1    3   5   6   8   10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70

مدخل

عودة إلى جسور

مقالات

 

   1  

على ضفاف الدانوب.. "الفأرة" وهموم الوطن

 

على مقربة من ضفاف الدانوب الذي جمده الشتاء في المدينة الضبابية (فيينا)، أسكن غرفة رمادية تجاهد هي أيضاً لاحتمال الصقيع.. مصلوب على مقعدي الخشبي، في مواجهة شاشة الحاسوب، أتعارك مع (الفأرة) التي تقودني إلى مئات الدروب، الواسعة أحياناً،ً والضيقة في معظم الوقت..

في واحدة من تلك الحواري توقفت: ".. نقل شارون إلى المستشفي للعلاج..".

عند واحدة من نواصي الحارة الضيقة، كان هناك من يحتفلون "رقصاً" بالخبر، يوزعون الحلوى ويتبادلون التهاني، ويرسمون علامات النصر!!

ـ أكره شارون نعم.. وكل شارون آخر تمادي في القسوة والظلم.

ـ لكن أن يصل بنا الحال إلى هذا المستوى من العجز عن الفعل، أفزعني.. جعل قسوة الشتاء في غرفتي مضاعفة..

قفز إلى الذاكرة موال "العجز" الذي لازمنا:

.. يارب يا متجلي     أهلك العثمللي ..

.. يا عزيز ياعزيز     كبة تاخد الإنجليز ..

ذهب "العثمللي" وأغلقت حوانيت الطرابيش.. حمل "الإنجليز" عصيهم ورحلوا ورحلت البرانيط..

لكن لم يتغير الفعل، رغم تلال السنوات التي مرت بشوارعنا الضيقة، وحوارينا الواسعة..

.....

لازلنا نواجه الظلم بالعجز.. بدعاء اليائس، أو رقص المذبوح على قارعة الطريق..

لماذا؟..

سؤال دائم التمدد في الرأس بلا جواب شاف!

متى يتوفر لنا ضوء في نهاية النفق؟!

آلاف الأطنان من المداد أريقت في محاولة لتلمس الإجابة، وبقى السؤال يحوم في الأفق.

أجدني أنا الآخر مسحوباً باللاوعي لإراقة المداد، بحثاً عن جواب طال انتظاره..

.....

لأجرب محاولة أخرى، ربما أصيب بعض النجاح.. ربما.

وجربوا معي..

طريقة "الجمل المتلاحقة":

نقل شارون إلى المستشفي للعلاج..

يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الإنجليز..

بلطجة واسعة سادت الشارع المصري في الانتخابات النيابية الأخيرة..

الرزق يحب الخفية

"المحاصصة" تسود في العراق "الجديد" بعد الانتخابات الأخيرة

بيروت .. يا بيروت..

تسريبات صحفية تلمح لزيارة محتملة للعقيد القذافي لإسرائيل.

إسراطين .. إسراطين.

وهكذا رصوا :

أبناء العروبة" جملاً وجملاً على هذا النسق..

ربما تجدون الجواب على سؤالنا الملاوع..

أو يكفيكم..

أنكم مارستم عادة التسلي، في حوارينا الواسعة الضيقة، الملفوفة بالصقيع، في شتاءنا الدائم، المتمدد من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

 

   2  

 

الفقي رجل لكل العصور

 

الدكتور مصطفي الفقي.. القادم من أرض الكنانة..

كان ضيفاً على بيت المصريين الذي في الفولكس تيياتر.. ووسط التهليل والتكبير،  أخذ الرجل يتذكر الوجوه والملامح، ويسأل عن المرضى والذين انتقلوا إلى الباقية..

تحدث الرجل عن مصر الجديدة.. وهو من كتام أسرار بلاطها، وبشرنا الرجل بأن (كله تمام)، ولا يعيب الثوب إلا بعض الثقوب، ورتقها مهمة يسيرة، والبلد والحمد لله غاصة بـ (الترزية).

من هذه الثقوب التعامل الأمني مع كل الملفات.. (يعني) دولة عسس.. أليس كذلك!! (ويعني هذه، من عندنا).

وبعد فيض من منقوع الحكمة التي ملأت القاعة، وقف (أزعر) ـ بتعبير شركائنا السوريين في الوحدة الغابرة ـ وقف الولد ليشكك في أننا في مصر (حتة واحدة).. قال إيه: الأقباط مضطهدون!!

يبدو أن الولد مدسوس من أقباط الداخل على أقباط الخارج.. الصراحة كان دكتورنا واسع الصدر، أجاب فأفاض، وأغرقنا بسيل من (الإنجازات) التي أتت من يمين النظام وشماله، تدعيماً (للوحدة الوطنية)، ومن أجل أن تبقى الكنانة (حتة واحدة)، رغم تخرسات الخارج والداخل وتخومهما..

ولم ينس الرجل إنصافاً لصاحب عرش المحروسة.. أن يلفت نظرنا ـ باعتبار أننا لا نحسن الرؤية، رغم أن الشمس ساطعة..  (كنا فين وبقينا فين)..

