأحوال انتشار الإباحية والفجور، لأن تربية النشء على مكارم الأخلاق تعني حسن تربية الذكر والأنثى ـ الرجل والمرأة ـ بنفس القدر من الالتزام والموضوعية.

لماذا إذن نظل ننظر إلى كل أمور حياتنا من زاوية الجنس والجنس فقط؟ وأين فضيلة غض البصر وحفظ الفرج للرجال والنساء على حد سواء؟ وأين عقول الرجال التي تتوقف عن التفكير والعمل كلما وقعت أعين أصحابها على وجه أو رأس امرأة، أو تلقفت آذانهم صوت الأنثى؟

بأي منطق إذن نربي بناتنا في البيوت والمدارس؟ هل باعتبارهن ناقصات عقل ودين؟ وهل المرأة المصرية دون غيرها عاجزة عن الاعتداد بنفسها وشخصيتها وعقيدتها فتميل كل الميل إلى الفسوق والفجور والعصيان؟!!

والسؤال الآن: هل ترفض الثورة المصرية ثقافة "تغليف ـ وربما تحنيط - المرأة" عقلا وجسدا، وتصر على وضع نساء مصر في مكانهن الطبيعي الجدير بهن مع الرجال، كي يساهمن في بناء مصر الجديدة على أسس من العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان الذي كرمه الله؟ أم ستكون الغلبة في مصر بعد الثورة لؤلئك المتعصبين والناقمين والكارهين لنصف المجتمع الذين يطاردون التقدم والتطور ويسعون إلى الزج ليس فقط بنساء مصر، بل بالمجتمع المصري بعنصريه في كهوف الجهالة والتخلف والإذلال؟

 ...............................

 فيينا في 8 يوليو 2011

  23 

ماذا لو، ولماذا لا؟

 

قد يبدو عنوان هذا المقال غريبا لأنه عبارة عن تساؤلات، لكن الواقع المصري المعاصر يحمل من التساؤلات الكثير والكثير في ظل غياب واضح لإجابات محددة تتعلق بمستقبل الوطن بعد أن تشابكت وتداخلت خيوط كثيرة بعضها طبيعي وأغلبها مصطنع.

والواقع أن تعدد اللاعبين "المنفردين" في الساحة الوطنية يجعل إمكانية حصر اللاعبين إلى فرق أمراً عسيراً، فبعد أن أطلق المصريون صوتاً واحداً خلال فترة الفورة التي انطلقت يوم 25 يناير وحتى رحيل الرئيس السابق يوم 11 فبراير 2011، بدأت أصوات العازفين تنسلخ وتشذ عن الأداء الجماعي لأوركسترا الغضب والأمل الوطني، فأخذ كل فصيل يغني على ليلاه، بل لقد تشرذمت الفصائل إلى كيانات مجهرية لنجد أنفسنا أمام ما يزيد عن مئة وخمسين تكوينا "ثوريا"، وعشرات من فرق الإقصاء الدينية التي خرج بعضها من غياهب الجب، وبعضها الآخر من عباءة الإخوان والجماعات "الجهادية"، إذ انقسم الإخوان المسلمون إلى أكثر من فرقة، وكذلك فعل السلفيون، ثم ما أعلن عن نية تأسيسه من أحزاب سياسية جديدة، ناهيك عن تعدد الميادين المتباينة فبجانب ميدان التحرير في القاهرة وأمثاله في عواصم محافظات مصر الأخرى، برزت ميادين أخرى كمصطفى محمود وروكسي والعباسية في القاهرة وحدها، بخلاف ميادين مشابهة أقل شهرة هنا أو هناك على امتداد الوطن.

هذا على الصعيد الشعبي المنقسم شكلاً ومضموناً، بين مطالبين بدولة مدنية، وآخرين بدولة دينية، بين مطالبين بدستور حديث ومعاصر، وآخرين لا يرون ضرورة لدستور "وضعي"، ويرون في أثر السلف ما يكفي ليس فقط لحكم مصر، بل كل العالم.

لذلك ماذا لو أدرك الفرقاء أنه ليس من حق أي فريق أن يحتكر مصر لنفسه، وأن اختلاف الرؤى دليل على سلامة العقل والبصيرة، لكن هذا الاختلاف الصحي لا يعني التخندق الفكري والسعي لإقصاء المخالفين في الرأي؟

ولماذا لا يتكاتف المصريون إلا عند الشدائد؟ هل يعلمون أن أوقات الشدائد والأزمات هي حالات استثنائية في تاريخ الأمم، أما القاعدة فهي حالات الاستقرار؟ لماذا لا يدركون أن الشدائد لا تصنع الرخاء ولا تحقق التقدم، وإنما تختبر قدرة الشعوب على تجاوز المحن وتحقيق الاستقرار الذي يمثل المناخ الطبيعي والصحي لتحقيق طموحات الشعوب؟

أما على صعيد الدولة فليس ثمة اختلاف كبير؛ فهناك مجلس عسكري يحكم من وراء ستار رغم تكرار ظهور ومداخلات عدد من أعضائه في وسائل الإعلام الرسمي والخاص، حيث يصر المجلس حتى الآن على إصدار مراسيم وقوانين وبيانات تثير من الخلاف أكثر من التوافق على الأقل للوهلة الأولى؛ إذ لا يكفي أن يخرج علينا ممثلو المجلس لتبرير قراراتهم وإجراءاتهم التي لا تصدر في الغالب إلا بعد حالة من الاحتجاج الشعبي الصريح.

ماذا لو خرج علينا رئيس المجلس الأعلى مرة كل شهر وخاطبنا بلغة واضحة عن أوضاع البلاد والعباد؟ ماذا فعلنا في أمسنا، وماذا نحن فاعلون في يومنا وغدنا؟ وأي المشاكل ما زلنا نواجه، وأيها استطعنا حله؟ أمور كثيرة يمكن للسيد حاكم البلاد أن يلقي الضوء عليها لتتضح الرؤية، ولا يبقى الشعب رهينة للشائعات والقيل والقال. ولماذا لا يولي المجلس الأعلى أهمية لطمأنة الرأي العام المصري، ويقر بأن له الحق في تلقي المعلومات والبيانات من مصادرها الموثوق بها، وليس من ألسنة المتحدثين في الفضائيات أو الناشرين في الصحف والهامسين في الآذان؟

وقس على ذلك أيضا سلوك الحكومة المؤقتة التي عينها المجلس العسكري بلا صلاحيات حقيقية في بداية الأمر، ثم أيقن أن احتراق الحكومة من لهيب الغضب الشعبي قد يلحق به أيضا فيقرر إجراء تعديل وزاري لم يعلن بصراحة عن معايير إخراج وزير وإدخال آخر، وكلنا عاصر الفصول الهزلية التي صاحبت التعديل الوزاري الأخير.

لذلك فقد أحسن المجلس العسكري صنعا بإعلانه تكليفات واضحة للوزارة المعدلة.

ماذا لو أن الحكومة أصدرت بيانات دورية عن الحالة الصحية للرئيس السابق، بدلاً من ترك الساحة لإشاعات تنهش في مشاعر وعواطف المصريين من معارضين للرجل أو متعاطفين أو مؤيدين له. أليس غريبا أن تميت الشائعات الرئيس السابق أكثر من مرة خلال أيام قلية، ثم تعيده شائعات أخرى إلى الحياة مكتئباً أو رافضاً للطعام أو مضرباً عنه؟

إن من يتتبع فقط الأخبار التي تداولت عن استقدام الطبيب الألماني، ثم نفي تلك الأخبار يصاب بالحيرة، ويفقد تدريجياً الثقة في كل ما ينشر في وسائل الإعلام التي تنسب ما تنقله من أخبار إلى "مصادر مطلعة أو عليمة"، سواء في نفي الخبر أو إثباته! 

والسؤال الآن: ماذا لو كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد حدد منذ إعلانه انحيازه للإرادة الشعبية قبل رحيل الرئيس السابق التزامه بتنفيذ التحول الثوري الذي ينشده الشعب المصري؟ ولماذا ظل المجلس مترددا في حسم العديد من الأمور؟

ماذا لو انسقنا وراء اتهام المجلس الأعلى للقوات المسلحة لبعض الحركات الاحتجاجية بالعمالة والعمل لصالح أجندات أجنبية لأن بعض أعضاء تلك المنظمات تلقى تدريبات في عواصم أجنبية أو لأن تلك الجمعيات تلقت أموالا من جهات أجنبية؟

لماذا لا نسيء الظن إذن بالقوات المسلحة التي تتلقى معونات مالية وعسكرية من أمريكا وكذلك تدريبات لقادة الجيش على مختلف مستوياتهم، بل ويشارك الجيشان المصري والأمريكي في مناورات بحرية وجوية وبرية منذ عشرات السنين؟ ثم ألم يقطع رئيس الأركان الحالي - وهو أيضا نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم ـ زيارته لأمريكا بعد اندلاع أحداث يناير في مصر؟ هل عاد سيادته مكلفا بتنفيذ أجندة أمريكية؟ وهل كان انحياز قيادات الجيش لشعب مصر تحقيقا لرغبة أمريكية إذن؟

ماذا لو اتهمنا كل من تعلم أو تلقى تدريبا في الخارج بالعمالة وربما الخيانة؟ ربما كان علينا أن نسأل أنفسنا؛ هل نحن قادرون على تعليم وتدريب المصريين في وطنهم بحيث لا يحتاجون على مساعدات أجنبية قد تجرهم إلى خيانة وطنهم والعمالة لأعدائه؟

لماذا نستسهل اتهام غيرنا ورميه بالحجارة وبيوتنا من زجاج؟   

لقد ترددت في الأيام الخيرة أقاويل أو إشاعات أو أخبار عن محاولة فاشلة لاغتيال اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق ليل التاسع والعشرين من يناير، وقيل أيضا أن رئيس قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري رفض إذاعة قرار عزل المشير طنطاوي وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبيل الإعلان عن تخلي رئيس الجمهورية السابق عن منصبه.

ألا تستحق كل هذه "المعلومات" توضيحاً صريحاً من أطرافها؟

ماذا لو خرج اللواء عمر سليمان عن صمته السلبي ـ في هذا الظرف بالتحديد - ليؤكد أو ينفي الواقعة؟ فإذا كان الخبر صحيحا، فأين حق من سقطوا قتلى أو أصيبوا خلال عملية الاعتداء على موكب نائب الرئيس السابق؟ وهل تضيع دماؤهم هدراً دون أن يطالب أحد بمحاكمة الجناة؟ وماذا عن أسر هؤلاء الضحايا؟ إذا كان قد تم التكتم على الأمر محاباة للرئيس السابق وشلته، فهذا جرم كبير في حق هذا الوطن ومن سقط من أجل استرداد كرامته من الشهداء!

وهل تقدم اللواء سليمان ببلاغ للنيابة العامة أو العسكرية للتحقيق في الواقعة ومحاكمة الجناة؟ وأين النائب العام المدني أو العسكري؟

ماذا لو أن اللواء عمر سليمان لم يتقدم فعلاً ببلاغ ضد مرتكبي محاولة اغتياله؟

قد يرى البعض أن من حق الرجل أن "يطنّش" على الواقعة، وقد يكون ذلك مفهوماً، إن كان الرجل خارج الخدمة! لكن الأمر هنا يتعلق بنائب رئيس الجمهورية آنذاك، وهل من حقه أن يتغاضى عن طلب القصاص لمن قتل من رجال حراسته الشخصية؟ ألم يكونوا موظفين عموميين في خدمة نائب رئيس الدولة، أم أنهم مرتزقة يقبضون مقابل عملهم من المال الحر للرجل؟!

إن استمرار الصمت على هذه "الواقعة" دليل على التواطؤ ضد حقوق هذا الشعب؟ ولماذا لا يتقدم أحد المهتمين بالشأن العام في مصر ـ وما أكثرهم ـ ببلاغ للنائب العام لفتح هذا الملف الخطير؟

وماذا لو كان النائب العام قد علم فعلاً بهذه الواقعة دون أن يتدخل؟ ولماذا لا يحاسب على تقاعسه عن القيام بواجباته نحو الوطن والشعب؟

أما ما تردد عن خبر إقالة المشير طنطاوي، فلماذا لا ينفي الرجل هذا الخبر إن كان كاذباً؟ فإن لم يكن كذلك، فلماذا لا يوضح لنا ملابسات هذا القرار وسبب اتخاذه؟ هل لأنه ـ كما قيل - رفض تنفيذ أمر قائده الأعلى بإطلاق النار على المتظاهرين؟ ولماذا لا يدلي بشهادته في هذا الأمر، ومحاكمة قتلة المئات من المصريين على وشك البدء؟

وماذا لو امتنع المشير عن الإدلاء بشهادته؟ هل هي تغطية وحماية للرئيس السابق؟

لماذا لا يدرك رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن تطهير البلاد من المفسدين يقتضي الحزم والحسم؟

لقد كنا جميعا نشفق على الرئيس السابق حتى فوجئنا بحجم الفساد الذي استشرى في البلاد؟ وحجم ما نهب من أموال الشعب، وهول ما حدث للقتلى والمصابين من المتظاهرين طلبا للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. أما الآن وقد اتضحت بعض ملامح الصورة ـ لأن هناك فيما يبدو من يصر على استمرار التعتيم ـ فكل من يتستر على جريمة فساد مالي أو أخلاقي أو إداري - شريك في الجريمة ويجب أن ينال نصيبه من العقاب.

إننا لا ننكر فضل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حماية ثورة المصريين، أوليس أعضاء المجلس من لحمنا ودمنا، وكذلك مخصصاتهم المالية؟ لكننا في نفس الوقت نطالب أعضاءه بالانحياز لآمال الوطن وحق شعبه في حياة كريمة ومستقبل أفضل. إننا نطالبهم بطي صفحة الماضي بفساده الكئيب وفتح صفحة جديدة من المكاشفة والانحياز للحقيقة، للوضوح، وطهارة اليد. إن نجاح الثورة سيقاس بما ستحققه من إصلاحات في المجتمع؛ مجتمع يقوم على العدل والعدالة والاعتدال، لا تستر فيه على جريمة صغيرة كانت أو كبيرة، مجتمع يعلي قيمة كرامة الإنسان؛ فقيره قبل غنيه، وضعيفه قبل قويه، ونسائه قبل رجاله، ومواطنيه قبل حاكميه لأنهم سيصيرون خادميه!

 

  24 

تعالوا نتصارح! 

منذ منتصف فبراير 2011 تتوالى المشاهد الأليمة والمأساوية بامتداد أراضي مصر من جنوبها لشمالها ومن شرقها لغربها، وكلها مشاهد توحي بالأسى والقلق على مستقبل مصر وشعبها لأنها تشير إلى بوادر تفتت الأمة المصرية وتصارعها مع إبراز أسوأ ما يمكن أن يتصف به شعب من خصائص في أوقات الأزمات وهو الأنانية والنزعة الفردية وإنكار الآخر.

نعم لقد أفرزت الفورة ـ الثورة - الشعبية التي دامت 18 يوما العديد من الجوانب الإيجابية في الشخصية المصرية حين توحدت كلمة الجماهير وتناسقت مع تطلعاتها نحو حياة أفضل لأمة عاشت قرونا طويلة تعمل وتكدح لمصلحة غيرها من المستعمرين الأغراب والحكام المستبدين، لكنها طوال تلك القرون كانت متماسكة البنيان تناضل من أجل حريتها واستقلالها وتحقيق الرخاء لشعب ابتدع الحضارة وأبدع في التغلب على مصاعب الحياة وشظف العيش بصبر وجلد وإيمان بحتمية انقشاع الظلمات مهما طال أمدها وامتدت أطرافها.

أما الآن فنحن أمام شعب يترهل ويتفتت على أيدي أبنائه الذين يتصارعون على حكمه واقتطاع ما يمكنهم من مقدراته وخيراته. لذلك فهذه دعوة للتصارح والمصارحة أتوجه بها إلى كل المصريين، راجيا أن تتسع صدور العقلاء منهم فيراجعوا مواقفهم في وقفة مخلصة مع النفس بتجرد وموضوعية.

أولا لم يحسن المجلس العسكري إدارة ملف الأزمة منذ تلقيه مسئولية إدارة البلاد، إذ تصور أعضاؤه أنهم أمام أفراد وحدة عسكرية داخل الجيش تتلقى الأوامر وتنفذها دون جدال أو حوار، ونسوا ـ أو أغفلوا - أنهم أمام شعب أرهقته المشاكل وأطبق الفساد على مقدراته وحرم حكامه أغلبيته من خيرات بلادها لعقود طويلة. شعب يعيش في القرن الحادي والعشرين في عالم سماواته مفتوحة يرى غيره من شعوب الأرض وقد تحررت من الأغلال وتنعم بالحرية، ويرى ويتابع حكومات في مشارق الأرض ومغاربها تسعى إلى إسعاد شعوبها، حكومات تخدم ولا تحكم، وإن حكمت فلا تتحكم، بينما المصريون يرزحون تحت نير الظلم التعسف والفساد.

نعم لم يدرك أعضاء المجلس العسكري الحاكم أن الفورة ـ الثورة - الشعبية قد أسقطت هيبة المناصب والألقاب وحطمت حواجز الخوف في نفوس المصريين وفتحت منافذ لدخول أشعة الشمس داخل أنفاق حياتهم الطويلة والمظلمة، ومن ثم كان على حكام مصر الجدد أن يتوقعوا ألا يرضخ المصريون لأوامر قادة أسلحة الجيش المصري الوطني، الذين تربوا على أن يأمروا فيطاعون.

أخطأ المجلس العسكري باستخفافه بطبيعة المرحلة التي أعقبت تخلي الرئيس السابق عن منصبه، فلم يحسم مسألة تغيير النظام بطريقة تتناسب مع متطلبات أغلبية الشعب في التغيير، فاكتفى المجلس بالصمت ومتابعة ما يقرره مكتب النائب العام من حبس هذا أو تقديم ذاك للمحاكمة، وظلت قيادات الدولة كما هي في مواقعها دون تغيير، بل تمادى المجلس في غيّه وممارساته السلبية بالإبقاء على عدد من الوزراء من حكومات سابقة، ثم اضطر أحيانا لإخراج بعضهم من تشكيل وزارات ما بعد 25 يناير، والإبقاء على آخرين، وكأن مصر لم تنجب من المواهب والكفاءات غير أولئك.

كذلك لم يدرك المجلس العسكري في ظني ـ وليس كل الظن إثما - أن إعداد دستور جديد للبلاد باعتباره في مقدمة أولويات مرحلة التغيير هو حجر الأساس الذي سيقوم عليه بنيان مصر الحديثة، فشكل لجنة قامت بتعديل ثمان أو تسع مواد أجري عليها استفتاء شعبي، ثم أتبع ذلك بإعلان دستوري بمواد أخرى، ليبقى الوضع على ما هو عليه، أي "محلك سر! " - بلغة الجيش - فلا ما استفتي عليه أو ما أضيف إليه يشكل دستورا دائما للبلاد، ولا تضمنت مواده شكل وصورة نظام الدولة؛ هل ستكون مصر دولة رئاسية أو برلمانية أو توليفة من كليهما!

لو كان المجلس العسكري قد بادر إلى الدعوة لانتخاب لجنة تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد في الأسابيع الأولى التي أعقبت توليه أمور البلاد ثم أجري استفتاء شعبي عليها في شهر مايو الماضي مثلا، لكنا قد وفرنا على أنفسنا حالة الارتباك التي تعيشها مصر الآن، وركزنا جهودنا في بناء مؤسسات دولة مصر الحديثة بدلا من الجدل والسجال القائمين حول وثيقة السلمي التي طرحت في توقيت غير ملائم بالمرة، إذ أننا أصبحنا أمام "خلطة دستورية" ارتجالية تتمثل في بضعة مواد تم تعديلها باستفتاء مارس، ثم إعلان دستوري من المجلس العسكري، وأخيرا وثيقة أخرى بمبادئ دستورية حاكمة تطرحها الحكومة، وكل ذلك في انتظار تشكيل لجنة أخرى لصياغة الدستور، الأمر الذي زاد من حالة الارتباك السياسي ساهمت في تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وتمزيق النسيج الاجتماعي للوطن. 

حقا لقد بدا وكأن المجلس العسكري ترك الحبل على الغارب يتجاذبه كل من يريد، ويرخيه من يريد، أو لا يقدر على جذبه، فأرخى الأمن حبل مصر، وتجاذبه انتهازيون جدد من شتى الانتماءات السياسية والعقائدية وحددت أطره جماعات من البلطجية والمجرمين المحترفين، في وجود حكومة ضعيفة باسطة ذراعيها وغير قادرة على رؤية الطرف الآخر من الحبل، ناهيك عن الإمساك به.

قس على ذلك ما شئت من تصرفات المجلس العسكري، سواء في تعامله مع ملف الفتنة الطائفية وأحداث سيناء والاعتداء على سفارة إسرائيل وملف تنمية مصر وانتشالها من عثراتها وثورات الشعوب العربية في ليبيا وسوريا واليمن!

لذلك رأينا المجلس العسكري يصدر قرارات ـ أغلبها كرد فعل - ثم يتراجع عن بعضها أو يدخل على بعضها الآخر تعديلات لتزداد بتصرفاته رخاوة الدولة وتتوارى هيبة القانون، فتقع أحداث أطفيح وقنا وقبلهما قطع الأذن في أسيوط، ثم تندلع أحداث إمبابة والمقطم ومنشية ناصر ثم تتوج بمأساة ماسبيرو، وما يحدث بصورة شبه يومية في أرجاء مصر من قطع طرق واعتصام هنا واحتجاج هناك، فتتعطل مصالح البلاد والعباد، وتتآكل مع كل ذلك مصداقية الدولة، وتتراجع قدراتها الاقتصادية، فترتفع البطالة ويزداد الفقر، وتطغى مظاهر الفوضى، ليبدو الأمر في النهاية وكأن ما يحدث في مصر عقاب للمصريين على تجرئهم على الخروج عن طاعة الحاكم وإصرارهم على تغيير النظام السابق - عفوا القائم!  

ثانيا: لقد اخطأ شباب "الثورة" أن أحسنوا الظن بآبائهم الذين اقتحموا ساحة النضال بعد تخلي الرئيس السابق عن منصبه، فأخذ الشباب يتراجع أمام قوى عديدة طفت على سطح الأحداث، ظنا من أولئك الشباب أن الآباء سيحملون رايات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنهم فوجئوا بالآباء يرفعون رايات الانتقام وتصفية الحسابات واقتناص الفرص للقفز على مقاعد السلطة لإقصاء الغير واستحواذ النفوذ.

لا أريد أن أتصور مشاهد الانتفاضة الشعبية المصرية الفريدة والرائعة وكأنها مشاهد لمشاركين في مناسبة اجتماعية ولتكن جنازة نظام استبدادي توافد المشيعون عليها من كل صوب وحدب مدفوعين بدوافع شتى ثم تجمعوا أمام مقبرة ـ محكمة - النظام في انتظار مراسم الدفن، وكأن رحيل رئيسه عن سدة الحكم ومثوله طريحا في قفص اتهام هو نهاية المطاف، ليتفرقوا بعد ذلك كل إلى حال سبيله، وقد تركوا للكبار وحدهم مهمة ومسئولية ترتيب البيت المصري الجديد.

لقد أخطأ شباب مصر الثائر بتضييق زاوية رؤيته للواقع المصري حين حصروا خصومهم في كل من كان ينتمي من قريب أو بعيد لحزب النظام السابق فتعالت الأصوات تطالب بالإقصاء أو العزل والحرمان دون ثبوت جرم، وهو أمر يجب أن يترك للقضاء، وأغفلوا أن بعض الحركات السياسية التي تمتطي ظهر الدين لا تقل خطرا على مستقبل وحدة وتماسك الشعب المصري عن أولئك الذين أفسدوا الحياة السياسية طوال العقود الأخيرة.

أليس في إصرار الشباب على وحدانية دائرة الاستعداء خطرا مضافا على ثورتهم؟ ألم يكن من الأفضل أن يصروا على تقديم كل من أفسد الحياة السياسية للمحاكمة المدنية العادلة، ثم يحرم المدانون من ممارسة العمل السياسي لفترة محددة؟

إنني على يقين أن تركيز شباب الثورة على "فلول" الحزب الوطني دون غيرهم، وترك الحبل بطرفيه على الغارب أغرى المجلس العسكري بالاجتهاد في مستقبل مصر، كما أغرى القوى المتأسلمة الصاعدة بتصدر المشهد السياسي حيث تلوح تارة بكتاب الله، وتارة أخرى بسيف الجهاد في سبيل مقاعد البرلمان، وكرسي الرئاسة!       

ثالثا: لقد أخطأ الآباء باستهانتهم بقوة وقدرة أبنائهم على التمرد واستهتروا، وظنوا ـ وبعض الظن إثم ـ أنهم الأولى والأحق بقيادة مصر في المرحلة الراهنة ارتكازا على رصيدهم السياسي وخبرتهم الحياتية، في حين أن الرصيد السياسي للكثيرين منهم يشير إلى أنهم كانوا مستأنسين لا يتحرجون من تملق النظام السابق أحيانا والهرولة داخل أروقة مهرجاناته أو للفوز بموضع بارز على موائد ولائمه.     

والواقع أن من يرون أنفسهم كبارا، سواء كانوا ممن يصفون أنفسهم بالنخبة، أو من يرون في أنفسهم حكماء الوطن وحاملي رايات العدل والفضيلة قد خانوا الأمانة التي تسلموها من شباب مصر الثائر، إذ بدلا من أن يفسحوا المجال للشباب ليشارك بفكره وسواعده في بناء مجتمع حديث، زاحموه وحزّبوه وسعوا إلى استقطابه في معارك تصفية الحسابات، سواء مع النظام السابق أو مع الفصائل الأخرى التي يرون فيها تهديدا لنفوذهم المنشود.

فلو أن قوى النخبة السياسية وحدت صفوفها ـ خلال المرحلة الانتقالية الراهنة -  في تيارين أحدهما مدني يضم كل من يرفض الحكم العسكري أو الديني، وآخر للمتأسلمين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم ـ إن أرادوا - بحيث ينضوي من يشاء من شباب الثورة تحت لواء أي من التيارين، أو يشكلوا حزبا خاصا بهم، بحيث تطرح على الساحة خمسة أو ستة أحزاب وليس خمسين حزبا تشتت أصوات الناخبين في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التكتل والتوحد كي نعبر معا هذه المرحلة الراهنة من تاريخ مصر بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

رابعا أخفق الإعلام المصري في اغتنام مساحة الحرية غير المسبوقة التي تعيشها وسائله المختلفة، فبدلا من تبني منهج التنوير السياسي، آثر اللهاث وراء عوائد الإعلانات المالية بشحذ الهمم بين الخصوم السياسيين بالتهافت على تحويل القنوات الفضائية إلى حلبات لمصارعة ثيران السياسة والدين وأفرد مساحات للسباب و"الردح" بين مروجي الفتنة وحاملي حقائب التحريض والتخوين والإقصاء وكلها حقائب ملغومة ينفجر بعضها من آن لآخر فيهدم ركنا من أركان استقرار الوطن.

لقد تنافس كثير من "الإعلاميين" طوال الشهور العشر الأخيرة على إبراز المتناقضات في الوطن ناسين أن نسبة الجهل المرتفعة في المجتمع تمثل التربة الخصبة لانتشار الغلو والتشدد واحتقار الآخر، بدلا من السعي على إبراز القواسم المشتركة بإتاحة مساحات أوسع وأرحب للمعتدلين ودعاة التوافق من المصريين، وتجاهل مقصود - ولو مؤقت - لدعاة الفرقة والتطرف الذين لا يخجلون من صب مزيد من الزيت على النيران المتأججة معتقدين أن ما قد يتبقى من مصر بعد احتراق أطرافها وقلبها كاف لإقامة دولتهم المنشودة!

لماذا تستسلم مذيعات ومحاورات في الفضائيات المصرية لابتزاز بعض الغلاة وإصرارهم على قبول التحاور معهن بشرط ارتداء هذه أو تلك ملابس معينة؟ ولماذا تتخلى إدارة المحطة الفضائية عن مبادئها ـ إن كان لها مبادئ - نظير زيادة حجم الإعلانات في حالة تكرم هذا أو ذاك بالحديث مع مذيعاتها بشروطه؟

خامسا، لقد ارتكبت الحكومة الحالية الكثير من الأخطاء حين ارتدى رئيسها وأعضاؤها قفازات حريرية ليمسكوا بزمام الأمور في مصر بعد الثورة، فلم يقدموا الجناة في أحداث الفتنة الطائفية المتتابعة، ولا الجناة الذين قطعوا الطرق في قنا وغيرها من مدن مصر، ولم ينجزوا ما وعدوا بإنجازه من إصلاح وتغيير وقوانين.

لن أسهب في الحديث عن الحكومة الحالية لأن لها أذن من طين وأخرى من عجين، وربما كانت مغلولة اليدين حتى وإن تزينتا بقفاز من الحرير.

