محمد مستجاب

 

●●●●●●●●●●●

 

سوف أجازيك بما لا طاقة لك به، أن تعيش مع من لا تحب، وتتنفس ما لا تريد، و تكتب ما لا تفهم، وتقرا ما لا قيمة له، وترتدي ما يهين جسدك، وتحل الكلمات المتقاطعة، وتحفظ أقوال من يذيقونك السعير، وتدفع نفقة لمن يسلبك هدوءك، وتتجول بين السحب دون أن تضع قدمك علي الأرض، وتنام عند إشراق الحلم، وتستيقظ أمام التليفزيون.

أنت محروم حتى من الكفن و من الدفن.

المتعة الكبرى أن تمهد للمتعة الكبرى.

الصدق كالحصان، كلما قوي كان جامحا.

كل يوم نعيد ترتيب جزئيات العقل والإحساس لاستقبال الأشياء المفزعة الجديدة.

الشهامة لا وطن لها.

تبحثون في الشوارع عن أنابيب البوتاجاز، وتشتكون من انقطاع المياه، ومن صعوبة الحصول علي الخبز واللبن والسكر والشاي والمشروبات، أي مهزلة يمكن أن تفتك بالفرد أكثر من استهلاكه حياته "المحدودة" بحثا عن هذه الأشياء.

●  الليمون رخيص لكنه يظل ثمينا اذا طلبه الفقراء

............................

مقتطفات من كتابه (الحزن يميل للممازحة)

 

 

..................................

نماذج من أعمال مستجاب:

(1) الوصية الحادية عشرة 

توقفت الشمس في منتصف السماء تماما.. و لقد حاولت أن أعي ما حولي.. و لكن ظروفا كثيرة كانت تعرقل فهمي.. إلا أن كل ذلك لم يمنع نظري من التسلل إلى الاتساع المذهل للعالم الفسيح، ساحة أو صالة أو ملعبا رومانيا كان المنظر أمامي، و لقد همست لي أمي بأن كل هذه الجبال التي تحيط بالساحة أو الصالة أو الملعب الروماني لم تكن شاهقة من قبل كما هي شاهقة الآن، لقد كانت الشمس يا بني تلعب مع النجوم دونما نظر إلى ليل أو نهار، و لكن ـ و أشارت ـ لقد ارتفعت الجبال فحجزت خلفها النجوم، و صلب الأشرار الشمس في صدر السماء، و تحولت هذه الساحة مذهلة الاتساع إلى خراب أصفر مزعج تطن خلاله خفافيش سوداء محزنة و كأنها بيت من بيوت مختار شلقامي.

و عندما تهاوى نظري من السماء بدأت ألمح ـ صاحبنا ـ الذي حدثوني عنه من قبل، في شمال الساحة مذهلة الاتساع كان هو ـ لا يزال ـ جالسا، ليس بالتحديد ـ جالسا ـ و إنما مربوطا على مقعد قديم (1)، نوع من الحبال القديمة المتماسكة يلف صاحبنا في مقعده و يثبته به و يصنع منهما كتلة واحدة، و الأغرب من ذلك أن المقعد ـ بمن عليه ـ قد ثبت في الأرض بمسامير حديدة صدئة ـ مسامير غليظة منفرة يوشك تداخل ظلها أن يرسم على الأرض طرقا و وديانا، و لقد أزعجني أن صاحبنا لم يكن يتحرك، و قالت لي أمي أنها لا تدري إن كان نائما أو متناوما، و لكنه بالتأكيد لم يكن ـ مثلا ـ ميتا.

و لقد جاءت أيام طويلة على صاحبنا لم يكن هناك سواه، و لكني استطعت أن ألمح على البعد آخرين غيره، لم تكن لديهم مقاعد، و إنما هم أناس يتحركون، و عندما ركزت نظري عليهم اتضح لي أنهم ليسوا فقط يتحركون بل أن شفاههم فقط بل و أذرعهم و أفخاذهم، هم يرقصون و يثرثرون و يتشاجرون و يتخاطفون أشياء و يتبادلون كلمات بذيئة و قصائد شعرية و يحتسون مشروبات لا لون لها، عالم غريب بدأ يملأ الساحة و يدوس على رمالها مما أزعج أمي، الكل يصطدم بالكل و الأقدام تخبط في الأقدام و الألفاظ تتهشم في الأفواه، و الغبار يثور من بين الأقدام و الملابس تتساقط على الأرض، و لقد ضغطت على نفسي كي لا أصرخ فإن واحدا منهم ـ أنا متأكد أنني رأيته قبل الآن يبيع صورا عارية في حواري القاهرة ـ تقدم من صاحبنا النائم و المتناوم و المثبت على مقعده، و إذا بالصمت يغمر الكل..