قال لنا: أننا بفضل مباركه وعهده السعيد تنسمنا ريح الديمقراطية.. بينما في عهد السلف (عبد الناصر) خرست كل الأفواه.. وفي عهد الخلف (السادات) وضع الشامي والمغربي في الحبس، (منعاً للشوشرة) حتى ينجز المؤمن ملف السلام..

يا سلام.. نورتنا.. يا سيدنا الفقي!!

 

 

   3  

 

اتحاد المصريين..

قراءات الهوى..

وفتاوى جنرالات المقاهي 

"نتشاوف المسا".. هكذا جاءت دعوة صديقي الشامي عبر الهاتف.. تحمل نبرة الاستدعاء، خلافاً لعادته.. أدركت أن هناك ما يشغله.. فاستجبت دون مماحكة.. كان ينتظر، في زاوية مقهى اختاره منعزلا.. أوضح مبتسماً: "حتى لا يزاحمنا العربان.. فتضيع الطاسة"..

ـ خير..

ـ كل خير.. لكن سحابات القيل والقال التي زحمت فضاء المدينة الرمادية، تحتاج جواب ما يبددها، وأضاف ليغلق باب الدوران حول ما قصد أن يصل إليه: .. بدون تذويق، أنت تعرف أنني مَعنّي مثلك بأمر المصريين.. وما جرى في الأسابيع الماضية يحتاج إلى توضيح..  أريد منك أن تسهم معي في فك طلاسم الأسئلة التي تزاحمت في أفق الجالية؟

.. كنت ترددت طويلاً في الكتابة، حول ما يدور لشغل أوقات الفراغ في أروقة المقاهي، وما يردده جنرالاتها.. وكنت أيضاً قد اخترت عامداً العزوف عن الدخول في مباريات عقيمة حول ما قال زيد هنا وما ردد عمرو هناك.. لكن أمام إلحاح صديقي الشامي، وبعد أن هدأت زمجرة الريح في حواري وأزقة الجالية.. قلت على البركة: هات ما عندك يا "زلمة".. فقط.. اسمح لي بوضع جملة بين هلالين "ما سيأتي عبر حوارنا لا يلزم غيري.. ولا يعبر إلا عن قناعاتي"..

ـ لماذا السفارة؟!

هكذا بدأ الرجل بما ظن أنه طريقي إلى "حبل المشنقة"..

ـ وكان الجواب حاضراً.. لأن السؤال كان هو أيضاً دائم الحضور.. قلت لصديقي: أظنك تعرف عبر سنوات طويلة تعايشنا فيها، موقفي في هذا المنحى.. لكن ما أعتقد ـ وعلى خلاف ما ظننته أنت "بحَوَط شامي" طريقي إلى حبل مشنقة ـ قلته بلا مواربة، في لقاءات مع أصدقاء شرّقت وغرّبت بهم الهواجس والظنون.. قلت أنني أتعامل مع السفارة على اعتبار أنها رمز للوطن.. وليست إدارة في حزب يحكم أو يعارض.. مِنْ هنا، لم أتحسس ولا أجد ما يبرر الحساسية في هذا الشأن.. الاتحاد يا صديقي كما أفهمه منظمة مدنية نمساوية، تهدف إلى أن تكون مظلة لكل المصريين في مغتربهم، ليست حزباً وليست جماعة فكرية.. علاقتها بمؤسسات الوطن ومؤسسات المغترب محكومة بالضرورة، بموازنات مصالح المصريين ورغباتهم وتبايناتهم.. تبعد أو تقترب من هذه المؤسسة أو تلك وفق فهم ناضج لما يحكم علاقتها كمؤسسة، بغيرها من مؤسسات أخرى.. رسمية كانت أو شعبية..

.. ثم إن إنكار دور واحد من رجالها وحماسه الزائد لفكرة الاتحاد.. وسعيه بدأب لتحقيقه.. يحاور هذه الجماعة ويحرض تلك الرابطة.. ويمد حبال الصبر مع يتصورون أنهم رأس كل جسر ومفتاح كل زاوية.. فعل كل ذلك ترويجاً لفكرة اتحاد طال التشوف إلى قيامه.. ومن العيب التنكر لهذا الدور أو الفعل أيا كانت العلل أو الدعاوى..

ـ لكن للبعض تحفظات حول ما جرى في اللقاء!!.. الطريقة التي جرت بها الانتخابات!!، هناك من يهمس أن ترتيبا ما جرى بليل، أو خلف الطاولة؟!

