عودة إلى جسور

  1   

 

الأم العمياء

قصة

 

المكان؛ حي السيدة زينب، واحد من أحياء القاهرة القديمة، الشوارع أقرب إلى الحواري والأزقة الضيقة المكتظة بالمشاة وغيرهم من البشر الذين يقضون جل أوقاتهم أمام الحوانيت والمحلات وعلى الأرصفة وفي نهر الطريق، إلى جانب الزحام الذي تسببه ورش الحرف اليدوية، وعربات اليد البدائية التي تدفعها سواعد مرهقة، وقوافل "الكارو" تجرها الدواب الهزيلة مخلفة وراءها ما تجود به مؤخراتها من فضلات في إضافة تلقائية إلى أكوام القمامة المتراكمة مرتعا لجيوش القوارض والحشرات بطنينها الذي لا ينقطع إلا بعد حلول الظلام.....

نعم، إن على من تحتم عليه أقداره السير في مثل هذه الطرق أن يختار بين النظر إلى الأمام، مع ما يحفه من مخاطر العثرات في الحفر المنتشرة على طريقه، أو يقرر التركيز على مواطئ القدمين وما قد ينتج عن ذلك القرار من تصادم الواقفين أو المتحركين على الطريق.....

في مسكن ضيق فقير غاية في التواضع، عاشت سميحة مع ابنتها سماح ذات الأربع سنوات، بعد وفاة زوجها الأسطى سيد عزب "المكوجي الأفرنجي" قبل عامين نتيجة لإصابته بأزمة ربو شديدة أفقدته القدرة على التنفس ليلحق بعالم الغيب، تاركا وراءه زوجة جميلة في منتصف العشرينات، وابنة لم تكمل عامها الثاني في دنيا الأحياء، ودكانا للمكوى على بعد عدة أمتار من مسكن الأسرة الصغيرة ورثه، مع الربو، عن أبيه، وقد أجّرته سميحة "بالجدك" لأحد صبية المرحوم بجنيهات قليلة تعينها على سد حاجاتهما، وتغنيها عن مدّ يدها لخلق الله. وحمدت ربها كثيرا أن أقنعت المستأجر بالإبقاء على "محمود"، أصغر صبية زوجها الراحل للعمل في الدكان، يجلب "الغسيل" من الزبائن، ويعيده مكويا إليهم، ثم يتردد عليها مرة في الأسبوع لقضاء ما قد تحتاج إليه، أو تمضية بعض الوقت للعب مع سماح، إما داخل الشقة الضيقة، أو في الحارة الأرحب من المسكن.

صار محمود الأثر الحي الوحيد من بقايا الزمن الجميل منذ كان يتردد عليها كل يوم بتكليف من الأسطى سيد لمساعدتها في الأوقات التي لا يحتاج العمل في المحل إلى وجوده.

مرت 3 سنوات كاملة على ارتباط محمود بأسرة الأسطى سيد الذي كان قد استجاب لرجاء أم محمود بعد وفاة زوجها "العربجي" بتشغيل ابنها صبيا لديه كي يساعدها على تربية إخوته الثلاثة، وإغرائها إياه بإمداده بكل ما تغسل يداها من ملابس بيوت الطبقة المتوسطة إلى دكانه...

كان محمود أكبر إخوته الذين توالت وفادتهم إلى الدنيا خلال ست سنوات فقط، في "عز طفولته" حين انقطع عن المدرسة بعد وفاة أبيه، ليبدأ عمله صبيا في محل الأسطى سيد عزب، يجلب "الغسيل" من البيوت التي تعمل فيها والدته "غسالة" إلى المحل. إلا أن مهام محمود في دكان الأسطى سيد لم تقتصر على جلب وإرجاع الغسيل، فكان يعد الشاي أو القهوة للأسطى وضيوفه من الزبائن المقربين أو رفاق الكيف، الذين كانوا يترددون بصفة شبه منتظمة على المحل في ساعات متأخرة من يوم العمل الطويل لتدخين بعض أحجار الشيشة، ومحمود يقوم بتغيير الماء والحجارة للأسطى سيد و"أعمامه" من ضيوف المزاج. هذا بجانب أعمال الخدمة في بيت الأسطى سيد عزب وزوجته، خصوصا بعد أن صارت الست سميحة أما لطفلة جميلة أسمياها سماح....

كل هذا ومحمود لم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره حين هجر مدرسته ليساهم بأجره المتواضع في إعانة أمه على تدبير احتياجات أخته وأخويه الصغار، فتبدلت أحواله إلى ما يشبه الاكتئاب المزمن، فنسي اللعب في الشارع، والشقاوة والمرح مع أترابه، ومع كل هذا وذاك اختفت من على شفتيه ابتسامات وضحكات الأطفال، فبدا حزينا صامتا، لا يمل الصمت والسكينة. وها هو قد انتقل بعد وفاة الأسطى سيد ليعمل لدى "عنتر" الأسطى الجديد، زميل الأمس، صبيا وخادما، صامتا وحزينا.....

تغيرت حياة الأرملة الشابة بعد إصابتها بالعمى، ذلك أن عهدها بالظلمة والظلام كان حديثا منذ أطفأت حمى التيفود نور عينيها الجميلتين، لتبدأ تجربتها مع الظلام يحيط بها من كل جانب ولا يفرق بين ليل ونهار....

نعم، فقد وجدت سميحة نفسها حبيسة السواد بين جدران مسكن ضيق خانق، مع صغيرتها البريئة سماح التي لم تدرك أو تعي في أول الأمر ما ألم بأمها من نازلات القدر، وما طرأ على طبعها من تغيّر وتبدل، وسبب عزوفها عن مشاركتها ألعابها.

ثم إن سماح لا تفهم الدافع وراء ربطها بشريط من القماش يلتف حول معصمها النحيل، ليصلها في الطرف الآخر بمعصم أمها لتجذبها إليها متى شاءت، أو كلما اقتضت الضرورة! كرهت سماح التواجد في الشقة الضيقة التي تصير فيها - كالكلب الصغير – مربوطة بحبل يقيد حركتها، ويهدي إلى موضعها خطوات أمها البطيئة المترددة.

لكن بعد اكتمال العام الأول من عهد العمى، اعتادت سماح وأمها قيدهما المتبادل لا يتحرران من عقدتيه حول معصميهما إلا وقت النوم، أو كلما خرجتا من المسكن إلى الشارع لقضاء حاجة ملحة، حيث تحكم الأم قبضتها حول ذلك المعصم النحيف لصغيرتها، فلا تتركه من يد إلا لتقبض عليه اليد الأخرى، وسماح تنتقل مرة إلى يمين أمها، وأخرى إلى يسارها، لا تفهم لذلك دافعا أو مغزى....

أدركت سماح بفطرة الطفل ومع مرور الوقت أن أمها عمياء، والأهم من ذلك أنها تحتاج إلى مساعدتها، وأن رفضها الإذعان لطلبات أمها يؤكد لها مدى ضعف الأم وقلة حيلتها.

ابتكرت الصغيرة حيلا ومواقف لمداعبة أمها؛ إذ كانت تنهض من نومها قبل أمها ثم تطلب منها البحث عنها في مخبئها الذي كان عادة إما تحت السرير، أو خلف إحدى قطع الأثاث القليلة، ولا تعبأ لتوسلات الأم بالكف عن العبث بعاهتها، حتى تستسلم الصغيرة، وتقدم على أمها ضاحكة في براءة لا تخلو من ضجر، وتصر على أن تبدأ هي بلف القيد حول معصم الأمٌ، التي تطلب منها في حنوّ ألا تشد القيد أكثر من اللازم كي لا تحبس الدم في عروقها.