قلنا لك لا تحاول.. إن أي حركة منك تعني أن يصطدم رأسك بالسكين فتمزقك..

و عاد إلى باقي الناس حيث تحطم الصمت و تحول إلى كتل من الضوضاء، الرقص و الثرثرة و الاصطدام و الكلمات البذيئة، و العواء، و الضحكات و الغبار..

و لقد حاول صاحبنا أن يتحرك، و حاول قبل أن يتحرك أن يفتح عينيه، و حاول أن يؤرجح ذاكرته إلى الخلف و أن يتذكر عالمه الخاص ( سوسن) و هي تطل من البلكونة في فجر كل يوم عندما كان يملك حقيقة، عالمه و عالمها المندمجان معا ليتحول إلى دقائق صغيرة متوترة من الأمل و الشوق و الصدق و البراءة، حيث نزح ذلك ليجلس جلسته، و لتتحول ( سوسن ) إلى ارتباكات تملأ كل عالم الآخرين إلا عالمه، سرقها منه الآخرون، حنطوها و جففوها و وضعوها داخل زجاجات يتسلون بالاحتساء منها، و لقد تأوه صاحبنا تأوه هذه الآهة المدفونة في الضلوع و التي تخرج ملتهبة مشحونة بكل ألوان الأسى.. تأوه ليضغط بكل جسده على الرباط فيصنع في الساحة الواسعة ما يشبه الزلزال، و لقد ابتسمت أمي في حزن لتقول إنه تعوّد أن يتأوه و تعوّد الذين حوله أن يزدادوا رقصا بعد كل آهة. إن ذلك يعني أنه ما زال يستطيع أن يتأوه، و ما أروع أن ترقص مخمورا حول حي فاقد الحركة.

***

إلا أن المسألة لم تكن كما تصورتها أمي، فإن صاحبنا تحرك: تحرك هذه الحركة الفجائية القوية و التي مزقت الأربطة، و التي بعدها وقف وقفة غريبة مزلزلة هزت عالم الساحة و حركت الشمس من مكانها المثبتة فيه عدة ملايين من الستنتمترات، وقفة أرعبت الكون، و حنت رؤوس الكل و ألقت بمعظمهم إلى الأرض و أسقطت الخفافيش من مداراتها الخربة، أنا بنفسي ـ عندما تداركت نفسي ـ استطعت أن أخترق بنظري أستار الغبار الضبابي و أن ألمس الانزعاج الذي دك الناس و حوّلهم إلى ارتباك عار يبحث من ملابسه ، و لم تكن الوقفة مجرد وقفة مزلزلة، بل الأعتى من ذلك أن وقفة صاحبنا ألقت بكرسيه إلى الخلف قطعا لا قيمة لها من الخشب بجوارها كميات مهرأة من الأربطة القديمة الممزقة.

***

المحزن، أن صاحبنا بعد وقفته الفجائية (2) سقط على الأرض، كدت أصرخ فأغلقت أمي بكفها فمي، و إذا بمخلوقات الساحة تتخلص من ارتباكها و انزعاجها، و إذا بثلاثة أو أربعة يسرعون إليه و يحتضنونه في حنان لم أره في تصرفات بشر من قبل، و إذا بثلاثة أو أربعة يمدون أيديهم إلى جرحه الغائر في مقدمة رأسه فيمسحون دمه بقطع مزقوها من ملابسهم، و إذا بثلاثة أو أربعة يحملون صاحبنا في حنو و عطف و رحمة، و إذا بثلاثة أو أربعة يجمعون كرسيه الخالد القديم و يثبتونه في الأرض بسرعة فائقة..