سادسا وأخيرا، ليس من الغريب أن تمر مصر ـ كغيرها ـ من الدول التي تقدم على دخول طريق الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ـ بظروف مشابهة لأوضاعنا الحالية، فهذه طبيعة البشر، لكن الغريب أن نغلق أعيننا عن واقع بلادنا، ولا نسعى إلى الاستفادة من تجارب غيرنا من الشعوب التي نهضت وتطورت.

حقا إن من لا يعمل لا يخطئ، ولكن الحكمة تقتضي أن نستفيد ونتعلم من أخطائنا وأخطاء غيرنا، وصحيح أيضا أن لكل جواد كبوة، ولكن هل كل من يركضون في الساحة المصرية جياد؟!               

 

  25 

تعالوا نتصالح

 

"تعالوا نتصارح!"، كان عنوان المقال السابق الذي عرضت فيه أوجه الخطأ والقصور لدى أطراف العملية السياسية في مصر. وفي هذا المقال أدعو المصريين إلى التصالح لإيماني بأهمية وضرورة المصارحة قبل المصالحة حتى يتبين كل منا موضع أقدامه في مشوار العمل السياسي في مصر الجديدة.

والآن وبعد انتهاء المرحلة الأولى من انتخابات البرلمان الأول بعد الثورة أو "الفورة"، وبداية اتضاح معالم الجهاز التشريعي الأول يمكننا القول أن الكثيرين فوجئوا ومنهم كثيرون أيضا صدموا بحجم ما تحقق من نجاح للتيار الإسلامي على حساب تيارات مدنية أخرى، القديم منها والحديث.

* والآن يجب على كل أطراف العملية السياسية في مصر أن تراجع أنفسها، وإذا لامت فلا تلوم غير نفسها، وأن يبادر كل طرف بمد يديه للأطراف الأخرى المتواجدة معه على ظهر السفينة المصرية، وأن يدرك الجميع أن مصر تتسع لهم جميعا، وأن الجماهير تكافئ ـ بسخاء - من يعمل وسطها ويعي مشاكلها وهمومها، وليس من يجلس في "صوبات زجاجية" يخشى الخروج منها فيتلقف عواصف ولهيب الواقع ويخفق في كسب ود المصريين ودعمهم.

* والواقع أن نسبة التصويت في انتخابات المرحلة الأولى - رغم ارتفاعها الواضح - تشير أيضا إلى امتناع نحو 40% من المواطنين عن المشاركة في هذه التجربة الفتية غير المسبوقة في مصر. ومع إدراكنا لحرص أتباع التيار الديني بمختلف ألوانه على التصويت لصالح هذا التيار الناهض من جحور الحظر والاضطهاد يمكننا القول أن التيار الإسلامي بأجنحته الإسلامية والمتأسلمة قد حصل على أكبر قدر ممكن من أصوات مؤيديه ومريديه، في حين أثر غياب نحو 40% من أصوات الناخبين الذين كان من الممكن أن تصب أغلبيتها في مصلحة التيار المدني فترفع المحصلة النهائية لهذا التيار. بالإضافة إلى ذلك فإن تشرذم التيار المدني وتعدد فروعه أدى في المقام الأول إلى عزوف 40% من المصريين ـ وهي نسبة كبيرة - عن تكبد مشقة الوقوف في طوابير التصويت، وكذلك إلى تفتت أصوات نحو 40% من الناخبين وتوزعها على أكثر من فصيل.

أي أن حصول التيار الإسلامي والمتأسلم على 60% من 60% من الناخبين يشير إلى أن شعبية التيار الإسلامي بكل أطيافه تتراوح بين 30% و35% وهي نسبة معقولة لا يجب أن تزعج كثيرين من المصريين، فعناصر التيار الإسلامي منخرطة في صفوف المواطنين، إما بالعمل الدعوي أو التحريضي أو الخيري، في حين يندر أن تجد حزبا سياسيا آخر ـ بعد غياب الحزب الوطني - منغمسا في الحياة اليومية للمصريين، وإنما مجرد أصوات تصرخ في الفضائيات، وأقلام تنزف على صفحات الجرائد الحزبية والمستقلة.

* لذلك فلعل نتائج أول تجربة لانتخابات حرة في مصر منذ ستين عاما أو يزيد تحفّز الأحزاب القديمة التي نمت كنباتات ظل في صوبة الحزب الوطني، وظلت تشكو ضيق مساحات حركتها وقلة ما يتيحه لها من هواء تتنفسه، وضوء صناعي يعينها على النمو، ثم أخفقت بعد حلّه في الاعتماد على نفسها، أن تصالح الجماهير المصرية فتضع أقدامها على خريطة همومها وتنخرط في معاشها اليومي.

* إن انتقال السلطة وتداولها عبر نتائج الانتخابات أهم ما يميز العملية الديمقراطية، لذلك فأي دورة برلمانية، طالت أو قصرت، إلى نهاية. لذلك فمن أولويات واجبات أحزاب مصر على اختلاف توجهاتها أن تعد نفسها لما هو قادم، وأن تبدأ بكل جدية في إعداد كوادر حزبية مؤهلة وقادرة على الالتحام مع الجماهير والتفاعل مع مشاكلها، وطرح حلول لها. كوادر شابة ومتحمسة لخدمة وطنها عن طريق الحوار البناء واحترام الآخر فلا ترى غير نفسها، وإنما تنظر إلى المصريين - كل المصريين - من منظور المواطنة والمشاركة، وليس من زاوية التعصب والتمييز.  

* على شباب الثورة أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا تقييم وتقويم مواقفهم التي اعوج الكثير منها بعد أن تفتتوا وتشتتوا وتنازعوا فيما بينهم على إقصاء بعضهم وغيرهم ممن يخالفونهم الرأي، وأن يسعوا إلى التصالح مع النفس والغير. عليهم كذلك أن يعوا طبيعة الشعب المصري الحذرة؛ فالمصريون الذين شربوا من كئوس الظلم والفقر والتجهيل عقودا طويلة يعيبون على كثيرين من شباب الثورة إصرارهم على هدم كل ما هو قديم، قبل أن يتفقوا أو يتوافقوا على طرح بديل واضح لما يريدون هدمه أو تقويضه.

* على أقطاب التيار الديني من الإسلاميين والمتأسلمين أن يعوا أن قواعد اللعبة السياسية تختلف كثيرا عن قواعد الدعوة أو التحريض، وأن يبادروا بالدعوة إلى المصالحة مع غيرهم من القوى السياسية، سواء من فوجئ منهم بشعبية هذا التيار، أو من صدم من حجم نجاحه.

إن قيادات أحزاب هذا التيار وقد عانت من مرارة الإقصاء والحظر والملاحقة مطالبة ـ قبل غيرها - بفهم هواجس المتوجسين من نشوة النصر التي دفعت بعض تلك القيادات إلى التلويح بسيف "الأسلمة"، ربما على حساب المخالفين لهم في التوجهات السياسية أو العقائد الدينية. على هذه القيادات أن تدرك أن مصر دولة ذات تركيبة اجتماعية وروحية خاصة، تختلف عن دول كثيرة في المنطقة، وأن المصريين على تنوعهم شعب متجذّر في أرضه لا يسهل خلعه منها.

* إنني على يقين أن جلوس عناصر من التيار الإسلامي والمتأسلم على مقاعد البرلمان الجديد جنبا إلى جنب مع ممثلي التيار المدني سيشكل ثقافة مختلفة للحوار تجعلهم يزنون أقوالهم تحت قبة البرلمان ويدركون أن لغة المسئولية تختلف كثيرا عن لغة المواعظ التحريضية في المساجد والزوايا والأسواق، فها هم الذين كفروا من قبل الديمقراطية والصيغة البرلمانية للحكم يتصارعون ويتناحرون على الظفر بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وهاهي صورهم بلحاهم السوداء الكثيفة - وقد حرّموا الصور والتصوير من قبل - تنتشر في شوارع مدن مصر وقراها، وهم الذين كانوا بالأمس يأمرون الناس بالبر، واليوم ينسون أنفسهم.

* على المجلس العسكري أن يمهد نفسه ويعدها للانسحاب من العمل السياسي ليتفرغ لمهامه ومسئولياته الأصيلة، وأن يستفيد من تجربته في حكم البلاد وإدارة شئونها التي أكدت ضرورة تولي الساسة أمور السياسة، وأن الجيش المصري مؤسسة مصرية كغيرها من مؤسسات الدولة الحديثة ليس على رأسها ريشة طاووس.

لذلك فحري بالمجلس العسكري أن يمد يد المصالحة لكل القوى التي اختلفت معه حول أدائه في المرحلة الراهنة وليس حول رسالته الدائمة.

* أما وسائل الإعلام فعلى القائمين على أمورها أن يتقوا الله في مصر وشعبها، وأن يدركوا أن المكاسب المادية التي يحققونها من حصيلة الإعلانات والدعاية في معركة التحريض وإبراز النقائض والنقائص قد تنضب أسرع مما يتصورون، إذا تهاوت أركان وثوابت مصر وتحطمت آمال شعبها على أنقاض الفتنة الطائفية والتعصب الديني والتطرف.

على وسائل الإعلام إذن أن تحتضن المصالحة القومية وأن ترعاها، فلا تفسح مجالات لدعاة الفرقة والتشرذم والتخلف، وأن تتبنى وترعى أصوات العقل والحكمة، أصوات الدعوة إلى التقارب وليس التنافر، أصوات تحث على الالتفاف حول مصالح مصر وشعبا. أصوات تدرك وتؤمن أن مصر لكل المصريين على اختلافهم، وأن الدين لله الذي لا خلاف حوله.    

* علينا جميعا أن ندرك أن في تصالحنا مصلحة لنا، لأن الحمل ثقيل ولن يقدر فصيل وحده على حمله وتحمّل مسئوليته. لأن من مصلحتنا أن تؤدي مصالحتنا إلى توافق أولا حول لغة الحوار بيننا، وثانيا حول الأهداف الكبرى التي نبتغي تحقيقها لمصر والمصريين، إذ يجب علينا أن نفكر سويا في إصلاح وتطوير التعليم، ومؤسسات الرعاية الصحية، وتحديث الصناعة، ورعاية فلاحي مصر والرقي بقطاع الزراعة، والنهوض بالمناطق العشوائية وسكانها، ومناهضة الفساد والمفسدين، وتحقيق توازن بين شرائح المجتمع المختلفة بتحقيق عدالة اجتماعية، وبالتوازي مع كل ذلك تطوير قطاع الأمن لتحسين أداء أفراده وتحقيق المصالحة بين الشعب والساهرين على أمنه ورخائه.

* هل تستحق هذه الأهداف النبيلة أن نقف طويلا أمام ما ترتديه النساء على شواطئنا، أو ما يشربه السائحون في الفنادق، أو شكل ونوع ما تغطي به نساؤنا رؤوسها، وشكل سراويل أو طول ولون وكثافة لحى رجالنا؟

هل تقتصر نظرتنا وفهمنا لديننا على الجوانب الجنسية، وهل تنحصر أمور دنيانا في عورات النساء والرجال؟

أسئلة أطرحها على كل ذي عقل وإدراك، وكلي أمل أن يحاول دعاة الانغلاق أن يتصالحوا مع أنفسهم أولا، وأن يراجعوا مواقفهم، وأن يمتلكوا قدرا من الشجاعة يعينهم على تصويب رؤاهم فيمدون أيديهم إلى غيرهم لتتحالف سواعد المصريين مع عقولهم من أجل النهوض بهذا الوطن وشعبه الذي يستحق مكانة ومكانا أفضل بين أوطان وشعوب الأرض. 

.....................   

فيينا في 10/12/2011

 

 

 

  26 

ثقافة غض البصر عن البدائل

 

قد يبدو عنوان هذا المقال لبعض القراء خروجا مني عن سياق الكتابة في السياسة، لكنه في الحقيقة يصب في نفس البئر، فالسياسة في نظري بئر عميق تتعدد روافد مياهه بين جوفية وسطحية، منها المالح ومنها العذب، ومنها الصافي ومنها العكر.

واليوم أحاول أن أقترب من هذا البئر وألقي بحجر يتمثل في بعض الأفكار التي أطرحها على صناع القرار الجدد في مصر، خاصة بعد أن صدمت بحجم وكم المشاكل التي يعاني منها المصريون الساعون إلى مغالبة برد الشتاء وإطعام أبنائهم بوجبات ساخنة، أو للانتقال إلى أماكن أعمالهم سواء بسياراتهم الخاصة، أو بوسائل النقل الجماعي، وكذلك لنقل منتجات مزارعهم ومصانعهم وبضاعة تجارتهم.

نعم سيكون مقالي هذا عن أزمة صارت مزمنة أو على الأقل موسمية تتمثل في نقص المتاح من الغاز والبنزين والديزل وهي مواد تستنزف من أموال الدولة المليارات "الممليرة" ندبرها إما بالاقتراض، أو بالسحب من أرصدتنا الهزيلة، ونقيس درجة نجاحنا في توفيرها للمستهلكين بما ننفقه سنويا على تلك المحروقات التي تلوث هواءنا وتمرض صدورنا، فتزداد نفقاتنا على علاجها، دون أن نفكر في بدائل متاحة في بلادنا بوفرة وكثرة تحسدنا عليها مجتمعات كثيرة في غرب الأرض وشمالها.

إنها الشمس التي تسطع على أرض مصر نحو 360 يوما من أيام السنة الشمسية وأقل 11 يوما من أيام السنة القمرية. الشمس التي هي مع الماء مصدر كل شيء حي. فهل فكرنا في استغلال هذه النعمة الإلهية، سواء في تدفئة المياه أو لتوليد الكهرباء، فنوفر بذلك ملايين الأطنان من الغاز والبنزين والديزل والمازوت.

ماذا يحدث لو أنفقت الدولة جزءا مما تدفعه دعما للمحروقات التقليدية للمساهمة في تمويل سخانات المياه الشمسية على أسطح عمارات مصر التي تحولت إلى مخازن للقمامة والكراكيب؟ وماذا سيحدث لو أضيئت مصابيح إنارة الشوارع بالخلايا الشمسية "فوتوفولتايك"؟ وماذا سيحدث لو أن الحكومة الرشيدة وجهت وزارة الإنتاج الحربي نحو تصنيع معدات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، وشجعت الأسر المنتجة على تصنيع وإنتاج ألواح تسخين المياه شمسيا؟

تعالوا نتخيل معا مقدار ما سنوفره فقط من غاز تحرقه شعلات سخانات بيوتنا على مدار السنة!

تعالوا نحسب سويا حجم ما سنوفره من غاز أو ديزل أو مازوت يستخدم في تشغيل محطات توليد الكهرباء!

تعالوا نحسب معا عدد فرص العمل التي سنتيحها لشباب مصر، في مجال تصنيع وتطوير تكنولوجيا الطاقة النظيفة، وكذلك أعمال التركيب والصيانة، والعائد المادي والقيمة المضافة لمثل هذه الأنشطة!

تعالوا نحسب بالورقة والقلم كم سنوفر من أموال ومواد نستطيع أن نوجهها لأغراض أخرى؛ فنزيد من حجم الغاز لتشغيل السيارات، فنقلل من كميات البنزين وغيره، فلا نستورد ما نعجز عن إنتاجه، بل ونصدر ما قد يفيض عن حاجتنا!

لماذا لا نفرض على طالبي تراخيص بناء جديدة استخدام الطاقة النظيفة، وكذلك إعادة تأهيل المباني الحالية، سواء للأفراد أو المصالح العامة والخاصة، وتقديم جزء من الدعم لتشجيع المواطنين على الانخراط في حملة قومية للاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة لمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، كالشمس والرياح وغيرهما؟

لماذا لا تتبنى كليات الهندسة في الجامعات المصرية مشروعا كهذا وتشجع طلبتها وأساتذتها على تطوير تقنية توليد الطاقة من الشمس و "تمصير" هذه التقنية بما يناسب ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية؟

ثم لماذا لا تخصص الدولة جوائز تشجيعية تمنح للمبتكرين والمخترعين والمطورين والمصنعين من شباب مصر وشيوخها العاملين في هذا المجال الواعد؟

لماذا لا تسعى مصر إلى علمائها في الخارج للاستفادة من علمهم وخبرتهم في مجالات الطاقة المتجددة والنظيفة، ولماذا لا تشكل الجاليات المصرية في الخارج مجموعات عمل من بين أعضائها المهتمين بهذا الأمر، ويؤسسون شركات لإنتاج وتسويق منتجاتهم؟

وأخيرا لماذا نركن دائما إلى انتظار ما يبتكره أو يطوره غيرنا لنبتاعه منهم بأعلى الأسعار، ونغض أبصارنا عن شمس مصر وعقول وسواعد أبنائها، ونجري وراء سراب الطاقة النووية باهظة التكاليف والمخاطر أيضا، ويحتاج تنفيذ محطة واحدة سنوات وسنوات، نظل خلالها نعاني من نقص في البوتاجاز والبنزين والسولار والموارد المالية اللازمة لشرائها؟

أسئلة منطقية كثيرة وكثيرة وإجاباتها واضحة وضوح شمس مصر!

إننا في حاجة إلى فكر جديد يتناول قضايا مصر ومشاكلها من منظور وطني ويسعى إلى وضع حلول مصرية تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي للمصريين.

كلمة أخيرة أتوجه بها إلى شباب الثوار في مصر: لماذا لا تتحركون للتضامن مع شهداء الأنبوبة، وتعملون على المشاركة الفعلية في تنمية بلادكم؟

ثم كلمة أخرى للدكتور أحمد زويل الذي تحمل مؤسسة علمية عملاقة اسمه؛ لماذا لا تستخدمون الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء لهذا المبنى الفاخر ذي الواجهات الزجاجية؟ إنني على يقين أن كثيرا من المصريين داخل وخارج مصر سيتحمسون لمشروع كهذا ويساهمون في تغطية تكاليفه. فالمهم أن نبدأ، وكفانا انتظارا حتى يأتي الآخرون لنا بحلول لمشاكلنا وكل مكونات حلولها متاحة ومتوفرة لدينا!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيينا في 30 يناير 2012

 

 

 

        27 

تعالـوا نتشـارك!

الآن، وبعد أن أوشكت عاصفة انتخابات مجلسي الشعب والشورى على الانزواء في ركن من أركان الصخب السياسي المضطرب في مصر، أدعو القوى السياسية والفكرية وشباب الثورة المصرية إلى النظر للأمام بدلا من الوقوف في مواضع الأقدام، والتزاحم والتصارع على إقصاء الآخر، أو التقليل من شأنه.

انتهت انتخابات مجلس الشعب بمشاركة شعبية غير مسبوقة، حاول كل طرف من الأطراف المتنافسة أن يفسر من وجهة نظره دوافع المصريين للتصويت لهذا الحزب أو ذاك، ليبرر لنفسه وللآخرين نتيجة التصويت وما أسفرت عنه من تصعيد قوى وتيارات دينية، وتراجع قوى حزبية أخرى ظن القائمون على أمورها أنها مازالت مؤثرة في الساحة السياسية المصرية. أما انتخابات الشورى فالمؤكد أن ضآلة المشاركة الشعبية في التصويت تمثل رسالة واضحة من المصريين موجهة إلى أولى الأمر في الحاضر والمستقبل فحواها ألا حاجة للمصريين إلى مجلس شورى، فهل يؤخذ هذا في اعتبار واضعي نصوص الدستور الجديد؟

ولكن هل فكرنا ـ جميعنا - في الاستفادة من دروس أول انتخابات حرة في مصر؟ وهل أدركنا أن العمل السياسي لا يقتصر على ستديوهات الفضائيات وصفحات الجرائد، أو حتى التظاهر في الشوارع والميادين؛ وإنما الانخراط في العمل الميداني بين المواطنين في الجامعات والمصانع وغيرها من التجمعات؟

يخطئ من يظن أن جموع المصريين تتفهم ما يردده المنظرون من عبارات وما يطرحونه من أفكار ورؤى لا تشبع الجائعين ولا تروي الظامئين، كما لا توفر مأوى لمئات الآلاف من المشردين، ولا عملا لملايين من الشباب تسرب اليأس إلى نفوس معظمهم.

مصر الآن تحتاج إلى تكاتف الجميع وشحذ همم القادرين على العطاء وحكمة العاقلين لتحقيق توافق مجتمعي حول الأولويات وطرح المسائل الخلافية جانبا، وها هي بعض تلك الأولويات أطرحها للتفكير والنقاش:

ـ إن عودة الأمن إلى البيت والشارع المصري أولوية مقدسة تستحق أن نبذل من أجلها كل جهد ممكن، وأن ندرك أن تطهير أجهزة الأمن يجب أن يتم في إطار القانون وليس بدافع تصفية الحسابات أو الانتقام.

ـ أن تتفق وسائل الإعلام الخاصة والعامة على ميثاق شرف يعظم القواسم المشتركة للوحدة الوطنية المصرية، ويتجنب ـ وربما ينبذ - دعاة الفرقة والفتنة، فلا تتاح لهم مساحات في وسائل الإعلام لبث سمومهم بين المصريين.

ـ أن يدرك الجميع ـ وخاصة الشباب - أن التدرج مطلوب في إصلاح مؤسسات الدولة المختلفة - وكلها في حاجة ماسة إلى الإصلاح - وأن يتم الإصلاح وفقا لخطط موضوعية تدفع بشباب القيادات بجانب غير المفسدين من القيادات الحالية حتى تتجاور الخبرة مع الفكرة.

ـ الاتفاق على وضع برنامج زمني لتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين تتوازى جوانبها، مع ضرورة إشراك أكبر عدد ممكن من شباب الخريجين والعاطلين في مختلف القطاعات الخدمية واعتبار فترة عملهم جزءا من الخدمة الاجتماعية، وبديلا عن الخدمة العسكرية لمن لا يتم تجنيده منهم. وهنا يجب على الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وضع برامج تثقيف وتأهيل وتشغيل محددة للاستفادة من طاقات الشباب المعطلة، تنزل بها إلى الشارع وتتفاعل مع الجماهير.

ـ قد يكون مشروع حملة لمحو الأمية وأخرى لتنظيف مصر مشروعا قوميا قادرا على استيعاب طاقات ملايين الشباب وغيرهم من شرائح المجتمع للتخلص من وصمة عار كبيرة على جبين الوطن والمواطنين.

ـ أن يثار نقاش مجتمعي حول بؤر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وصياغة أفكار مصرية بحلول لمشاكل الوطن، فهناك مشاكل موسمية أو مزمنة نتيجة للعجز في الوقود، مع وجود شمس مصر التي يمكن أن تحل نسبة كبيرة من مشاكل نقص الغاز والبنزين والسولار.

ـ أن ينهض الصندوق الاجتماعي وكذلك صندوق تنمية الصناعات وغيرهما من منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال التنمية البشرية بمسئولياتهم نحو تشجيع الأسر المنتجة وصغار ومتوسطي المستثمرين لدخول مجال الصناعات البيئية مثل تدوير القمامة وإنتاج سخانات وأفران شمسية وغيرها من المنتجات صديقة البيئة وقليلة التكلفة.

ـ أن نحشد جهودنا من أجل إصلاح المحليات التي ستجرى انتخاباتها قريبا من خلال تأهيل كوادر شابة مخلصة تعي مسئوليتها نحو الوطن، إذ لن تنهض مصر الدولة والوطن قبل نهوض القرى والمدن، فلن تثمر شجرة بدون جذور سليمة في بيئة نظيفة.

ـ هذه بعض الأفكار التي أرى أن فرص الاختلاف عليها ضئيلة وربما معدومة، وكلها أفكار تصب في مصلحة مصر والمصريين وتبرز قدرتهم على التوافق.

ـ إنني لا أدعو إلى افتراض سوء النوايا لدى كل الفاعلين في العملية السياسية المصرية، فقد اخطأ الجميع طوال السنة المنصرمة:

ـ أخطأ شباب الثورة بإخلائهم الساحة مبكرا وتشرذمهم، فتفرقت أصواتهم وصاروا أعوادا منفردة بعد أن كانوا حزمة مترابطة.

ـ أخطأ المجلس العسكري بانفراده بتوجيه دفة الأمور في مصر دون دستور واضح المعالم يضع الأطر اللازمة للعمل السياسي وينظم حركة القوى السياسية والحزبية.

ـ أخطأ التيار الإسلامي حين استعجل إجراء الانتخابات البرلمانية للقفز على السلطة بشرعية الأكثرية، ويخطئ قادة ذلك التيار حين يسعون ويصرون على الاستئثار بأغلبية خيوط نسيج مستقبل مصر في تشكيل لجنة صياغة الدستور الجديد للبلاد.

ـ أخطأت الأحزاب الأخرى - وما زالت تخطئ -  بتقاعسها عن العمل الجماهيري وتعليق أسباب فشلها على شماعات التيار الإسلامي المنظم.

ـ أخطأت الحكومات المتعاقبة بتقاعسها عن اتخاذ المبادرات، وركونها إلى ثقافة ردود الأفعال، وانتظار ما يجود به المجلس العسكري من صلاحيات.

ـ أخطأ كثير من المصريين الذين تصوروا أن لي ذراع الدولة بقطع الطرق وترويع المواطنين بغرض تحقيق مطالب فئوية أو قبلية أو أحيانا شخصية هو عنوان الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي.

ـ أخطأت أجهزة الأمن حين اعتقدت أن ترك الحبل على الغارب من شأنه أن يعيد المصريين إلى حظيرة السيطرة والخوف.

ـ أخطأت وسائل الإعلام باللهث وراء كل ما هو مثير حتى لو كان على حساب تماسك الدولة والمجتمع.

ـ أخطأت فلول النظام السابق حين تصورت رموزها أن حالة العبث والتخبط والتصارع قد تعيد لهم بعضا من نفوذهم وسلطتهم.

ـ أخطأ من أعلنوا نواياهم في الترشح لرئاسة مصر في الاعتقاد أن بقدرة أي منهم حل مشاكل مصر وحده ، بينما هم لا يعلمون على أي أساس سينتخبون، وأي نظام دولة سيرأسون.

إذا اعترفنا بأننا ـ كلنا - أخطانا، فمن الواجب علينا أن ننمي ثقافة التسامح واحترام الآخر بين المواطنين، فمصر وطن للجميع وكلنا قادر على العطاء مهما قل أو كثر إسهامه، والمثل الشعبي يقول: النواة الصغيرة قد تسند زيرا"!

علينا أن نركز جهودنا ـ بإخلاص - نحو توافقنا حول تشكيل لجنة صياغة الدستور، ومستقبل العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية، وبين الحكومة القادمة ورئيس الجمهورية، والعلاقة بين تيار الأكثرية البرلمانية والتيارات السياسية الأخرى.

الملاحظ في كل تلك المجالات الخلافية أن فشل "النخب" المتصدرة للعمل السياسي هو أس الفشل في توحيد صفوف المجتمع بعد الثورة المصرية، فكل الرموز على الساحة السياسية تعتقد أنها في حلبة سجال وصراع وربما قتال، لكن ما ينساه أولئك المتصارعون أن المصريين جمعيا هم الخاسرون، حتى لو بدا للبعض أنه قد حقق نصرا في جولة من جولات التصارع على السلطة والنفوذ، لأن بناء مصر الحديثة يحتاج إلى عقول وسواعد كل المصريين.

....................................

فيينا في 20 فبراير 2012  

 

  

        28 

ثقافة الطناش!

فور كتابة كلمة الطناش ظهر تحتها خط أحمر على شاشة الكمبيوتر دليلا على غرابة اللفظ، وربما لعدم وجوده أصلا ضمن مفردات العربية الفصحى، الأمر الذي حفّزني إلى البحث في قواميس ومعاجم اللغة العربية التي في حوزتي، فبحثت في باب ط ن ش، فلم أجد ما يفيدني، فأعدت البحث في باب ت ن ش متوهما أن يكون نطقنا للطاء كتاء مفخمة تحويرا للكلمة التي تزايدت مساحات هيمنتها في حياة المصريين في العقود الأخيرة بشكل مزعج لتصبح معلما هاما، وعلامة واضحة في حياة المصريين اليومية.