اكتشفت سماح بحكم خبرتها أن أمها تستطيع أن تجذبها إليها متى شاءت، لكنها لا تقدر على دفعها بالشريط الذي يصل بينهما إلى حيث لا تريد الصغيرة أن تذهب. وهكذا كانت بداية كل يوم جديد لا تختلف كثيرا عما سبقه من أيام.  عاشت سماح - ربما كمعظم أبناء الفقراء- طفولة زمنية فقط، حرمت خلالها من النزول إلى الشارع واللعب مع أقرانها، لخشية أمها عليها التي ازداد تعلقها بها يوما بعد يوم، بعد أن صارت كل ما تملك في الحياة. نعم ... لقد تعودت سماح – تلك الزهرة الجميلة البريئة- على سماع مفردات غريبة على طفل في عمرها كالعمى، والقيد، والعقدة، واحتباس الدم في العروق، والخوف والعجز، وحفر الطريق، والعثرات.. والظلام! 

ما أطوال الليالي التي أمضتها سميحة في وحدتها بين جدران غرفة النوم، تستمع إلى أنفاس صغيرتها على السرير، وهي مستلقية إلى جوارها تسترجع شريط ذكريات الماضي؛ حين كانت في عمر محمود وحديثة العهد باليتم مثله، قد بدأت عملها خادمة في بيت تاجر أقمشة في نفس الحي الذي تعيش فيه، حتى بلغت العشرين من عمرها واكتملت أنوثتها، فتزوجت الأسطى سيد بعد قصة حب جميلة، فتنتقل من بيت سيدها تاجر القماش إلى بيت زوجها سيد المكوجي...

تذكرت يوم ودعت أطفال الجيران قبل خروجها من بيتها الريفي الفقير في إحدى قرى الدلتا القريبة من القاهرة في صحبة والدتها وأحد الأقارب المقيمين في القاهرة متجهين إلى مصر أم الدنيا، لا تحمل معها سوى ما كانت تستر به جسدها النحيل من ملابس فقراء أهل الريف، وتجر بقدميها حذاء لإحدى جاراتها، تعهدت أمها بإعادته إليها بعد عودتها من مصر.

لم تشعر سميحة بغصة في حلقها وهي تتذكر السنوات العشر التي أمضتها في بيت الحاج علي القماش، ذلك الرجل الورع الذي أحسنت أسرته معاملتها، واعتبرتها – إلى حد ما – كابنتها، فلم تتعرض للقسوة التي تشكل في أغلب الأحيان القاسم الأعظم لحياة الخادمات في البيوت. لم تشعر سميحة أيضا بغصة في حلقها تجاه أمها التي اضطرت لتركها لدى جدتها، بعد أن مات أبوها في عمر الشباب، و"أجبرت " الأم على الزواج من فلاح في القرية، اشترط على أهل الأم أن تأتيه "العروسة" بمفردها... إلى أن توفيت الجدة، وكان أمام الأسرة خياران؛ إما أن تودع الصغيرة أحد ملاجئ الأيتام في عاصمة المحافظة، أو تعمل لدى أحد الأقارب في القاهرة، وتقرر لسميحة أن تعمل لدى الحاج علي!

كثيرا ما استرجعت ذكريات أيام زواجها الأولى، والنشوة التي غمرتها وهي تتردد على الدكان الخاص بزوجها، وشعورها بلذة غامرة، وهي تحمل كل يوم طوال سنتين كاملتين طعام الغداء أو العشاء إلى زوجها وصبيته في المحل، رغم إلحاح سيد عليها بالاكتفاء بإعداد الطعام وإرساله مع أحد الصبية، إلا أنها كانت حريصة على البقاء إلى جواره على الأقل خلال الدقائق التي يتناول فيها طعامه، ولا تفارقه إلا وقد أعدت له الشاي "المظبوط".  

على أن ذكريات سميحة لم تكن كلها سعيدة، إذ كان يوم قدم فيه محمود إليها وقد امتلأت عينه بحيرة واضحة، جعلتها تسأله في حنان عما به، فأسر لها في أذنيها أن الأسطى سيد يدخن الشيشة بالحشيش مع بض الرجال الذين يأتون – تقريبا كل ليلة- إلى المحل بعد عودتها إلى البيت عقب طعام العشاء، فقررت أن تفاجئ زوجها ذات يوم بعد مغادرتها المحل، بأن تحججت بنسيان مفتاح الشقة بجانب  " وابور الجاز" لتشتم رائحة الحشيش وقد طغت على هواء الدكان الصغير، دون أن تبدي استغرابا أو ضجرا، كي لا تحرج زوجها أمام "شلة الأنس"!.

انتظرت عودة سيد "شبه مسطول"، وقد بدت عليه ملامح الحرج منها، لتبادره بقصة اخترعتها قائلة: "لقد تأكد لي كلام  "الظابط " ابن سيدي الحاج علي - مخدومها السابق- حينما كنت في زيارة لأسرة سيدي قبل عدة أيام، بأن المخبرين أبلغوه بأنك فاتح دكانك "غرزة للحشاشين"، وأن في هذا خطر كبير علينا كلنا يا سيد!"، ثم طلبت من زوجها وقد لفت ذراعيها حول عنقه، أن يتوقف عن هذا، وأن يحمد ربه على ما هما فيه من نعمة، وإلا فلن تعيش معه تحت سقف واحد، لأنها لن تقدر على تربية طفلهما القادم وحدها، وأبدت أسفها لإبلاغه بمفاجأة حملها في هذه الظروف، لكنها تخشى على سمعتها كزوجة لرجل هو الآن "حشاش"، وربما أصبح خريج سجون!!! وهددت بفضح أولئك الرجال، بل واستعدادها لأن تفرد "كراميش" وجوههم بمكوي اليد، إن عاودوا الحضور إلى الدكان! و سحبت ذراعيها لتحضر المصحف الذي أقسم عليه، ثم اتبع قسمه الأول بآخر  "بالطلاق" بأنه لن يعود إلى تدخين الحشيش مرة أخرى، وقبّل يديها شاكرا لها هذا الخبر السعيد، راجيا منها أن تستريح في البيت، لأن محمود سيتردد عليها أكثر من السابق خلال فترة الحمل وما بعد الولادة، حتى لو اضطر الأمر لتخصيصه لخدمتها، وهذا ما حدث فعلا، فقد أبلغها محمود الذي شعرت نحوه بعاطفة أمومة مبكرة بامتناع الرجال عن الحضور، واكتفاء الأسطى سيد بتدخين الشيشة "حاف".

ثم إنها تتذكر بامتنان استمرار وفاء محمود بعد وفاة الأسطى وإصابتها بالعمى، وحرصه على قضاء بعض الوقت من يوم أجازته معها وابنتها، يلعب مع سماح في الشقة، أو ينزل بها إلى الشارع لقضاء حاجة لأمها، قبل أن يعود إلى بيته ليمضي بقية يوم راحته مع إخوته الصغار. نعم إنها كانت تعني ما قالته أكثر من مرة لمحمود وهي تشجعه على تحمل مصاعب الحياة حتى يكبر ويصبح رجلا وأسطى كبيرا، تنقل إليه إيجار المحل، بل وتزوجه سماح ! 