ـ يا صاحبي.. الهمس في جاليتنا العربية.. مثل مقبلات المائدة.. وأحياناً وجبتها الرئيسة.. لا أريد في هذا الشأن أن أكون صادماً ـ لجنرالات المقاهي ـ لكن لا رغبة لي في تذويق الكلام "تبويساً للحى".. كل عمل مؤسسي في تقديري.. لا يمر إلا عبر تخطيط.. يَعْمَد إليه المعنيون بالأمر؛ ينصرفون بداية إلى قراءة الواقع، وتلمس التباينات، ووضع الإصابع على مداخل المناطق الخطرة ومخارج المناطق المأمونة.. بغير ذلك يصبح الأمر مجرد فعل عابث لا يصنع مؤسسة، ربما يضيف بالكاد، مقهى جديد، إلى مدينة مزحومة أصلاً بالمقاهي؛

.. وكان لابد أن تجري الإجابة على سؤال.. ظل يتمدد قبل أن تتشكل ملامح الاتحاد، ولازَم كل تحرك في الشهور الماضية.. أي نوع من القيادات يحتاج الاتحاد؟

.. نعم تحفل الجالية بقيادات مارست العمل العام لسنوات طويلة، وقدمت، ولا شك، كل ما كان ممكنا أن تقدمه وفق ظروفها وقدراتها.. وأحياناً ميولها ورغباتها..

.. واسمح لي أن أستعير ما أجد أنه يلامس ما أرمي إليه هنا.. أن أستعير عرفاً يسود ملاعب الكرة، ويرضعه كل لاعب ينزل إليها.. "من لا يعرف متى يغادر الملعب لا يعرف قواعد اللعبة"..

.. تغير الواقع وتغيرت الناس والأفكار، والمؤسسة التي يجري الترتيب لها ليست نادياً لبعض الناس لهم مزاج ورغبات رواد النوادي، أو رابطة لجماعة تعتنق هذا الفكر أو ذاك.. الاتحاد ـ كما قلت قبل ذلك بقليل ـ مؤسسة أوسع وأجمع.. وهو ما يفرض بالضرورة البحث عن قيادات مختلفة، قادرة على الانفتاح على كل ألوان الطيف، وقادرة على التعلم أيضاً من تجارب الماضي واستيعاب دروسه.

.. أقول ذلك، وأنا لا أعني هنا بالضرورة أن القيادات التي مارست الفعل في سنوات سبقت، لا يتوفر لها كلها بعض أو كل المعايير التي قصدت أن أشير إليها..

.. وفق هذا الفهم ـ البحث عن قيادات مختلفة ـ جرت المشاورات، ولم تكن بليل، ولا تحت الطاولة.. بالطبع كانت تجري بحرص، ووفق موازنات لتحقيق الصيغة التي جاءت في دستور الاتحاد، وسادت مناقشات اللجنة التحضيرية.. قيادات تسعى لجمع شمل كل المصريين بدون تمييز أو انحياز.

.. ولم تكن المشاورات على "المشاع" استجابة لمن يستهويهم تعبير الشفافية.. الشفافية ـ في تقديري ـ لا تعني مشاعية ساذجة تكون مرتعاً لتحقيق ما تميل إليه أمزجة "جنرالات المقاهي" وأصحاب الحق الإلهي أو الحق بالتقادم..

ربما قاد ذلك الحرص الزائد إلى وقوع البعض في حسابات خاطئة ـ قادهم إليها الاعتياد على وهم.. أنهم يمسكون بقواعد اللعبة دائماً.. ولم يدركوا في الوقت المناسب أن القواعد تختلف مع كل مرحلة.. وكان البعض ـ وبدون قصد ـ ضحايا لتلك الحسابات الخاطئة.

.. ثم من تقعروا، وأفتوا بأنه لم تكن هناك انتخابات ديمقراطية.. فاتهم قراءة دستور الاتحاد، وهو الوثيقة الحاكمة في هذا الشأن.. وقد جاء فيه.. أن مجلس الإدارة الأول للاتحاد هو مجلس توافقي، لا يخضع لقواعد الانتخاب، لاستحالتها قبل استكمال ملامح الاتحاد وتوسع العضوية فيه..

ـ أشار أحدهم إلى أن الاتحاد، بصفته مؤسسة علمانية، ضم في مجلس إدارته الأول، بعض قيادات مرجعيتها مؤسستها الدينية أو اتجاهها الفكري أو العقائدي؟!

ـ هذا خلط بَيّن.. يعكس اضطراب في قراءة المفاهيم الحاكمة للكيانات.. بداية.. توصيف الاتحاد لا يجب أن يأتي وفق القاعدة التي تصنف بها الأحزاب والجماعات والمدارس الفكرية والعقائدية.. فالقول بأنه مؤسسة علمانية، هو افتراض لا يستقيم مع المنطق.. الذي يقول بذلك، يتصور الاتحاد باعتباره حزب أو جماعة أو مدرسة، يحكمها المعتقد السياسي أو الفكري.. الاتحاد ليس كذلك، ولا يحتمل، هو إطار جامع لكل المصريين في المغترب، بكل تبايناتهم ومصالحهم وأمزجتهم.. هويته الوحيدة، هي المصرية.. الجامع المشترك الذي يجمع كل المنتسبين إلى عضويته والمستهدفين.. ويصبح من السذاجة في هذا الشأن استبعاد حتى مَنْ يعتقد صاحب هذا الفهم أن مرجعيتهم هناك؛ عند سيدنا أو أبونا.. أستاذنا أو معلمنا.. الناس ليسوا أطباقاً صينية.. بيضاء.. بلا أفكار ولا عقائد أو حتى ولاءات.. ولا حظر أو قيد على حقهم في المشاركة في الفعل العام.. المحظور الوحيد، وربما الأوحد، أن تكون مرجعياتهم أو عقائدهم قيداً على حركتهم، أو عائقاً يحول دون تفاعلهم مع من يخالفونهم الاعتقاد أو المرجعية..