لذلك تخليت عن تحليل الكلمة لغويا وعرض صور ومدلولات مشتقاتها من الحروف الثلاثة ط ن ش، ط نّ ش، ط ن ش ا، ت ط ن ي ش ا، أ ط ن ش، م ط ن ّش، وافترضت جدلا وجودها ضمن مفردات لغتنا الدارجة التي قد تعبر بصدق أكثر عن واقع حياتي ويومي معاش، وكذلك لثقتي في أن مفاهيم المصريين على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم الفكرية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للفظ ومشتقاته تكاد تكون متقاربة أو متشابهة إلى حد التطابق. وسأسمح لنفسي في هذا المقام بعرض مفهومي الشخصي للفظ الطناش ومشتقاته التي أرى صورها فيما يلي:

ـ غض البصر عن الصواب، والتهوين من عواقب الخطأ؛

ـ التنازل عن الحق رغم مشروعيته؛

ـ التهاون مع الباطل مع إدراك عواقبه؛

ـ التساهل مع المخطئ وإغفال محاسبته؛

ـ الاستهانة بالقبح على حساب الجمال؛

ـ التخلي عن الصدق والتهوين من عواقب الكذب؛

ـ التقليل من قيمة التمسك بالفضائل بحجة الحاجة؛

ـ إهدار المبادئ لصالح النزوات؛

ـ تغليب الشطارة والفهلوة على حساب الكفاءة والدقة؛

ـ الاعتداد بالقشور وإهمال الجوهر؛

ـ كتمان الشهادة بدافع المحاباة للكبار وتحقير حقوق الصغار؛

ـ التغاضي عن مستصغر الشرر والاستهتار بالعواقب.

والآن، تعالوا نستعرض معا في إيجاز مظاهر الطناش في حياتنا وآثارها علينا، ولتكن بدايتنا في بيوت الأغلبية العظمى من المصريين فيما اصطلح على تسميته بالمدن قبل أن نخرج منها إلى الشارع متجهين إلى المدرسة أو مقر العمل أو مصالح الخدمات والأماكن العامة مستخدمين في تنقلاتنا وسائل الواصلات المعهودة عامة أو خاصة!

نجد أننا قمنا بحملة قومية لـ"عشوأة" المدن المصرية وترييفها" حين "طنّشنا" مبدأ التخطيط والتنسيق المعماري والحضاري للتجمعات السكنية التي أنشئت منذ ستينيات القرن الماضي، لنرى أمام ناظرينا كتلا غير متناسقة اتسمت "تصميماتها" بالارتجالية والعشوائية وخلا تنفيذها من أي مسحة جمالية، سواء من حيث هيكل المبنى أو ما أدخلناه عليه من أسلاك وكابلات وخطوط مياه وصرف صحي ـ إن وجدت - فتركنا أحشاء وشرايين بيوتنا في العراء، لنلغي حق عيون المصريين في رؤية الجمال واستمتاعهم بواحدة من الحواس الخمس التي فطر الله الناس عليها. ولو نظرنا إلى هذه المشكلة لوجدنا أن حلولها سهلة ومتاحة وغير ذات تكلفة تذكر، لكن الطناش تمكن منا وتوغل في أعماقنا.

تعالوا ندخل البيت المصري من بابه الذي لا يستجيب في أغلب الأحول لمحاولات فتحه أو إغلاقه دفعا أو جذبا، لنجد جدران المدخل قذرة قبيحة، ثم الق نظرة أخرى إلى أعلى لتجد علب وصلات الكهرباء والهواتف بلا أغطية وقد ضجت وفزعت بما فيها فلفظته خارجها في فوضى مستفزة. ولا اتستبعد إن توجهت إلى سلم البيت أن تجد درجاته غير واضحة المعالم، وكثيرا ما تفزع خطواتك عددا من القطط التي انكبت على ما تيسر من مخلفات السكان، فتقفز صارخة في وجهك أو بين ساقيك.

في بيوتنا تعودنا على سماع صوت خرير المياه بلا انقطاع من صنبور الحمام وحوض المطبخ وصندوق "سيفون" دورة المياه. وطبعا ستكون النتيجة زيادة في استهلاك المياه ونشع في جدران العمارة يؤدي إلى انهيارها إن عاجلا أو آجلا!

على موائد المصريين تجد آثارا لما كان يطلق عليه في قديم الزمان رغيف العيش، أما الآن  فحدّث ولا حرج عن هذا المنتج المشوه لأن العاملين في المخابز يطنشون في مسألة جودة الرغيف ومواصفاته، كما أن مفتشي وزارة التموين ألفوا التطنيش، ما داموا يتلقون البقشيش من صاحب الفرن أو المخبز، ولا يفرق معك ومعهم أن الدولة من القمح كل سنة لتزيد من كمية القمامة العضوية.

أما الشارع المصري، فلا أراك الله مكروها في عزيز لديك غيره، فهو مشاع للجميع نلقي فيه بقمامة وزبالة بيوتنا وجيوبنا، المهم أن نبعدها عن أبواب مساكننا، فنراها أمامنا أكواما قذرة تفوح منها الروائح الكريهة وتتجمع عليها جيوش الذباب والحشرات والقوارض والحيوانات الأليفة، فنرى كل هذا وذاك ثم نطنش.

وهل رأيت كابلات عاريات على أعمدة إضاءة الشوارع ووصلات البيوت؟ وهل أزعجك منظر الكابلات المتدلية على واجهات وجوانب العمارات لخطوط التليفون والتكييف والأقمار الصناعية، والكل طناش في طناش؟

ثم ما قولك في أعداد السيارات التي طنّش أصحابها فتركوها في نهر الشارع تسد منافذه ومفاصله وتعوق حركة المرور والبشر، فالأرصفة مشغولة بأشياء أخرى غير ما أقيمت من أجله، وأصوات آلات التنبيه ومكبرات الصوت المنطلقة من المحلات والمقاهي والمساجد تتداخل في تنافر غريب؟ لقد تعودت آذاننا على تجاهل ما يقتحمها من أصوات لأنها تدربت على التطنيش كما تدربت العيون على غض البصر عن كل ما هو قبيح، وكما تعودت أيدينا على السكون في الجيوب، فلا تتحرك لإزالة قبح، أو تعديل وضع معوج، تعودت ألسنتا على التخفي في أفواهنا فلا تنطق بكلمة حق، ولا تطلق نصيحة، ولا تتلفظ بكلمة ترد بها مخطئا.

كم من البالوعات المكشوفة تنتشر في شوارع مصر، وكم من حفر ومطبات ـ عوائق- صناعية أقامها الأفراد والمحليات لتقصم العمود الفقري لأي سيارة تسقط في حفرة أو تعبر على أي من هذه المطبات، ولا حس لمن ينادي! إنه الطناش ياعزيزي!

أما قيادة السيارات في شوارع مصر فكلنا يرى كيف يتنافس المصريون داخل صناديقهم المتحركة على "زنق" الآخرين والتضييق عليهم، وربما محاصرتهم وكأنهم أعداء لا شركاء في الطريق، ومن منا لا يطنش حقوق غيره، لأننا ببساطة لا نؤمن بحقوق الغير، ومبدؤنا الرئيس هو "أنا ومن بعدي طوفان السيارات"!

في المدرسة انتشرت ثقافة تطنيش الشعب تجاه تقاعس المعلمين عن أداء واجبهم نحو تعليم النشء، فانتشرت الدروس الخصوصية، ليتراجع مستوى خريجي المدارس والمعاهد والجامعات الفنية والعلمية والنظرية، فتقل كفاءة الخدمات، ونحن مطنشيييين، وكأن الأمور لا تعنينا من قريب أو بعيد، مادامت الظاهرة عامة، والمساواة في الظلم عدل. والظلم هنا هو الطناش بعينه؛ فلا النجار يجيد صنعته، وكذلك السباك والحداد وميكانيكي السيارات، وعمال البناء والتشييد، و"فنيو" صيانة الأجهزة، كما تراجع مستوى لغتنا فيما نكتب في صحفنا وما نبثه في إعلامنا المرئي والمسموع، لأننا أهملنا قواعد نحوها وصرفها، فكتب مدارسنا مكتوبة بدون "تشكيل" مفرداتها، لتنتشر ثقافة "سكّن تأمن" لتستوي معالم الفاعل والمفعول به وغيرهما من أركان الجملة، فلا مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، لأننا سطحنا لغتنا وسيّلناها لتفقد أهم خصائصها، لتصبح بدايات مفرداتها كنهاياتها!!!

وفي رأيي أن اللغة باعتبارها وعاء الفكر ووسيلة التعبير عنه إذا لم تتسم بالدقة والانضباط وضبط سلوك المفكر والمعبر، سهل عليه بعد ذلك ألا يتقن شيئا مما ينتج قولا أو عملا! وهذا هو واقع حالنا الآن، إذ تقهقرت فنوننا بعد أن كانت أهم صادراتنا، فنهض غيرنا وتصدر القافلة، إما بأمواله أو بأفكاره متطرفة كانت أو معتدلة، لأننا أصبحنا نتلقى بعد أن كنا نعطي. والحكمة تقول أن كل إناء بما فيه ينضح!

لا يختلف الأمر كثيرا في المصالح والمؤسسات الحكومية عما في بيوتنا وشوارعنا، لأن من يترك بيته ويتوجه إلى عمله ليخدم غيره، هو نفس الشخص الذي تعودت عيناه ويداه وأذناه ولسانه على التطنيش في البيت والشارع والمدرسة، وفي الأتوبيس المكتظ وسيارة التاكسي الخردة التي لا يلتزم قائدها بتعريفة العداد، ومواصفات سلامة وأمان المركبة التي يقودها، ونحن مطنشون لكل هذا وغيره الكثير. فالموظف في مصلحة حكومية لا يعنيه أن تتردد أكثر من مرة لتخليص مصلحة يمكن ـ في الحالات غير الطناشية ـ أن تنجز في دقائق. المهم أن تتيقن من هيمنته وسطوته وجدارته بالموقع الذي يتولاه، وأن تطنش إن أدخل غيرك قبلك لأنه مسنود أو واصل أو ذو حصانة.

في دور عبادتنا تغلغلت ثقافة الطناش والتطنيش، فكم من مرة تلقت أذناك أقوالا للخطباء والوعاظ تحض على الفرقة والتعصب، والتجهيل والعنف وتحقير المرأة، ونحن طناش فلا ينهض أحدنا ويرد على المتحدث أو يعترض على ما يقول، والنتيجة انتشار التطرف الذي بدأ في جامعات مصر ففرقوا بين الصبيان والبنات في المدرجات، ومنعوا (حرموا) اختلاط الجنسين في قاعات الدرس والأماكن العامة داخل الحرم الجامعي، وأمروا الفتيات بالتحجب ثم بالتنقب. كل هذا وإدارة الجامعة مطنشة، ووزارة التعليم العالي مطنشة، والشعب كله مطنش. والنتيجة؟ رأينا أحزابا بعينها ترشح المرأة كرها في انتخابات البرلمان الأخيرة وتضع صورة وردة فوق أو تحت اسم المرأة المرشحة لأن صورة المرأة تكشف وجهها وهو عورة كفرجها تماما كما أفتى بعضهم!!!

هل تتذكرون شركات توظيف الأموال وكشوف البركة، والأرباح الهائلة التي وزعتها تلك الشركات على المدخرين حين كان أصحاب تلك الشركات يأخذون من جيوب المدخرين الجدد ليدفعوا لقدامى المدخرين وشيوخ الفتاوى؟ هل فكرتم في عواقب تطنيش المجتمع على هذه الظاهرة؟!

أما نيل مصر وشريان حياتها، فلم يسلم من ثقافة الطناش والتطنيش، فاعتدى عليه المصريون، فأفرغوا في مجراه مخلفاتهم العضوية والسائلة والصلبة، واقتطعوا من حرم النهر ما أرادوا من أراض، ونحن عنه غافلون مطنشون!!!

وفي السياسة طنشنا تجاهل حقوق الإنسان، فتعرض أصحاب الرأي للتعذيب في السجون منذ ثورة 52 وحتى الآن، وانتهكت حرمات البشر، وانتشر الفقر والجهل والمرض، وطنشنا لعقود طويلة تزوير الانتخابات، وتطريز القوانين، وتجاهل تنفيذ الصحيح منها، فانتشر النفاق الاجتماعي وشلل المنتفعين من الظلم، فاغتنى من اغتنى من القلة المتحكمة في أرزاقنا، أما الغالبية العظمى من المصريين فقد ظلت تصارع من أجل قوت يومها وتعليم أبنائها الذي لا ينفع ببصلة لضعف مستويات الخريجين من ناحية، وضآلة فرص العمل، وقلة العائد المالي من الوظائف لمن يجد عملا من ناحية أخرى. والسبب سكوت المجتمع وتطنيشه لسنوات طويلة طويلة!

قس على هذا إن شئت عواقب طناشنا تجاه تجاوزات أجهزة الأمن، وعدم تنفيذ أحكام القضاء من جانب القادرين، وانتشار أعمال البلطجة السياسية والدينية والاجتماعية، وإهدار موارد ومقدرات الوطن، سواء بالاعتداء على الأراضي الزراعية، أو بيع مؤسسات وشركات القطاع العام، وإهمال قطاعات الزراعة والفلاحين، والمرافق العامة، والترويج لثقافة الاستهلاك بدلا من الإنتاج. كل هذا بسبب تطنيشنا لبلدنا ولأنفسنا!!!

هل يعقل مثلا أن نطنش أحداث الفتنة والعنف الطائفي التي هزت أركان مصر خلال الفترة الأخيرة، ومحاولة اغتيال النائب السابق لرئيس الجمهورية السابق، وراح ضحيتها مصري أو أكثر من مرافقيه، وكذلك كل ما وقع من كوارث أدت إلى إزهاق أرواح المصريين؟ وهل نظل مطنشين لاستمرار بعض المتورطين في قتل المصريين وتضليل العدالة طلقاء يتحركون داخل الوطن وخارجه؟ هل يصل بنا الطناش إلى هذا الحد الذي نتستر فيه على الجناة، ونستهين بأرواح الضحايا؟ فهل نستغرب بعد كل هذا وذاك تهلهل الدولة بنيانا ومواطنين، لتصل أحوالنا إلى ما آلت إليه؟  

خلاصة القول أن علينا أن نراجع أنفسنا ونعيد النظر في ثقافة الطناش والتطنيش هذه لأن عواقبها وخيمة، فالطناش هو عامود وسط الخيمة للفساد الذي استشرى داخل كل مجالات حياتنا، ولن تجدي الثورات إن لم تحارب الفساد وتقضي على المفسدين في المجتمع، ولن يتقدم شعب أو ينهض في أي من مجالات الحياة بينما هو يطنش على السلبيات - وما أكثرها في حياتنا - ويركن إلى الاستسهال والتواكل على الغير. ولنعلم فعلا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيينا في 23 فبراير 2012 

 

 

 

   29 

ثقافة الطمس والمحو والتشويه!

 

من منا لم يندهش لكثرة ما يشاهده في المواقع الأثرية المصرية لعصور مصر الفرعونية المتعاقبة من أنوف مكسورة وتماثيل لأجسام من الحجر الصلد لا تعتليها رؤوس أصحابها، وكتابات على الجدران مكشوطة أو مطموسة، قيل في تبرير تلك الظاهرة أنها تعبر عن سخط الشعب وربما ثورته على حكامه تارة، أو لرغبة حاكم "فرعون" ما في طمس إنجازات وتاريخ من سبقه من فراعين مصر القديمة، وقيل أيضا أن الكنيسة المصرية في مهدها سعت إلى كشط وإزالة أو طمس كل ما كان يمت للوثنية بصلة.

لقد قيل أيضا أن المسلمين الأوائل اعتدوا على التماثيل الحجرية التي ربطوا بين استمرار بقائها شامخة وعبادة الأصنام قبل فتح مكة وبدء انتشار الدين الجديد في بقاع المعمورة. ثم قيل أيضا أن المسيحيين والمسلمين المصريين شيدوا كنائسهم ومساجدهم وحصونهم في أرجاء مصر بحجارة وأعمدة المعابد المصرية القديمة، وقيل كذلك أن جيش نابليون بونابرت أقدم على كسر أنف أبي الهول ليكسر مع أنفه إرادة المصريين في صد الحملة الفرنسية على مصر.

ورغم كثرة القيل والقال في هذا الشأن، إلا أن الواقع يؤكد لنا أن آلافا من التماثيل والمعابد المصرية القديمة قد تعرضت لعمليات تخريب وتدمير على امتداد العصور لنجد أنفسنا في مواقع عديدة أمام أطلال لم يحرص الخلف على الحفاظ أو الإبقاء على ما تركه لهم السلف. وتلك ظاهرة تستوجب الوقوف أمامها واستيعاب مغزاها ودروسها؛ فتاريخ الشعوب والأمم ليس سوى تراكم لإنجازات وإخفاقات تلك الأجيال في مختلف مجالات الحياة من فنون وعمارة وزراعة وصناعة وأدب وملابس وأزياء وأطعمة وكل ما يتصل بنشاط الإنسان على الأرض التي عاش على ترابها واؤتمن عليها.

وقبل نحو مائتي عام جاء محمد علي مؤسس مصر الحديثة بابتكار جديد؛ فبدلا من أن يطمس أو يمحو ما بناه المماليك قرر التخلص منهم بتصفيتهم جسديا بما عرف بمذبحة القلعة، ليمحو بذلك فكرهم وتفكيرهم ويسكت أصواتهم إلى الأبد.

فإذا جئنا أو جاء بعضنا ليطمس أو يمحو أو يشوه جزءا من ذلك الموروث التاريخي تأرجحت كفتا الميزان، وصارت صورة التاريخ منقوصة ومشوهة ولا تعكس التدرج التراكمي لفعاليات التاريخ ومدلولاته. لكنها طبيعة النفس البشرية فيما يبدو، إذ تغلبت الذاتية الفردية على مصلحة الجماعة، خاصة إذا امتلك الفرد الحاكم السلطة والسطوة والنفوذ، ووجد من حوله يزيّنون له أفعاله ويحقّرون كل أو جل ما صنعه من سبقوه. وما حادث تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان على أيدي المتأسلمين من حركة طالبان إلا دليل آخر على ثقافة الانغلاق والسعي لإزالة الغير وتحقير تراثه!

لماذا هذه المقدمة الطويلة؟

ترتفع الآن في مصر أصوات كثيرة تطالب بمحو كل أثر لحكم الرئيس السابق حسني مبارك، وقد ترجمت بعض الأفكار إلى أفعال تمثلت حتى الآن في رفع أسماء المنشآت العامة التي سميناها نحن باسمه، وتنافسنا كثيرا وطويلا على تسمية كل ما نرى أنه كبير وعظيم أو حيوي باسم الرئيس السابق أو زوجته، كما حدث مع جمال عبد الناصر ومن بعده أنور السادات ومن قبلهما الملك فؤاد الذي غيرنا اسم جامعته إلى جامعة القاهرة وكذلك ما حدث لاسم آخر ملوك مصر فاروق الأول حين بلغت بنا الجرأة مدى عبثيا حين شوهت صورة الملك فاروق في أفلامنا التي أنتجت إبان ولايته عرش البلاد، وكأن تغيير أسماء بعض المؤسسات وإزالة الصور سيمحوان تاريخ حكام مصر ويزيلان آثارهم من الوعي المصري.

الواقع أنني شخصيا أرفض فكرة إطلاق أسماء الحكام أو الفنانين وغيرهم من الشخصيات البارزة على مؤسسات أو أبنية أو أماكن أثناء حياتهم، إذ أن النفاق والمداهنة يلعبان دورا كبيرا في عملية اتخاذ القرارات في هذا الشأن.

لا أعتقد أن الرئيس السابق وغيره من حكام مصر طلب إطلاق اسمه على أي من مؤسسات الدولة، لكني على يقين أن كبار وصغار المسئولين في عهد أي حاكم مصري هم الذين بادروا بذلك، إظهارا لولائهم لجلالته أو فخامته، وإمعانا في سياسة النفاق والمداهنة.

فلو أننا انتظرنا خروج الحاكم من السلطة وقيمنا دوره في حكم البلاد وارتأينا "تخليد" اسمه عن طريق استفتاء شعبي لسكان الحي مثلا، إن كان الأمر يتعلق بتسمية شارع أو مبنى أو مؤسسة في نطاق الحيز الجغرافي للمنطقة، أو إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسة قومية أجري استفتاء في المدينة على هذا الأمر - سواء بعد الخروج من المنصب أو من عالم الأحياء - لاكتسبت العملية مصداقية، ولتعذر تغيير التسمية بدون استفتاء مماثل.

والواقع أيضا أن ثقافة المحو والطمس والتشويه صارت فيما يبدو مكونا أساسيا لسياسات بعض الفرق والنحل المصرية من مدعي التدين المعاصرين الذين خرجوا إلى ساحة العمل السياسي العام من جحور مظلمة، سواء في سجون الطغاة أو حصون الفكر المنغلق، وإلا بماذا نفسر ما حدث لبعض التماثيل في ميادين بعض المدن المصرية من اعتداءات لبعض التيارات الإسلامية الصاعدة في مصر بعد ثورة يناير 2011 التي أصرت على تغطية تلك التماثيل أو كسوتها لحجبها عن أعين الناظرين؟ ألا يعد هذا الأمر مؤشرا لا تخطئه العين لاحتمال إقدام أولئك المنغلقين على تحطيمها أو إزالتها حين يتمكنون من السلطة في مصر؟!

هل يعتقد أولئك أن من المصريين من يسجد اليوم لتمثال من دون الله؟! وهل يحق لهم أن يغلقوا نوافذ الفكر والخيال والإبداع، لا لشيء سوى أنهم منغلقون على ما يتناقلوه ويجتروه من أفكار وآراء، جعلوها أحكاما قاطعة لا تقبل الجدل أو النقاش؟

إذا كان هناك من يعبد أصناما، فهم أولئك الذين يدينون بالولاء والطاعة لأمير الجماعة، أو شيخ الطريقة، أو إمام المذهب الذين نصبوهم خلفاء لله على الأرض، يقررون مصائر البشر، هذا إلى الجنة وذاك إلى جهنم!

ثم أو ليس حرص وإصرار تلك الفئة على "تغليف المرأة" بتنقيب جسدها وإسكات صوتها صورة أخرى مهينة من صور ثقافة الطمس والمحو والتشويه؟ إنهم يسعون إلى مسخ هوية المرأة لتصبح كالأشباح السوداء، هزيلة الكيان، مسلوبة الإرادة، جل وظيفتها إمتاع الرجل والتنفيس عن غرائزه والإنجاب.

إلى متى ستظل ثقافة التفسير الجنسي للدين مهيمنة على عقول أتباع تلك الفرق، فلا يرون في المرأة إلا عوراتها، ولا يتدبرون في عورات أنفسهم الفكرية؟

لذلك يجب على اللجنة التي ستصوغ دستورا جديدا لمصر أن تضمن الدستور مادة أو أكثر تعلي قيمة التراث الإنساني للمصريين بغض النظر عن منتجيه، لأنه إرث للأجيال لا يحق ولا يجوز أن يستأثر به جيل دون غيره.

على التيارات الدينية المتشددة التي تعطي أتباعها رخص الحديث باسم الله والعقيدة أن تدرك أن المصريين قد بلغوا سن الرشد منذ قرون عدة، فلن تجد مصريا سويا يدعو إلى عبادة الأوثان والأصنام والتماثيل من دون الله. عليهم كذلك أن يدعوا شأن العقيدة لله وحده فهو سبحانه وتعالى الذي سيفصل بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، وهو الذي يقرر العفو أو العقوبة ويحدد مكانها ومدتها، وليس فضيلة المرشد أو الإمام أو الأمير أو القس أو الحبر الجليل.

علينا أن نستفيد من تجارب ودروس الماضي، فلا نؤله حاكما ونعصّمُه عن الخطأ، ولا نبالغ في التزلف إليه، فهو كغيره إلى زوال، ولن تبقى سوى محاسن الأفعال والأعمال للوطن والمواطن، فإذا ارتأينا ضرورة تكريم أحدهم بإطلاق اسمه على مؤسسة ما، فلنفعل هذا بحكمة وتعقل لا بعواطف ولا أهواء.

إن التاريخ سيحاكم الرئيس السابق وغيره من أولي الأمر في مصر، ولكي يكون حكم التاريخ منصفا وعادلا يجب علينا أن نتناول أعمال وأفعال أولئك الناس بالتروي والموضوعية، وأن نؤجل إعلان أحكامنا حتى تهدأ مشاعر الغضب، ويتلاشى إحساسنا بالظلم والقهر، ولنترك للقضاء مهمة الفصل في تلك الأمور دون ضغوط وتهديدات.

ولتكن رغبتنا في القصاص قائمة على العدل والعدالة وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فلن يضار شعبنا إن منح المتهمين حقهم في محاكمة قضائية عادلة، ولنعلم جميعا أننا أيضا شاركنا في جرائمهم بصمتنا وتخاذلنا وتهليلنا بالطبل والزمر، وأننا ساهمنا ـ كل بقدر ما أراد أو استطاع في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ـ في مصر - ومن كان منا بلا خطيئة فليرم جاره بالحجر الأول!

علينا أن ننطلق لإعادة بناء مجتمعنا، وإصلاح ما أفسده المفسدون منا، ومراجعة أنفسنا، فنطرد الخوف واليأس من نفوسنا، وننشر الأمل في مستقبل أفضل في مجتمع يقوم على مؤسسات مستقلة وشفافية في كل مناحي حياتنا.

................................

فيينا في 2 مارس 2012

 

 

 

  30 

خواطر حول

انتخابات رئيس مصر

منذ أيام قليلة عاش المصريون تجربة فريدة في تاريخهم تمثلت في مشاركة نحو نصف من لهم حق الانتخاب في الجولة الأولى من انتخابات رئيس جديد لمصر، في حين ظل النصف الثاني بعيدا عن مراكز التصويت، سواء عن طيب خاطر أو بسبب عقبات وضعها القانون الحالي للانتخابات أمام مشاركتهم في اختيار أول رئيس منتخب لوطنهم.

خلاصة القول أن نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات أسفرت عن تحديد واضح لملامح المجتمع المصري المعاصر الذي لم يعهد ممارسة الديمقراطية بمفهومها المتعارف عليه في المجتمعات المتقدمة، حيث تمثل حرية الرأي وحرية التعبير عنه أحد أهم أركانها الأساسية، وكذلك احترام حرية الآخر في التعبير عن رأيه، والإيمان بضرورة تعدد وجهات النظر داخل المجموعة الواحدة، والتسليم بحق كل مواطن في إبداء وجهة نظره والتعبير عنها بأسلوب سلمي لا ينتقص من حق غيره ولا يجنح إلى تجريحه والإساءة إليه بالقول أو الفعل.

أحد أسباب القصور الذي يعتري ممارسة كثير من المصريين للديمقراطية هو غياب الحرية التي هي أساس التربية السياسية للمواطنين بصفة عامة، بدءا من البيت ثم المدرسة والجامعة ثم مكان العمل وفي العلاقة الزوجية ثم داخل الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، الأمر الذي أدى إلى افتقارنا لثقافة الحوار والتحاور وقلة حيلنا في مواجهة الحجج بحجج، وليس بالمزايدة والمبالغة والمغالطة والمخاصمة والمصارعة.

ساهم تراجع التعليم في مصر على أدنى مستوياته في "تجهيل" الشعب وتغييبه، فنمت ظاهرة التديين وإقحام الغيبيات في واقع حياتنا فصارت بلادنا أرضا خصبة للنعرات الطائفية والتطرف والتشدد في جل معاملاتنا اليومية مع بعضنا البعض.

لذلك ليس مستغربا أن تنشأ في مصر طبقات هلامية في مختلف المجالات تسعى إلى بسط نفوذها وهيمنتها على بقية طبقات وشرائح المجتمع، فنجد طبقة التدينيين من مسلمين ومسيحيين بجانب طبقة الرأسماليين المتحكمين في مفاصل البلاد المالية والتجارية مع طبقة المنتفعين ممن يسمّون بالنخبة السياسية والثقافية من رؤساء الأحزاب  التي عاشت - على استحياء - في ظل الحزب المهيمن طوال العقود الستة الأخيرة.

لماذا هذه المقدمة الطويلة؟

كي نفهم الأوضاع الراهنة في الوطن من منظور محايد يسعى إلى الاقتراب من مواقف ووجهات نظر الأطراف الفاعلة في الساحات السياسية والاجتماعية والدينية داخل مصر، ولنقف على مفاهيم ودوافع معظم من تنافس في انتخابات الرئاسة الأخيرة.

أولى هذه الملاحظات أن أغلب ـ إن لم يكن كل - المرشحين رأى في مصر أرملة رئيسها السابق بالمفهوم المصري للأرملة المصرية ضعيفة مكسورة الجناح لا تقدر وحدها على مواجهة الحياة وتربية أبنائها بعد رحيل زوجها ـ الرئيس - الذي كان كالجمل يحمل أثقال الأسرة بصبر وجلد، يسير بها في ربوع الأرض بوديانها وصحاريها، فقد كان ـ رحمه الله وأدخله فسيح جناته - الزعيم الأوحد مستحوذ الحكمة والبصيرة، الزوج المثالي لمصر والأب الحنون لشعبها.

ألم يقدم كل مرشح نفسه للمصريين - المحزونين على ترمل أمهم وتيتمهم - كأب لهم جميعا ينصر مظلومهم، ويكفي حاجة فقيرهم، ويشفي مريضهم، وينهض بأمّهم من كبوتها؛ فهو العادل والصادق والأمين والشريف والقوي والعزيز، والأبي المتجرد عن كل هوى، المخلّص من كل فساد، والمواجه العتيد لكل التحديات ورافع راية العزة والكرامة، وفارض الأمن، وجالب الرفاهية والرخاء؟؟؟!!!