ذات يوم من أيام شهر أغسطس، أسرت الأم إلى ابنتها خبر خروجهما آخر النهار إلى الشارع، فتهللت أسارير الصغيرة التي سألت أمها في حزم:" وستشتري لي شعر البنات والحلاوة والجيلاتي"! نعم.. ولكن بشرط أن تنامي وقت القيلولة، وتبقي شاطرة، و لا تعذبي أمك في الطريق!، فأومأت سماح بالإيجاب، وانتظرت بفارغ الصبر موعد خروجهما إلى الشارع...

تباينت مواقف الأم وابنتها تجاه الشارع، فسميحة تعد لتلك الساعة ألف حساب، فالطرق مزدحمة دائما بالناس، الأمر الذي يجعل مهمة سماح شاقة وعسيرة وهي تقود خطوات أمها بين كتل بشرية لا تسلم من الاصطدام ببعضها أو تتعثر قدماها في حفرة أو عائق من عوائق الطريق، فتتلقى أذناها عبارات التقريع من المشاة، لتبتلعها في صمت العاجزين...

أما سماح فكانت تسعد دائما عند خروجها مع أمها من سجنهما الضيق إلى الشارع الرحب الفسيح بمن عليه من مخلوقات وجماد يضفون عليه جاذبية خاصة فتطلق لناظريها العنان، تلتفت ذات اليمين وذات الشمال، لا تأبه بصرخات أمها بضرورة الانتباه والنظر إلى الأمام، إما لعثرة في حفرة أو لاصطدام ببشر أو عائق من الجماد، وهي تردد بصوت مسموع:"اللهم اكفنا شر الطريق!"، ثم لا تلبث أن تضغط في قسوة على معصم الصغيرة لتخرجها من عالمها الخيالي، أو لتجبرها على الانتقال إلى جانبها الآخر. لذلك كانت الأم تتنفس الصعداء حامدة الله على عودتهما سالمتين كل مرة من ذلك المشوار الشهري.

انتظرت سميحة حتى غربت شمس ذلك اليوم الحار، وخرجت مع صغيرتها إلى دكان "عم ميدو" البقال في الشارع الرئيسي لاستلام حصتهما الشهرية من "التموين"، بعد أن انتظرت حتى أوشك الأسبوع الثاني من الشهر على الانقضاء كي تتفادى زحام وتدافع الفقراء أمام محل البقالة.

الشوارع كما هي؛ مزدحمة، تتداخل في هوائها أصوات الموسيقى والأغاني الشعبية، مع أصوات قارئي القرآن، وصراخ المركبات الخاصة والعامة، ونداءات البائعين على الأرصفة، أو في نهر الشارع، زحام أمام محلات العصير، والخردوات، وروائح الشواء، والمخابز، ومحلات الحلويات، ودخان الشيشة، وروائح محلات العطارة، وتحميص البن، والمطاعم الشعبية المنتشرة بالقرب من مسجد السيدة زينب، تختلط بروائح كريهة تنبعث من أكوام الزبالة ومخلفات الدواب والبشر، وبالوعات المجاري. ورغم ذلك كان الأمر لا يخلو من نسمة أو لفحة حلوة تنفذ من أنفها إلى روحها لروائح وعطور من تحتك أو تصطدم بهم من الرجال والنساء.

كانت سميحة تدرك بأذنيها وأنفها كل ما تسمع أو تشم خلال رحلتها الشهرية، فتسترجع بعض مشاهد من ذكريات الزمن الجميل- زمن الحب والإبصار- فلا شك أن الشارع يعج ببحر من الألوان؛ إما على أجساد البشر، أو داخل "فترينات" عرض الملابس الصيفية، ثم إنها تتذكر كيف كانت تقيّم جودة أذواق الزبائن بمدى جودة "الغسيل"، حينما كانت تتردد على محل زوجها تساعده في "تطبيق المكوى".

استرجعت سميحة خلال مشوارها مع ابنتها ذكريات فترة الخطوبة مع الأسطى سيد حيث كانا يقضيان فترة "العصرية" من يوم عطلته الأسبوعية في دار السينما التي ستمر عليها بعد لحظات في طريقها إلى دكان البقالة، حيث لا تخلو الجلسة من تبادل اللمسات الحانية في ظلمة المكان، تؤجج مشاعرهما وعواطفهما طوال فترة العرض... ثم يتوجهان بعد السينما إلى أحد المطاعم الشعبية يتناولان وجبة خضار ولحمة، أو كوارع في مسمط شهير، ويشربان "حاجة ساقعة " في الصيف، وقرفة في الشتاء.....

نعم لقد داهمتها حالة ارتخاء لذيذة في مشاعرها وأحاسيسها كلما اقتربت خطواتها من دار السينما التي اكتشفا فيها متعة الإثارة العاطفية، فأخذتها غفوة حسية، أكملتها بسمة شاحبة على شفتيها، ما لبثت أن اختفت بعد أن وجدت نفسها وابنتها وسط موجات متدافعة من رواد السينما الخارجين من أبوابها بعد انتهاء عرض العصرية، في نفس اللحظة التي كانت تحاول فيها استبدال معصم سماح ونقلها إلى اليد الأخرى، فلم تجد استجابة من سماح، التي دفعتها بعيدا عن أمها في عشوائية قاسية سواعد وأجساد العشرات من ذلك الطوفان البشري الذي لفظته دار السينما.

أفاقت الأم من لحظة ذهول مفاجئة، فأطلقت صرخة مدوية تنادي بها على ابنتها:

" سماح! .. أين أنت يا حبيبتي؟! تعالي إلى أمك يا سماح!"... "هاهي يدي أمدها إليك يا حبيبة قلبي! 

سماح.. ! ألا تسمعين أمك؟! ألا ترين أمك؟! ارحميني يا بنتي! كفي عن الهزار! "

لم تجد سميحة استجابة لنداءاتها وصراخها، فتوجهت إلى الناس في الشارع:

"أيها الناس! من رأى منكم بنتا صغيرة.. إنها ابنتي، وأنا ضريرة ... ساعدوني يكرمكم ربنا!...

ثم تعود لتوجه نداءها إلى ابنتها: " سماح! أين أنت يا نور عيني؟ أين أنت يا روح أمك؟...

ثم طفقت تصرخ وتلطم خديها وهي تهذي: "لعنة الله على الشارع ومن عليه!، أيها الناس! ألا ترون أنني عمياء؟، من منكم يأتيني بابنتي؟ أخشى عليها من ويلات الطريق...إنها صغيرة ليس لها خبرة بالطرق والشوارع، إنها يتيمة... فقدت أباها... وأمها عمياء... إنها وحيدتي... سماح! سماح!

لم تكتف بالنداء والصراخ فأخذت تصفع في ارتجالية وهوس شديدين كل من تصطدم يداها به من الناس، كي تتمكن من لفت الأنظار إلى مصيبتها. استوقفت بأظافرها- وكأنها المخالب- بعض المتدافعين نحو الشارع بعد أن بدا لها صراخها وعويلها كالتثاؤب تحت الماء، فأصغى إليها بعض الصبية والشباب، وأسرعوا للبحث عن الصغيرة في المحيط الضيق للمكان، لكن من عاد منهم إليها رجع خالي الوفاض، في حين وقف بعضهم إلى جوارها يخفف عنها ويواسيها، مؤكدا أنها حتما ستعود، بعد أن ينفض الزحام، ويخلو المكان بدخول رواد السينما المنتظرين أمام أبوابها.