.. واسمح لي يا صديقي الشامي بعد استهلكنا نصف دستة من فناجين القهوة؛

.. أن أقفز إلى قناعة أوسع ضفافاً من فائض كلام.. يجري في مقاهي مزحومة بسحابات دخان النارجيلة؛

.. الاتحاد ضرورة يفرضها واقع المغترب ومشكلاته، هموم المصريين.. تشوفاتهم وتطلعاتهم.. وحتى رغباتهم الصغيرة.. الاتحاد خيمتهم التي سوف تحميهم ـ إن أحسن تثبيت أعمدتها ـ من تقلبات الفصول، والبشر أيضاً.

.. ولك يا صديقي الشامي، أنت ـ على وجه الخصوص ـ وأعرف أن همومك العربية غالبة، أقول وأنا مطمئن: أن قيام الاتحاد بشارة عافية قادمة، سوف تمد ظلها على كل الجالية العربية.. وطالما أشرت أنت ذاتك إلى ذلك.. قلت وأكدت.. أنه إذا تعافت الجالية المصرية تعافت بالضرورة الجالية العربية..

...........

وغادر صديقي الشامي المقهى.. لكن تداعيات الحوار معه ظلت حاضرة.. تحوم في الأفق وتشغل الرأس.. وفي محاولة للانفلات من دوامتها قفزت من تلافيف الرأس صور بعض ظرفاء الجالية.. كان لابد بالضرورة أن تأتي صورهم وأن تُحّوم ملامحهم.. بعد أن كانت واضحة في بعض التساؤلات التي جاء بها محاوري الشامي الذي غادر قبل أن يطول ذيل فاتورة الحساب..

واحد من هؤلاء ذكرني ولا أعرف لماذا؟! برائعة كاتبنا الكبير الراحل، سعد الدين وهبة "المحروسة" وبطلها الذي تمرد ذات صباح على وضعه في الكفر.. فقرر أن يختار لنفسه دوراً يكسر عبره رتابة الواقع.. ويشغل وقته الفارغ المتمدد بعد أن طلق الفلاحة.. "طق في رأس صاحبنا" أن ينصب نفسه "مدير عموم القنطرة".. القنطرة الوحيدة التي تربط شرق الكفر بغربه.. وقف دون "إحم أو دستور" ينظم السير عليها.. يوبخ هذا.. ويلفت نظر ذاك.. يؤكد على زيد كي ينزل من على ظهر حمارته عند العبور.. للحفاظ على ـ سلامة القنطرة ـ وليس الحمارة.. ويشدد على عمرو ليحكم عقال ناقته، ولا يتركها تذهب وتجئ، تعبر من الغرب إلى الشرق، ومن الشرق إلى الغرب.. باعتبار أن القنطرة "سايبة وبلا صاحب".. وكان لابد أن يُفهِم الفلاحين "أولاد الإيه" أن عهد التسيب قد ولى.. وأن العناية الإلهية وقع اختيارها على "حضرة جنابه" ليعدل حال الكفر المائل.. وأول الغيث يبدأ من فوق ظهر القنطرة..

الفلاحون بحكم طبيعتهم تقبلوا فعلة الرجل بسماحة.. هم لا يميلون لكسر الخاطر.. خاطر من يظنون أن عوادي الأيام فوق قدرته على الاحتمال.. لكن سماحتهم تلك لم تمنعهم من التهامس.. بعد أن تتباعد خطواتهم عن القنطرة.. بأن المسكين "سلوكه ضربت".. وربما مع توالي الأيام وبحكم العادة أصبح السيد مدير العموم ونوادره.. لوازمه وحركتاه.. المعقولة والمبالغ فيها.. جزءاً من واقع الكفر لا يمكن العيش بدونه باعتباره ملح المائدة..

ظريف آخر.. ذكرني بما كان يجري في خمسينيات القرن الماضي، في الحواري المشقوقة غصباً في شارع عماد الدين أشهر ملامح قاهرة ذلك الماضي الغابر..      

على مقاهي تلك الحارات كان يجلس نفر من الناس بعد أن عزت فرص الشغل.. فاخترعوا مهنة جديدة فرضتها البطالة.. اخترعوا مهنة أسماها أولاد الحلال.. فلان "لابس مزيكة".. كانت مسارح عماد الدين في ذلك الحين تعاني من غياب أحد أو بعض عازفي فرقها ولأسباب عديدة.. وكان على المعلمة أن تدبر البديل حتى لا تفقد البقية الباقية من زبائن "المرسح".. فترسل صبيها إلى أقرب مقهى ليعود وبصحبته واحد من أصحاب المهنة الجديدة "لابس مزيكة"، لابسها فقط.. يرتدي حلتها ولا يعرف قواعدها.. ولا حاجة به أصلاً لمعرفة تلك القواعد.. كل المطلوب أن يأخذ مكانه في التخت ـ مكان الموسيقى الغائب ـ وغير مطلوب منه سوى تمثيل دور الموسيقى دون فعله.. حتى تمر الليلة..