لقد تناسى المرشحون أنهم عاشوا في نفس المجتمع الذين يطرحون أنفسهم كمنقذين له، وكلهم شارك ـ مع تفاوت نسب المشاركة في المصير الذي آلت إليه أحوال الوطن؛ فمنهم من تربى داخل حظيرة السمع والطاعة لأمير أو مرشد الجماعة، ومنهم - مدنيا كان أو عسكريا - من تبوأ مناصب قيادية داخل نظام حكم الرئيس ـ الأب - الراحل، وقليلهم من رفع صوته محتجا ومعارضا، لكن أولئك المناوئين والمعارضين تنازعوا ـ كغيرهم - على الظفر بالأرملة إذ رأى كل منهم نفسه الأحق والأجدر برعايتها وتربية أبنائها، فسمعت مصر كلاما جميلا ومعقولا لا تقدر أن تقول "حاجة عنّه"، لكن خيال حبيبها – رئيسها -  المأمول لا تجد فيه شيئا منه!

نعم، وجدت مصر وكثير من أبنائها أنفسهم أمام متنافسين من مدرسة السمع والطاعة الدينية والعسكرية، فأحدهم يتحرك - أو على الأقل تحرك حتى الآن -  بناء على مبايعة المرشد وتوجيهاته، والآخر تحرك بناء على أوامر وتوجيهات القائد العسكري أو الرئيس الملهم، أما مصر والمصريون فلا وجود لهم، لأن أحدهم يرى في نفسه اختيار الإله لأنه لا ينطق إلا بما قال الله ورسوله، لذلك لزم ووجب على الشعب أن يبايعه، والآخر يرى نفسه ملبيا لنداء الأرملة المتعثرة وأبنائها الضعفاء وهو ذو القوة المؤيد بالسلاح والذخيرة ونفاذ البصيرة.

كل هذا وذاك والأرملة وكثير من أبنائها في حيرة من أمرهم لإدراكهم ألا أحد يملك  تفويضا إلهيا للحكم باسم الله، والآخر لا يقدر بسلطانه وترسانة أسلحته أن يقهر الشعب مرة أخرى ويعيده إلى عشوائياته، لأن كثيرا من المصريين تغيروا ومصر لا تتغير؛ فمصر ليست أرملة وأبناؤها يتامى حيارى. إنها دولة فتية دائما تضرب جذورها في أعماق التاريخ وقد أفاق شعبها من غفوته ـ وإن لم يستعد كل قواه بعد - لكنه قادر على عبور مرحلة المراهقة السياسية الراهنة بنجاح، رغم ما قد يتعرض له من خسائر، ففترة حكم الرئيس الجديد أيا كان محدودة، وما وزن أربع سنوات مقابل تاريخ مصر الطويل، والشعب قادر على تقييم أعماله وأفعاله وتقويم المعوج منها. وليعلم المتنافسان أنهما يتنافسان على رئاسة مصر لفترة زمنية محددة ـ طالت أم قصرت - وليس على الزواج بأمنا ليصبح زوج الأم أبانا أو عمّنا! 

.................................

فيينا في 30 مايو 2012

 

  31 

 

لن يعيش السمك في اللبن!

 

دأب المصريون على وصف حالة الالتباس والتداخل والتنافر والتضارب أيا كان شكلها بعبارة: "سمك، لبن وتمر هندي"، وهو الوصف الذي يناسب تماما الحالة الوطنية التي يعيشها المصريون منذ ما يربو على العام ونصفه، ويبدو أن هذه الحالة قد تمتد وتطول لأشهر وربما لسنين قادمة!

لماذا؟

لأن المصريين قرروا بعد 18 يوما من التجانس والانسجام والتوحد، أن يتفرقوا ويتخندقوا داخل خلافاتهم ويتحصنوا بآرائهم ومواقفهم التي لا يرون غيرها صحيحا. تفرق المصريون بعد تخلي الرئيس السابق عن منصبه، فتوزع الشباب الثائر بين التيارات المختلفة ظنّا منهم أن عبارة "الجيش والشعب إيد واحدة" ستبني ما تهدّم طوال عقود طويلة، ناسين أن اليد الواحدة لا تبني.

فهل كان نفس المصريين قصيرا، فلم يواصلوا نضالهم من أجل تحقيق التغيير؟ وهل اعتقد كل طرف أنه فعل ما كان عليه أن يفعله، وعلى الآخرين إكمال المشوار؟!

لقد انشغلت رموز الفرق "الثورية" بالظهور في الفضائيات ورفع الأسقف وفقا لدرجات حرارة الحوارات، وبدا الأمر وكأنه صراع للتشكيك في كل من وما ارتبط بنظام الرئيس السابق، ولم يكلفوا أنفسهم عناء فرز البيض السليم من الفاسد، وانتقل الصراع تدريجيا داخل صفوف "الثوار"، فتشرذموا وصاروا فتاتا بلا قوام وحصدوا في انتخابات مجلسي الشعب والشورى ما زرعته أياديهم من قبل، فجاء تمثيلهم في المجلسين هزيلا شاحبا، لا وزن له.

نعم لقد أصر "الثوار" على وضع السمك في الحليب حين ظنوا أنهم قادرون بصخب مظاهراتهم على إقناع الشعب بعدالة ووجاهة مطالبهم التي يطلقونها عبر الفضائيات وعلى صفحات المواقع الإلكترونية، وليس بالالتحام مع الجماهير في الشوارع.

أما المجلس العسكري الذي تولى كل السلطات في مصر فالمؤكد أنه تنفس الصعداء بعد مغادرة الرئيس السابق القصر الجمهوري وإغلاق صفحة توريث حكم مصر، وحاول أعضاؤه بث الطمأنينة في الشعب الذي تخلص من رئيسه ونجله، لكن المجلس فيما يبدو تصور أن الشعب سيرضى بالحفاظ على مؤسسات الدولة دون إصلاح وتغيير، فكانت المصادمات بين إرادتين؛ إرادة الإبقاء على الأوضاع كما هي، مادام رأس النظام وأعوانه المقربون قد رحلوا، وإرادة أغلبية الشعب التي تتطلع إلى تغيير مصر من دولة رخوة متهاوية إلى أخرى سليمة متعافية.

قرر المجلس العسكري "تمصير" المنطق السياسي "الطبيعي" الذي يقضي بإعداد دستور تبنى على مبادئه ومواده أركان الدولة، ليحوّل هذا المنطق الإنساني إلى مسخ فيقرر إجراء انتخابات برلمانية ثم رئاسية ثم يأتي دستور البلاد، فبدلا من أن يعيش الرئيس والبرلمان داخل وعاء دستوري يحدد لكل طرف صلاحياته ومسئولياته، وجدنا المجلس العسكري يأتي بالسمك ويضعه في اللبن "الحليب"، ظنّا منه أنه قادر بقوته العسكرية على إجباره على الحياة في وعاء الحليب!!

فماذا كانت النتيجة؟ نفقت الأسماك وتزفّر الحليب وصار غير صالح للاستهلاك الآدمي؟

مرة أخرى حاول المجلس العسكري وضع سمكات جديدة في سائل "التمر الهندي"، حين أدخل تعديلات على المواد الدستورية التسعة التي استفتي عليها الشعب، فأجريت انتخابات غرفتي البرلمان بتكاليف باهظة اقتربت من الملياري جنيه وفق قانون معيب أبطله حكم المحكمة الدستورية العليا، ثم أضاف إلى تلك المواد أخرى "مكمّلة" في نفس توقيت إغلاق صناديق انتخابات رئيس الجمهورية، ظنا من المجلس العسكري أن استبدال اللبن الحليب بالتمر الهندي سيروق للسمك، لكن السمك لم يكيف وضعه في بيئة غير بيئته الطبيعية وآل مصيره إلى الهلاك!

أما أحزاب التيار الديني - الإسلامي منها أو المتأسلم - التي نشأت بعد الثورة فقد عظمت الاستفادة من انخراطها بين شرائح كبيرة من المواطنين، وصوّرت للناس أنهم قادرون على تحقيق المعجزات لأنهم "أحزاب الله"، وأن لا يتحركون وفق أهوائهم، وإنما بتكليف من السماء، لأنهم الأشراف والأطهار، وليسوا كغيرهم من الساسة الملوثين بفيروسات شهوة السلطة!

ظنت أحزاب هذا التيار أن التلويح بكتاب الله وسيوف أتباع ذلك التيار سيعيد المصريين ـ مسلميهم ومسيحييهم - إلى حظيرة الإيمان "الصحيح" بمفهوم أولئك المتشددين والمنغلقين، وأن فرض الشريعة على مجتمع - مؤمن بطبيعته - سينشر العدل في الأرض وليس في مصر وحدها، متغافلين عن حقيقة وسطية الإسلام واستقلالية المسلمين في تفكيرهم على ركيزة حرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي التي كفلها الإسلام لأتباعه ولغيرهم على حد سواء.

من هذا المنطلق اندفع الإسلاميون والمتأسلمون وراء شهوة الاستحواذ وبسط نفوذهم على كل مفاصل الدولة، ظانّين أنهم ـ وحدهم - القادرون على قيادة مصر ماداموا "مدعومين من السماء"، ناسين ـ أو متناسين - أن سماء مصر تظل كل المصريين، وأن غالبية الشعب المصري - ككل ـ الأسماك لا تستطيع الحياة في غير المياه، عذبة كانت أم مالحة! فالمصريون شعب منفتح على جهات الأرض الأربعة، ومصر جغرافيا مفصل حيوي فريد يربط أركان العالم، وتاريخيا هي مهد الحضارات وأرض اكتشف شعبها العقيدة الدينية منذ القدم، ثم عاش عليها أتباع كل الديانات السماوية الذين صاغوا أسلوبا مصريا للتعايش لأنهم شعب متجانس ينتمي أفراده إلى أسرة واحدة، اعتنق بعضهم اليهودية، واعتنق آخرون المسيحية والإسلام، لكنهم بقوا أبناء أسرة واحدة وفروعا لشجرة مصرية أصيلة. لذلك ظل الدين في مصر دائما لله منذ فجر التاريخ، أما مصر الوطن فللجميع.

في نفس السياق تحركت الأحزاب القديمة منطلقة من عقيدة ركيكة صوّرت لها قدرتها على اكتساب تأييد الشعب، متناسية أنها كانت على مسافة متساوية تقريبا من الشعب والحزب الوطني الحاكم، إذ لم يشعر المواطن العادي بتأثير ملموس لأحزاب المعارضة على مجريات حياته، كما لم يشعر الحزب الوطني أيضا بأدنى تهديد لسلطته وسطوته من جانب أحزاب المعارضة التي كان قادتها ـ في أغلب الأحوال - يتفاوضون مع الحزب الحاكم على ما سيجود عليهم به من مقاعد في مجلسي البرلمان.

أخطأت قيادات الأحزاب "المدنية" القديمة والحديثة أيضا حين رأت أن السبيل الوحيد للتمثيل في البرلمان هو الدخول في تحالف تحت عباءة أحزاب التيار الديني، وكأنها تستبدل مياه الحزب الوطني الآسنة بحليب الإسلاميين والمتأسلمين.

في مقابل تلك التجمعات والتيارات ظلّت كوادر الحزب الوطني ومراكز قوى النظام المقهورة كامنة متربصة في مخابئها تنتظر فرصة الانقضاض على المتواجدين في شوارع وميادين مصر من المحتجين والمتظاهرين والمطالبين بالتغيير. ولم يخل الأمر بين الحين والآخر من إطلاق بالونات اختبار للتعرف على مدى تماسك القوى المناهضة لنظام الرئيس السابق، لتكتشف أن القوى الثورية ليست متماسكة ولا تجتمع على قلب رجل واحد، فكل فريق منهم يلهث وراء ما يحقق أهدافه. حينئذ أخذت القوى الكامنة أو خلاياها النائمة في التحرك على طريق الثأر والانتقام، فحدثت مصادمات بين عناصر "مجهولة" والقوى الشعبية الأخرى خلال الاحتجاجات التي اندلعت في مصر بعد الحادي عشر من فبراير 2011، كما حدث في ماسبيرو ومحمد محمود وأمام مجلسي الشعب والوزراء وحرق المجمع العلمي، وأحداث بورسعيد والعباسية وغيرها في مناطق عديدة في مصر.

ظنت القوى المناهضة لإرادة الشعب في التغيير أن بث حالة الذعر والقلق بين المصريين سيفتح لها نافذة تتسلل منها إلى مواقع السلطة، فزجّت بمرشحين في انتخابات رئاسة الجمهورية، استبعد أحدهما ونافس الآخر حتى نهاية السباق، لكنه لم يظفر بأعلى منصب في البلاد.

تمثلت خطيئة أنصار النظام السابق في اعتقادهم أن الدفع بالبلاد إلى حالة الفوضى سيمهد الطريق أمام عودتهم إلى مواقع القيادة، إلا أنهم لم يدركوا بعد أن غالبية المصريين ترفض استبدال مياه السمك رغم ملوحتها في الوقت الراهن ، بأخرى قد تبدو أقل ملوحة في الظاهر، أو حتى بحليب لن يعيش فيه سمك.

أما وسائل الإعلام فحدث ولا حرج، فقد انتهزت حالة التخبط والاحتقان لتفتح جبهات جدية للصدام والتصادم، مدفوعة بشهوة استحواذ أكبر قدر من المشاهدين، ومن ثم أضخم قدر من عائدات الإعلانات، بغض النظر عما تحدثه "حرية الإعلام" من فتنة وفرقة بين المصريين.

أخطأت قيادات وسائل الإعلام في مصر حين أخذت تلهث وراء كل ما هو شاذ وغير طبيعي في مصر، ففتحت أبوابها وأبواقها أمام مروجي الفتنة الطائفية والمجتمعية من المتأسلمين الذين يحرّمون تهنئة المسيحيين في أعيادهم أو تعيينهم في مناصب قيادية، وكذلك تحقيرهم للمرأة المصرية التي تتعرض الآن لعمليات تحرش واعتداءات حقيرة، دون أن تجد من أولئك المتعصبين من ينتفض للدفاع عنها وصد المعتدين، بدلا من اتهامها بإثارة فتنة "الرجال" بخروجها إلى الشوارع والمشاركة في المظاهرات والاحتجاجات.

خطيئة الإعلام المصري في تصور بعض قياداته وواضعي سياسات فضائياته وصحفه وإذاعاته أن حرية التعبير تعني تخطي كل الحدود وفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها أمام كل الصارخين، حتى ولو كانوا من المتعصبين والإقصائيين والناقمين على تجانس المجتمع المصري وسلامه الاجتماعي.

إذا كانت حرية التعبير هي المياه الطبيعية لحياة الأسماك، فإن الانفلات وطمس الحدود، وإن بدا للبعض كالحليب، إلا أنه لن يصلح لحياة ليس كل الأسماك، بل حتى ولو سمكة واحدة.

ختاما، أجدني ملزما بالتوجه لأول رئيس مصري منتخب، بعد أن تمكن من الاقتراب من الشعب في أيامه الأولى، إلا أن خطواته بعد أسبوع واحد من فترة رئاسته لمصر توحي بالارتباك نتيجة لتعدد جهات وجبهات الضغوط عليه، بكلماتي التالية:

السيد الرئيس!

ـ مصر لا تحتاج ولا تريد رئيسا مطلق الصلاحيات، يأمر فيطاع، فلا مانع من وجود بعض الصلاحيات لآخرين ـ غير المرشد ورجال حزبك - حتى اكتمال بناء مؤسسات، حتى تتعود على الحوار مع غيرك للتوصل إلى توافق حول سبل إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية.

ـ قسمك أمام الجماهير في ميدان التحرير وأمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا، ثم أمام المئات من المصريين في جامعة القاهرة باحترامك لدستور البلاد وقوانينها يلزمك بالانصياع لأحكام المحكمة الدستورية العليا وغيرها من المحاكم المصرية.

ـ قرار المحكمة ببطلان قانون انتخاب مجلس الشعب ـ وربما الشورى أيضا - يعني بطلان المجلس كليا أو جزئيا، ومن ثم عدم الاعتداد بوجود أغلبية برلمانية لحزب من الأحزاب، وبالتالي لا مجال هنا للتصارع على نسب تمثيل أحزاب التيار الديني أو غيرها في الحكومة الجديدة؛ وبالتالي فإن الانتخابات الجديدة لمجلس الشعب هي التي ستحدد حزب الأكثرية أو الأغلبية وليس الانتخابات السابقة لمجلس لا وجود له.

ـ لذلك كان الأفضل يا سيادة الرئيس أن تجنب البلاد فصلا أو ربما فصولا من التصارع والتطاحن تهدم ولا تبني، تفرّق ولا تجمّع، تثبّط ولا تحفّز الهمم، تدخلنا غياهب الظلمات، بدلا من تأخذ بأيدينا خارج النفق المظلم الذي رأينا بوادر شعاع من النور عند نهايته بعد انتخابك رئيسا لمصر.

ـ نريد منك أن تحافظ الآن على ما تبقى من المياه في مصر بالحكمة والتروّي، وليس بالتصارع على صلاحيات هنا أو هناك وبث الفرقة بين المصريين.

سيادة الرئيس!

ـ ليس المصريون في حاجة إلى حليب من أبقار الإخوان أو جاموس السلفيين نضع فيه سمكاتنا، فمياه نيلنا وبحارنا هي البيئة الطبيعية والوحيدة لأسماكنا.

ــــــــــــــــــــــ

فيينا في 11/7/2012

 

   32 

ليس الشديد بالسرعة!

أساءني كثيراً عرض الفيلم الأمريكي "The Real Life Of Muhammad- الحياة الحقيقية لمحمد" بمضمونه العفن ورسائل الكراهية التي يسعى منتجوه إلى ترويجها، وأساءني أكثر وقوف بعض المسيحيين المصريين وراء إنتاج الفيلم ومحاولاتهم الترويج له باعتباره سهما قاتلاً صوبوه إلى قلب الإسلام وقلوب المسلمين سيحقق انتصارا للمسيحية واليهودية على دين الصحراويين القتلة والزناة واللوطيين الذين جسّد "نبيهم" محمد في الفيلم كل مثالبهم وخطاياهم.

ولكي لا أنساق وراء تعليقات أقرؤها أو أسمعها حرصت على مشاهدة الفيلم، لكنني قررت ألا أشاهده حتى نهايته، واكتفيت بما شاهدت لأن "مضمون ومغزى الجواب اتضحا من عنوانه". وبعد دقائق كنت في حاجة إليها لأتخلص من حالة الاشمئزاز التي اعترتني خلال نحو ساعة أو يزيد هي مدة ما شاهدته من هذا العمل الرديء، قررت أن أتوجه بكلماتي هذه إلى أبناء وطني وعقيدتي، ليس عن الفيلم فلست في حاجة للتعليق عليه، لأنه ببساطة "زبالة لا تمت للفن والحقيقة بصلة"!

إنني أتوجه بكلماتي هذه إلى المسلمين دون سواهم، وإن كنت بحكم الانتماء أركز حديثي إلى المسلمين المصريين، لأننا قد نختلف في أمور عديدة عن المسلمين في دول أخرى!

كيف؟

إن غالبية المسلمين المصريين يتشاركون في الوطن مع إخوة لهم في العرق والنسب هم المسيحيون المصريون وبينهم صلات أرحام، ولأن الرسول الذي يتصدى الفيلم لتشويه صورته وتحقيره أوصى المسلمين ـ كل المسلمين - بأهل مصر خيرا.  لذلك فإن علاقة الطرفين ذات خصوصية ولا تحتاج إلى دليل لإثباتها. ومن هذا المنظور يجب أن يتعامل المصريون المسلمون مع هذه الجريمة التي من بين من حرّض على ارتكابها مصريون مسيحيون ضلّوا سواء السبيل، فامتلأت قلوبهم بالغل والحقد والكراهية ضد إخوة لهم في الوطن الذي يدّعون انتماءهم إليه وغيرتهم عليه.

كم عدد أولئك الضالين من المسلمين والمسيحيين في مصر وخارجها؟ عشرات، مئات، ألوف؟ وهل ننساق وراء تطلعاتهم نحو هدم الوطن وإشعال الفتنة بين المصريين، وننسى مسئوليتنا عن وطننا والغالبية العظمى من بسطاء شعبه من مسلمين ومسيحيين؟

لقد أفزعني لجوء آلاف من المصريين إلى العنف في التعبير عن سخطهم من الفيلم الأمريكي ومنتجيه، ومحاولاتهم اقتحام سفارة أمريكا وإضرام النيران فيها، وأفزعني أكثر إقدام بعض من يدّعون الإيمان من المسلمين بحرق الإنجيل وسب المسيحية والمسيحيين والدعوة إلى الانتقام منهم.

لماذا لم يتمثل هؤلاء بقول نبي الإسلام وقد تعرض لأذى رافضيه ومعارضيه: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون!"

ألم يتعرض النبي لسباب المشركين والكفار؟ ألم يتهموه بالجنون، ومخالطة الشياطين؟ ألم يشككوا في كتاب الله وصحة نبوة رسوله؟ فماذا كان رد الله ورسوله على ادعاءاتهم؟

هل كان الرسول فظّا غليظ القلب وهو يدعو لقومه بالهداية؟ هل كان ضعيفا مستكينا وهو يقول لأهل مكة يوم فتحها: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"؟

نعم، من حقنا أن نغضب، وأن نحتج ونرفض مثل هذه الأعمال القبيحة، فنتظاهر ونقاطع منتجات من يعتدون علينا وعلى عقيدتنا، لكن هل من حقنا أن نقتل أبرياء لم يشاركوا في إنتاج الفيلم لمجرد أنهم أمريكيون أو مسيحيون؟ وهل من العدل والإيمان الصحيح أن نأخذ الأبرياء بجريرة المذنبين والمخطئين؟!

أليس من جوهر عقيدتنا ألا تزر وازرة وزر أخرى؟!

ثم هل طهرنا أنفسنا من الغل والحقد والبغض لغيرنا، فقدمنا للقضاء دعاة الفتنة والتمييز ضد غير المسلمين الذين يتصدرون شاشات فضائياتنا ويعتلون منابر مساجدنا، يكيلون الاتهام لهذا الدين الآخر أو ذاك، لمحاكمتهم على تهم كثيرة أقلها ازدراء الأديان، والتحريض على العنف؟

هل عاقبنا من ارتكبوا جرائم في حق المسيحيين المصريين بالاعتداء على متاجرهم وكنائسهم وممتلكاتهم وقتل أبرياء منهم في دور عبادة؟

هل من العدل أن ننتفض ضد غيرنا إن أساء إلينا، ونغض أبصارنا عن إساءتنا لغيرنا؟

هل هذا هو جوهر ديننا الذي يشترط إيماننا بالله وكتبه ورسله، وألا نفرق بين أحد منهم؟

وهل نحن فعلا نقتدي برسول الله ونتّبع سنته قولا وعملا وهو القائل:" ليس الشديد بالسرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"!

ــــــــــــــــــ  

حسن بارود - فيينا في 13 سبتمبر 2012   

 

 

  33 

أيها المصريون!

خذوا حذركم من أعراض وباء تدمير الذات!

تزايدت في الفترة الأخيرة مظاهر الشد والدفع بين المسلمين والمسيحيين داخل مصر وخارجها، سواء بما يبثه "المفتجية" دعاة وشيوخ وقساوسة ووعاظ الفضائيات الإسلامية والمسيحية من سموم فتاكة تسرطن عقول المصريين وتدمر مساحات الحب والتواد والتراحم والتسامح في قلوبهم.

نعم لقد أطلقت أفاعي الانغلاق والكراهية ألسنتها المسمومة في عقيدة المسيحيين وتكفيرهم، وبلغ التبجح مداه بتحريم تحية المسيحي، ونقله إلى الكنيسة بسيارة يقودها مسلم وصنعها مسيحي أو بوذي أو ملحد، والحث على إذلالهم في وطنهم.

وعلى الجبهة المقابلة نرى قساوسة يفترض أن يعظوا الناس بالمحبة والتسامح، بل وحب الأعداء، لا يخجلون وهم يكيلون الشتائم لنبي المسلمين وصحابته وأتباعه، متوهمين أنهم سينالون بهذا الدنو الأخلاقي محبة ورضا السيد المسيح عليه السلام!

لقد تابعت خلال الأيام القليلة الماضية عددا من الفضائيات التي تدّعي انتماءها للمسيحية - ديانة المحبة والسمو الروحي - وهالني هذا الكم الهائل من الكراهية والتحريض على البغض الذي تتضمنه برامج تلك الفضائيات التي تتمسح بأسماء كالحقيقة والحياة وغير ذلك من الصفات التي لا تنطبق واحدة منها على أي من تلك القنوات!

فهل يظن القائمون على أمور تلك القنوات أنهم مؤمنون حقا؟ وهل يقتربون بما يبثونه من أحقاد وظلام أنهم سيكونون بجوار المسيح حينما يغادرون ـ غير مأسوف علهم ـ عالم الأحياء؟!

وهل هم مقتنعون حقا بأن تشويه الإسلام والإساءة إلى نبيه ستعمق إيمان البسطاء من المسيحيين وتقربهم من كنائسهم؟ أم أنها ستحرضهم على الكراهية والانخراط في صفوف المتشددين والمتطرفين؟

وهل سينعم المسيحيون المصريون داخل مصر وخارجها بالسلام والأمن داخل مجتمع يتقاتل أطرافه؟ وهل هذا الأسلوب الدنيء في إثارة الفتن والدعوة إلى تقسيم الوطن والتحريض على الاقتتال بين طوائفه ما سيحقق الاستقرار داخل المجتمع المصري؟!

ثم هل يستطيع فيلم سينمائي مهما كانت تكلفة إنتاجه وأسماء المشاركين فيه أن يغير من مواقف المسلمين في أرجاء المعمورة من نبيهم ورسالته؟

ألا يخجل أولئك "الرعاة" من أنفسهم وهم يخوضون في أعراض أمهات الأنبياء والرسل؟ ويصمونهن بالزنا؟ وهل هذا من صفات الورع والتقوى والتواضع، أم هي سمات الوضاعة والحقارة؟

نعم لقد ارتكب المتأسلمون أعمالا لا تقل قبحا عن قبح أولئك القساوسة، ولكن هل ارتكاب مدعي التديّن مثل هذه الحماقات، يعني بالضرورة حقارة عقيدتهم؟ أم قصر نظرهم واعتلال سرائرهم؟

إذا كان هناك من يعتقد أن من الشعوب التي غزا المسلمون أوطانهم من أجبر على اعتناق الإسلام بحد السيف، فليكن لهم ما يظنون؟ ولكن هل ينكر أولئك أن دولا بأكملها في أفريقيا والأمريكتين ـ بل في أسبانيا ودول أوروبا ـ أدخلت في المسيحية قصرا؟ ثم ماذا عن الحروب المذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت التي أتت على الأخضر واليابس في أوروبا؟

وهل ينكر الكارهون لغيرهم أن الربط بين الحروب الصليبية التي حرض عليها بابوات الكنيسة الكاثوليكية والديانة المسيحية فيه ظلم لعقيدة المسيح عليه السلام؟

وماذا عن أوروبا الاستعمارية وما اقترفته جيوشها في آسيا وأفريقيا وغيرهما من قارات العالم؟ ألم يكن قادة تلك الدول الاستعمارية مسيحيين؟

ثم ألم يكن أدولف هتلر النازي مسيحيا؟ وماذا عن أمريكا التي دمرت بالقنبلة الذرية مدنا كاملة في اليابان؟ وماذا عن رؤساء أمريكا وحروبهم في فيتنام والهند الصينية والعراق وأفغانستان وغيرهم من مناطق العالم؟

وماذا فعلت روسيا القيصرية في الشعوب المجاورة؟

ثم هل نسي أولئك المتعصبون ما اقترفه الرومان بحق مسيحيي مصر الأوائل؟!!

نعم نحن لا ننسى ما اقترفه الأتراك ضد الأرمن، وغيرهم من المسيحيين في الشرق، ولا ننكر أيضا ما تعرض له مسيحيو مصر من ظلم اتخذ أكثر من صورة، سواء في التعسف في بناء الكنائس أو الاعتداءات الإرهابية وغير ذلك من صور الظلم التي لا يقبلها مسلم حقيقي؟ ولكن هل يعد هذا مبررا للدعوة لتقسيم مصر؟ والإساءة لنبي الإسلام وأتباعه؟

إن تاريخ البشرية مليء بمثل هذه الجرائم منذ بدء الخليقة، وعلينا أن نخلع الخشبة من أعيينا قبل أن نشير إلى ما في أعين الآخرين من شظايا؟

إنني أدين كل مسلم مصري أخطأ ويخطئ في حق غيره ويسعى لتشويه عقيدته، أيا كانت عقيدة الآخر، كما أدين كل مسيحي مصري يعتقد أن سب المسلمين ونبيهم وكتابهم المقدس سيقربه إلى المسيح، وسيجبر المسلمين المصريين على التسامح والعيش في سلام مع المسيحيين!