إلا أن سماح لم تعد، والملتفون حول أمها يوجهون أبصارهم في حيرة واضطراب في كل اتجاه، ونحيب الأم في ازدياد، والتأثر بالفاجعة باد على الوجوه، إلى أن اقترح أحدهم على الأم أن يصطحبها إلى بيتها، عسى أن تكون الصغيرة قد عادت إليه، فلقي اقتراحه استحسانا من الجميع، فأسلمت له سميحة يدها ليقودها إلى البيت.

أما سماح التي دفعها الطوفان البشري أمام دار السينما بعيدا عن أمها فقد وجدت نفسها وسط عشرات من الأطفال يهرولون لاهثين وراء بائع "الدندرمة" بدراجته المزركشة، ومزماره النحاسي العتيق، يرددون وراءه ما يطلقه من نداءات على بضاعته، منهم من يوقفه لشراء "قمع"، ومنهم من يكتفي بنظرات الحسرة لضيق ذات اليد، ومنهم من يتجرأ ويستجدي "لحسة " من رفيق. كل هذا وهم ينتقلون وراء البائع من حارة إلى أخرى وأعدادهم في تزايد مضطرد، يتسابقون ويتدافعون، يتساقطون، ثم ينهض أقوياؤهم، ليسقط آخرون تحت أقدام الكبار منهم.....

رفضت سميحة الصعود إلى شقتها في الدور الرابع، وأصرت على البقاء أمام مدخل البيت، وسرعان ما تجمعت حولها أغلبية نساء الحارة وأطفالهن، ثم توافد بعد ذلك عدد من الرجال، حاولوا جميعا التهوين عليها، وهي لا تكف عن بكاء يتخلله صراخ يمزق القلوب، وتساؤلات كثيرة عن الحكمة فيما أصابها من نوازل الدهر، فقد كانت زوجة وفية مخلصة لزوجها، أمينة على بيت سيدها الذي خدمت أسرته أكثر من عشر سنوات، محبة لابنتها، راضية بحظها في الدنيا، ولا تتمنى من الله سوى الستر والعون على تربية صغيرتها اليتيمة....

انقضت خمس ساعات كاملة، وسميحة ترقب في لوعة وأسى عودة الموفدين من الصبية والأطفال للبحث عن سماح بدون صغيرتها، بينما الآباء يؤكدون أن لديهم أحاسيس بأنها لا شك ستعود، وبينما الساعات تمر، انفضّ كثير من الناس عائدين إلى بيوتهم، ليأتي غيرهم، وسميحة أوشكت على فقدان صوتها من كثرة النحيب والصراخ......

ضغط محمود على جرس آخر شقة يحمل إليها "المكوى"، وناول ربة المنزل اللوح الخشبي بما عليه، وانتظر حتى عادت وأعطته الأجر بزيادة خمسة قروش مكافأة له، فدس المبلغ في جيبه وألقى بنظره على ساعة الحائط في مدخل الشقة فوجدها تشير إلى الحادية عشر ليلا، قبل أن ينطلق إلى المحل ليسلم الأسطى "عنتر" الإيراد، ويتوجه إلى بيته، وقرر أن يسلك أقصر الطرق إلى الدكان، فاتجه إلى حارة جانبية خرج منها إلى الشارع الرئيسي، فرأى تجمعا كبيرا من الناس، وقد توقف المرور في الشارع مع ارتفاع لأصوات آلات التنبيه يصم الآذان، ثم رأى على بعد أضواء زرقاء تنعكس على زجاج النوافذ والمحلات، فدفعه فضوله إلى مواصلة السير حتى ذلك الموضع، بدلا من الدخول في الحارة المقابلة...

اقترب محمود من التجمهر ليرى سيارة شرطة تقف وسط هذا الحشد البشري، وعلى بعد عدة أمتار تقف سيارة مطافئ، فالتقطت أذناه أصوات بعض الواقفين تسب الحكومة والمسئولين عن المجاري، وأخرى تلعن الطرق والشوارع، بل والحياة في هذا الجحيم، فأخذ يتسلل بين الواقفين حتى اقترب من مركز الأحداث، فسأل أحد الرجال الواقفين عن حقيقة الأمر، لكن الرجل لم يرد عليه بعد أن أدرك أن السائل صبي صغير.

اندسّ محمود بين الحشد ليجد نفسه أمام جثتين لطفلين وقد غطيتا بورق جرائد، فاستفسر من صبي في مثل عمره عما حدث، فأجابه بأن ثلاثة أطفال سقطوا مرة واحدة في بالوعة المجاري المكشوفة، وأن رجال الإنقاذ تمكنوا من انتشال جثتين، ومازال البحث جاريا عن الجثة الثالثة!......

اصطف عدد من رجال الشرطة وسط الشارع لتغيير مسار المرور إلى الشوارع الفرعية، كي يتمكن رجال الإنقاذ من انتشال الجثة الثالثة من بحر المجاري المظلم، بينما الجماهير الغفيرة بين ناقم، وآسف، منهم من اتهم أهالي الأطفال بالإهمال، لتركهم أبناءهم بلا رقيب في الشارع، ومنهم من اعتبر موت طفلين أو ثلاثة أمرا عاديا مع كثرة الأطفال في البلد، وكثير من الناس اتهم البلدية بإهمال الأحياء الفقيرة، بدليل وجود عشرات البالوعات المكشوفة، وكأنها تركت هكذا عن عمد لالتقاط الناس داخل أحشائها. تداخلت أصوات المحتشدين، وتباينت حدتها، إلى أن استمع الحشد لصوت ضابط شرطة آتيا من مكبر للصوت يحمله بيديه، طالبا من الجمع التقدم في نظام وهدوء نحو الجثث الممدة على رصيف الشارع للتعرف على الضحايا واتخاذ اللازم...

تمكن محمود من الظفر بمكان له وسط الطابور البشري، وعلم من الحضور أن الجثة الثالثة قد انتشلت لتوها، ومددت إلى جوار الجثتين الأخريين، بعد أن صبّ عليها شرطي دلوا من الماء لإزالة ما علق بها من قاذورات وتخفيف الرائحة النفاذة...

بدأت حركة الطابور في اتجاه الضحايا، فاجتاح محمود شعور بأهميته ربما للمرة الأولى في حياته، فهاهو يقف وسط رجال في مهمة إنسانية، لا يقل أهمية عن أي منهم، بل خالجه إحساس قوي بأنه أكثر الناس معرفة بأطفال المنطقة، لأنه يتردد على معظم بيوتها، وتناسى أن بيوت الفقراء لا تخرج "غسيلا" للمكوى..!   

حتما سيصير له شأن آخر لدى الأسطى عنتر، وبين صبيان المحل، وربما في الحي كله، إن تمكن من التعرف على أي من الضحايا، وسيتناقل الناس أخباره، وربما اضطر لإعادة الحكاية عشرات المرات على الزبائن.