لكن رغم بساطة الحكاية ومحدودية الدور.. تجر العادة إلى وهم يتلبس من يقع في تلافيفها.. فيتصور ـ من على شاكلة صاحبنا هذا ـ نفسه موسيقي "بحق وحقيق" وأنه يملك ناصية العزف على كل الآلات.. ويجيد لعب كل الأدوار.. غير أن الدهر ظلمه حين ذهب لقب موسيقار الشعب للشيخ سيد درويش.. وكان الواجب أن يكون من نصيبه..

سيد مين ده!!.. "دا كان حتة عيل يدوب لابس مزيكة"..    

 

 

   4  

انتخابات المقاطعة..

ولغط مقاهي الجالية!

 

 

في العام 2002 تداعت الأحزاب النمساوية لانتخابات نيابية لتشكيل حكومة جديدة، وارتفعت الأصوات في أوساط الجالية العربية تتساءل: إلى من سيذهب الصوت العربي.. وجرى حديث جاد حول طاولة، جاء بعد المشاركة في تظاهرة لنصرة شعب العراق، ولتلمس الإجابة على السؤال المطروح أمسك الحاضرون بأول الخيط، فقرروا معاً إقامة كيان جديد أسموه اتحاد النمساويين العرب، يكون ضمن واجباته:

ـ حشد أصوات الجالية في مجراها الصحيح.. ومعرفة أى الأحزاب هي الأقرب إلينا، وأيها يتماها مع قضايانا في المهجر ومع قضايا أمتنا العربية، وفي المقدمة قضية فلسطين والتهديد الأمريكي للعراق.

ـ واستقر الرأي على إصدار مطبوعة تواكب خطوات قيام الاتحاد، وتساعد في رفع درجة الوعي في أوساط الجالية العربية، فكانت (جسور).. وصدر العدد الأول منها، وكان ملفه الرئيس عن الانتخابات النمساوية "الانتخابات قادمة إلى من سيذهب الصوت العربي".. وكانت عناوينه:

ـ حوار جاد في جلسة انتظمت مصادفة؛

ـ عمر الراوي.. أول نائب في برلمان فيينا؛

ـ عزيز كليوم نائب عربي الجذور؛

ـ حيدر ساري.. الثقافة والسياسة؛

ـ مارجريتا أبو رومية.. ماذا في جعبة حزب الشعب؟

وختم الملف باستطلاع أجريناه، حول نسب التصويت في أوساط الجالية العربية لكل حزب من الأحزاب المتنافسة، وجاءت نتائج الاستطلاع وفق العينة المختارة (500 استمارة) فصوت: 70% للحزب الاشتراكي، 05% لحزب الخضر، 04% لحزب الشعب و10% لحزب الأحرار.

كانت ملامح الفعل واضحة، ومؤشر البوصلة في أوساط الجالية يقود الخطو في مسار جاد..

ومرت سنوات.. وجرت مياه كثيرة في نهر الجالية.. وها نحن في النصف الأخير من العام 2010:

.. بعد أيام قليلة سوف تشهد فيينا انتخابات جديدة لاختيار برلمان المقاطعة.. وعلى مدى أسابيع قبل موعد الانتخابات البلدية، تجدد السؤال: إلى من سيذهب الصوت العربي؟

في المرة الأولي كانت المحاولات جادة، تعكس سلامة عقل الجالية، حتى مع اختلاف الرؤى وتباين المواقف.. وكان الحوار يجري حول طاولات البحث للوصول إلى قناعات مشتركة..

الآن اختلفت ملامح الصورة..

ـ لم تعد هناك روابط فاعلة في أوساط الجالية.. صدعت جدرانها الخلافات والتصارع على مواقع الوهم.. وبقي معظمها مجرد أسماء في دفاتر الجمعيات المشهرة لدى الدوائر المختصة، وشارات معلقة على صدور الوجهاء..

ـ والاتحاد، الذي كان أملاً في ترابط الجالية وتعميق الفعل في أوساطها، أصبح هو الآخر، بعد تصدع جدران الروابط، مجرد شارة تستدعى في مناسبات الوجاهة.

ـ وانتقل الفعل.. الوهم.. إلى سراديب الدخان.. إلى "المشايش" وجلسات النميمة وحلقات قتل الوقت.. وإلى "مشايش" أخرى عبر الصفحات الالكترونية..

وتنازع القوم حول السؤال:

إلى من سيذهب الصوت العربي؟

وانقسموا وهم يرصون حبات الجمر.. انقسموا حول النائب عمر الراوي.. وكثرت الاتهامات وتعددت الشكاوي:

ـ لا يخدم الجالية ولا يرعى مصالحها!!