إن الانتشار السرطاني للقنوات الفضائية التي تتمسح بالأديان، وفتح أبواقها أمام كل من هبّ ودبّ من المتعصبين والناقمين على الغير شر تجب مواجهته بكل شدة، ودور الكنيسة المصرية والأزهر الشريف وحكماء هذا الوطن من مسلمين ومسيحيين أصبح مطلوبا أكثر من أي وقت مضى.

إنني أتوجه بندائي هذا لشباب مصر من مسلمين ومسيحيين الذين خرجوا في 25 يناير يدا بيد، وكتفا بكتف، وقدرا بقدر أن يعيدوا اصطفافهم ويعلنوا تمسكهم بوحدة هذا الوطن وشعبه ويتصدوا للرياح العاتية والملوثة ببكتريا وفيروسات الحقد والكراهية التي تأتينا، سواء عبر الصحراء في الشرق، أو من بلاد ناطحات السحب وأسواق المال وراء البحار والمحيطات من الغرب أو الشمال، لتنقض على جهاز مناعة الشعب المصري الذي يعاني ضعفا ملحوظا أحدثه الغلاة والمتعصبون المصريون مسلمون ومسيحيون ومن ورائهم قوى ليست خفيّة، بل سافرة تسعى لتفكيك الوطن وتقزيم شعبه.

وما أرصده الآن هو بوادر خطر انتشار لبكتريا وباء مدمر في ربوع مصر، وخارجها سيطال كل المصريين ولن ينج أحد من هذه المهلكة التي ستدمر كل قيم الخير في نفوس المصريين. نعم إننا في مواجهة وباء فتّاك لأنه يصيب المصريين في وجدانهم وتاريخهم وعقائدهم، ويفتح الأبواب ـ كل الأبواب - أمام الجهل الديني والتعصب العقائدي والرغبة في الثأر والانتقام، حينئذ سنجد المصريين يتحاربون ويتقاتلون وقد أعمى التعصب بصائرهم وطمس كل مساحات الأخوة في قلوبهم وأخذوا يدمرون أنفسهم بأنفسهم، وفي النهاية كلهم خاسرون.

ـــــــــــــــــ

فيينا في 11 سبتمبر 2012

 

  34 

في الصلح خير!

 

 

وجّه الرئيس محمد مرسي خلال كلمته الأخيرة والمتأخرة بعد الأحداث الدامية التي أثخنت وعمقت جراح المصريين كافة، وليس فقط سكان بعض المدن التي دارت على أرضها معارك الكر والفر بين مصريين ومصريين، دعوة للحوار يشارك فيها ممثلون عن بعض الأحزاب السياسية وبعض شخصيات ما تسمى بالنخبة، وأغفل سيادته توجيه الدعوة لممثلين عن شباب مصر الذين لهم الحق في أغلبية صكوك مستقبل مصر؛ ربما لخشيته من مواجهتهم!

كان الرئيس كعادته سريعا في تحديد موعد بدء جولات الحوار، لتبدأ أولاها بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من الإعلان عن قراره بالتحاور، ويا ليته كان قد استبق الأحداث وخاطب شعبه قبل ـ أو قبيل ـ خروج المتظاهرين والمحتجين والمخربين؛ لكن وكما عودنا رئيسنا، نجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع ما يصدره من قرارات وما يطرحه من أفكار وسط تصاعد أدخنة القنابل المسيلة للدموع، وأقدامنا تخوض في دماء القتلى، وأيدينا تحاول إخلاء الجرحى والمصابين من ساحات المعارك.

لذلك قد لا نندهش لقرار بعض المدعوين للحوار رفض الجلوس مع الرئيس أو من ينوب عنه، لأنهم خبروا مثل تلك الحوارات بين الطرشان التي لم تفض إلى شيء إيجابي، لكننا رغم ذلك نستغرب أن يرفض قادة أحزاب وتجمعات سياسية مؤثرة ـ على الأقل إعلاميا ـ الاستجابة لدعوة الحوار، رغم اقتناعنا ببعض مبررات شكوكهم في جدواها، إلا أن أرواح المصريين ودماءهم، تستحق من كل منا أن يعود إلى عصير الليمون مرة أخرى، كي ينكشف الجميع أمام الشعب، وهنا أؤكد على الجميع، لأن ليس كل من يعارض نزيها، وليس كل من يحكم أمينا.

لقد أدى غياب الحوار الإيجابي إلى ترهل الدولة وتفتت مؤسساتها واندثار هيبتها، لتصبح الساحة خالية أمام أطراف كلها متعصبة، إما لمذهب ديني، أو لأمير أو شيخ أو جماعة، وإما لفريق كرة، أو عقيدة سياسية، كما امتهن بعض الشباب مهنة جديدة هي الثورة، وامتهن آخرون مهنة العنف، فتلثموا وصاروا أشباحا سوداء يدمّرون ويخربّون وينشرون الرعب في أرجاء البلاد، ليجد أغلب المصريين أنفسهم أسرى لمزاج قوى عنف مختلفة الألوان والتوجهات، وإن كان تقويض أسس المجتمع وإعادة صياغتها هو الهدف المشترك لكل أولئك الانتهازيين.

لذلك فإن حاجتنا إلى الحوار الآن أكثر إلحاحا من ذي قبل، ولنبدأ بالاعتراف بأخطائنا لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، ثم نضع جدولا لبنود الحوار داخل إطار زمني قد يكون شهرا نتحاور فيه كلنا، ويكون بمثابة "هدنة" ننتهي خلالها إلى توافق حول ما يجمّع وليس ما يفرّق.

ولكن، لكي نتحاور يجب علينا أن نتصارح، ويقر كل منا بأنه أخطأ، وقد أخطأ الجميع بلا استثناء، وها هي ـ في إيجاز شديد ـ بعض أخطاء الأطراف الرئيسية في حلبة التصارع السياسي:

ـ أخطأ "المعتدلون" من الإخوان المسلمين ومعهم ثلّة من السلفيين حين اعتقدوا أن نتائج الانتخابات البرلمانية تمنحهم "شيكا على بياض" لتغيير وجه مصر وجوهرها، وأن ما تبقى للمعارضة من مقاعد في مجلسي البرلمان كفيل برضا الرافضين لهيمنة التيار المتأسلم، وأن الزمن ـ مع شيء من التدليس والمراوغة ـ كفيل بإسكات أصوات المحتجين وخروج الساخطين إلى الشوارع والميادين.

ـ وأخطأ المتشددون والمتطرفون من المتأسلمين حين ظنوا أن رفع كتاب الله وسيف الرسول، وتكفير هذا وتخوين ذاك سيرهب المصريين ويدخلهم صاغرين جحور الماضي وكهوف الظلام، نادمين على ما فعلوا، طالبين منحهم صكوك التوبة والغفران من ذوي القلوب المتحجرة والطباع الفظة الغليظة.

ـ أخطأ رئيس الجمهورية حين أقسم بالله العظيم ـ ثلاث مرات ـ على احترام الدستور وسيادة القانون، وهو متيقن أنه سيحنث في يمينه إن آجلا أو عاجلا، وأن المصريين سيغفرون له نكوصه عن وعوده قبل إعلان فوزه، لأنه حريص على التواصل معهم في صلوات الجمعة.

ـ أخطأت قيادات المعارضة حين اعتقد رموزها أن التشدد وحده كفيل بتوحيد صفوفها، ومن ثم إجبار الحاكم وبطانته على التراجع، ناسين أنهم أمام قوى متجبرة، مستعدة للتضحية بالغالي والنفيس من تراث مصر وحضارتها في سبيل بسط هيمنتها على البلاد والعباد، لأنها تظن أنها صاحبة رسالة سماوية بتوكيل إلهي.

ـ أخطأ شباب الثورة حين منحوا ـ بعد الحادي عشر من فبراير 2011 ـ كل ثقتهم في جيل آبائهم وأجدادهم من الساسة فتركوا لهم دفة السفينة يتنازع على توجيهها ربان كثيرون، لكل منهم وجهة يرضاها. بل إن كثيرين من أولئك "الربان" ألقوا بكثير من الثوار في عرض البحر لتخفيف حمولة السفينة من مناوئيهم، ومنهم أيضا من لن يتورع عن ثقب السفينة حين يتأكد أنها لن تصل به ومن معه إلى هدفه ومرفئه هو وحده.

ـ أخطأ كثير من المصريين حين اكتفوا بترديد مقولة منسوبة إلى سعد زغلول مفادها "أنه لا فائدة، وأن شيئا لن يتغير" في هذا البلد، وكأنهم راضون عن استمرار الأوضاع كما كانت عليه منذ عقود وربما قرون، فاستهان المتصارعون على الاستئثار بمصر بما قد يكون من رد فعل المصريين على ممارسات "النخبة الحاكمة والمعارضة" على حد سواء.

ـ أخطأ كثير من إعلاميي مصر حين استغلوا منابرهم الإعلامية وظنوا أنهم وحدهم قادرون على تشكيل الوعي والرأي لدى المصريين بكثرة إلحاحهم في ترديد أفكارهم وتوجيه مواعظهم للشعب، غاضين أبصارهم عن عواقب الشحن والتحريض.

ـ هذا عرض موجز لأخطاء الأطراف الرئيسية المؤثرة في مشهد الارتباك والتخبط الذي تعيشه مصر منذ نحو عامين، أما التفاصيل فهي أكثر من ذلك بكثير، إلا أن نتائج هذه الأخطاء مدمرة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

انعدام الثقة بين المصريين، اهتزاز صورة مصر كدولة فاعلة لدى المصريين وغيرهم، غياب الأمن، تدني الخدمات إن لم يكن اختفاؤها، تدهور الاقتصاد القومي، وازدياد معدلات الفقر، عودة التطرف الديني في صور أكثر شراسة وظهور عصابات إجرامية منظمة، انفراط عقد الوحدة الوطنية، هيمنة أعمال العنف وغلبتها على التعقل والحكمة.

صحيح أن مصر شهدت بعد تولي الرئيس محمد مرسي رئاسة الدولة جولتين من الحوار، كانت بوادر أولاهما مبشرة، لكن الرئيس فاجأ الجميع ـ من غير جماعته وأهله وعشيرته ـ بالإعلان الدستوري الأول الذي شرخ المجتمع وقسّمه، ثم كانت الجولة الثانية عقب أحداث قصر الاتحادية حين ألغى الرئيس الإعلان الأول بإعلان آخر أبقى على آثار الإعلان الملغي، وكأن شيئا لم يتغير، ثم عاد أتباع الرئيس من الإخوان والسلفيين في مجلس الشورى ليعلنوا تنصلهم وعدم التزامهم بما توصل إليه المتحاورون ـ وقد كانوا منهم ـ من اتفاق حول بعض القضايا، عملا بالمثل الشعبي المصري القديم "كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح"!!!!

ورغم ذلك، أرى أن إصرار بعض ممثلي المعارضة على رفض الحوار إلا بشروطهم سيزيد من معاناة المصريين، وسيأتي على البقية المتبقية من احتمالات التهدئة، وسيلقي بظلال كثيفة قد تصل إلى حد الظلمات داخل النفق المظلم ـ أساسا ـ الذي وضعنا أنفسنا داخله، لا نستطيع تحسس مواضع أقدامنا، ولا تحديد وجهة سيرنا، لأن المصريين البسطاء هم الضحايا في النهاية؛ ضحايا الاستعداء والاستقطاب والاقتتال في الشوارع والميادين، وأمام المخابز ومستودعات الغاز، وأمام شاشات الفضائيات، ومقار المصالح والمؤسسات الحكومية، وصناديق الإقراض الدولية!

فلتجرب المعارضة جولة ثالثة من الحوار، ولتطرح رؤيتها لحل الأزمة، وتضع الجانب الآخر أمام مسئوليته تجاه الشعب الذي لن يغفر هذه المرة لمن يتسبب في إراقة مزيد من دماء المصريين، ويقضي على آمال شعبها في العيش بسلام في حرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.

نعم فآية المنافق ثلاث: "إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا اؤتمن خان"، ولنضف إلى ذلك من واقع تجاربنا "أن جولات الحوار ثلاثة، الأولى قد تفشل، وكذا الثانية، أما الثالثة ففاصلة، إذا فشلت فحينئذ فليعلم الذين أفشلوها أن الشعب لن يرحمهم، وأن مصيرهم لن يختلف كثيرا عن مصير من سبقوهم من المنافقين والمفسدين.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسن بارود    

فيينا في 29 يناير 2013

 

  35 

 

   

مصر ثلاثية الأبعاد

 

عدت قبل أيام من زيارة لمصر قمت بها مع أسرتي، رغم تحذيرات الكثيرين من الأصدقاء من زيارتها في وقت شهدت فيه أرض الكنانة اضطرابات مقلقة، حدثت كلها نتيجة لتخبط إدارة البلاد، وغياب رؤية واضحة لعلاج مشاكل مصر الملحة، يشارك في وضعها وتنفيذها الشعب المصري بطوائفه السياسية والاجتماعية المختلفة.

والمؤكد أن ارتباك المشهد السياسي وتشابك خيوطه يحجب في غالب الأحيان الرؤية السوية لواقع مصر والمصريين المؤلم، فبينما تتعثر خطوات الإدارة المسئولة عن البلاد؛ فتراها مرتبكة تنظر إلى الوراء أكثر مما تنظر إلى الأمام، تجد أيضا ردود فعل القوى المعارضة وقد وضعت نصب أعينها أخطاء الرئيس وجماعته، وتغض الطرف عن بقية المصريين، وكأن مصر خلت من الناس إلا من الرئيس ومن معه من المتأسلمين.

قضينا في مصر أسبوعين، بين القاهرة وقريتي في دلتا مصر وشرم الشيخ، حيث عايشنا الزخم السياسي والضجيج الإعلامي في العاصمة، وهموم البسطاء في ريف مصر، والانسلاخ عن الواقع المصري في شرم الشيخ، أي أننا عايشنا مصر بأبعادها الثلاثة؛ مصر الدولة في القاهرة، ومصر الشعب في الأقاليم، ومصر الغريبة في شرم الشيخ.

أما مصر الدولة فالسجال ـ بل التصارع ـ قائم على أشدّه بين الحكومة والمعارضة، تتنوع مسارح أحداثه بين الشوارع ودور المحاكم، ووسائل الإعلام كصفحات الجرائد وغرف الفضائيات.

والواقع أن معظم ما يصدر عن قصر الرئاسة ومجلس الوزراء من قرارات يؤدي في معظم الأحيان إلى احتقان الأوضاع، فتدفع قوى المعارضة بأتباعها إلى الاحتجاج والتظاهر والاعتصام، ثم تدفع التيارات الموالية للرئيس وجماعته "مجاهديها" للتصدي للقوى "المعادية"، فترتبك – على الأقل- حركة المرور في الشوارع وتتعطل مصالح الناس، ويبدأ الجدل حول مسئولية "وقف الحال"؛ أما إذا سقط قتلى ومصابون احتدم الجدل واشتد تبادل الاتهامات من جديد حول مسئولية هذا الطرف أو ذاك.

بجانب حالة التخبط والارتباك التي تهيمن على قصر الرئاسة ومجلس الوزراء، نجد الارتجالية والعشوائية أيضا في سلوكيات عناصر التيار المتأسلم، التي يتشدق قادتها بالدعوة إلى حوار وطني، بينما وضعوا أيديهم في جيوبهم، ومطّوا شفاهم، وكأنهم العليّون بعد أن حازوا أكثرية مقاعد مجلسي الشعب والشورى، ثم توّج زهوهم بفوز مرشحهم للرئاسة في أول انتخابات بعد الثورة.

وهنا قد يسأل البعض؛ لماذا أسمي المنتسبين إلى تيار تسييس الإسلام بالمتأسلمين، والجواب لأن كل المصريين مسلمون - حتى المسيحيين منهم - لأن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، أما المتأسلمون فهم أولئك الذين لا يرون غير أنفسهم مسلمين، ويخلطون بين أفكارهم وجوهر الإسلام كعقيدة، فيضيفون إلى صحيح الدين مظاهر وتبعات تطرفهم وجنوحهم، حين يشككون في عقيدة غيرهم من عير أتباعهم وأنصارهم، وحين يصرون على تغليب مبدأ تبرير الوسيلة للوصول إلى الغاية على قواعد الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلمون بل الأسوياء من البشر على اختلاف معتقداتهم.

أخطأ المتأسلمون بكل أطيافهم وتوجهاتهم حين اعتقدوا أن الانتخابات كعود الثقاب لا يحترق إلا مرة واحدة، فظنوا – وبعض الظن إثم- أنهم "ركبوا البلاد" إلى الأبد، وتناسوا أن الشعب المصري قادر على الصبر لسنوات طويلة، لإيمانه بأن الله يمهل ولا يهمل، وأن للصبر حدودا، قد لا تبدو واضحة حاليا، ولكنها موجودة فعلا.

لن ينسى المصريون تراجع رئيس الجمهورية عن وعوده التي قطعها على نفسه قبيل الانتخابات بتأسيس مؤسسة رئاسة تضم مختلف تيارات المجتمع وطوائفه، وليس عرش سلطان يتربع عليه حاكم بأمر الله، وكذلك وعود جماعة الإخوان المسلمين بالتعاون مع مختلف أطياف المجتمع لإقالة هذا الوطن من عثرته.

ولن ينسى المصريون كيف سعى متأسلمون إلى ترهيب الشعب بحصارهم للمحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامي، واحتشادهم حول قصر الاتحادية لترويع المعارضين لقرارات رئيس الجمهورية، واتهام غيرهم بالكفر والارتداد عن الإسلام.

ولن ينسى المصريون ذلك "المتسشيخ" الذي أنكر جنسية أمه الأمريكية، وهو يبث سمومه محرضا أنصاره على تأديب المخالفين، وترويع المعارضين، ساعيا إلى فرض نفسه وأنصاره على المجتمع كسلطة ترهيب تستلب شرعيتها بالعنف والتدليس، حيث الغاية تبرر الوسيلة. 

أما أطياف المعارضة فقد أخطأ قادتها حين ظنّوا ـ وليس كل الظن إثما ـ أن حلبة الصراع السياسي ذات بعد سياسي واحد فقط، فجاءت أفعالهم كردود أفعال على ما يقدمه لهم المتأسلمون من بنود للصراع – كلها سياسية- وتناسى زعماء التيارات المعارضة أن الشعب المصري منتشر في ربوع مصر، وليس في ميادين التحرير وستديوهات الفضائيات، وأن المصريين أصابهم الإرهاق من تكرار الخروج للتظاهر في الشوارع والاعتصام في الميادين، حيث غابت المعارضة عن وجدان المصريين ومشاكلهم اليومية.

في هذا الصدد لا يجب نسيان دور أجهزة الإعلام المستقطبة بين مؤيدة للتيار الحاكم وأخرى للتيار المعارض، لتلهث وراء كل ما هو شاذ وغريب من أفكار ورؤى، فالإعلام المؤيد يسعى لإقناع المصريين بأن التيار الإسلامي المهيمن يحظى بدعم وتأييد السماء، وأن الرافضين لتلك الهيمنة من حزب الشيطان الذي عصى ربّه فحق عليه العذاب في الدنيا والآخرة.

وأما الإعلام المعارض فقد وضع نصب عينيه حشد كل ما يعضّد توجهه نحو إسقاط التيار المتأسلم، فبدلا من التركيز على مواضع الاختلاف مع المتأسلمين، وحث وتحفيز المعارضة على طرح رؤاها للنهوض بالشعب والالتحام بالجماهير من خلال تشكيل تجمعات بشرية في القرى ومدن الأقاليم، والبحث معها عن حلول لمشاكلها الحياتية، لإعادة بناء الوعي الشعبي، نراه  يهرول وراء المتطرفين من المتأسلمين، ويتيح لهم مساحات شاسعة للترويج لأفكارهم وآرائهم الشاذة كهدم الأهرامات وتحريم التعامل مع المسيحيين، بل وتهنئتهم بأعيادهم، وتحقير المرأة، وغيرها الكثير من الآثام الفكرية، لترويع المصريين وبث الفرقة في صفوفهم، وتأجيج الفتنة الطائفية، بدلا من تجاهل أولئك الشواذ، وكأن هذا الإعلام يعلي شأن الاستثناء من القاعدة.

ولكن ماذا عن مصر الوطن والشعب؟

لقد تكالبت على المصريين بمختلف انتماءاتهم هموم الحياة اليومية، فمن يعمل منهم لا يكفيه دخله من عمله- هذا إن تمكن من الانتظام في عمله - ومن لا يعمل، وهم كثيرون، لا يجد أمامه سوى التذمر أو الصبر، وكلاهما مر. كل هذا وأرباب العاصمة وألوا الأمر فيها مشغولون بصراعهم على السلطة والاستحواذ والهيمنة، فلا أمن استتب، ولا وظائف عرضت على الناس، ولا أجور قادرة على استيعاب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ولا شوارع وطرق أسفلتية أو ترابية أو حديدية تخلو إما من عمليات قطع وإغلاق، أو من حوادث مروعة تتلون أرضياتها بدماء المصريين وتتناثر على أجنابها أشلاء بشر أبرياء، ولا خدمات صحية أو تعليمية تحفظ للمصري القدر الأدنى من الكرامة الإنسانية.

هذا بعض مما تسمعه من معظم من تتحدث معهم من المصريين، وإن كان المصريون بطبيعتهم شكائين، إلا أن الآمال الكبيرة التي علقوها على الثورة جعلتهم يرفعون أصواتهم بالشكوى لدرجة الصراخ.

ولأنني ابن فلاح من بيئة ريفية أجلس مع أهلها على المصاطب وأفهم لغتهم، وأستطيع بسهولة التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مبالغ فيه، هالني قدر ما يعانيه الفلاح المصري من هموم، ليست كلها نتيجة عامين من الثورة، لكن ما جد منها خلال العامين الأخيرين زاد من حدتها، أبرزها ارتفاع أسعار مستلزمات الفلاحة من أسمدة وأجور العمالة، وكذلك أسعار علف الماشية، مقابل انخفاض أسعار الحاصلات الزراعية كالموالح وغيرها من أصناف الفواكه التي تعد المصدر الوحيد لدخل الفلاحين من السيولة النقدية، بالإضافة إلى تراجع معدلات الإنتاج لغياب الأسمدة مثلا، ولأن المحاصيل الأخرى كالقمح أو الذرة أو البرسيم لا تكاد تسد حاجة الأسر من البشر وما في حوزتهم من ماشية، فإن نقص الموارد المالية للفلاحين المصريين يقذف بأغلبهم تحت خط الفقر، هذا بافتراض أن أغلبهم ليسوا مدينين لبنوك التنمية الزراعية، حيث يسعون إلى تلك البنوك للاقتراض لتدبير تكاليف تزويج أبنائهم، أو سد العجز في ميزانياتهم الهزيلة، رغم إدراكهم عدم قدرتهم على سداد أقساط القروض.

بالإضافة إلى ما سبق فإن النقص الملحوظ في الموارد المائية- وكلها من النيل- قلص مساحات الأرز في دلتا نهر النيل، وعرض المخالفين من الفلاحين لغرامات مالية أضيفت على أعبائهم المعيشية، وهم الذين كانوا يرون في زراعة الأرز ملاذهم الأخير لإطعام أسرهم بعد تدني أسعار الفواكه، حيث يمثل الأرز طبق الترف والرفاهية على طبلية الفلاح المصري البسيط.

لقد ظل الفلاح المصري بامتداد وجوده الزمني خزانة قوت المصريين، يجد ويشقى، وهو الفقير والمريض، كي يشبع بطون غيره من سكان المدن، ولا يطمع سوى في الحد الأدنى من التقدير والاعتراف بالجميل من أبناء وطنه، فيوفر له القائمون على أمر هذا الوطن مستلزمات الإنتاج كي يواصل عطاءه، وبعض الرعاية لأبنائه كي يخلصهم من واقعه البائس، إلا أن الرياح تأتي في الغالب بما لا تشتهيه السفن؛ إذ انقض بعض الأحزاب السياسية على ما ظنّ الفلاح المصري أنه يستحق ما حصل عليه من مكاسب شرعية كمواطن مصري، لا يعرف الكسل ولا يعيش عالة على غيره، إلا أن ذلك الغير استكثر على الفلاح ما ناله من رد اعتبار بعد ثورة 1952، فسلبه تلك المكاسب وأهمله، ومن ثم لم يعد هناك من يسمع أنّات الفلاح الذي لا سند له إلا ما يقدر على إنتاجه ليقيم وأده ويقيه مذلّة سؤال اللئام.

ولا يختلف حال العمال وموظفي المحليات في أقاليم مصر كثيرا عن حال فلاحيها، فمازالت أجور موظفي المحليات هزيلة، ومازالت أبواب ونوافذ الفساد مفتوحة على مصراعيها لأن ضغوط الحياة تتصاعد، وصور ومظاهر المعاناة تتعدد وتتكاثر، فالخدمات متدنية ـ إن وجدت أصلا - فالدولة غائبة، والمحافظون قابعون في عواصم محافظاتهم لا يجرؤون على الخروج من مكاتبهم وتفقد أحوال وأوضاع المستضعفين في الأرض، والاستماع إلى شكاواهم والبحث معهم عن حلول لبعضها، وربما بإشراكهم في إدارة ما يواجهون من أزمات ملحة.    

لذلك لا يجد فلاحو وموظفو وعمال مصر أمامهم وبين ظهرانيهم سوى أعضاء وأنصار الإخوان المسلمين، وثلّة من السلفيين - وكأنهم جنود الله على الأرض - يرغّبون في الدين ويرهّبون به على حد سواء، يقدمون المساعدات العينية لبعض المحتاجين منهم، مقابل تعدهم بالولاء للجماعة، والناس طبعا موالون لمن يساعدهم، وإلا كانوا ناكرين للجميل، وليس من طبع المصري الأصيل أن ينكر الجميل.

في هذا المناخ البائس يعيش أغلب فلاحي وعمال وموظفي مصر، ولكنهم لم ييأسوا أو يستسلموا لأن ارتباطهم بتراب أرضهم أقوى وأعمق من أيدلوجيات محترفي السياسة وهواتها، وصار المواطن المصري البسيط قادرا على تحليل أوضاع بلاده وطرح مشاكل شعبها وعرض حلول لمعظم المشاكل، رغم إدراكه لعجز القائمين على أمور البلاد وتشككه في مصداقية ما يعلنون أفكار وما يطرحون من حلول، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فأهل الحل والعقد في العاصمة بعيدون عن شعبهم، والفلاح المصري - وجل المصريين فلاحون -  يعي تماما أن البعيد عن العين بعيد عن القلب وعن الفكر.

كل هذا في غياب وجود ملموس لقوى المعارضة التي لا ترى في مصر سوى العاصمة، فلا تنفك عن تكرار اتهامها للتيار المتأسلم باستغلال حاجة الفقراء والبسطاء من المصريين- وما أكثرهم- للقفز على السلطة!

حقا إن هؤلاء المعارضين لم يستوعبوا بعد أن السياسة وسيلة لتحقيق المصالح، ومادامت مصلحة المواطن البسيط في تأييد تيار بعينه يحقق له بعض هذه المصالح، فلا حاجة له لعبارات الاتهام والبكاء على الحليب المسكوب التي تخرج من أفواه المعارضين.

لذلك لن أفاجأ بحدوث تغيير طفيف في موازين القوى السياسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فمازالت البطون خاوية والعقول مشغولة بهموم الحياة اليومية، في حين تتناحر القوى السياسية على مقاعد البرلمان التي تمكن الحائزين على أغلبيتها من صياغة مستقبل الوطن والشعب.

أما شرم الشيخ - البعد الثالث لمصر - فرغم قلة عدد السائحين، وأثر ذلك الملحوظ على حيوية المدينة، إلا أنك تلمس تفانيا من العاملين في الفنادق والمنتجعات السياحية على تقديم أفضل الخدمات للضيوف للتأكيد على أن مصر مازالت حية وعفيّة.

نعم يجتهد ملاك الفنادق والمنتجعات ومعهم آلاف العاملين في هذا القطاع الحيوي في إبعاد ضيوفهم عن أجواء الاحتقان والتصارع خارج حدود المناطق السياحية، وقد لاحظت أن محطات القنوات الفضائية المصرية لا تظهر نقية على شاشات أجهزة التلفزيون في غرف الفنادق، ربما عن قصد، لأنها لا تنقل ولا تبث سوى جولات الملاكمة والمصارعة بين أطراف الصراع السياسي في مصر، أولا ربما لأمه لا يوجد غير تلك المباريات الساخنة في العاصمة، وثانيا لأن جل ما صدر عن رئيس الجمهورية وبطانته حتى الآن كان صادما، وكأنهم أرادوا بقراراتهم تكحيل عين للديمقراطية فأصابوها بالعمى.