أفاق محمود من رحلة خياله على صوت الضابط يسأله إن كان يعرف أيا من الجثث، فوضع لوح الخشب الذي يحمل عليه الغسيل المكوي جانبا، وانحنى نحو جثث الضحايا، فأصابته رجفة تخللت كل فرائسه، واصطكت منها أسنانه وهو يرى ثلاثة من الوجوه الصغيرة وقد امتقعت ألوانها، وكستها آثار هزيمة ساحقة أمام الموت المفاجئ، فغشي بصره ولم يتمكن للوهلة الأولى من تمييز أي من تلك الوجوه، لكنه مد يده إلى وجه جثة في الوسط  وأمعن نظره في وجهها ليرى وجها يعرفه تمام المعرفة، فانطلق صارخا:" نعم أعرفها، ثم انحنى مرة أخرى على الجثة الممدة، وكأنه يرفض أن يصدق عينيه، إذ كيف أمكن لهذه الصغيرة أن تخرج وحدها، وهي التي لا تبرح المسكن إلا بصحبة أمها أو في صحبته هو!! وما عساها فاعلة في هذا المكان البعيد، ثم إنه لم ير هذين الطفلين الممدين إلى جوارها من قبل، فهما ليسا من الأقارب أو الجيران، فلا أقارب لها...!

اعتدل محمود مهزوما من الصدمة، وقال في صوت ينتحب ورأس منكس:  "دي عروستي" يا بيه! ... سماح... بنت المرحوم الأسطى سيد عزب المكوجي... واحد درب السلامة ، الدحديرة......"! 

 

 

   2 

علاء الدين

في الأراضي المقدسة

قصة لم تكتمل بعد

 

أتم علاء الدين (12 سنة)، وأختاه عبير (16 سنة)، وزين (9 سنوات) استعداداتهم للرحلة المرتقبة، بينما ازداد توتر الأم كلما اقترب موعد الرحيل في اتجاه مطار فيينا الدولي، إذ هي المرة الأولى على الإطلاق التي يسافر فيها أطفالها بدون والديهم، فأبوهم سيكون في استقبالهم في محطة الوصول، أما هي فقد قررت الأسرة بقاءها في فيينا مع "أروى"  كبرى الأبناء الأربعة بسبب دراستها التي تقتضي إنجاز عدد من الدراسات وتسليمها قبل نهاية العام. ثم إن اتجاه الرحلة وحده كفيل برفع ضغط الدم وزيادة التوتر داخلها، لذلك انتابت الأم حالة من القلق جعلتها لا تكاد ترفع نظرها إلى ساعة تطوق معصمها، إلا ووجهته مرة أخرى إلى نفس الموضع، وكأنها تراقب عقرب الثواني، في انتظار بدء رحلة الرحيل في اتجاه المطار.

لم تتوقف الأم المتوترة عن الحديث إلى أبنائها خلال رحلتهم في السيارة إلى المطار، تبدي النصائح تارة والتحذيرات تارات أخرى، وكأن أبناءها مقبلون على رحلة إلى كوكب سماوي آخر.

أعادت الأم على أسماع أبنائها - ربما للمرة المائة -  ما يجب أن يردوا به على أسئلة شرطة الجوازات في تل أبيب، ودخلت مع كل منهم في حوار، تقمصت فيه دور الجانب الإسرائيلي، تطرح أسئلة عادية وأخرى استفزازية، وتقوّم إجابات أبنائها عند الضرورة، وتثني على بعضها أحيانا أخرى.

في مطار فيينا تعرضت حقائب الركاب لتفتيش دقيق ، كما لم تسلم أجساد الأطفال من جسات لم تخل من القسوة سببتها الأصابع الغليظة لأفراد الأمن وحتى للنساء منهم التابعين لشركة الطيران النمساوية في رحلتها المتجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي. 

لفت انتباه علاء الدين وأخته زين وجود أعداد كبيرة من الرجال  المسافرين على نفس الطائرة ذوي شعور طويلة تتدلى حتى الأكتاف، ولحى كثيفة، وقبعات سوداء كبيرة، فوجها حديثهما إلى الأم مستفسرين عن أولئك الرجال، فأجابت الأم في اقتضاب بأنهم " شيوخ اليهود"، وأضافت : "ألم تريا مثلهم في شوارع فيينا من قبل؟" ، فأومآ بالإيجاب.

استهلت الأم مراسم الوداع ودموعها تتساقط كقطرات المطر في يوم عاصف، بينما اكتفى علاء بمطالبتها بالكف عن البكاء ، لأنهم لن يسافروا إلى الجحيم ، أما عبير فقد اكتفت باحتضان الأم وتقبيلها ، في حين لفت زين يديها حول رقبة أمها منتحبة وحزينة لفراقها.

في مطار فيينا تعرضت حقائب الركاب لتفتيش دقيق، كما لم تسلم أجساد الأطفال من جسات لم تخل من القسوة سببتها الأصابع الغليظة لأفراد الأمن وحتى للنساء منهم التابعين لشركة الطيران النمساوية في رحلتها المتجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي. 

لفت انتباه علاء الدين وأخته زين وجود أعداد كبيرة من الرجال  المسافرين على نفس الطائرة ذوي شعور طويلة تتدلى حتى الأكتاف، ولحى كثيفة، وقبعات سوداء كبيرة، فوجها حديثهما إلى الأم مستفسرين عن أولئك الرجال، فأجابت الأم في اقتضاب بأنهم " شيوخ اليهود"، وأضافت : "ألم تريا مثلهم في شوارع فيينا من قبل؟"، فأومآ بالإيجاب.

استهلت الأم مراسم الوداع ودموعها تتساقط كقطرات المطر في يوم عاصف، بينما اكتفى علاء بمطالبتها بالكف عن البكاء، لأنهم لن يسافروا إلى الجحيم، أما عبير فقد اكتفت باحتضان الأم وتقبيلها، في حين لفت زين يديها حول رقبة أمها منتحبة وحزينة لفراقها.

لكن الأم تذكرت شيئا، ظنت أنها لم تقله بالقدر الكافي، فهمست في أذن علاء متوسلة أن يحسن معاملة زين الصغيرة، وألا يعبث بملابس عبير، وبالذات قمصان الـ " تي شيرتس " التي يحاول ارتداءها، ودائما بدون استئذان.

أما زين فتلقت من أمها كلمات خففت عنها آلام الفراق، مع وعد بالاتصال الهاتفي كل يوم للاطمئنان عليها، ثم أعادت الأم على أسماع عبير طلبها الذي يعد وصية هامة، بأن تأتي لها عند عودتها بحفنة تراب من أرض فلسطين، وألا تخجل من ذلك.

استقبل الأب أبناءه الثلاثة في لهفة واصطحبهم إلى سيارته في ساحة الانتظار، وبدأت أسئلته تنهمر وكأنها سيل من لحظات الشوق والقلق والفضول، في حين كانت إجابات الأطفال مقتضبة إلى حد كبير، ربما لانشغالهم بالنظر إلى ما حولهم وكأنهم في عالم غريب .

لم يبخل علاء الدين على والده بإبداء ملاحظة لفتت انتباهه فور هبوط الطائرة ودخولهم قاعة الجوازات في المطار الإسرائيلي، إذ قال لأبيه إنه لا حظ وجود شرطيات كثيرات في المطار، وتساءل: " ألا يوجد ما يكفي من الرجال في هذا البلد؟" فابتسم الأب مجيبا بوجود الرجال، لكنهم بلا شك يحملون السلاح ويطوقون المناطق الفلسطينية التي يفرضون عليها حصارا عسيرا.