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) قالت لي أمي أن هذا المقعد من ( مفردة غير واضحة بسبب خطإ مطبعي) قديمة و آيات و أدعية و رسومات إعجازية.. و لكني صراحة لم أقرب بشكل ألمس فيه ذلك..

(2) يقال إن سقوطه كان بسبب جلسته الطويلة التي أعقبها دوار عند وقوفه الفجائي.

* الوصية الحادية عشرة هي أول قصة نشرت لمستجاب، نشرتها مجلة الهلال 1969.

....................................................................

(2) مستجاب الخامس


خمسة مآلهم الجنة: مستجاب الأول لأن جهنم لم تكن اكتشفت بعد، وأم آل مستجاب لأنها أم آل مستجاب، وجبار يتيه في الأرض مرحا قال "لا" لامرأتين متتاليتين ثم قال نعم لأول رجل يقابله، وبليغ قرقعت الحروف في حنجرته حتى وقع بين شطري قصيدة قديمة، ومستجاب الخامس الذي فاته اعتلاء أريكة آل مستجاب مرتين
الأولى فور هلاك الرابع الذي داهمه شيطان في محل الأدب، فبحثوا عن الخامس في الدروب وظلال الجميز والفيافي، حتى أدركوه بين قوم وهبوا أنفسهم لله، وعندما استعاد نفسه كان السادس قد وطد أمره وجعل من السابع خدينا لمجلسه ووليا لعهده، والمرة الثانية هي هذه التي كتب علينا أن نفصح عنها كي ندرأ ما يكون قد علق بها من أدران وسوء نوايا وأغاليط.
كان الخامس قويا كنملة، ضعيفا كبقرة، إذا شرب عب وإذا وقف شب وإذا غضب صب، أخذ عن أخواله وسامة ونزقا، وعن جده مستجاب الأول عنادا في الحق وكراهة للبيت وصبرا على الأصدقاء وولعا باللحوم، وفيما يروى فإنه كان لا يقرب لحم خروف دون الامتلاء، كما كان مغرما بالطحينة يقضي وقتا مستمتعا في إعدادها.
ويروي المقربون طرائف عن فورة انتشاء تترك على الذقن الكث والزعبوط الرصين طرطشة بيضاء. لكنه في أوقات استرخائه يظل مستلقيا يمزج بعيونه القمر في مخلوط النجوم وقد أدى به ذلك أن أصبح أشهر من أعد ألغاز امتحان من تأتيه فرصة امتلاك ناصية الأمور، والأمر ببساطة أن القواعد تقضي على من يقترب من الأريكة أن يحل لغزا يثبت به أن عقله هو أصفي العقول، وأن جنانه هو أثبت الجنان، وأن فؤاده هو أعمر الأفئدة، ومستجاب الخامس هو الذي وضع لغز ذلك الكائن الذي يسير على أربع في الصباح وعلى اثنين في الظهيرة وعلى ثلاث في آخر النهار، هذا اللغز الذي حله مستجاب الأعرج ليصبح مستجاب الثالث، كما وضع لغز ذلك المخلوق الذي يمكنه أن يعدي البحر دون أن يبتل ليصبح مستجاب الحابل مستجاب الرابع والشيء الذي كالفيل يمكننا صره في منديل لصالح مستجاب الثاني، والباب الذي يأتي منه الريح فإذا أغلقته فلن تستريح لحساب الثامن.
وهذا الذي يقف إن وقفت ويمشي إن مشيت، فلما فشل مستجاب أن تختل، لولا فتوى طيبة سمحت له بإعادة الاختيار بلغز جديد ثم إعداده بدقة ليصبح: يمشي إن مشيت ويقف إن وقفت، فكادت الجماهير تغشى من هول ما فرزته قريحة الخامس، والذي ألغى من ذاكرته أنه صاحب حق في أريكة قومه، إذ استعذب أن يوكل إليه وضع المعضلات والعراقيل التي بدونها لن يصبح أحدهم ذا شأن، وقد أعد لذلك قدرا معقولا من ألغاز حول بعض