إنني أحيى كل من احتفظ بأكبر قدر ممكن من العمالة المصرية في فندق أو منتجع في كل المناطق السياحية على أرض مصر، كي يثبتوا للعالم أن لمصر أكثر من وجه، وأن البلد في مجمله آمن، وأن المصريين مضيافون وكرماء، رغم تدني أسعار الإقامة والإعاشة في ذروة الموسم السياحي. ولا أظن أن أحدا من ملاك تلك المرافق الحيوية قادر على تغطية تكاليف تشغيلها، لكن إرادة المصريين القوية تدفعهم إلى قبول التحدي، إلى أن يقضي الله أمرا كان مقضيا.

وأخيرا فإنني أكتب هذا المقال بعد يوم واحد من افتتاح رئيس الجمهورية الدورة الرابعة والأربعين لمعرض الكتاب في القاهرة، وقبل يوم واحد من خروج المتظاهرين في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، فأما افتتاح رئيس الجمهورية المعرض الدولي للكتاب لأول مرة بعد وصوله إلى قصر الرئاسة، فقد بادر سيادته بالإحجام عن لقاء كتاب وأدباء مصر ـ لأول مرة أيضا- في تاريخ المعرض، وهو ما أراه مؤشرا على خشية الرئيس من مواجهة أصحاب الفكر.

وأما الذكرى الثانية للثورة فيجب أن يصر المتظاهرون والمحتجون على سلميتها، وألا يسيء الناقمون على التيار المتأسلم استغلال حماس الشباب ورغبتهم في تحقيق أهداف ومطالب الثورة بتحريضهم ودفعهم إلى مواجهات، سواء مع أجهزة الأمن أو مع مؤيدي وأنصار ذلك التيار تحت أي ظرف من الظروف؛ ومن ثم ترويع المواطنين، وتخريب مرافق الدولة، لأن المصريين - والمصريون وحدهم - هم الخاسرون في كل الأحوال.

 وبعد،،،

إن لدي انطباعا أن الرئيس حاليا يخشى مواجهة كثير من المصريين وليس كتابها وأدباؤها فقط. وقد التمس له العذر في ذلك بعد كل ما اكتنف معظم قراراته من ارتباك وارتجال، لكنه مدعوّ الآن إلى تدارك تلك الأخطاء، والاستجابة لنبض الشارع المصري، فيدعوهم إلى تنقية صفحات نصف العام الأخير من ولايته، بل والصفحات التي بدأ تسطيرها من يوم خروجه من السجن، يوم اقتحمت سجون مصر وأطلق سراح كثير من نزلائها، وليطلب الرئيس المؤمن من حماس وحزب الله تسليم أتباعهما الذين كانوا في بلادهم وبين أهلهم وعشيرتهم بعد سويعات قليلة من اقتحام محابسهم، لتعاد محاكمتهم أمام القضاء المصري، كما ستعاد محاكمة الرئيس السابق وكبار مساعديه.

على الرئيس أيضا - إن أراد إصلاحا - أن يصر على محاكمة قتلة المصريين منذ بدء ولايته عرش مصر، وأن يتولى رعاية حوار حقيقي بين المصريين حول كل ما يختلفون عليه، تلزم نتائجه كل أطرافه.

إنني على يقين أن الرئيس الحالي مازال قادرا على تصحيح ما اعوج من مساره – إن أراد-  لأنه مواطن مصري بسيط، رغم سطوة جماعته وتكالبها على السلطة، لكنه في النهاية رئيس انتخبه مصريون مختلفو الانتماءات، فليكن رئيسا لمصر وشعبها، وليمد أيديه لكل المصريين!  

 

فيينا في 24 يناير 2013

   36 

عود على بدء

نظرة العين العوراء لمشكلة الطاقة في مصر

في كلمته بمناسبة الذكرى الأربعين لعبور الجيش المصري إلى أرض سيناء الحبيبة، فاجأنا الرئيس عدلي منصور بإعلانه عن تبني حكومة الفترة الانتقالية مشروعين قوميين كبيرين يقفزان بمصر إلى صفوف الدول المتقدمة في العالم، أول هذين المشروعين القوميين هو تطوير وتنمية منطقة القناة من خلال مشروعات تنموية عدة، ثم يأتي المشروع القومي العظيم الثاني وهو "تحقيق الحلم المصري" متمثلا في إقامة أول مفاعل نووي لتوليد الكهرباء في منطقة الضبعة بالصحراء الغربية.

لن أناقش هنا مشروع تطوير محور قناة السويس لأنه مشروع سلمي واقتصادي، يخلق عشرات الآلاف من فرص العمل للمصريين وينعش الاقتصاد المصري ويرفع معدلات نموه، كما ينشط حركة التجارة البينية والدولية، ويعزز من ثقل ومكانة مصر في المنطقة.

أما مشروع بناء المفاعل النووي فهو لا سلمي ولا اقتصادي، لأنه وإن كان لغرض الاستخدام السلمي للتقنية النووية، إلا أن مخاطره لا يمكن التكهن بعواقبها لأنها مخاطر تتعلق بالفناء والدمار الشامل لكل مظاهر الحياة، كما أن قضية تخزين النفايات النووية مازالت بلا حلول مطمئنة حتى الآن.

إن تكلفة بناء المفاعل النووي في الضبعة تقدر بالمليارات، ويتوقف حجم تلك التكلفة على قدرة المفاعل وحجم الطاقة المطلوب توليدها، بالإضافة إلى عوامل الأمن والأمان الضرورية لتشغيل مفاعل نووي يعتبر بمثابة قنبلة موقوتة، يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا لم يتوافر لتشغيله أكبر قدر متاح من عوامل الأمن والأمان. لذلك فإن تكاليف تشغيل وصيانة المفاعل باهظة، ناهيك عن احتمالات الأخطاء البشرية، واحتمالات الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وغيرها، بالإضافة إلى تفريغ المنطقة الشاسعة المحيطة والمجاورة للمفاعل من معظم مظاهر الحياة الطبيعية، إذ لن تقام مشروعات سياحية أو زراعية أو حتى صناعية بجوار منطقة شديدة الخطورة والمخاطر.

ومع ذلك لا مانع من بناء مفاعل متوسط الحجم لأغراض البحوث العلمية، كما تفعل دول كثيرة، لأن فوائد الاستخدام السلمي للتقنية النووية لا تتوقف عند توليد الكهرباء، وإنما تمتد لتشمل النواحي الطبية والزراعية وغيرها من العلوم.

والسؤال هو لماذا إصرار الحكومة الانتقالية على إعادة الحياة لمشروع ألغي بعد حادث مفاعل شرنوبيل في عام 1986، ثم أعاد جمال مبارك الحديث عنه قبيل آخر انتخابات لمجلس الشعب أجريت في عهد أبيه كي يكتسب شعبية تؤهله لاعتلاء كرسي الحكم في مصر، لكن أحداث مفاعل "فوكوشيما" النووي في اليابان، عززت مخاوف قطاعات كبيرة من الشعب المصري تجاه هذا النوع من المنشآت التي لا تقل آثار مخاطرها كثيرا في حالة عطبها عن مخاطر أسلحة الدمار الشامل، إن لم تزد، لأن آثار الإشعاع النووي لا تنضب في سنين أو عشرات السنين، بل قد تمتد لعقود طويلة وربما قرون.

هل إصرار الحكومة الانتقالية على رفع شعار المشروع النووي لغرض تجييش الرأي العام واستقطابه نحوها، ومصر بدون مجالس تشريعية ورئيس جمهورية منتخب، وبدون دستور دائم؟

لماذا تنظر الحكومة الانتقالية إلى مشكلة الطاقة بعين واحدة حتى ولو كانت عينا نووية؟

لماذا لا تفكر الحكومة المؤقتة والدولة المصرية في استخدام أراضي المشروع في مجال آخر للتنمية السياحية والاقتصادية؟

لماذا لا تطرح تلك المساحات الشاسعة أمام المستثمرين لخلق فرص عمل جديدة وإعمار المناطق الحدودية غرب البلاد، بالزراعة والسياحة والصناعات البيئية، ثم توظف العائد المالي لتلك الراضي في مشروعات لتوليد الطاقة من مصادرها النظيفة؟

هل تعي الحكومة الانتقالية أن دولة مثل ألمانيا قررت التخلي الكامل عن استخدام التقنية النووية في توليد الطاقة عام 2022، وأن حكومة اليابان قررت وقف تشغيل مفاعل فوكوشيما إلى الأبد، وأن دولة النمسا قررت بالقانون عدم استخدام تلك التقنية في توليد الطاقة منذ عام 1977، وأن خطة النمسا تهدف إلى الاستغناء خلال عشرين عاما عن مصادر الطاقة التقليدية من مشتقات البترول، وأن هذه الدولة صغيرة المساحة (أقل من عشر مساحة مصر وسكانها أقل من عشر سكان مصر أيضا) تصدر سنويا مليون متر مربع من ألواح توليد الطاقة الشمسية، وأنها - وهي الدولة التي يهلل شعبها كلما سطعت الشمس في سماء بلاده -  رابع دولة على مستوى العالم في استخدام الطاقة الشمسية بعد هندوراس وإسرائيل وقبرص!!!  

ولماذا لا تنظر بالعين الأخرى إلى البدائل السلمية والنظيفة لتوليد الطاقة في بلد شمسها ساطعة طوال العام ومعظم مساحات أراضيها في الصحراء الشرقية والغربية، وتتمتع بشواطئ تفوق الألفي كيلو متر، في شرق البلاد وشمالها، كما يجري بامتداد أرضها نهر من جنوبها إلى شمالها، كما لا تعدم البلاد الرياح الضرورية لتوليد الطاقة؟

لماذا لا تتبنى الحكومة الانتقالية مشروعا قوميا لاستخدام الطاقة الشمسية لتسخين المياه في البيوت والمؤسسات الحكومية والمصانع ودور العبادة، والقرى السياحية والفنادق، لتوفير مئات الآلاف من أطنان الغاز المدعوم بمئات الملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى تحرير البلاد من التبعية للدول المصدرة للغاز؟

لماذا لا تصدر الحكومة المؤقتة قانونا يلزم طالبي ترخيص المباني الجديدة بتركيب ألواح الطاقة الشمسية سواء لتسخين المياه أو لتوليد الكهرباء؟

ولماذا لا تقدم الحكومة الانتقالية على التعاون مع دولة عظمى في مجال الطاقة الشمسية كالصين التي اشترت خطوط إنتاج متقدمة من ألمانيا، بعد تشبع السوق الألماني من مكونات استخدام الطاقة الشمسية؟ بل ولماذا لا تصبح مصر المركز الرئيسي لإنتاج مكونات الطاقة الشمسية في المنطقة؟

ثم ما دور مصانع مصر الحربية ومصانع القطاع الخاص، ومدارسها الفنية في تعلم وإنتاج مستلزمات الطاقة الشمسية، واستبدال هذه التكنولوجيا الحديثة بدلا من إنتاج سخانات الغاز التي ظلت تنتجها منذ ستينات القرن الماضي؟

ألا ندرك أن ريادتنا في تصنيع مكونات الطاقة الشمسية ستفتح لنا مجالات واسعة للتصدير ونقل الخبرة والمعرفة إلى دول أفريقية وشرق أوسطية؟

إن كل الدول التي تستخدم المصادر البديلة في توليد الكهرباء تتيح للمواطنين البسطاء ربط شبكات الكهرباء الرئيسية بمصادرها في البيوت والمؤسسات والفنادق، بحيث تغذي كل محطة منزلية أو خاصة شبكة الكهرباء العامة بما تنتجه تلك المحطات الخاصة، مقابل ما تستهلكه من الشبكات العامة.

هل يمكن لنا أن نتخيل حجم ما تنتجه أسطح بيوتنا ومدارسنا ومصانعنا ومساجدنا وكنائسنا وفنادقنا ومنتجعاتنا، ومعسكرات جيشنا من طاقة طوال أشهر الصيف لتشغيل ملايين أجهزة التكييف، وإنارة الشوارع والطرق، وغير ذلك الكثير والكثير؟ 

ألا يحق لمصر - مركز الإشعاع الحضاري الأول والأقدم في العالم - أن تتبوأ مكانتها المستحقة في تنمية المنطقة، لتضيف إلى قوتها الثقافية والفنية والحضارية الناعمة قيمة أخرى تتمثل في الاستفادة من الموارد الطبيعية التي وهبها الله لهذا البلد وشعبه من شمس ورياح وبحار، ومياه جوفية وغيرها؟

ألا ندرك أن مجالات توليد الطاقة لا تقتصر حاليا على الشمس والرياح، بل تعدت ذلك إلى أمواج البحر والطحالب والبيوجاز، والمياه الجوفية، بل والهواء الساخن، ومصادر أخرى كثيرة يكتشفها العالم المتقدم، في حين نتفنن نحن في اختيار أماكن الاعتصام وسبل نشر الفوضى والتحريض على العنف والقتل وتفتيت لحمة الوطن ووحدته بوازع الدين المفترى عليه؟

هل تواصل حكمة مصر الانتقالية الاعتماد على العين الواحدة في النظر إلى مشكلة الطاقة في مصر، عملا بمبدأ "الأعور أفضل من الأعمى"؟

قد يكون هذا صحيحا، إذا لم تتوافر لدينا هذه المصادر الطبيعية وهذه النعم الإلهية، لكن يبدو أن نعمة البصيرة لا تزال بعيدة المنال لدى كثير من المسئولين في بلادنا، ففضلوا النظر بالعين العوراء، بدلا من فتح عيون وعقول المصريين على آفاق جديدة لاستخدام بدائل لتقنية الدمار الشامل.

حقا إنها ثقافة غض النظر عن البدائل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيينا في 9 أكتوبر 2013 

 

 

   37 

شياطين الفتنة

قصة واقعية من قريتي

 

 

عدنا قبل أيام من زيارتنا السنوية لمصر، حيث نحرص منذ أعوام كثيرة على قضاء عطلة أعياد الميلاد في دفء مصر - أهلا وطقسا - مهما كانت الظروف السياسية والأمنية؛ فقد حرصنا دائما على السفر إلى مصر عقب كل فترة اضطراب، ولم نتأثر بـ"نصائح" الكثيرين بضرورة توخي الحذر وإرجاء السفر إلى مصر حتى تهدأ الأمور.

وبالطبع اعتدنا أن نقضي بضعة أيام في قريتنا ـ المنشاة الصغرى - التابعة لمركز كفر شكر بمحافظة القليوبية التي تبعد نحو 70 كيلومترا عن العاصمة، لكن هذه المرة قررت ابنتي ليلى ومعها أخوها آدم أن يمضيا كل أيام الأجازة في القرية، ويتركا والديهما ـ زوجتي وأنا ـ في القاهرة.

بعد أيام قضيناها في القاهرة توجهنا إلى القرية لزيارة الأهل والأصدقاء والبقاء هناك يومين أو ثلاثة، ثم نعود بصحبة ليلى وآدم استعدادا للعودة إلى فيينا.

والواقع أنني لا أحبذ كثيرا مسألة المبيت في القرية أكثر من ليلتين أو ثلاثة، إذ لا ترى عيناي النوم إلا قليلا، بسبب الضوضاء المفزعة التي صارت إحدى سمات القرى المصرية ليل نهار، سواء من صراخ وصياح الأطفال والشباب في الشوارع، وضجيج السيارات والتوك توك، ومكبرات الصوت التي يحملها الباعة الجائلون صباح مساء للترويج لبضاعتهم.

ويحضرني في هذا المقام واقعة غريبة كنت شاهدا عليها في الصيف الماضي، حين تلقت أذناي نداء لمتسول في الشارع يوجهه لأهل القرية من ذوي القلوب الرحيمة من خلال "ميجافون" يحمله، ويردد دعاءه لأهل الخير طالبا عونهم ومساعدتهم.

أما هذه المرّة فقد دار في القرية رجل يركب سيارة "نصف نقل" ثبت على مقدمتها مكبر صوت، لكن نداءه هذه المرة لم يكن للترويج لما يريد بيعه من دجاج أو طماطم أو بط، أو عسل أسود، أو فاكهة الموسم من برتقال ويوسفي وفراولة، بل كان نداءه يحمل بشرى لأهل القرية والقرى المجاورة بوجود فرص عمل جديدة لكل المناصب والأعمار. وٍسأنقل نص النداء كما سمعته: "بشرى سعيدة لكم، يا أهالي المنشية الصغرى! محطة الكهربا الجديدة فيها فرص عمل كتيرة، لكل الوظائف، من غفير لمدير، مهندسين، وخريجي جميع التخصصات. قدموا طلبات التوظيف من باكر الساعة 8 صباحا بمقر المحطة الجديدة على الطريق السريع، والحاضر يعلم الغايب!"، وهكذا ردد الرجل هذا النداء كل دقيقة تقريبا.

عرفت بعد ذلك أن هذا الرجل جاب بندائه هذا كل قرى مركز كفر شكر في ذلك اليوم، وأن اليوم التالي شهد تدفق العشرات والمئات من أهل القرى الباحثين عن عمل، وأن تجمهرا كبيرا أمام مبنى وحول أسوار المحطة ـ تحت الإنشاء - لدرجة قطع طريق القاهرة ـ المنصورة  "السريع"، وبالتحديد المسافة بين بنها وكفر شكر.

فوجئ المسئولون عن المحطة بهذه الأعداد الضخمة، وحاولوا إقناعهم بأن المحطة لم تكتمل بعد، وأنهم لم يعلنوا عن وظائف جديدة، وأنهم لا دخل لهم من قريب أو بعيد بهذا النداء الذي دفع المتجمهرين إلى الحضور!

لك أن تتخيل قدر اللغط والجدال وربما الضجر والسباب الذي استقبل به المتجمهرون رد فعل القائمين على أمر المحطة، وأوشك الأمر على التطور بالاشتباك بالألسنة والأيادي، حتى جاءت قوة من شرطة المركز والقرى المجاورة لإبعاد المتجمهرين عن موقع المحطة.

علم ضباط الشرطة أن مناديا بعينه - ذكر اسمه أناس كثيرون من قرى مختلفة - جاب القرى في اليوم السابق ينادي على وظائف جديدة في المحطة، وأن المسئولين بها سيتقبلون طلبات الوظائف في اليوم التالي، فتوجهت قوة من الشرطة إلى بيت الرجل وسألته عن الواقعة، فأكد لهم أنه كلّف من "فلان" من قرية كذا بالتجول في قرى المركز كلها، وأعطاه نص النداء ليقرأه على الأهالي، ثم سأله عن أجره فقال إنه يحصل على 100 جنيه للنداء في القرية الواحدة، فأجابه صاحب التكليف بأنه سيدفع له ضعف ذلك، ودفع له مقدما عن هذه المهمة.

تمكنت قوة الشرطة بصحبة المنادي من التوصل إلى هذا الـ"الفلان"، الذي أفاد بأنه فعلا فعل هذا بناء على تكليف من "فلان" آخر من أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وأن الغرض من هذه العملية كان إرباك الأجهزة الحكومية وإحداث بلبلة، نتيجة تدفق المواطنين وتجمهرهم أمام المحطة وقطع الطريق الوحيد بين بنها والمنصورة.

خلاصة القول أن عقلاء من المتجمهرين أمام مقر محطة الكهرباء سعوا إلى إقناع غيرهم بأن في الموضوع "إنّه"، وأنهم ضحايا عملية خداع من شياطين الفتنة، حتى انصرف الجمع دون وقوع إصابات بين طرفي الأزمة.

أسرد هذه القصة التي انتهت بسلام هذه المرّة، ولكن هل تسلم الجرّة كلّ مرّة؟!

..................

فيينا في 16 يناير 2014    

 

 

   38 

الساسة ونباتات الظل

 

ذات يوم في صيف 1999 طلبني الدكتور مصطفى الفقي، سفير مصر الأسبق لدى النمسا، على الهاتف، وسألني عما كنت أفعل، فأجبت بأنني أقرأ الصحف النمساوية، فطلب مني أن أتوجه إليه في مكتبه، فتركت مكتبي وما كان بين يدي وتوجهت إلى مكتب السفير، فإذا به يناولني بضعة ورقات عليها مقال له بعنوان "الخيل والبغال والحمير!"، كان قد انتهى لتوّه من كتابته ويفكر في إرساله إلى صحيفة الأهرام لتنشره، قرأت عنوان المقال واتجهت بنظري إلى السفير، الذي بادرني بقوله: "اقرأه أولا، ثم قل رأيك!".

قرأت المقال وقلت: "لن ينشر الأهرام هذا المقال، إن كان يريد لك خيرا، أما إذا أراد التخلص منك ككاتب وكسياسي، فسينشره"!

سألني السفير: "ولماذا؟!، فأجبت لأن في المقال إسقاطا على كل المسئولين في مصر، فقد ربطت بين أدائهم لمسئولياتهم وصفات الخيل أو البغال أو الحمير، فالحصان يتسم بالأصالة والكبرياء مع بهاء الطلعة وارتفاع المكانة، وقدرة على الدخول في منافسات ومسابقات، أما البغل الذي هو هجين بين الخيل والحمير، فقد يكون قويا وقادرا على حمل أو جر أثقال، وهي صفات اكتسبها من أبيه الحصان، ولكنه لن يستغني في نفس الوقت عن صفات أمه "الحمارة" كالغباء والبرود وتحمل المذلة والمشقة.

أضفت: "صحيح أن حضرتك اتخذت الآية الثامنة الكريمة من سورة النحل: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون"، كفكرة رئيسية للمقال، ولكن كل من على رأسه "بطحة" من المسئولين في مصر سيرى نفسه واحدا من تلك الحيوانات، حتى الذين يرون في أنفسهم خيلا لن يكونوا راضين عن وصفهم بها، لأنهم سيرون أنفسهم "مركوبين" من رؤسائهم، أو كقطع الزينة لتجميل صورة النظام الحاكم، ناهيك عن غضب أولئك من البغال والحمير، لتدني مكانتهم في عالم الحيوان، وعالم السياسة على حد سواء"!

بعد مناقشة مستفيضة للمقال لم تخل من الفكاهة، قرر الدكتور الفقي أن يؤجل إرسال المقال إلى الأهرام، حتى عاد إلى أرض الوطن في سبتمبر من نفس العام، لكنه نشر بعد ذلك بعدة شهور، لكن ربما بعد تعديلات "تجميلية طفيفة" خففت من إسقاطات سياسية مباشرة مع بقاء الفكرة الرئيسية للمقال وهي مقارنة سلوكيات وتصرفات البشر بالحيوانات الثلاثة التي تنتمي إلى سلالة واحدة كما كان المسئولون والسياسيون ينتمون آنذاك إلى حزب سياسيي واحد هيمن على الحياة السياسية في مصر.

لم أكن أدري أن المصريين سيضيفون بعد أحداث يناير 2011، ويونيو 2013 صنفا آخر من الحيوانات وهو الخراف إلى قائمة توصيف السياسيين في مصر، ولكن من يعرف المصريين لا يستغرب قدرتهم على الابتكار في بعض الأمور!

أما الآن وبعد متابعة دقيقة لتدفق وتتابع الأحداث والمواقف في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، رأيت أن أتجنب إقحام الحيوانات في الشأن السياسي المصري، وفضلت أن أبحث في عالم النبات عن متشابهات لشخصيات سياسية مصرية معاصرة دون أن أذكر أيا منها باسمه.

هناك أصناف من النباتات تسمى نباتات الظل، تنمو وتزدهر في أماكن مغلقة، لكنها لا تخلو من الضوء اللازم لنموها، ولا تتعرض فيه مباشرة لحرارة الشمس وتقلبات الطقس من عواصف ورياح وأمطار ورعد وبرق. وفي العادة توضع هذه النباتات في المكاتب ومداخل وغرف البيوت والشركات والمصالح العامة لإضفاء مسحة جمالية على المكان، وزيادة نسبة الأكسجين في تلك الأماكن، لكنها تذبل وتحترق إذا تعرضت للظروف الجوية والمناخية الطبيعية خارج تلك الغرف المغلقة.

وجه الشبه هنا بين نباتات الظل وبعض المشتغلين بالسياسة واضح وجلي، لأن الاشتغال بالسياسة لا يمكن أن ينجح داخل غرف مغلقة ومكيفة، وإنما يتطلب تعرض صاحبه لكل ظواهر المناخ الاجتماعي والسياسي بما يواجهه من مشاكل تستلزم حلولا، يحتاج تنفيذها إلى رؤية وبصيرة وجلد وقوة وقدرة على التنفيذ، وكذلك مهارة في تسويق السياسات لدى الجماهير. فالسياسة إذن هي فن القدرة على الحكم، والحكم يتطلب من الساعي إليه مواصفات تؤهله لتحمل مسئولية ومشقة العمل العام.

لذلك لم أفاجأ بفشل كثير من المسئولين في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد كانت مهارات معظمهم منحصرة في التنظير اللفظي، سواء من خلال الحديث في الفضائيات أو نشر مقالات في الصحف، دون القدرة على الصمود في معترك العمل على الأرض، والنتيجة الحتمية لهذا العجز ستكون المطاردة والملاحقة الشعبية لهذا أو ذاك "المسئول الطّري" من خلال توجيه الانتقادات اللاذعة التي لا تخلو في كثير من الأحيان من قسوة وسخرية تربك وتحبط من يتعرض لها، بل "تحرقه سياسيا. والأمثلة كثيرة لا حاجة إلى طرحها مرة أخرى.

إن المتابع لسلوكيات وتصرفات "النخبة المصرية"، سياسية كانت أو إعلامية، أو حتى دينية، يجد أن كثيرا من أولئك المتصدرين للمشهد السياسي والإعلامي والدعوي في أغلبهم الأعم، ليسوا سوى نباتات ظل تنمو وتترعرع إمّا في غرف الفضائيات الظليلة، أو على أرائك الزوايا، والمساجد الطائفية، حيث يحصلون في الاستديوهات على ما يحتاجون من ضوء "صناعي" عبر أجهزة الإضاءة الساطعة لتلميع صورهم، وتبديد الظلمة التي تلف وجوههم وعقولهم، أو بالألقاب الدينية التي رخص ثمنها وهانت قيمتها بين الناس،  بما يرددون من عبارات متورمة، ويتشدقون بألفاظ لا تغني من فقر ولا تشبع من جوع، أو في مقار أحزابهم الهزيلة ـ وإن كانت مكيفة ولا تدخلها الشمس ـ لأن وجوه أولئك الساسة وعقولهم تكاد تنصهر إذا تعرضت لأشعة الشمس وحرارتها، كما يخشون على بشرتهم من الاسمرار، لأنهم يحرصون على الظهور بوجوه شاحبة لا لون لها، حيث يفضل أغلب المصريين ذوي البشرة الفاتحة، تماما كما يفضل الناس نضارة نباتات الزينة، طالما بقيت في الظل داخل الغرف، أما إذا وضعت في الخلاء، فستحترق أوراقها وتتساقط زهورها، وتذبل سيقانها ويكون الفناء مآلها.

هذا في الأغلب الأعم هو حال من يتصدى للعمل السياسي والإعلامي أو الديني في مصر عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث يظنون ـ وأغلب ظنهم إثم ـ أن الإعلام كفيل بصناعة السياسة، وترسيخ العقيدة في نفوس وقلوب وعقول المصريين. أي أننا أمام أصناف من البشر لا تختلف كثيرا عن نباتات الظل القابعة خلف جدران بعيدة عن كل ما يؤثر عليها من مناخ خارج تلك الجدران.

ولمزيد من الإيضاح تعالوا نقيّم أحزاب مصر، فلن نجد سوى هياكل رقيقة البنية لا تقدر على الانخراط في مشاكل المصريين اليومية من بطالة وتدني في مستويات خدمات التعليم والصحة، والمواصلات العامة، وارتفاع أسعار كل ما يحتاجه البيت المصري من متطلبات حياته، ناهيك عن الاختناقات التي يعاني منها المصريون نتيجة للعجز في مواد الطاقة، وارتفاع نسبة التضخم، واستمرار غياب الأمن والأمان في الشارع المصري البائس.

أين الأحزاب المصرية مدنية كانت أو دينية من تبني مبادرات لحل أزمات ومشاكل المصريين على أرض الواقع وبعيدا عن منابر الزعيق والصراخ المختلفة؟

لقد جرب كثير من المتأسلمين طوال العقود الماضية التقرب من الجماهير بتوزيع السلع الغذائية على الفقراء وذوي الحاجة، كصورة من صور الزكاة، أو الصدقات، لكنهم لم ينفذوا مشروعا واحدا لتشغيل العاطلين من غير أتباعهم، وإنما سعوا إلى احتكار كل ما يعود عليهم وعلى تنظيماتهم بالنفع، وركزوا فتاواهم وأحكامهم على الحلال والحرام من وجهة نظرهم المتعصبة والمتشددة، ليحيلوا حياة المصريين إلى جحيم خنادق التعصب والتشدد، واغتصاب الدين وليّ ذراعه لخدمة منهجهم الأعور الساعي إلى تكفير من يخالفهم، وتقزيم من ينتقد سلوكهم.