أثارت إجابة الأب فضول أبنائه الثلاثة فاندفعوا في آن واحد يسألون،  إن كان هذا يعني تعذر سفرهم إلى غزة، إلا أن الأب طمأنهم بأن هويته من المنظمة الدولية ستيسر لهم دخول المدينة ، وإن كان عليهم أن ينتظروا لفترات قد تطول أمام منافذ الدخول، وربما لا يخلو الأمر من عمليات تفتيش ذاتي قد تضايقهم.

قبل أن يكتمل دخول الأبناء سيارة أبيهم دق جرس هاتفه المحمول ، فصاح ثلاثتهم : " هذه بلا شك أمنا "! ، فابتسم الأب مؤكدا صحة توقعهم ومضيفا بأنها المرة الخامسة منذ مغادرة طائرتهم فيينا، والثالثة بعد هبوطها في اللد، فاندفعت زين إلى الهاتف بين أصابع أبيها لتكون أول من يسمع صوت الأم، وتناقل الثلاثة الهاتف متحدثين إلى أمهم التي تمنت لهم إقامة طيبة، وكررت نصائحها، وإن كانت هذه المرة في اقتضاب فرضه ارتفاع أسعار المكالمات الهاتفية عبر هذا الاختراع العجيب.

أمام منفذ الدخول المخصص للعاملين في المنظمات الدولية أبرز الأب هويته وهويات أبنائه، وحيا الشرطي الإسرائيلي بابتسامة باهتة، ودس في يديه علبة من الشيكولاتة النمساوية تتربع صورة " لموتسارت " على غلافها، فانفرجت أسارير الإسرائيلي، وشكر الأب بلغة ألمانية لهجتها نمساوية، وألقى بنظره داخل السيارة ليتفحص وجوه من بداخلها، وتساءل:  " هل هؤلاء أبناؤك القادمون من فيينا ؟"، فرد الثلاثة بالألمانية " JA ".

التفت الأب إلى أبنائه وقال لهم : "إن هذا الجندي لأبوين نمساويين لكنه ولد هنا، وقد تعرفت عليه قبل أسبوعين فقط، عندما بدأ عمله على هذا المنفذ".

وبينما الأب يتأهب للإجابة على ما قد يطرحه الإسرائيلي من أسئلة، كان الأخير قد أعاد إليه بطاقات الهوية الأربعة، بعد أن احتفظ بصور منها، ثم أشار إليه بمواصلة الرحلة.

بدأ ظلام ليل شتاء ديسمبر ينسحب على المنطقة في ثقة واضحة، بينما أضواء المصابيح الشاحبة في المدينة البعيدة تسعى على استحياء لتبديد شيء من العتمة، لكن مع اقتراب السيارة من غزة ، بدا للجميع أن يد المصابيح هي العليا، وأنهم قادرون على رؤية من وما حولهم في وضوح،  وبدأت مقارنة مسموعة بين غزة وعمّان عاصمة الأردن التي لا يعرف الثلاثة سواها من المدن العربية، لتتهي المقارنة بحكم لجنة المحكمين الثلاثة الوافدين من أوروبا بأن عمان أفضل بكثير من غزة.

انبهرت زين ومثلها علاء الدين بما شاهداه من خليط عجيب من البشر والسيارات، وعربات تجرها البغال أو الحمير، وحيوانات ضالة ترتع في شوارع المدينة الضيقة، وكأنها تبحث عن مأوى لها بعد عناء يوم عسير،  بينما بدت الحركة أمام المحال التجارية المنشرة على جانبي الطريق مشابهة لما تعودا على رؤيته في أحياء عمان الفقيرة وبالتحديد في مناطق مخيمات اللاجئين.

 لم تكف زين عن التعبير عن استغرابها لما تشاهده حولها، وطلبت من أبيها أن يغلق نافذة السيارة لأنها لا تقدر على شم هذا الخليط العجيب من الروائح التي لم تألفها أنفها بعد، فاستجاب الأب مبتسما، معلنا أنهم سيصلون إلى هدفهم خلال دقائق معدودة.

أمام بيت يبدو حديث البناء توقفت السيارة ليطلب الأب من أبنائه النزول لتحية عمهم "أبو محمود" - صاحب البيت - وأسرته التي اصطفت أمام مدخل البيت ذي الطابقين. وبعد مراسم الترحيب العربية المعهودة من أحضان وقبلات كثيفة، وجدت زين كعلاء الدين نفسها في حاجة إلى تجفيف ما تركته شفاه المستقبلين على خديها من آثار للعاب، خشيت أن ينساب على كل وجهها، أما عبير فقد مدت يدها في تحفظ الفلاسفة ولم تعط فرصة التقبيل سوى لزوجة "عمو محمود" وابنته التي قد تكبر عبير بعامين على أكثر تقدير.

بعد تناول العشاء مع أسرة "أبو محمود"، أمضى الأبناء الثلاثة مع أبيهم ساعتين في جولة داخل المدينة تنقلوا خلالها بين مناظر معظمها مقزز، وشاهدوا تكدسا للفقر البشري لم يعهدوه من قبل، وحاولوا قدر جهدهم تفادي الخوض في مياه عفنة غطت سطح الحواري الضيقة في المدينة والمخيمات المجاورة لتسمم هواء المنطقة بما تنشره من الروائح الكريهة، بعد أن لفظتها قنوات بدائية للمجاري محفورة في الطرقات.

خالجت الأب مشاعر متباينة من القلق أثناء رحلتهم الاستكشافية الأولى، فأبناؤه لم يهعدوا هذه المشاهد المقززة، وأشفق عليهم من الصدمة، لكن بقدر إشفاق الأب وقلقه كانت دهشته وهو يتلقى تعليق علاء الدين وأخته عبير على ما شاهداه، فقد التفت الصبي إلى أبيه وقال في صوت يعبر عن إصرار واضح " إنني أشعر الآن بفلسطينيتي، ولا أخفي عليك أنني كنت من قبل لا أدري ما ذا يعني أن يكون المرء فلسطينيا، فلم تكن هناك روابط بيني وبين ذلك الوطن الخيالي...

هنا التقطت عبير خيط الكلام وكأنها تكمل قول أخيها فاستطردت : " بقدر ما يعاني الفلسطينيون هنا، بقدر ما تولد داخلي اليوم من مشاعر وأحاسيس نحو هذا الوطن، والآن أفهم يا أبي ما ذا تعني هذه الرحلة لنا ولك، إنها رحلة اكتشاف الهوية لنا وتأكيدها لديك".

في صباح اليوم التالي استقل الأب سيارته مصطحبا أولاده الثلاثة مبتدئين رحلتهم داخل ذكرياته في فلسطين، فغزة لم تكن موطن أسرته وكذلك الضفة الغربية، فقد عاش أهله وأجداده في قرية صغيرة تبعد قليلا عن ساحل البحر المتوسط، وتقع بين القدس ومنطقة اللد، حيث اشتغلوا بالزراعة، وورث أبوه عن أبيه طاحونة للغلال أعانهم عائدها على العيش إلى جانب ما تدره عليهم حدائق البرتقال والحامض وأشجار الزيتون، ومساحة صغيرة من "الدونمات " خصصت لزراعة الغلال كالقمح أو الشعير والعلف الأخضر لحيواناتهم.

لم يتوقف الأب طوال رحلتهم في اتجاه قريته وموضع ميلاده وسنوات طفولته الأولى عن الكلام، وأولاده الثلاثة يستمعون في شغف لمعرفة أكبر قدر ممكن من تاريخ فلسطين الحديث.....