الطيور والضفادع والعناكب، وكثيرا ما أتاح للأرائك المجاورة لآل مستجاب استخدم ألغازه، فأصاب في المنطقة حبا وشهرة ومجدا واحتراما، وأصبح ذا كلمة مسموعة وأمر مطاع وحضور مشع، يخدمه في ذلك علم ومعرفة ودراية وسمو، ثم تواضع مهذب ولسان عف، ما رويت حادثة إلا ناقشها وقام بتأصيلها وإلغاء الأوشاب التي تكون قد لحقت بها، وما رويت قصية إلا وأسرع بردها إلى مصادرها وأورد مشابهاتها، وما صدرت من أحد حكمة إلا واقتنصها، ووضعها في موقعها الصحيح المرتبط بمركز بدايتها.
ولذا فقد حرص فنانو القول – من المداحين والشعراء والرواة وندابات الجنائز – على الارتكان إليه فيما يطرأ على نصوصهم من اضطراب أو تآكل أو شك أو تطويع غير مقنع، وكانت زوجته الرابعة تفخر بأنها وهبت نفسها لأغلى ما جادت به الطبيعة: الذاكرة والذكورة، وهو أمر لا نحب أن نتوسع في التعرض له حتى لا تلتوي القصة منا، لا سيما وأننا نعرف عنه ثاقب النظر وسرعة الرؤية وصفاء الرؤيا، إذ كان يمكنه أن يتعرف على النساء العابرات من الإمعان السريع في كعوب أقدامهن، وكان ذلك يتم في أضيق الحدود حتى لا تتكرر حادثته مع زوجة مجهول خلع عنه أرديته وأعاده إلى قومه عاريا، وهي حكاية مبالغ فيها ولا نحب التوقف عندها كثيراً، فقد استمر الخامس هو خير أهله جميعا: وإن كان قد شكا – بعد ذلك – من ضعف ألمّ ببصره فقد ظل قلبه حديدا، ومن تنميل أصاب ركبته اليسرى، دام عقله ناصعا، ومن ورم فتك بإحدى الخصيتين (بسبب امتطاء متعجل لحمارة تعدو) ازدادت مشيته خيلاء، ومن كسر في الفقرة الرابعة من عموده بدا أكثر تواضعا، ومن تساقط في أسنان فكه العلوي فقد أصبحت سليقته أسرع اندفاعا.
وإلى غير ذلك من تجارب ليست ذات بال إزاء أخطر كارثتين تعرض لهما طوال حياته، الأولى: حينما هربت زوجته الثالثة مع عشيق زوجته الثانية، والثانية: حينما انجذب ابنه السابع – والأثير – إلى الشعر الحديث متخليا عن العمودي ذي الشطرتين، وقد واجه الخامس مثل هذه المصائب القدرية كما واجه كارثة تفويت حقه في أريكة آل مستجاب من قبل: إيمان راسخ وثقة بالخالق وتشبث بأهداف الفضيلة، فما ارتعش أو اضطرب أو ناح أو لعن أو كابر في غير الحق، وما تأخر عن صلاة أو تخلف عن أماكن يرومها، وما خرج عن وعيه في مجالس احتساء البوظة أو مواقع توزيع الصدقة أو مكامن استلاب اللذة، وعندما تجتاحه النشوة يتألف بإنشاد القصائد وإزجاء الألغاز وتلاوة عيون النثر، كان يتسع ويمتد حتى يصبح آل مستجاب كلهم نقطة صغيرة في وجدانه الواسع، ويستطيل ويشمخ حتى يمسي نخيل المنطقة نجيلا تحت قدميه، ويرق ويصفو حتى تكاد ترى أغنام وكلاب ونساء ودروب الوادي وراء جسده الشفاف، ويدق بكعبه الأرض حتى ترتج مطلقة الشياطين من سراديبها، هو الإجابة الصحيحة على كل الأسئلة.