والشهادات أيضاً:

ـ ضاقت علينا الشقة، ولم يساعدني في الحصول على واحدة من شقق البلدية.

ـ لم يذهب معي ليسهل حصولنا على تمديد الإقامة.

ـ هاتفته ليساعدني في الحصول على قرض فلم أجد استجابة..

كومة من الشهادات البائسة.. تعكس بداوة في التفكير وتختصر الدنيا في الذات.. وحول الأنا..

بداوة حزمناها معنا في حقائب القدوم إلى بلاد ليست كبلادنا.. ولم نجتهد في فهم ما يجري في قنواتها..

بداوة يتوقف فهمها على دور النائب وتري فيه مجرد سمسار.. "مشهلاتي" مهمته أن يقودنا في دوائر الإدارة لتحصيل المنفعة..

تأتي الخدمات ضمن واجبات النائب نعم.. لكنها ليست مهمته الأولى ولا الرئيسة..

ـ النائب هو في الأصل نائب من منحوه أصواتهم وثقتهم ليمارس دوره في التشريع والمحاسبة..

ـ وهو نائب للحزب الذي ترشح على قوائمه وملتزم بسياسته ورؤاه..

...

وفق هذا الفهم علي الجالية أن تحدد موقفها من الانتخابات القادمة، مع أى المرشحين تقف، وعن من تحجب أصواتها..

أى الأحزاب هي الأقرب إلى قضايانا، ومن منها يناصبنا العداء، وينفخ في النار في مواجهتنا؟

ساعتها سوف يكون الاصطفاف ـ مع النائب هذا أو ذاك ـ  أو الانصراف.. له معنى ودلالة..

وسنكون جالية لها ملامح ودور وقدرة على الفعل..

وبغير الانتباه الجاد للفعل والفهم الصحيح للدور، سنبقى في بداوتنا.. نكتفي بالصراخ والتنازع.. يلفنا دخان "المشايش" وتقتلنا رطوبة السراديب..

 

   5 

الجالية العربية في النمسا.. مالها وما عليها

خمسون عاماً تراكمت..

دون فعل قادر على

إحاطتنا بالفرح

قبل سنوات، دعت رابطة الثقافة العربية في النمسا، إلى ندوة حول الجالية العربية، تحت  عنوان "الجالية العربية في النمسا.. خمسون عاماً.. ما لها وما عليها".. ودعيت للمشاركة في الندوة بورقة حول العنوان المطروح.. حاولت جهدي أن أتلمس الجواب حول أوضاع الجالية ومعوقات سلامتها..

وتراكمت السنوات.. وظلت الجالية واقفة على رصيف الانتظار..

وما جاء في الورقة لا يحتاج إلى إعادة طلاء.. فكله على قديمه، كما يقال.. وأن ما سطر قبل عشر سنوات، قفز من جديد مع الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً في العاصمة فيينا..

تعالوا لنقرأ القديم الجديد:

عندما دعاني الصديق الأستاذ مصطفى عباس إلى المشاركة في واحدة من ندوات رابطة الثقافة العربية، واقترح أن تكون تحت عنوان: "الجالية العربية.. خمسون عاماً في النمسا.. مالها وما عليها".. ترددت لأيام قبل أن أقبل بالمشاركة، قلت له ولنفسي: أننا ندخل هكذا طوعاً إلى حقل ألغام ضُيعت خرائطه عمداً.. وقبل مصطفى رغم المحاذير بالمخاطرة، وكان علىّ أنا أيضاً أن أقبل.

أول المحاذير.. ذلك العنوان الشرك الذي اختاره للندوة: "الجالية العربية.. خمسون عاماً في النمسا.. مالها وما عليها".

والاحتكام إلى الزمن هو احتكام إلى قاضٍ أحكامه لا تقبل النقض أو المراجعة.

والملف الذي ندفع به إلى ذلك القاضي المتصلب الملامح تراكمت بين دفتيه الأوراق وتزاحمت.. ولا أظن أن أياً من مكاتب المحاماة سوف يقبل بتولي مهمة الدفاع في الموضوع الذي يحويه الملف، خصوصاً، بعد أن يطالع العنوان التوضيحي الذي يأتي إلى جوار العنوان الأصلي للملف، وربما بمحاذاته.. وأحسب أن كثيرين يرون أنه عنوان يعكس حقيقة الأوضاع التي حفلت بها كل تلك السنوات التي مضت.

والعنوان الفرعي هو:

"خمسون عاماً تراكمت.. دون فعل قادر على إحاطتنا بالفرح".

والآن.. اسمحوا لي، بأن نقرأ معاً الأوراق التي تراكمت.. وأن نتلمس المداخل عبر أسئلة أرى أنها مشروعة، وأظن أن طرحها حتى دون جواب، هو في حد ذاته بوابة أمل، أرجو أن تكون بداية لحقبة جديدة، في زمن نأمل أن يكون غير الزمن الذي أضعنا، زمن نتمنى أن يحمل لنا فرحاً تمنع علينا طويلاً.