لقد اكتفوا بالبقاء داخل جدران أفكارهم المنغلقة، التي لا ترى الدين إلا في ظلمة القبور بعد الموت ويوم القيامة عند البعث، مع أن شمس الدين تسطع للدنيا أيضا حيث كلّف الله الإنسان بأن يسعى في دنياه كما يسعى لآخرته.

لم يفكر المتأسلمون في طرح سياسة لتطوير وتحديث حياة المصريين، بقدر ما يهدرون من وقت وجهد في ترهيبهم من كل ما هو جديد وحديث يحقق الرخاء والازدهار والتقدم لشعب بلادهم، لتتبوأ مصر المكانة التي تستحقها بين الأمم.

روج المتأسلمون من خلف جدران التخلف التي يتحصنون داخلها لفكرة أن المرأة المصرية سلعة جنسية يفرغ فيها الرجل شهوته، وحرّموا عليها تولي مناصب قيادية في الدولة، وسعوا إلى تغليف جسدها وعقلها بجدار سميك من السواد والعتمة والظلام، ونسوا ـ وتناسوا ـ أن المرأة هي رمانة ميزان المجتمع؛ سواء داخل أسرتها الصغيرة أو بامتداد الوطن الفسيح، فهي التي تلقن أبناءها لغتهم، وتحافظ على عادات وتقاليد شعبها، وتربي مع زوجها أجيالا، إن أحسنا تربيتها، نهض المجتمع، وإن أفسداها فسد المجتمع وتخلف وانهار بنيانه الأخلاقي والحضاري على حد سواء.

أكتفي بهذا القدر من معاصي المتأسلمين تجاه الله الذي خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء، وتجاه المجتمع الذي يريدونه كما هم ـ مجتمعا أعور ومبتور الساق ـ يسير في الحياة بعين واحدة وعلى قدم واحد.

أما السياسيون الآخرون ممن يطلقون على أنفسهم العلمانيين والمدنيين والليبراليين فأخطاؤهم أيضا فادحة في حق مصر والمصريين، إذ اكتفوا بمعارضة ورفض كل ما هو متأسلم، دون أن يطرحوا بديلا لما يرونه متخلفا، سواء في الفكر أو الفعل.

لم يطرح "تجار الأيدلوجيات" أولئك رؤى وبرامج واقعية لحل مشاكل المصريين خارج الفضائيات أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تعايشوا مع واقع افتراضي لا يختلف كثيرا عن قصور رمال على الشواطئ يشيدونها بكلمات وألفاظ دون سند من الواقع المصري الأليم.

إن مصر تحتاج إلى نوع آخر من الساسة، يعملون أكثر مما يتكلمون، يلتحمون بالجماهير في الشارع والحقل والمصنع والمدرسة وفي مستشفيات الدولة ولا يتأففون من استخدام وسائل المواصلات العامة.

مصر تحتاج إلى شباب يقتحم في جرأة وإصرار عرين المشاكل التي تعاني منها البلاد، كتلوث البيئة وأزمات الطاقة المتتابعة، لأن في مقدورنا أن نعظم القيمة المضافة من الموارد المتاحة، سواء كانت الشمس، أو الرياح، أو المياه، وهذه الجبال من المخلفات التي يمكن معالجتها وتدويرها بطرق علمية سليمة وبسيطة، لتعود بالنفع على بلادنا في صورة فرص عمل وطاقة نظيفة ومتجددة.

أما آفة الأمية التي لا يدرك كثيرون منا آثارها التدميرية على مستقبل هذا الوطن، فدور الشباب في حلها بأساليب غير تقليدية مطلوب وبإلحاح، فليبادروا بتشكيل فرق عمل في مدنهم وقراهم وأحياء سكنهم، لانتشال مواطنين من أقاربهم وجيرانهم وإخوتهم في هذا الوطن من مستنقع الجهل والتخلف، وفتح آفاق جديدة للوعي تحصنهم من ويلات العجز والفقر والعوز.

أيها المصريون!

هذه بعض الأفكار حول حلول لبعض المشاكل، وتأكدوا أن كل المشاكل مهما كثرت قابلة للحل، إن أردتم!

............

فيينا في 25 فبراير 2014

 

 

  39 

أيها المتأسلمون.. إنا سئمناكم!

 

 

قمت وأسرتي خلال عطلة الربيع الأخيرة بزيارة قصيرة لمصر، أمضينا أيامها التسعة بين القاهرة وقريتي في محافظة القليوبية، ورغم قصر مدة الزيارة إلا أنها كانت حافلة بالانطباعات نتيجة لكثافة الأحداث التي عاشتها مصر في تلك الفترة الزمنية القصيرة.

نعم لقد شهدت مصر أحداث عنف ومظاهرات واعتداءات على رجال شرطة وجيش، وقتل وإصابة في الجامعات والشوارع على حد سواء. وقد حاولت أن أراجع شريط الأحداث التي مرت بمصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأن أركز في متابعتي على سلوك المنتمين لما يسمى بالتيار الإسلامي بأجنحته المتباينة بين التطرف والتشدد، والذي أطلق ـ أنا - عليه التيار المتأسلم، لأن التيار الإسلامي في يقيني هو غالبية المسلمين المصريين من البسطاء المسالمين المتسامحين الذين لا ينتمون إلى أي فصيل من فصائل التأسلم السياسي والطائفي أو المذهبي.

والسؤال هنا، لماذا ركزت في متابعتي مشاهد الأحداث الأخيرة على التيار المتأسلم؟ والإجابة على هذا التساؤل تكمن في أن هذا التيار رغم ارتفاع أصوات أتباعه وتنوع مصادرها، سواء كانت أصوات انفجارات وتفجيرات، أو خطب أو هتافات أو اعتداءات واقتحامات، إلا أنه لا يعبر عن غالبية المصريين ولا يمثل سوى أقلية ضئيلة، وهذه واحدة من حقائق كثيرة لا يريد أتباع ذلك التيار الاعتراف بها وإقرارها.

أما السبب الآخر لتركيزي في هذا المقال على كشف مثالب هذا التيار فهو لحرصي على مخاطبة ذوي العقول السليمة من المندفعين بعواطفهم وراء شعارات يطلقها جهابذة التيار المذكور بغرض إنزال غشاوة على عقول وقلوب المصريين البسطاء بدوافع الغيرة على الدين، وإن كانت السلطة وبسط النفوذ والهيمنة دوافعهم الأصلية، لعلهم يراجعون أنفسهم ويفكرون في عواقب أفعال وأقوال المتعصبين للعنف على أرض مصر وشعبها، بعد ان بلغ الانقسام والاستقطاب حدا يكاد يمزق الأمة ويفتت قواها.

وسأعرض خلال السطور القادمة عددا من المشاهد التي تعرضت لها مصر منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى يومنا هذا، ذلك أن من يتابع ـ بإنصاف وتجرد - مسيرة الأحداث التي شهدتها مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، يجد أن خصائص وخصال وسلوكيات التيار المتأسلم في مصر بكل أطيافه لم تتغير، إذ أثبتت الأحداث وأكدت أن الطبع يغلب التطبّع، وأن خيطا ظاهرا يربط أطراف ذلك التيار من المتعاطفين معهم أو المغرر بهم أو المضللين من طوائف الشعب المصري المختلفة بقلوبهم وعقولهم المتحجرة التي شكلتها أفكار أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب، وغيرهم من دعاة التشدد والتطرف وضيق الأفق، أمثال ترابي وبشير السودان وابن لادن وظواهري القاعدة، وأمثالهم من قيادات ومنظري عصابات التكفير والهجرة والكيانات الإرهابية التي ارتدت عباءات أسمتها إسلامية تحت غطاء الدعوة والإصلاح، وما هم جميعا سوى خوارج هذا العصر الذين انسلخوا عن المجتمع، وأضمروا له العداء والكراهية، وحصروا أنفسهم داخل منظومة فكرية وسلوكية شاذة.

وفي ضوء مشاهداتي ومتابعاتي أستطيع أن أخلص إلى النتائج الآتية:

· في إيجاز أشير إلى شعار جماعة "الإخوان المتأسلمين" الذين وضعوا فيه كتاب الله بين سيفين، بدلا من وضعه بين شجرتين أو سنبلتين، وأذكّر في اقتضاب بعواقب أفكار و"مواعظ" مؤسس الجماعة التي شكلت تنظيما خاصا لتصفية خصومها، وفتاوى سيد قطب في تجهيل المجتمع والتحريض على الخروج عليه وتغييره بالقوة والعنف، بحجة تمكين دين الله في الأرض.

·  كثير من شباب اليوم لا يعرف  كثيرا عن الاغتيالات التي نفذتها عصابات الإخوان والتكفير والهجرة والجماعة "الإسلامية"، والقاعدة والجهاد "الإسلامي"، والكيانات المتأسلمة الأخرى خلال العقود السبعة الأخيرة ضد مصريين مسلمين ومسيحيين، وضد سائحين أجانب قدموا إلى مصر لينعموا بأمانها وحسن ضيافة شعبها وعراقة حضارتها، فإذا بهم يقابلون بالغدر والخسة والقتل.

· كثير من شباب هذا اليوم لا يعرف  شيئا عن فتاوى "كبار" شيوخ الإخوان  وغيرهم من رموز تيار التأسلم حول المسيحيين وعلاقة المسلمين بهم في وطن كمصر، كان المسيحيون سكانه الأصليون، ولم يفدوا عليه أو يهاجروا إليه، فأتى أولئك المضللون بفتاوى التفريق بين أبناء الوطن الواحد والتعصب ضدهم، رغم صلات الرحم والقرابة ورابطة الدم بين مصريين صاروا مسلمين وآخرين ظلوا على عقيدتهم المسيحية، بل هناك عائلات مصرية كثيرة من الديانتين ترتبط بالمصاهرة وصلة الرحم التي أوصى الإسلام برعايتها وصيانتها رغم اختلاف العقيدة.

· قبل ثلاث سنوات خرج علينا أرباب الإخوان بوعود أكدوا فيها أنهم لن ينافسوا على أكثر من ثلث عدد مقاعد مجلس الشعب، ثم عادوا ونافسوا على كل المقاعد، وبعد ذلك أكدوا أنهم لن ينافسوا على منصب رئيس الجمهورية، فإذا بهم يطرحون مرشحين، وأقسموا أن مفهومهم لحكم مصر يرتكز على مبدأ المشاركة لا المغالبة، فغالبوا ولم يشاركوا، بل سعوا إلى الهيمنة، ثم دأبوا خلال حملات الدعاية الانتخابية على الترويج لمشروع لنهضة مصر، زعموا أنه انقطع على إعداده أكثر من ألف عالم ومتخصص، وفوجئنا بأن مفهومهم للاحتكام للصندوق الانتخابي هو أن "الانتخابات خدعة"، كالحرب تماما. وبلعت أغلبية المصريين طعم شعار "الإسلام هو الحل"، لكنهم لم يهضموه.

· روجوا لأنفسهم على أنهم "الجياد الصهباء" في حلبة السباق لتحقيق نهضة مصر، وتصاهروا مع السلفيين وغيرهم من المتأسلمين، لنرى نتيجة هذا الزواج في صورة كيانات سياسية سمتها العقم في الخيال والتخبط في السلوك.

· انقلب الإخوان على مصر وشعبها، حين سلّم رئيس مصر المنتخب القياد لمكتب الإرشاد في حكم مصر، بل والحرص على الرجوع إليه قبل اتخاذ أي قرار، وسهّل لأعضاء مكتب الإرشاد سطوهم على وزارات مصر لتصفية حسابات قديمة وإعادة هيكلتها بما يخدم مشروعهم لاحتلال مصر.

· انقلب الرئيس المنتخب على حكم المحكمة الدستورية العليا بعوار قانون انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وقرر إعادة الحياة إلى برلمان باطل، وأصر على بقاء مجلس الشورى لإدراكه وأعوانه أن إجراء انتخابات جديدة للمجلسين سيكشف عورات التيار المتأسلم، بعد أن اكتشفت أغلبية المصريين زيف توجهاته وضحالة قدراته. لذلك يرفض المتأسلمون المشاركة في الحياة السياسية من جديد، لأنهم ـ في رأي الرئيس الفلسطيني محمود عباس - يرون الانتخابات كعود الثقاب "الكبريت" لا يشتعل غير مرة واحدة، وظنوا أن فوزهم  في أول انتخابات تشريعية ورئاسية سيضمن لهم السلطة إلى الأبد.

· انقلب الرئيس الإخواني على مؤسسات مصر حين أصدر إعلانا دستوريا في نوفمبر 2012، حصن فيه نفسه من المساءلة ومرّغ القانون في وحل الديكتاتورية.

· انقلب الرئيس الإخواني على الشرعية والقانون حين سمح لأنصاره من ميليشيات التطرف والعنف بفض اعتصام بضعة عشرات من المصريين أمام قصر الرئاسة وتعذيب "الأسرى"،  وفرض حصار على المحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامي، وحرق مقر حزب الوفد، والكاتدرائية، وغيرها من المشاهد العدوانية التي شاهدها الجميع، خاصة، أمام مقر الجماعة المتأسلمة.

· انقلب الرئيس الإخواني على أمن مصر القومي حين عفا بقرار رئاسي عن أساطين التكفير والإرهاب في مصر، ليعيثوا في أرض مصر فسادا، وحين تحالف الرئيس "المنتخب" - الذي أقسم بالله العظيم أن يحترم الدستور والقانون، وأن يرعى مصالح الشعب، وأمن وسلامة الوطن - مع العصابات المسلحة على جانبي حدود مصر الشرقية والغربية من مصريين وأجانب، ليناصروه عند الحاجة.

· انقلب الرئيس المتأسلم على مستقبل مصر وشعبها حين ترأس اجتماعا كارثيا في قصر الرئاسة، بث على الهواء مباشرة، شارك فيه بعض المهرجين والموتورين من بطانته لبحث سياسة مصر في مواجهة قضية سد النهضة الإثيوبي.

· انقلب الرئيس المنتخب على تقاليد شعبه حين خصّ أنصاره من المتطرفين بالاحتفال بيوم نصر المصريين شعبا وجيشا في 6 أكتوبر 1973، ليتصدر قتلة رئيس مصر والقائد الأعلى لجيشها، الراحل أنور السادات مشهد التشفي والانتقام.

· انقلب الرئيس  الإخواني "المسلم" على مبادئ الإسلام حين ترأّس في منتصف يونيو 2013 مؤتمرا تحريضيا لعتاولة التطرف والكراهية من المتأسلمين والإرهابيين، تباروا خلاله في التهديد والوعيد لكل من يخالف نهجهم التكفيري والتكريهي من مصريين - مسلمين ومسيحيين - فلم يمض سوى يومان حتى هاجمت شرذمة من الهمجيين بيوت شيعة مصريين وأعملت القتل والسحل في أهل تلك البيوت، وكأنه إنذار دموي على يد قتلة محترفين لكل مخالف في العقيدة أو المذهب أو السياسة.

· أما المآسي التي عانى منها المصريون بعد غضبة الشعب المصري وجيشه في 30 يونيو وعزل صنم الإخوان في قصر الرئاسة يوم 3 يوليو 2013، فحدث عنها ولا حرج، إذ سعوا إلى الانتقام من مسيحيي مصر بحرق كنائسهم، واحتلال ميدانين من ميادين القاهرة طوال 48 يوما، وترهيب وترويع سكان العاصمة ومدن وقرى مصرية كثيرة، بما كان يبثه قادة التطرف والإرهاب من سموم وتهديدات.

· منذ الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن، مازال دعاة الانشقاق والفرقة يطلقون ألسنتهم القذرة، وأياديهم الملطخة بدماء المصريين الأبرياء، يهللون لعمليات إرهابية ترتكب ضد مصريين في سيناء وكل مدن وقرى مصر، ويحرضون على ارتكاب مثلها، بحجة الدفاع عن الشرعية، ثم يطلقون سهامهم المسممة في شتى بقاع الأرض بغرض إصابة مصر في مقتل، كما لا يتورعون عن الخوض في أعراض الناس بأقذع ألفاظ السباب، والتنابذ بالألقاب، وهم من يدعون عفة اللسان وطهارة القلب، وقلوبهم ملآ بالحقد والغل والكراهية.

· إنهم يحرضون على القتل ويدّعون السلمية، فيقولون غير ما يفعلون، وتلك آيات المنافقين، إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.

· يتحالفون مع الشياطين داخل البلاد وخارجها في إصرار على حكم شعب يرفضهم، بل ويلفظهم كي يستردوا سلطة انتزعها الشعب منهم، بعد أن أدرك زيف نواياهم وبهتان برهانهم.

· نعم يرفض أغلب المصريين فكر التعصب والتطرف والتقاتل، ويلفظون فكر شق الصفوف وتقسيم المجتمع، واحتكار الحقيقة، وامتهان كرامة الإنسان، وإهدار حقوق الآخرين، واستعباد النساء، وتجنيد الأطفال في مسيرات ومظاهرات طائفية حاملين أكفانهم على أيديهم كمشاريع "شهداء"، وهدم الجامعات المصرية بأيادي شباب مضلل تجرؤا على إهانة أساتذتهم وتحطيم دور العلم وتوقيف الدراسة في جامعات مصر.

· يرفض المصريون إلباس دين الإسلام أقنعة القتل والتعصب والكراهية، وإخفاء الوجه الحقيقي لآخر رسالة إلهية للبشر بدين يدعو إلى التسامح والعفو عند المقدرة والتعايش السلمي بين البشر، وتعظيم الاستفادة من الاختلافات بين بني آدم، دين يدعو إلى العلم والتقدم وتحقيق الرفاهية للجنس البشري على أسس العدل والمساواة واحترام كرامة وحقوق الإنسان.

· وأختتم هنا بمقولة لسيدة مصرية ذكرتها في لقاء أسري، إذ تمنت من الله أن يقيل مصر من عثرتها وأن يعيد الاستقرار إليها، كي تنتظم الدراسة في مؤسساتها التعليمية من مدارس وجامعات، لأن توقف الدراسة يؤثر على مستقبل جيل بل أجيال كاملة، ثم أتبعت بقولها: "إن التعليم في مصر عانى كثيرا من فترات التوقف، مرة بسبب انفلونزا الطيور، وأخرى نتيجة لانفلونزا الخنازير، والآن بسبب إنفلونزا الإخوان"، ثم أضافت: "صدقني لقد سئمناهم، وندعو الله تعالى أن يشفينا من أمراضهم"!

.................

فيينا في 28 أبريل 2014    

 

  40 

كشف حساب

 

من الضروري أن يقوم الإنسان بين حين وآخر بمراجعة نفسه وإعادة النظر في مواقفه وقراراته، كي يستفيد من صالحها ويقوّم ويعالج طالحها. هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى العام فهذا ما يجب أن تقوم به الحكومات الرشيدة أيضا، كي يتبين صانعو القرار مواضع أقدامهم، وتتضح الرؤية أمام ناظريهم، سواء من خلال مراجعة ذاتية للنفس، أو من انتقادات المعارضة في المجتمعات الديمقراطية.

وسأسمح لنفسي في هذا المقام أن أطرح كشف حساب ـ من وجهة نظري -  لسنوات طويلة انقضت، ومازالت مصر تعاني الكثير والكثير على مختلف الأصعدة، وإن كانت مساحة بارقة الأمل نحو مستقبل أفضل تتسع وتتزايد مع مرور الوقت، رغم أن كثيراً من المصريين مازالوا متوجسين وغير متحمسين للتفاؤل، نتيجة لحالة التخبط والتناحر والاستقطاب التي هيمنت على المشهد المصري خلال السنوات الخمس الماضية.

لذلك، فمن الإنصاف أن نذكرّ المصريين بأن معاناتهم طوال السنوات الأخيرة هي الناتج الطبيعي لعقود ستة مضت، أهملت مصر خلالها، فترهلت عضلاتها وتراخت أطرافها، وترنحت هيبتها ووهنت مناعتها.

وسأحاول أن أعرض هذا الكشف على أجزاء ثلاثة، كي لا أثقل على القارئ، حيث أتعرض في الجزء الأول لفترتي حكم الرئيسين الراحلين عبد الناصر والسادات، ثم أفرد لفترة حكم الرئيس مبارك كل الجزء الثاني لأن حكمه امتد لسنوات ثلاثين تعادل فترتي حكم الرئيسين السابقين له.

وفي الجزء الثالث أتناول فترة التغيير التي بدأت برحيل مبارك ولم تنته بعد.

الجزء الأول: من هنا كانت البداية:

لا شك أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خلال سنوات حكمه (1954-1970) كان يسعى بكل إخلاص إلى رفع مكانة مصر على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وأنه قاد ثورة اجتماعية هائلة، فتحت أبواب التعليم والعمل على مصراعيها أمام فئات عريضة من المصريين ظلت محرومة من هذه الحقوق الأساسية طوال قرون طويلة، إلا أن ما أغفله الرئيس الراحل ومن خلفه من رؤساء مصر هو أن حق التعليم والعمل لا يجبّ ولا يغني عن الحق في حرية العمل السياسي والتعبير عن الرأي. لذلك ليس غريبا أن يتدهور مستوى التعليم في مجتمع لا يؤمن بالتعددية الفكرية والدينية والسياسية، وأن يتحول إلى تعليم تلقيني أحادي التوجه والمسار.

والواقع أن الجودة النسبية للتعليم في مصر حتى ستينيات القرن الماضي يعود الفضل فيها لجودة ما تبقى على قيد الحياة من معلمين وإداريين تخرجوا في عهد ما قبل الثورة.

في المقابل ـ على الصعيد السياسي - كانت تجربة الحزب الواحد حضّانة طبيعية للنفاق السياسي والمجتمعي ونافذة واسعة للقمع واستغلال النفوذ، ظلت مهيمنة على المشهد المصري منذ تأسيس الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، لذلك يمكن القول أنّ تجربة عبد الناصر في الحكم رجحت كفة التفرد بالزعامة على حساب كفة الحريات، فاعتمد المصريون على الدولة في كل شئونهم وكأن الدولة قادرة على شيء، فتوارت روح المبادرة الفردية، مثلما اختفت روح العمل الجماعي.

ربما كان الأفضل لمصر أن تؤسس الثورة حزبا يطرح على الشعب رؤيتها لتحديث مصر، لكن مع وجود أحزاب أخرى منافسة تعبر عن توجهات المصريين وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل لوطنهم؛ أما أن تخنق الثورة كل القوى السياسية الأخرى منذ بدايتها، ليسير خلفاء عبد الناصر على نفس الدرب، فإن النتيجة الطبيعية لتلك الممارسات التي امتدت لأكثر من نصف قرن هي ما نراه الآن من بوار وجدب أصاب تربة الحياة السياسية في مصر في مقتل، إذ تصحرّت القريحة السياسية للمصريين، وتلوث مناخ الفكر الإبداعي نحو دولة عصرية.

لم تخل تجربة الرئيس الراحل عبد الناصر من أخطاء في مجالات أخرى من بينها خلط الحابل بالنابل في عمليات التأميم التي أفضت إلى تراجع دور الصناعات الصغيرة والمتوسطة، والشركات التجارية المملوكة لأفراد أو عائلات، واضطرار آلاف المواطنين من أصول غير مصرية إلى مغادرة مصر، وإحجام المصريين عن الدخول في مجال التصنيع والتجارة الحرة، وحتى بناء المساكن، بعد إصرار الحكومات المتعاقبة على تخفيض إيجاراتها، فانتكس قطاع البناء، وأهملت صيانة المباني لتراجع عائداتها، كما انتكست الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وغابت المنافسة على التطوير والتحديث والجودة، واختفت رؤوس الأموال الوطنية، والاستثمارات الأجنبية في مصر؛ كل هذا نتيجة لعداء الرئيس الراحل للرأسمالية، بينما كان الأفضل أن تعالج أخطاؤها، والمزج بين التوجه الاشتراكي وتحفيز المصريين على الاستثمار في نفس الوقت، كما فعلت دولة مثل النمسا خلال فترة حكم الاشتراكيين لها؛ بالإضافة إلى ما سبق، فإن اختفاء الجاليات الأجنبية من مصر أفرغها من أهم ميزاتها وهي التعددية التي أسهمت في تطوير وتحديث مصر، ابتداء بالشوام ومرورا بالأوروبيين وغيرهم من الجنسيات الأجنبية التي توطنت في مصر عبر قرون.

كان قرار الرئيس عبد الناصر بالتدخل العسكري في اليمن إنذارا واضحا لدول الجوار العربية وللدول الاستعمارية القديمة ومعها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بأن مصر بصدد فرض نفوذها خارج حدودها بالقوة العسكرية، بعد أن كانت تساند حركات التحرير في الجزائر ودول أفريقيا والخليج العربي بالدعم السياسي والمادي والمعنوي، لذلك أيقن المعادون لنظام حكم عبد الناصر من عرب وأجانب أن الوقت قد حان لكسر شوكة مصر ورئيسها، وتحجيم الدور المصري في المنطقة، وربما تأليب المصريين على رئيسهم وإزاحته من الساحة بعد سقوط آلاف من أبناء مصر ضحايا المعارك العسكرية في اليمن، وإنفاق ملايين الجنيهات التي استقطعت من قوت الشعب خصما من حساب تنمية المجتمع.

كانت الطامة الكبرى بهزيمة 1967 التي انتهت بتدمير شبه تام للجيش المصري، واحتلال أجزاء من أراضي ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا والأردن وكل فلسطين، وأجبرت مصر على الإنفاق على إعادة بناء وتسليح جيشها على حساب مجالات التنمية الأخرى، فتوقفت عجلة التنمية تماما، بسبب توجيه كل قدرات الدولة نحو القوات المسلحة تمهيدا لخوض حرب تحرير الأرض التي استمرت 7 سنوات كاملة توجت بحرب أكتوبر 73، إلا أن مرافق الدولة المصرية كانت قد تهلهلت، وتعقدت أزمات البنية التحتية، وتقهقرت الخدمات الأساسية للمواطنين من صحة وتعليم ومواصلات، وإسكان وغيرها الكثير.

وبذلك ثقل حمل الإرث الذي تركه الرئيس الراحل عبد الناصر على خليفته الذي نهج نهجا مخالفا لسلفه، ظنا منه أن اختيار طريق آخر مغاير تماما سينقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة، باعتبار أن كل ما سبق كان خطأ، وأن سياسته وحدها هي الصحيحة!!!

.........

في عهد الرئيس الراحل أنور السادات (1970-1981) فتحت أبواب مصر ونوافذها على مصراعيها أمام سياسة الانفتاح الاقتصادي، في مسعى منه لإخراج مصر من كبوة الفقر، بعد دفع المصريين فواتير ضخمة لحروب خاضها الجيش المصري طوال قرابة ثلاثة عقود من الزمان بدأت في 1948 ثم 1956 و1967 والفترة التي سبقت حرب  1973، ثم إقدامه على فتح نافذة ضيقة أمام أطياف الفكر السياسي فيما أسماه آنذاك بالمنابر، ظنّا منه أنه يؤسس لحياة ديمقراطية سليمة، عمادها الرئيس المؤمن، كبير العائلة، ومن حوله رعيته الوفية المخلصة لشيخ القبيلة، الوسطي الحكيم المعتدل في بيته الريفي، والمتباهي باختلاف ألوان خيام منابر رعيته - التي تحولت بعد ذلك إلى أحزاب ولدت كالمنابر هزيلة- بين حمراء لليساريين وسوداء لليمينيين، ورمادية لحزب مصر في البداية ثم الحزب الوطني الديمقراطي بعد ذلك.

رأس السادات نفسه أكبر تلك الأحزاب لأنه كان حزب الدولة، وترك "المنابر" السياسية لقوى متنافرة فكريا واجتماعيا، ثم سلم منابر المساجد والزوايا، وقاعات محاضرات الجامعات لفصيل آخر من المصريين يرفض الدولة العصرية ونظم الحكم الحديثة، لأن أتباعه يسيرون بظهورهم، بينما أعينهم مسلطة على ماضي سحيق، فانفتحت الآفاق أمام فكر الانغلاق ودعاوى العودة إلى مجتمعات العصور الوسطى، من خلال فكر ديني متسلط، وضع المصريين أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما مواصلة التخبط في تجارب أيدلوجية وعقائد سياسية تنقصها الرؤى الواضحة والتوجه السياسي أو الاجتماعي السليم، وكلها بدع وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإما الالتجاء إلى كتاب الله وسنة رسوله حيث جنة الخلد وملك لا يفنى.      