وهو سرعة البديهية على الاعتراض أو المشاكسة أو الاستخفاف، وهو النوم الثقيل تحت الشجر أو وراء الأكمات أو في مرابط البهائم أو في ظل المعابد أو تحت الأزيار أو على حافة الآبار، قيل له: مستجاب التاسع يحوز قنطارين من خالص الذهب، فانحنى الخامس على الأرض وتناول زنبقة وتنسم أريجها فذهبت مثلا، وقيل له: الثالث بنى هرما يقي جثمانه عبث الزمان، فانتفض زاعقا وشرخ صدره وأخرج قلبه وصرخ: وهذا هرمي، فذهبت مثلا، وقيل له : العاشر يبحث عن الحكمة بين الناس فقال: الحكمة في ملاءة السرير، فضحك القوم وانصرفوا ساخرين، لكنهم فوجئوا بمستجاب العاشر وقد قضى نحبه في ملاءة نومه المكللة بجحافل الدود وما كادت هذه الواقعة تذهب مثلا حتى ارتج الأمر على القوم، فإن أحدا من آل مستجاب ذا شأن لم يكن قريبا من أريكتهم، عيال وأرامل ومرضى ومعتوهون وموصومون ورجال جاءوا من فروج غير مستجابية، فما من مستجاب خالصيّ امتطى الأريكة إلا وقد استخدم حق القصاص في المناوئين والأعداء وذوي الدم الثقيل.
وخلال الأحقاب الماضية كان أي مستجاب يقتص من القريب كي يعتبر ويتعظ البعيد، ويضرب المربوط ضربا مبرحا كي يخاف السايب، فنزح من يستطيع النزوح واعتل من يمكنه أن يكون عليلا واستبله من وجد طريقا للبله، وأصبح الأكثر أماناً من أن تلوث مستجابيته الأدران: في الأصول أو السلوك أو القول، فليس من المعقول أن يتولى أمر أنصع الناس طماع أو كذاب أو محكوم عليه بنفقة أو ابن غجرية أو فاسق أو غير ملتزم بمراعاة النصوص، وليس من الزهور والفخر أن يكون مستجابهم الجديد قزما أو عبدا أو مضطرب اللسان أو أجيرا أو غير مدرك لعلم الكلام، وبات من العبث – ومن الخزي أيضا – أن يبعثوا من يسترد الصالح من المستجابيين الخُلّص النازحين في أماكن بعيدة، فانكفأ القوم على نفوسهم فترة يفكرون ويتفكرون خشية أن تظل أريكتهم بلا مستجاب فتصبح نهبا لذوى البأس والمطمع، وأفاقوا – في أول صباح – من انكفائهم على طاقة من النور.
الخامس هو الأصلح والأحق والأنسب ليصبح مستجاب الحادي عشر.
أول ما واجه القوم أن الخامس متمسك بالخامس دون أن يطلق عليه الحادى عشر، فحاولوا إثناءه عن مطلبه الذي يعني إقرارا من القوم أنه صاحب حق في الأريكة منذ عصر مستجاب الرابع، فلما عاند أذعنوا تحت فتوى عاجلة تقول إن الاسم لم يعد يعني الترتيب بقدر ما هو لقب شخصي، ثم كان ثاني ما واجهه: من ذا الذي يضع اللغز لصانع الألغاز دون أن يشوب الأمر نقد وكلام؟ وقد انتهت المعضلة بتفويض أحدهم أن يستحضر لغزا من صفحات الجرائد والمجلات ذات السمعة الطيبة، مع مراعاة – وهذا كلام بينهم لا يخرج للآخرين – أن مستجاب الخامس غير مسموح له بالخطأ في اللغز، فلم يعد الأمر يخصه وحده، بل يخص قوما تشخص أبصارهم انتظارا لما تأتي به المقادير.
كان اللغز الذي استقر عليه رأي القوم أن يعدوا ذئبا وعنزة وربطة حشيش، وعلى صاحب الحق في الأريكة أن ينقل العناصر الثلاثة في قارب من غرب النهر إلى شرقه، على ألا يصطحب معه سوى عنصرين على الأكثر.
وما كاد المسئولون يعلنون عن نص الغز وعن موقع امتحان مستجاب الخامس حتى هاص الناس وأسفروا عن قرائحهم، وصنعوا مجموعات هامسة تحاول فك اللغز دون أن تترك العنزة مع ربطة الحشيش – أو تسيب الذئب مع العنزة، وأيا كان كلامهم وما وصلوا إليه من حلول، فإن الطريق بينهم وبين الممتحن قُطع، ومُنع عن الرجل أن يتصل أو يتكلم أو يثرثر مع أحد، اتقاء للشبهة ودرءا للقيل والقال.