أول السؤالات:

هل هناك ما يمكن أن نسميه.. الجالية العربية في النمسا؟

قد يكون للسؤال في منطوقه وقع الصدمة على جالية تُعلي أحياناً من قيمة المشاعر على حساب الحقائق، لكنه في تقديري سؤال مشروع وضروري أيضاً.

وتأتي المشروعية هنا في سياق الحاجة لفهم واقع متغير نعيشه، ونحاول أن نتعرف على مسالكه. فما كان بديهياً في سنوات خلت لم يعد الآن كذلك.

الذين جاءوا إلى هنا في الستينات من قرن مضى، أو من لحقوا بهم في السبعينات من ذات القرن، أحسب أنهم أقدر على تلمس المعنى الذي أرمي إليه.

لم يكن للسؤال ـ آنذاك ـ عن الهوية معنى.. بل كان مجرد التساؤل في حد ذاته يدخل صاحبه في خندق الخيانة.

كانت تلك الحقبة هي حقبة بداية الوجود العربي الملموس في هذا البلد.. طلاب جاءوا من أقطار عربية مختلفة للدراسة، مبعوثين من دولهم أو على حساب الأهل.. جاءوا يحملون معهم اهتماماتهم السياسية.. وأمراضهم أيضاً.. وسرعان ما نشطوا بوحي من هذه الاهتمامات في تشكيل روابط وأندية.. وكان هناك كذلك من كلفوا بأن ينشطوا في أشكال وروابط.. وسواء أكانت تلك الروابط والتنظيمات هي فعل ذاتي، أو جاءت عبر تكليفات تنظيمية، من هذا البلد أو ذاك، هي الآن مجرد أوراق باهتة في الملف.. ولم يتبق الكثير منها في الذاكرة: النادي العربي، رابطة أو اتحاد الطلاب العرب، اتحاد طلبة فلسطين، المنتدى العربي. وبقى ينازع الحياة وحده من كل تلك التنظيمات نادي فلسطين العربي.

كانت كلمة العربي هي القاسم المشترك لكل المسميات في ذلك الزمن الذي مضى.. وحتى عندما تأسس النادي المصري قال مؤسسوه ـ آنذاك ـ أنه بيت العرب.

وما كان في ذلك الزمن الذي مضى بمثابة علامة وشم ترسم على الكف لتكون بطاقة هوية.. أصبح في زمن لحق، ووفق حسابات مخالفة موضع ضيق، يبحث حامله عن دكان متخصص في إزالة الأوشام ليريحه منه.

حسابات مخالفة فرضتها رياح القطرية، والانغلاق على الذات. ثم زاد في تعميقها محاولات البحث عن هويات عقيدية يرى من يدعون إليها أنها أوسع ضفافاً.. ويرون أن العروبة شجرة دخلت خريفها وتساقطت أوراقها بفعل الهزيمة التي وقعت عام 1967.

وربما يزيدون.. أنها لم تكن شجرة في الأصل، بل رسماً صبغ به مدعوها الجدران، وغابت أصباغ الرسم عندما توسطت شمس الحقيقة السماء.

تشكلت، إذن، روابط ونوادي وتجمعات من نوع مختلف.. في زمن مختلف.. وحرص من قاموا على بعضها أن يكون الإسلام هو التميمة أو الوشم، أحلوه في نفس الموضع وعلى ذات الكف، دون أن يكون للإسلام بمفهومه الصحيح ـ عند تلك التنظيمات ـ أي دور حقيقي إلا دور التميمة أو الوشم.

واسمحوا لي بأن أفصح عن مخاوف تسللت إلى نفسي، وإلى نفوس كثير ممن يحرصون على نظافة الملف.. مبعث تلك المخاوف.. أن هناك من يعمدون إلى وضع الإسلام والعروبة في موقف التضاد، ولم يكونا أبداً كذلك.. العربية هي لغة القرآن، وقد شكلت إعجازه.. والإسلام كان وسيظل لكل من يقطنون بلاد العرب على مختلف عقائدهم ثقافة ينتسبون إليها.

وقد غيب بفعل من يسلكون ذلك الدرب واحد من الشعارات العظيمة التي حمت اللحمة الوطنية دائماً.. وهو.. أن الدين لله والوطن للجميع.

والآن.. اسمحوا لي أن أذكر من جديد: هل هناك ما يسمى بالجالية العربية؟

ربما يرى بعض من يعضون بالنواجذ على فضيلة التفاؤل أن هناك جاليات عربية عديدة.

جميل.. لنسلم لهم بذلك.

بقى ما هو أهم.. السؤال الأكثر إحراجاً لنا جميعاً..

وهل هذه الجالية فاعلة؟..

ماذا نعني بالفعل؟

لكي نتلمس الجواب، علينا أن نعرف أن روابط الجاليات وتنظيماتها في المغترب، ضرورة يفرضها واقع الاغتراب.. هي مصدات رياح تحمي من ينتمون إليها من عواصف يموج بها مجتمع غريب الملامح والثقافة.