فها هي الأسماء العبرية للقرى والمدن العربية التي أزيل بعضها من الوجود وتبدلت معالم البعض الآخر، وها هي طرق حديثة وأسوار وجدران تفصل وتعزل، وبين المكان والآخر بعض الخيام للبدو الرحل، ومخيمات للاجئين؛ فعبق الأرض عربي وإن كان سكانها خليط من الأجناس البشرية وكأنهم في ساحة انتظار للعرض يوم الحشر.

فجأة تغيرت نبرات صوت الأب وهو يعلن لأبنائه أنهم على مشارف قريته التي بدت للوهلة الأولى أقرب إلى المدينة الصغيرة من القرية القديمة التي كان يلعب في شوارعها وحواريه الترابية، بل يمكن وصفها بأنها كالضواحي الخارجية الهادئة والغنية على أطراف المدن الكبرى.

لم تمض سوى دقائق قليلة حتى دخلت السيارة أحد شوارع القرية وبدأت سرعتها في التراجع قبل أن تتوقف بالقرب من أحد المنازل ليشير الأب إلى واحد من البيوت المقابلة لموضعهم داخل السيارة قائلا: " هذا بيت عائلتنا" ... لم يتغير كثيرا... استبدل السياج الحديدي بجدار خراساني وهذه بوابة حديدية عليها اسم ساكن البيت و"الإنتركم" الذي يعمل بالكهرباء وكاميرا الفيديو، وتحول  اسطبل البغال إلى جراج... وتبدل لون الواجهة، وتكاثفت الأشجار بمحاذاة السور الخارجي.

هيا انزلوا!... تعالوا لتروه عن قرب! املئوا عيونكم من بيت أبيكم واحفروه في ذاكرتكم ! ... وتنفسوا هواء بلدتي!... من يدري، متى نعود إلى هنا مرة أخرى؟....

فتح نزلاء السيارة أبوابها في هدوء وحذر رغم توترهم الظاهر وارتفاع نبضات قلوبهم داخل صدورهم، وكأنهم مقدمون على اقتحام حصن منيع، يخطون عبر الشارع متجهين نحو البيت والأب يمسك بيدي ابنتيه " زين وعبير " ، في حين سبق علاء الدين الثلاثة ببضعة خطوات يدفعه الفضول الحذر ليكون أول المقتربين من بيت أبيهم، وليلتقط كرة سقطت على أرض الشارع.

بينما انحنى علاء الدين ليرفع الكرة وعلى مقربة منه أبوه وأختاه، إذا بصبي في عمره يهرول نحوه ويمد يديه لتسلم الكرة من علاء الدين ويصيح الصبيان في نفس واحد : " علاء الدين! ... ديفيد!

 What are you doing here? "

أجاب صاحب الكرة :" إنني أعيش هنا... وهذا بيتنا...، ولكن ما ذا تفعل أنت هنا؟

- إنني أقضي مع أبي وأختي عطلة الكريمساس، ولكن هل هذا بيتك بحق؟، مشيرا إلى بيت أبيه..

* نعم أعيش مع أمي وجدي في هذا البيت... وتقدم  ديفيد لمصافحة الأب وابنتيه المذهولين من هول المفاجأة... ثم أردف: " انتظروا قليلا.. حتى أستأذن جدي في دخولكم"!....

مرت اللحظات القليلة على الضيوف الواقفين على مقربة من مدخل البيت وكأنها ساعات عصيبة لم ينطق أحدهم بكلمة، وتجمدت نظراتهم صوب مدخل البيت، حتى عاد الصبي مهللا ومرحبا بهم...

قدم ديفيد ضيوفه لجده: هذا علاء الدين زميلي القديم في " VIS " مدرسة فيينا الدولية، وهذا والده مستر ...، ليضيف الوالد :" حسن" ، وهاتان أختاه..، ليكمل علاء الدين: " زين وعبير".

رحب الجد في فتور بضيوف حفيده الذين ظنوا أن كل من في البيت يسمع ضربات قلوبهم من وقع المفاجأة التي أدخلتهم بيتا كانوا يتمنون مجرد الاقتراب من أسواره...

تفرس العجوز وجوه الغرباء وسألهم بلغة انجليزية عن هويتهم وسبب ومدة إقامتهم في إسرائيل، وإن كانت زيارتهم هذه هي الأولى للدولة العبرية، فزاد سؤاله من ربكتهم الواضحة، فالتفت كل منهم إلى الآخرين وكأنهم يخشون الكلام. إلا أن  ديفيد خفف عنهم دون قصد الحرج الذي ألم بهم، ووجه حديثه إلى جده:" اسمح لي ياجدي أن أصطحب علاء الدين وأختيه إلى غرفتي لنلعب "كمبيوتر جيمز"، فأومأ الجد مبتسما...

بدأ الأب حديثه بصوت مرتعش قائلا:

" تعيش أسرتي في فيينا كما علمت من ديفيد، أما أنا فأعمل لدى منظمة الأنروا في غزة بعد انتقال مكاتبها من مقر الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية، وأتردد بين المدينتين كلما سنحت ظروف عملي، وقد قررنا الهجرة إلى كندا بعد انتهاء العام الدراسي الحالي. لذلك دعوت أبنائي لزيارتي في غزة لقضاء عطلة الكريسماس، بينما بقيت زوجتي وابنتنا الكبرى في فيينا لانشغالها بأمور دراستها".....

- وأنت ... هل أنت عربي؟

* نعم، فلسطيني من لاجئي 48 ...

- فهمت...

 في تلك الأثناء دخلت على الرجلين خادمة البيت الإثيوبية الملامح فيسأل الجد ضيف المفروض عليه: ماذا تود أن تشرب؟

* قهوة سادة من فضلك!

- إلى أي منطقة في كندا ستهاجرون؟

* إلى بريتيش كولومبيا" حيث هاجر عدد من أصدقائي....

- يا لها من مصادفة! أنا أيضا أصلي من " بريتيش كولومبيا" ، لكني     تركت كندا منذ أكثر من 50 عاما، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حين كنت أخدم في جيش بريطانيا العظمى....... تفضل قهوتك!...

على الجانب الآخر من غرفة الصالون ، حيث التف الصغار حول جهاز الكمبيوتر في غرفة ديفيد، طلب علاء من زميله القديم أن يريهم بيته والحديقة، فلم يجد  ديفيد غضاضة في ذلك... "هذه غرفة أمي ، وتلك غرفة جدي، والغرفتان الأخريان كانتا لخالين لي؛ إحداهما الآن غرفة مكتب لوالدتي، والأخرى للضيوف... وهذا الحمام ... والمطبخ.. والمخزن... وهذا جراج ... وذاك مكان لعبي في الحديقة.. وهذه شجرة زيتون عتيقة، وهذه أحواض الزهور التي يرعاها جدي"... والضيوف مستغرقون في خيالهم ويومئون برؤوسهم دون أن يتفوهوا بلفظ ينم عما بداخلهم ....

في غرفة الصالون استمر حوار الأب والجد عن كندا وبريتيش كولومبيا، وبدا أن رب البيت لا يريد أن يطول بقاء الضيوف أكثر من ذلك فقد دفعته هواجسه إلى الشك في هدفهم من تواجدهم في هذا المكان بالذات....