في الصباح كانت ضفتا النهر – شرقا وغربا – تغص بالقوم وخصص موقع ظليل لضيوفٍ هم شاهدون على صحة الاختبار، وأقاموا ظلة أخرى لمحبى مستجاب الخامس جاءوا مجاملة وتشجيعا من وراء الجبال ومن بين غيوم السماء، وأعدوا موقعا على النهر حالوا بين القوم والاقتراب منه، وجاءت اللجنة المختارة بالعنزة، ثم بعد وقت قليل بالذئب وأبقوه بعيدا عن العنزة، ثم أتوا بربطة برسيم جيدة الخضرة، وسمحوا لجماعة منتقاة ومختارة من بين ذوى الحصافة والرأى، ليعاينوا عناصر اللغز، وليتأكدوا من أن العنزة ذات شهية، وأن البرسيم غير ملوث بمواد منفرة، وأن الذئب ذئب وليس كلبا أو شاخصا أو حيوانا أليفا.
وبعدها أتوا بالقارب ليرسوا قريبا، وبعد فترة صمت: هلَّ مستجاب، بوجهه الأبيض وملابسه الناصعة وجسده الممشوق، فارتجت الضفتان وانطلقت الأعيرة النارية ابتهاجا وفخرا وجاء أكبر أعضاء اللجنة سنا فمسح على رأس مستجاب الذى امتثل، ودعا له بالفلاح والصواب وحسن التصرف، ثم قرأ نص اللغز بصوت جهوري، وما كاد يخرج من البقعة حتى نظر الخامس مليا في عناصر اللغز، وابتسم، فصفقت الجماهير امتنانا.
لف مستجاب الخامس حول نفسه مرتين، ثم نظر إلى القوم، واقترب وئيدا إلى العنزة ففك وثائقها وسحبها إلى القارب حينئذ وضح للجماهير صواب مدخل الرجل لمواجهة اللغز، وقفزت العنزة إلى القارب وخلفها رجلها، وبدأ يحرك المجدافين ومعه العنزة تاركا الذئب مع الحشيش، فازدادت الجموع صياحا وإعجابا، وظل يجدف حتى وصل إلى الشط الشرقي حيث ربط العنزة وعاد بقاربه وسط مظاهر الحفاوة، حينئذ أصطحب معه ربطة الحشيش فكاد يغم على القوم، إذ كيف ينقل البرسيم إلى حيث العنزة، لكنهم تداركوا مدى عمق تفكيره حينما ترك الحشيش على الشاطئ الشرقي وعاد بالعنزة في قاربه.
ولعل الأمر الآن أصبح منطقيا بعد خلوه من الملابسات، فقد أعاد الرجل العنزة إلى الشط الأول، وبعد أن ربطها، فك وَثاق الذئب، وضغط عليه ليقفز إلى القارب، فانفلتت من حناجر الجماهير أمواج صاكة من الإعجاب بددت الغيوم وأقلقت السموات السبع ...
كان اللغز يتفكك وينحل، العنزة في الشط الغربي، والحشيش في الشط الشرقي، والجماهير على الشطين تزيد وتهتاج وتصرخ في انفعال شريف جارف، والمراقبون يحمدون للخامس رجاحة عقله وإلهام وجدانه، ومستجاب الخامس في القارب وسط النهر مع الذئب.
كانت المرة الأولى التي يواجه فيها مستجاب الخامس ذئبا ونظر كل منهما للآخر، ونظر مستجاب إلى الضفتين وابتسم في امتنان وود وكبرياء، ونظر الذئب إلى الضفتين وابتسم في امتنان وود وكبرياء، ثم أعاد نظره إلى مستجاب، ثم لم يلبث أن تراجع للخلف زائما.
وقفز الذئب قفزة رعدية أرجحت القارب وفتحت بطن الخامس، فانطلق في الضفتين هتاف وإنشاد وتصميم، ودَوَّى الرعد إعجابا، وعين البرق تحرس عناصر اللغز، العنزة في الغرب والحشيش في الشرق، ومستجاب الخامس مبقور البطن في قارب يتأرجح منتظراً أن يسلم مقدمته لأي تيار.