المُغتَرب بحكم اغترابه هو الأضعف في مجتمع لا يعترف إلا بالقوة.. يفد إليه وهو مطالب بمهام لم تكن في الأجندة قبل أن يغادر الوطن، وأصبحت هذه المطالب بعد المغادرة لازمة وضرورية.. عليه أن يكسر حاجز اللغة، وأن يلاءم بين ثقافته وثقافة المهجر المغايرة، وأن تكون ثقافته في المجتمع الجيد جزءاً من الموزاييك الثقافي الذي يشكل اللوحة ويغنيها.

وأن يكون فوق كل هذا مسموعاً كي تضيفه القوى الحاكمة والفاعلة في المجتمع إلى أجندتها السياسية، وأن يجعلها تسعى إلى صوته الذي لم يعد مهدراً أو بلا قيمة، كما كان قبل الهجرة في زمن ومكان سابق. ومن غير المتصور أن يكون الأفراد بصفتهم أفراداً، لهم القدرة على الوفاء بكل ما يجعلهم أرقاماً أو أصواتاً، مفروضة على أجندة القوى السياسية الفاعلة في هذا البلد أو ذاك من بلدان المهاجر، إلا إذا كانت تشد أزرهم روابط ينتمون إليها، وهذا هو الفعل الذي نسعى إليه، ونرجوه من روابطنا في المغترب.

وبتحققه يتحقق وجودها، وبغيبته تفقد تلك الروابط مبرر وجودها.

وبدونه تتقازم بالضرورة، لتصبح وفقط، مجرد مقاه في مدينة هي مزحومة أصلاً بالمقاهي.

تفقد روابط وتشكيلات الجالية أو الجاليات العربية مبرر وجودها إن لم تدرك دورها وواجبها، حتى ولو زينت كل مساحات جسدها بالأوشام والتمائم، وأياً كانت الأسماء والمسميات.

وبالرغم من التسليم بوجود ملامح جالية، حتى ولو غلبت عليها الإقليمية أو القطرية.. وعطلتها بعض الدعاوى العقيدية، فإن الحاجة لوجود جالية عربية ذات ملامح واضحة أصبح ضرورياً، يدفع إليه ما قلناه بخصوص الصوت المسموع في مجتمع الغربة.. وزاد الإلحاح عليه بعد الأحداث الدامية التي جرت هناك فيما وراء المحيط، وخلفت وراءها مرارات، ورسمت علامات ريبة واتهامات، وجعلت كل من هو عربي في موضع الاتهام حتى يثبت العكس.

الحاجة إلى قيام جالية واحدة ضرورية.

لكن.. من الواجب التعلم من دروس الماضي..

وأول درس من هذه الدروس أن تكون الأهداف واضحة والمحاذير معروفة.

وأن تكون تقاطعات الطرق وعلاماتها على الخريطة مرسومة بشكل دقيق، ومحدد عليها: أيها مأمون وأيها يجب محاذرة السير فيه.

ولكي تكون الصورة جلية دون ترميز، على الجالية أن تحدد علاقتها بدوائر الفعل والتأثير.. وأول هذه الدوائر.. هي الدائرة العربية الرسمية.. كيف تمد الخيوط معها دون التصاق يجعل الجالية بوقاً لهذا النظام أو ذاك، أو تَبَاعد تحت دعاوى التحاشي، مما يجعلها تصنف في مظنة المعارضة، وهواجس الأنظمة في هذا الشأن حاضرة.

كذلك عليها أن تحدد علاقتها بدائرة المجتمع الجديد، وأن تعرف أيضاً تقاطعات الدائرة، ومواقع التأثير فيها.. مع من تلتقي، ولمن تدير الظهر، ولهذه الدائرة أيضاً رغم شفافيتها هواجسها وتشابكاتها.

وعليها ـ قبل كل هذا ـ أن تقيم بين أطرافها الإقليمية، والمنظمات القائمة علاقة تقوم على الشفافية، وعلى مبدأ: أنها جاءت لتكون سقفاً للجميع، ولا تسعى إلى إلغاء أو تذويب، بل لإكمال الدور وزيادة الفاعلية، وأن تنتبه إلى أن مظنة التوظيف لحسابات الشخصنة واردة، طالما هناك بشر.. وعليها أن تستعين على هذا الداء ـ الذي يغتال في وضح النهار أسمى الأهداف ـ بالشفافية ـ وتهذب أولاً بأول كما يفعل البستاني الأعشاب الناشزة بالمقص، قبل أن تتسلق الأعشاب الشيطانية ساق شجرتها الوليدة وتخنق الأغصان والأوراق.

أيها الأصدقاء..

لقد حرصت أن أتجنب حقول الألغام قدر طاقتي، مستقلاً مروحية، حرصت أن تكون المسافة بينها وبين الحقل كافية لتجنب الضغط على المتفجرات المدفونة.

ولم أفعل ذلك حرصاً السلامة وحدها، بل كي أترك تفجير الألغام لمن يملكون الخرائط، ويعرفون طريقة نزع فتائل الألغام المدفونة في حقول الجالية.. فبعضهم شارك في زراعتها.