تناسى مروجو الفكر المتشدد أن هناك فرقا بين البدعة في الدين والإبداع في الدنيا، وأن الناس أعلم بأمور دنياهم، فعمّموا عن عمد مشين مفهوم البدعة لدى عامة الناس؛ وخلطوا بين الدين والدنيا ليشكّلوا مزيجا من العنف الفكري والمادي اتخذ أشكالا شتى، بداية من التشكيك في عقيدة المخالف، وانتهاء بتكفيره واستباحة ممتلكات وأرواح كل من خالفهم، سواء من المسلمين أو من غيرهم؛ وبذلك تسللت أورام سرطان التعصب والتطرف الديني في سبعينيات القرن الماضي، حتى استشرت وتغلغلت في كل البدن المصري من أخمص قدميه، مرورا بالنخاع وحتى مراكز التفكير والتقدير في المخ.

تأججت حمى اقتصاد الاستهلاك في مصر، خاصة مع تدفق أموال المصريين العاملين في دول الخليج النفطية والارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط، فتراجعت الصناعة الوطنية، وتقهقر التعليم، فتدهورت قدرات ومكانة المواطن المصري، كما تردّت الرعاية الصحية، فاستشرت الأمراض في أبدان المصريين، وأغفلت حكومات متعاقبة النهوض بالصناعة والزراعة، فاتسعت هوة تخلف منتجاتنا الصناعية، وترهل بعضها، واندثر الآخر، وتعمقت فجوة الاعتماد على الخارج في غذائنا اليومي، وتعملقت الاقتصادات الموازية، بدءا من تجارة العملة وشركات توظيف الأموال، مرورا بصناعات بدائية لتقليد منتجات بلا جودة تقريبا، وانتهاء بانتهاك حرمة الأراضي الزراعية في الدلتا والصعيد، فانتشرت العشوائيات في كل أرجاء مصر واكتظت بملايين من العاطلين ومعدومي الدخل والثقافة المجتمعية المستنيرة.

بجانب ذلك استعرت الدعوة إلى "تحرير" الاقتصاد فبدأت صفقات خصخصة القطاع العام ونقل ملكية العديد من المصانع لرجال أعمال مصريين وأجانب، ليتم تسريح آلاف العمال لينضموا إلى طوابير العاطلين من خريجي المدارس والجامعات،مع تدهور ملحوظ في جودة العمالة الفنية داخل مصر بعد تفريغ الوطن من بقايا العمالة الماهرة التي هاجرت إلى دول الخليج وليبيا والعراق.

لم تفلح زيارة الرئيس الراحل لإسرائيل وتوقيع معاهدة السلام معها في تخفيف معاناة المصريين رغم إنهاء حالة الحرب بين مصر والدولة الصهيونية، وإنما تكاثرت الضغوط على مصر نتيجة لمقاطعة أغلبية الدول العربية للرئيس الراحل والسعي لحصار مصر وشعبها، حيث تبنت دول مثل سوريا والعراق والجزائر وليبيا نهجا عدائيا للدولة المصرية تطور في بعض الأحيان إلى مواجهات عسكرية على حدود البلاد الغربية، كما توقفت الاستثمارات العربية تماما داخل مصر.

وجد الرئيس السادات نفسه بين فكي كماشة المقاطعة العربية والمعارضة المصرية لاتفاقية السلام وسياسة التطبيع مع إسرائيل، فضاق صدره وذرعه بمن كل وبكل صوت معارض، فقرر في سبتمبر 1981 فتح السجون والمعتقلات، التي كان قد بادر في مايو 1971 بالإعلان عن هدمها، أمام مئات من المعارضين لسياساته والمختلفين مع توجهاته، لتبلغ خالة الاحتقان في المجتمع المصري ذروتها التي توجتها النهاية المأساوية للرئيس السادات حين اغتالته يد الغدر والتطرف والتعصب في السادس من أكتوبر 1981.

...............

الجزء الثاني:

عهد الرئيس حسني مبارك (1981-2011):

طرحت في الجزء الأول من "كشف الحساب" آرائي لفترتي حكم الرئيسين عبد الناصر والسادات، وآثارهما على مصر والمصريين. وفي هذا الجزء أستعرض الأوضاع المصرية منذ بداية ولاية الرئيس مبارك:

منذ توليه رئاسة الجمهورية، وجد مبارك نفسه مع المصريين في مواجهة شرسة ضد قوى التطرف والإرهاب، بالإضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، وحالة الاحتقان المجتمعي التي أفرزتها حملة الاعتقالات الشهيرة التي شنها الجهاز الأمني للرئيس الراحل أنور السادات ضد كل قوى "المعارضة"، وأفضت إلى اعتقال المئات، بادر مبارك بإطلاق سراحهم، بل واستقبلهم في القصر الجمهوري، في إشارة واضحة منه آنذاك إلى رغبته في إجراء مصالحة وطنية.

على الجانب الآخر كانت بوادر احتقان مجتمعي أخرى تنذر بأخطار جسيمة، مثل ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، والهجوم الشرس على المساحات الخضراء في الدلتا والصعيد، وتردي أوضاع الرعاية الصحية والتعليم، واتساع الفجوة بين واردات الدولة وصادراتها، وتهالك البنية التحتية بكل صورها.

والواقع أن زحف الريف على مدن مصر بدء في ستينيات القرن العشرين مع مرحلة التصنيع التي تبناها الرئيس ناصر، لكن يمكن القول بأنها جرت بلا تخطيط علمي يراعي ضروريات العصر، حيث تركزت الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب والأسمنت والصناعات العسكرية في منطقة حلون جنوب القاهرة، أما صناعات النسيج وغيرها من الصناعات فقد انتشرت شمال العاصمة في أكثر الأراضي الزراعية جودة وخصوبة، بدلا من الانطلاق نحو الصحراء كما حدث في بدايات القرن العشرين بإنشاء حي مصر الجديدة كامتداد طبيعي للكتلة السكنية للقاهرة، ثم بإنشاء مدينة نصر، ومديرية التحرير لزيادة الرقعة الزراعية في ستينيات القرن العشرين؛ إلا أن توقف التوسع الأفقي في صحراء مصر المترامية الأطراف أسفر عن إقدام مئات الآلاف من المصريين على النزوح إلى القاهرة حيث فرص العمل في المصانع "الحربية" وغيرها من مؤسسات الدولة المركزية، لتغتال البيوت العشوائية تخطيطا وتنفيذا، مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية التي كانت تشكل الحزام الأخضر حول العاصمة والمصدر القريب لغذائها.

كانت هذه الكوارث البيئية والمجتمعية، نتيجة هذا الزحف نحو القاهرة في عهدي عبد الناصر والسادات، ثم مبارك. وفي الاتجاه الآخر أدى عدم طرح بديل صحراوي للحاجة الملحة إلى أراضي بناء في الريف المصري، مع تدفق أموال العائدين من الدول النفطية إلى تشويه الوجه العمراني للقرى المصرية، حيث أزيلت البيوت التقليدية، وتحولت إلى أبراج سكنية وكتل خراسانية صماء تفتقد أي مسحة من الذوق أو الجمال في عملية "ترييف" قميئة لمدن مصر، فتتحول القاهرة مع غيرها من مدن مصر إلى مراكز جذب سكاني أهوج تفتقد التخطيط العمراني والحضاري بكل صوره، فلا مرافق بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة البناء المسعورة، ولا مدارس أو مستشفيات أو وسائل مواصلات مؤهلة لاستيعاب الزيادة السكانية، وبذلك صارت المدن المصرية- كبيرها وصغيرها- مجرد أحياء ريفية عشوائية.

بالتوازي مع هذا التغير والتحول في المدن، كانت الأوضاع في ريف مصر تتجه نحو الأسوأ، حيث تصارع أهل الريف على هدم منازلهم ذات الطابع الخاص، واستبدالها بأبراج خراسانية، واتجهوا إلى اغتصاب ما تبقى من الرقعة الخضراء التي كانت عبر آلاف السنين مصدر قوتهم ودخلهم، ليتحول ريف مصر إلى مناطق طاردة للسكان في اتجاه المدن "المسرطنة"، حيث انقرضت الزراعة في الريف، وتخلت الدولة عن توظيف مواطنيها، بينما آلة الإنجاب لا تتوقف عن لفظ الملايين من المصريين الجدد من أرحام نسائها.

كل هذا - وغيره كثير - يستحق دراسة أوسع وأعمق وأكثر تفصيلا من هذا المقال، ساهم بفعالية عنيفة في إضعاف مكانة مصر وتهالك قدراتها في شتى المجالات.

ولعله من المفيد أن أطرح هنا بعض أبرز أعراض أمراض تلك المرحلة:

· تدني مستوى التعليم العام بمختلف مراحله، ومن ثم اتساع رقعة الأمية والجهل بين الشرائح الفقيرة في المجتمع، مقابل تفشي ظاهرة التعليم "الديني" في مدارس خاصة للتيارات المتأسلمة والمتطرفة ضمن مسعاها الحثيث والخبيث لإعادة صياغة العقل المصري.

· تدهور الرعاية الصحية وربما انعدامها، وبالتالي ضعف البنية الجسمانية والذهنية لأغلبية المصريين، فتوطنت الأمراض الخطيرة كالتهابات الكبد الوبائية والفشل الكلوي، وغيرها من الأمراض صعبة العلاج.

· تفشي أزمات البطالة والإسكان والتلوث البيئي والاجتماعي والسياسي والديني، التي أفرزت ظواهر اجتماعية غريبة على المصريين، كالهجرة والتطرف، وانتشار الجرائم الأخلاقية.

· انفراد الشريحة الحاكمة بمقدرات البلاد والتحكم في مفاصلها السياسية والاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى انقراض الطبقة المتوسطة في المجتمع، وبزوغ شرائح النفاق والتطفل، كنتيجة واقعية لغياب التربية السياسية السليمة لأفراد المجتمع.

· انتقال عدوى التشبث بالسلطة إلى الهياكل الحزبية الهزيلة التي سمحت نظم الحكم المتعاقبة بتواجدها الهش على الساحة السياسية الجدباء، فانعدم تداول السلطة على صعيد الدولة، والأحزاب على حد سواء، ومن ثم افتقدت النخب السياسية مصداقيتها، وفقدت ثقة الشعب فيها.

· تعملق الأجهزة الأمنية وانحسار دورها في حماية "الصفوة" الحاكمة، باعتبارها الأجدر والأحق بالانفراد بحكم البلاد دون غيرها، ومن ثم تضاءلت قيمة ومكانة المواطن المصري بصفة عامة، فهانت كرامته في وطنه وخارجه.

· استشراء المد الديني المتطرف وسط بيئة مجتمعية هشّة، تشكل الأرض الخصبة لزرع ونمو التعصب والتطرف، وحصد الفتنة والانشقاق والاستقطاب، فازدهرت ثقافة التكفير للمجتمع ككل وللأفراد على حد سواء، ناهيك عن تكفير غير المسلمين واستحلال دمائهم وممتلكاتهم. وبذلك علت مكانة شعار تديين السياسة وتسييس الدين، مثل "الإسلام هو الحل"، و"الحكم لله"، وغيرها من شعارات تنظيمات المتأسلمين.

· تراجع دور ومكانة المرأة في المجتمع المصري، الأمر الذي أدى إلى حالة انفصام في شخصية الإنسان المصري، الذي يُحرِضه المتطرفون والمتأسلمون ضد أمه وأخته وزوجته وابنته - باعتبار المرأة عورة ونجسة، مكانها الأمثل على سرير تحت سقف بيت الرجل وتحت إمرته وهيمنته، وخارجه تحت خيمة سوداء، ثم يسمع المصريون أيضا من أولئك عن تكريم الإسلام للمرأة!!!!

· ترهّل المؤسسات الدينية الإسلامية التقليدية وتهلهل بنيتها الأساسية، وتكاثر الثقوب في ثوبها العقائدي، وتسابق سدنتها على الإثراء من العمل في دول حديثة العهد بالثراء، عميقة التجذر في التشدد، فتسربت أفكار التطرف الديني والتعصب المذهبي داخل عقول أساتذتها وطلابها، وقاعات دروسها وعلى صفحات كتبها ومطبوعاتها.

· انفراد المتأسلمين والمتطرفين والمتعصبين باحتكار حق "خصخصة" الله، فهم وحدهم دون سواهم "أهل" الله وجنوده والمتحدثون باسمه في الحياة الدنيا، والمخولون من الله بتقييم عقائد الناس وتقويم سلوكهم، والقاضون بدخول الجنة أو النار، واستباحة كل السبل والوسائل في فرض هيمنتهم على مناحي حياة البشر.

· في المقابل أدرك مسيحيو مصر أن كنيستهم – وليست الدولة – هي بيتهم السياسي والاجتماعي في الدنيا، بالإضافة إلى كونها الملاذ الروحي لنجاة "شعبها" في الآخرة، ومن ثم تقوقعوا داخل الكنائس واعتزلوا – تقريبا- المشاركة في الحياة العامة، فصاروا كالغرباء في وطنهم.  

· تعفن الأجهزة الإدارية في الدولة المصرية، وانتشار الفساد داخل مؤسسات الدولة، فتدنت مستويات الخدمات، بل كادت تنعدم، إلا لمن يدفع مقابل "حقه" في الخدمة، فغابت العدالة، في ظل استعلاء وتكبّر مقدمي الخدمات على طالبيها، وتقهقر الرقابة والحساب أمام غيلان المحسوبية.

· أدى كل ما سبق إلى تراكم ديون مصر الداخلية والخارجية، الأمر الذي أثقل كاهل الدولة بأعباء خدمة الديون، في الوقت الذي استحوذت شركات توظيف الأموال الخاصة على جل ما يدخل البلاد من عملات صعبة، لتصبح الدولة "الزبون" الأكبر لشركات توظيف الأموال في شراء العملات الصعبة لتغطية التزاماتها الدولية. وبذلك فقدت الدولة سيادتها على عملتها الوطنية.

والواقع أيضا أن الرئيس مبارك سعى عقب توليه حكم مصر اضطر إلى خوض معارك شرسة ضد التنظيمات الإرهابية، بجانب معالجة المشاكل الاقتصادية الملحة، فعقد مؤتمرا اقتصاديا شارك فيه متخصصون ومسئولون مصريون وضعوا تصورا للخروج من عنق الزجاجة، بدأت بعمليات تحديث البنية التحتية، والتوسع في بناء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة، لكن الدولة عجزت عن تحديث الزراعة ووقف الاعتداء على المساحات الخضراء، وتنفيذ سياسة ذات رؤية حقيقية لغزو الصحراء، وتطوير سبل المعيشة في ريف مصر وتحديث مؤسسات الإدارة المحلية للارتقاء بالخدمات وتأهيل كوادر سياسية شابة لتحمل مسئولية العمل العام.

ثم جاءت حرب الخليج الأولى لتحدد نقطة تحول بارزة في مسيرة حكم الرئيس مبارك، حيث أدى إسهام مصر في حرب تحرير الكويت إلى إلغاء قدر كبير من ديونها الخارجية ومن ثم تخفيف أعباء خدمة الديون، لكن الدولة لم تستفد من هذا الموقف، فبدأت في عملية ممنهجة لخصخصة ما تبقى في حوزة الدولة من المؤسسات الصناعية والاقتصادية، وتسريح عشرات الآلاف من العاملين تحت مسمى المعاش المبكر، لتساهم في خلق فئة جديدة من المحتكرين لمقدرات الشعب المصري، كما لم تسع إلى تحديث وتطوير التعليم بمختلف فروعه، فانتشرت المدارس والمعاهد – الدينية الإسلامية والمسيحية والدولية- الخاصة لتحل محل الدولة في تقديم الخدمة التعليمية اللازمة لمواطنيها، ناهيك عن تطوير الخدمات الصحية المقدمة للأغلبية الفقيرة والمريضة، بل اكتفت بالإسراف في إصدار تراخيص للمستشفيات والمؤسسات العلاجية الخاصة باهظة التكاليف، ثم فتحت بابا آخر للفساد من خلال ما يسمى بنظام العلاج على نفقة الدولة، كي توفر موارد من قوت الشعب لتلك المؤسسات الخاصة.

بالتوازي مع ما سبق، تراجع دور الدولة بشكل ملحوظ وسافر في بناء مساكن للطبقة الفقيرة والمتوسطة، بينما سمحت للقطاع الخاص بإقامة ما يتوق له من مساكن للتمليك لا يقدر على شرائها إلا الميسورون من العاملين في دول الخليج، وفئة التجار ومحتكري نواصي الاقتصاد المصري، الأمر الذي أدى إلى لجوء الفقراء إلى نشر المناطق العشوائية في أرجاء البلاد، لتصبح "مفارخ" طبيعية ومنطقية للبطالة والمشاكل الاجتماعية، ومن ثم البيئة "الصحيحة" للفكر المتشدد والمتطرف، كنتيجة تلقائية لغياب دور الدولة في رعاية مواطنيها.

مع منتصف العقد الثاني من حكم الرئيس مبارك، كانت ملامح التغير في أسلوب حكمه قد ترسخت، حيث التفت حول الرئيس بطانة من الشلل ومجموعات المصالح، أوهمته بأنه الأصلح للبقاء على سدة حكم مصر دون غيره، وأقنعته بضرورة استدعاء نجله ليكون عونا له على إدارة الدولة المصرية، وبذلك صارت مصر تحكم من خلال "ثالوث مقدس" قوامه الأب والابن والزوجة ـ الأم - الفاضلة، ومن معهم من شلل المصالح.

ولترسيخ هيمنة "الثالوث المقدس" على الوطن سعى المنتفعون من استمرار الرئيس مبارك على قمة السلطة إلى استئناس الإخوان المسلمين بمنحهم حيزا للتنفس السياسي داخل البرلمان المصري- رغم استمرار حظر جماعة الإخوان المسلمين منذ عهد الرئيس عبد الناصر- حيث سعى "حواريو" الرئيس باستدعاء الإخوان المسلمين إلى العمل تحت قبة البرلمان- بجانب تغلغلهم في جسد المجتمع المصري اقتصاديا ودينيا وتعليميا-  إلى إحداث شرخ في المشهد الإسلامي يضع المتطرفين والمتشددين من المتأسلمين في خانة ضيقة، ويضمن للرئيس ولاء الجماعة أو على الأقل تحييدها سياسيا، ومن ثم تمكين الابن من خلافة أبيه.

لم يستوعب مبارك و"صبيته" عواقب أحد أخطاء السادات الكبرى متمثلا في إطلاقه الحبل على الغارب للإخوان وغيرهم من جماعات المتأسلمين، ظنّا منه أنه سيعيد التوازن إلى القوى الفكرية في مصر بظهور التيار المتأسلم في مواجهة تيار اليسار المعتدل أو المتشدد، لكن الرياح لم تأت للسادات بما اشتهته سفنه، فانقلب السحر على الساحر، واغتال المتأسلمون رئيس مصر في يوم عيده الكبير.

خلاصة القول في عهد مبارك، أن بزوغ نجم الابن "المعجزة" بجانب والديه، وتمكينه تدريجيا من الهيمنة على مقدرات البلاد من خلال عصبة من المنتفعين، أدى إلى خلق احتكارات مشينة للاقتصاد المصري، إذ آلت ملكية صناعة الحديد في مصر إلى شخصين أو أكثر قليلا، وكذلك كان حال صناعة الأسمنت والغزل والنسيج، والسكر، والزيوت والأعلاف، والسيارات والأسمدة وغيرها من الصناعات التي شكلت حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي عصب التجربة الصناعية المصرية، كما امتد نفوذ أولئك الأفراد إلى امتلاك مساحات شاسعة من الأراضي الممتدة على سواحل وشواطئ مصر في الشمال والشرق، واقتحموا مجال التعليم العالي والرعاية الصحية، فأقاموا جامعات ومؤسسات علاجية لأبناء الصفوة من أثرياء مصر و"قططها" السمان.

قاد هذا التحول في البنية الأساسية والهيكلية للصناعة المصرية إلى اعتماد الاقتصاد والصحة والتعليم في مصر بصفة عامة على عدد محدود من الأفراد ذوي النفوذ والسطوة، فصاروا كالحيتان المفترسة، يحكمون قبضتهم على كل شيء ذي قيمة في البلاد.

ولاكتمال حلقة الهيمنة على مقدرات مصر، اتجه حواريو الثالوث المقدس نحو البنية السياسية للدولة، فحددوا "للأحزاب" الهلامية والإخوان المتأسلمين حصصها كمعارضة مستأنسة في البرلمان، وزاوجوا بين الثروة والسلطة في تشكيل مجلس الوزراء وأعضاء البرلمان، وزوروا انتخابات، وتركوا سرطان الفساد يستشري في أجساد المحليات كغيرها من مؤسسات الدولة، لكنهم أبدوا اهتماما عظيما بدور أجهزة الأمن في حماية رأس النظام السياسي وبالتحديد أسرة الرئيس مبارك، لضمان ديمومة الحكم في العائلة الفريدة، التي بلغ مجموع فترة حكمها إجمالي فترتي حكم الرئيسين الراحلين عبد الناصر والسادات.

إرهاصات الانفجار

طال صبر المصريين وامتدت حباله عبر عقود، أملا في تطوير حياتهم وتحديثها، وعودة كرامتهم وهيبتهم في وطنهم وداخل المنطقة العربية والعالم، إلا أن تجارب المصريين السلبية تراكمت عاما بعد عام، وكذلك همومهم، فانكبت أغلبيتهم على الصراع اليومي لتدبير طعام أسرهم، وتدبير نفقات الدروس الخصوصية لأبنائهم والتذلل أمام المستشفيات العامة والمؤسسات الحكومية طمعا في علاج أمراضهم وقضاء مصالحهم مع إدراكهم بأن عليهم أن يدفعوا رشاوى تفوق طاقتهم وقدرتهم لنيل جزء يسير من حقوقهم.

لقد صبر المصريون في عهد عبد الناصر بعد الهزيمة المروعة في حرب 1967، لأنهم صمموا على الثأر لهذه الهزيمة، فتحملوا إهمال التنمية لصالح المجهود الحربي، واقتنعوا بشعارات ذلك الزمان "بألا يعلو صوت فوق صوت المعركة"، لكنهم خرجوا أيضا في مظاهرات احتجاجية ضد قادة الجيش، وطالبوا بمحاسبة المتسببين في الهزيمة وإجراء إصلاحات سياسية.

نعم، لقد تماسك المصريون بعد الهزيمة، وفتحوا بيوتهم وقلوبهم لنحو مليونين من المهجرين من مدن القناة، وتماسكوا بعد رحيل عبد الناصر المفاجئ، ولم يفقدوا أملهم في مستقبل أفضل لبلادهم بعد رحيل "الزعيم".

ثم صبر المصريون مع السادات خلال فترة الإعداد للحرب، وما عانته مصر من أعباء خلال فترة حرب الاستنزاف، وإكمال إعداد الجيش للمعركة القادمة التي اندلعت في أكتوبر 1973، ومكنت مصر من تحرير أجزاء من سيناء، وفتحت المجال أمام البحث عن حل سلمي للأزمة، بتوجه السادات بزيارة القدس ثم بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، ظن المصريون بعدها أن أبواب الخير ستفتح على مصراعيها وأن الفقر إلى زوال، لكن الرياح لم تأت بما اشتهته سفن المصريين، حيث زادت سياسة الانفتاح الاقتصادي الفجوة بين الفقراء الكادحين والفئة القليلة من الأثرياء اتساعا، ناهيك عن اندلاع الفتنة الطائفية بعد "تعملق" المتأسلمين والمتطرفين، وتعرض كنائس وممتلكات مصريين مسيحيين لاعتداءات مسلحة وقتل ونهب واختطاف، وكذلك ظهور تنظيمات إرهابية تمكنت إحداها من اختطاف وزير الأوقاف آنذاك وقتله، وكذلك الهجوم المسلح على الكلية الفنية العسكرية، ثم توج الإرهاب جرائمه باغتيال الرئيس السادات نفسه.

أيقن المصريون بعد تولي مبارك سدة الحكم في مصر أن البلاد تمر بظروف استثنائية وأن عليهم أن يرتدوا من جديد ثياب الصبر، كي تعبر البلاد تلك الأزمات، خاصة وأن مبارك في بداية عهده بالانفراد بحكم مصر بدا وكأنه زاهد في الحكم والسلطة وزهو الحياة الدنيا، وأن أقداره هي التي وضعته في موقع المسئول الأول.

ظل المصريون صابرين نحو عقدين من الزمان، غير أن أحوال البلاد والعباد ازدادت ترديا، وخاصة التعليم الذي أصبحت تكلفته مرهقة لميزانية كل البيوت المصرية التي تؤمن بأن التعليم هو السلاح الأنجع لأبنائها لمواجهة مصاعب الحياة وتعقيداتها، لذلك التهمت تكاليف الدروس الخصوصية الأخضر واليابس من جيوب المصريين، فلجأت أغلبية الوالدين إلى التحايل على ضيق ذات اليد، إما بالبحث عن أعمال إضافية، أو بقبول الرشاوى من غيرهم، وهكذا دارت عجلة الفساد دورتها في جميع المصالح والمؤسسات الحكومية، لأن الضغوط المالية أرهقت كاهل الأسر المصرية، باستثناء الفئة المتميزة في المجتمع التي لم تتوان عن تكديس الثروة من قوت المواطنين.

عمّ الظلم الاجتماعي أغلبية طبقات المجتمع واستفحلت الفئة المتحكمة في أقدار مصر وتفرعنت، فلم تكتف بالهيمنة على مقدرات الاقتصاد والصحة والتعليم، وإنما غرست خلاياها السرطانية في السياسة والأمن، فزورت الانتخابات وأحكمت قبضتها الأمنية على أنفاس المصريين لحماية الثالوث المصري المقدس ومصالح حوارييه.

ظنوا، وبعض الظن إثم، أن المصريين استكانوا إلى الأبد، وأن ظهور بعض حركات الشباب الاحتجاجية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة مجرد محاولات للتنفيس ستخمد حتما مع الوقت، وأن غالبية الشعب مقتنعة بأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن، وأن من تعرفه أفضل ممن لا تعرفه، فتاريخ صاحب الضربة الجوية الأولى وقائد الأمة ناصع البياض، ولا بديل لنجله لقيادة المسيرة، سواء بجانب والديه، أو كخليفة من بعدهما.

كانت انتخابات برلمان 2010 القشة التي قصمت ظهر البعير، ليس فقط لعمليات التزييف القميئة لإنجاح مرشحي الحزب الوطني، وإبعاد المعارضة بكل أطيافها، وإنما أيضا بسخرية الرئيس مبارك في جلسة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة آنذاك من دعوة "الخاسرين" في انتخابات البرلمان لتشكيل برلمان مواز، بمقولته الشهيرة "خليهم يتسلوا!"، حيث أثبت الرئيس الكهل أنه لا يسمع سوى ما يقوله حواريوه، ولا يرى غير ما يرتبونه له من مشاهد خلال زياراته التفقدية لبعض المشاريع أو الاحتفالات؛ أما صراخ المصريين من ظلم الأجهزة الأمنية وشظف العيش وتردي الخدمات التعليمية والصحية وتغوّل الجهاز الإداري للدولة، فقد صمّت أذناه عن كل هذا الصراخ.

هنا دعت بعض الحركات الاحتجاجية إلى الخروج إلى الشوارع يوم 25 يناير- يوم عيد الشرطة المصرية- للاحتجاج على ممارسات وزير الداخلية وأجهزته القمعية، وطالبوا بعزل الوزير، لكن الوزير ورجاله فرقوا المتظاهرين بما أوتوا من وسائل، وظنوا- وبعض الظن إثم- أنهم أعادوا الهدوء إلى شوارع العاصمة.

في اليوم التالي والأيام التي تلته تزايدت أعداد المصريين المطالبة بأبسط حقوق المواطن في القرن الحادي والعشرين، الخبز للطعام، والحرية للحياة، والعدالة الاجتماعية لتحقيق السلام المجتمعي، والكرامة الإنسانية لضمان الأمان في المجتمع، لكن أحدا من النخبة الحاكمة لم يصغ إلى مطالب الشعب؛ واشتد الاحتقان والغضب أما المصريون فقد رفضوا أن تظل أصواتهم بلا قيمة، وأيقنوا أن استمرار صمتهم يعني قبولهم بالأمر الواقع، وأنهم شعب كتبت عليه الذلة والمسكنة.

على الجانب الآخر تعامل الرئيس مبارك وزبانيته مع احتجاجات المصريين المتصاعدة بنفس أسلوب رد الفعل الذي اتخذه شعارا لإدارته لأمور البلاد، ولم يدرك الرئيس ومن حوله أن المصريين تغيروا، وأن زمام المبادرة انتقل إلى شبابهم الذي يرفض أن يرتدي "جلاليب" أهله المقهورين، إلى أن أيقن الرئيس الهرم أن أقدام وسواعد الثائرين تكاد تقتحم أسوار قصره المنيع، فقرر الرحيل، أو أقنع به.

 

hassanbaroud@hotmail.com

كتابات

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

من خزانة الذاكرة

قصص