لم يخف الجد رغبته في انتهاء الزيارة، فبدأ يكرر النظر إلى ساعة يده ويبتسم ابتسامات غامضة. ولم يقطع عليه هذا الموقف سوى اندفاع  ديفيد  كالسهم داخل الصالون ووجهه مقفهر متسائلا:

 " جدي! أصحيح أن هذا البيت كان بيت جد علاء الدين وأبيه؟ "

اندفعت الدماء في وجه الجد الذي حملق في الحاضرين الغرباء قائلا :

" تملكني إحساس غريب بأنكم لستم هنا مصادفة" ثم أردف :" آه من كل ما تجلبه علينا النمسا"‍‍‍‍!

وتوجه بكلامه نحو حفيده الذي ارتمى في حضنه :" هون عليك يا صغيري!، فأنا أعيش في هذا البيت منذ 50 عاما... وقد عاشت فيه جدتك إلى أن رحلت عن عالمنا قبل 5 أعوام ، كما عاش فيه خالاك إلى أن سقطا أكبرهما في حرب لبنان، والآخر في إحدى العمليات الإرهابية، وتعيش أنت وأمك معي منذ وفاة أبيك في حادث سيارة قبل عامين، فكل ذكرياتي في هذه البلاد في هذا البيت الذي لم نعرف غيره..، صحيح لم أبن هذا البيت، ولكني جددته ورممته وجعلت منه بيتا يليق بأسرة متحضرة"..

ثم التفت نحو الضيوف الغرباء موجهها حديثه للأب: " أما أنت يا سيد حسن فهل لك أن توضح لحفيدي ما لم تخبرني به خلال حديثنا؟"

اتجه الأب بحديثه نحو الجد وحفيده بينما التف حوله أبناؤه الثلاثة... وفي صوت خافت لا يخلو من رعشة واضحة قال:" سيدي إن الصدفة وحدها هي التي قادتنا إلى هذا المكان ... أقصد دخول البيت... لقد كنت حريصا على أن يرى أبنائي بيت أبيهم وأجدادهم قبل أن نهاجر إلى كندا ويكبرون في بلاد المهجر، وربما قضيت نحبي قبل أن أريهم بيت طفولتي وصباي".. نعم يا ديفيد لقد ولد أبي وولدت و9 من إخوتي وأخواتي في هذا البيت، وكان عمر أصغرنا عدة أسابيع حين أجبرنا على تركه والرحيل من ديارنا..."

رد الجد في غضب:

"أتظنني أصدق كلمة واحدة مما تقول، كيف تثبت لي صحة مزاعمك؟ "

استطرد الضيف:

" كما ذكرت لك لتوي .. لسنا هنا لنطالبك بإخلاء البيت ورده إلينا،، كما أنني لم أحضر معي أوراقا أو مستندات ثتبت ملكيتنا للبيت، لكن إذا أردت وإذا أراد حفيدك أن تتأكدا من صحة قولي فليكن! هل تسمح لنا بالخروج إلى حديقة البيت؟ فكما لا حظت عند دخولي لم يحدث أي تغيير في جدران اسطبل البغال الذي أصبح جراجا"... ثم هم بالوقوف فتبعه أبناؤه فديفيد، ثم نهض الجد من مقعده وتساءل:" أهذا لغز جديد"؟...

فرد الأب:" لا يا سيدي، فربما بقيت خبيئة أمي مدفونة بجوار جدار الإسطبل، فقد ظننا قبل أن نرحل أننا مغادرون ليوم أو بعض يوم، وربما لعدة أسابيع نعود بعدها إلى ديارنا. لذلك حرصت أمي على حفظ صيغتها وبعضا من قطع النقود الفضية داخل جرة صغيرة من الفخار ودفنها في هذا الموضع قبل أن تغلق البيت وراءها"...

حينئذ صاح ديفيد وعلاء الدين في وقت واحد: " أهو الكنز إذن...؟"

رد أبو علاء: " ليس كنزا حقيقيا، فقد كنا أسرة بسيطة تكافح كي تعيش حياة كريمة، وكل ما دفنته أمي من مجوهرات كان إما ميراثا عن أمها أو ما قدمه لها أبي قبل زواجهما"...

أردف ديفيد: سأتولى أنا وعلاء الدين الحفر، ياله من أمر مثير ... انتظروا هنا حتى آتيكم من مخزن الحديقة بالمعولين!" ....

لم تمض سوى برهة قصيرة حتى عاد  ديفيد وفي كل يد معول، فناول علاء الدين أحدهما وطلب من أبيه أن يعيّن لهما مكان الكنز...

خطى الأب بضعة خطوات خلف جدار الإسطبل، وأشار إلى موضع ظن أنه مكان الخبيئة، فهمّ الصبيان بالحفر والعيون مصوبة نحوهما... ولم تمض دقائق حتى سمع المترقبون صوت احتكاك أحد المعولين بجسم مدفون، فبدأ الصبيان يتحسسان بحرص ويزيلان التراب بأيديهما حتى بدت لهما وللمتحلقين حولهما آنية فخارية سوداء رفعاها بحنو ووضعا غطاءها جانبا.

تهللت أسارير الأب وأبنائه، وبدى على الجد التوتر... بينما اتسعت حدقات عيون علاء الدين وديفيد، واستأذن ديفيد أن يدس يده في الآنية، فسمح له جده فأخرج بين أصابعه أقراطا فضية، وعقدا وكردانا ذهبيين، وخلخالا من الفضة، وبضعة قطع من النقود الفضية اعتراها صدأ الفضة... والجميع صامتون...

انتهزت عبير حالة الصمت التي خيمت على المكان، فانحنت تغمرها نشوة لم تعهد مثلها من قبل، فملأت يديها بحفنات من التراب الذي كومته معاول الصبيين على جانب الحفرة، ثم أفرغت ما في يديها في كيس صغير من القماش، حتى امتلأ ، فشدت عليه رباطا من الخيط، وحملته في حنو بين أصابع يديها المتربتين، لتضعه في كيس آخر من البلاستيك، وابتسمت موجهة حديثها للجد العجوز: " هذه هديتي لأمي يا سيدي!...أمنية تحققت الآن؛ حفنة تراب من فلسطين، بل من بيت أبي!"

اتجه علاء الدين ببصره نحو "ديفيد" وقال في صوت لا يخلو من ثقة في النفس:

" آسف يا صديقي العزيز لما سببته لكما زيارتنا من إزعاج، لكني كنت متأكدا من صحة ما ذكرته لك في غرفتك"...

التقط الجد خيط الكلام وقال: " أرجوكم، خذوا كنزكم وارحلوا !، وإلا اضطررت لاستدعاء الشرطة، فقلبي لا يحتمل أكثر من هذا".

رد الأب : " أكرر أننا لسنا هنا لاسترداد بيتنا، لكن الظروف شاءت أن يعرف حفيدك أنه يعيش في بيت علاء الدين، والآن فسنترككما آسفين على سببناه من إزعاج"...

تعانق علاء الدين وزميله القديم في مدرسة فيينا الدولية، فهمس ديفيد في أذن زميله قائلا: "لا تنس يا علاء الدين أن تراسلني من كندا، بل انتظر حتى أكتب لك عنواني في إسرائيل"!

رد علاء الدين مبتسما: " لست في حاجة لكتابة عنوانك يا ديفيد، فأبي يحفظه عن ظهر قلب وقد حفر اليوم في وجداني  إلى الأبد".....

  Bookmark and Share

 

hassanbaroud@hotmail.com

قصص

راسلوني

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

كتابات