........................


(3) حافة النهار

 

ارتبكت الشمس قليلاً فازدادت احمراراً، وهبط ثعلب في المجرى فلما استأنس أمناً مد بوزه وسط الساسابان ولعق من المياه، واشرأب رأس ضفدع فتوقف الثعلب عن الرشف وبدأ يتحفز للقنص، ووضع (الحاج) طفله الوحيد أمامه فوق حمارته (المصبوغ ظهرها بالحناء من كثرة الجراح) ساحباً بقرته ووليدها خلفه، وأطل نمس من بين عيدان القصب آملاً أن تهمد الحركة فيعبر الطريق، وتقاربت غمامتان فامتزجتا وتدفق بطنهما بالحُمرة، واقتحمت السماء هوجة زرازير محدثة جلبة فأجفل العجل الصغير لكن البقرة ظلت تسير هادئة خلف حمارة الحاج (الذي كان يزنّ بموال ويقرص في رفق رقبة طفله مداعباً إياه ببعض الشتائم ليظل الولد مبسوطاً) وضرب (الحاج) الحمارة فوق رقبتها كي تتخطى قطعاً في أرض الطريق، ووثبت الحمارة فتشبث (الحاج) ضاماً ابنه في عبه وكاد يسقط فعاد لضرب الحمارة مرة أخرى ولعن أبا الذي باعها له فانزعج النمس وارتد داخل القصب، ومن الناحية الأخرى بص ذئب على (الحاج) وابنه والحمارة والبقرة والعجل ثم فتح عيناً وأغلق عيناً ورقد .
سأل (الحاج) طفله: ارتجفت؟ فبكى الولد، أعاد السؤال مرة أخرى : ارتجفت؟ فسكت الولد، أقسم (الحاج) لطفله أنه سيطلع جباناً مثل أخواله وقرصه عدة مرات في أذنه، ضحك الطفل وضحك (الحاج) وجرى العجل الصغير بعيداً عن أمه ثم عاد إليها.
ازداد احمرار الشمس فاضطرت أن تنكس رأسها وراء الجبل ساحبة شالها الضوئي من حول رقبة النخيل، وأوقدت عمتي نفيسة الفرن ليتكاثف الدخان ويحط الهباب فوق وش صحاف السمك المرصوصة على الأرض المككل وجهها بالقوطة والزيت والبرغل، شم الكلب الرائحة فتثاءب وتحرك فوق الحائط وقفز في الباحة ودنا من الصحاف متحسساً الأرض بأنفه ثم رقد، وخرجت أرانب يامنة أم محمود من جحورها وانتشرت متوهجة العيون تتنسم الأعواد في التراب، وجست الحاجة شفاء مؤخرات فراخها لتطمئن على البيض ونادت ابنتها وسبتها لتخاذلها في نقل الماء من الزير إلى الأباريق قبل أن يتأتي الليل، واستطاع محمود عبد الجابر أن يشد وثاق جمله أمام الباب بادئاً في تضميخه بالزيت الأسود كي يخفف عنه الجرب.
وسحب الشيخ حسني صديقه محمود حسنين من كم جلبابه جاذباً إياه وملحاً في اصطحابه للمسجد كي يؤديا صلاة المغرب، فلما قاومه اتهمه الشيخ حسني بالكفر مستنزلاً فوق رأسه اللعنات وأنبأه محتداً بأنه حتماً سيدخل النار، وتجمع نفر قليل حول حمار وحمارة أتيحت لهما فرصة التواصل، ونصبت أم كامل عند الرجال الطبلية في مدخل الدار ورصت عليها صحن ملوخية وصحن قلقاس وطبقتين من العيش المقمر في تراب الفرن ونادت على محمود – زوجها – للعشاء فأقسم على رفاقه أن يقوموا معه ليشاركوه الزاد، واتجه ثلاثة – أو أربعة – أطفال إلى بائعة الجاز – في آخر الشارع – ممسكين بأيديهم زجاجات وبيضاً أو أكواز ذرة، وأغلقت زوجة أصيل شوال الملح طالبة من أحد العابرين أن ينقله من خارج الدار لداخل الدار رافضة أن تبيع الملح بالأجل متعللة بأن العتمة قادمة، ودار علي حافظ حول بيت عبد المعطي دورتين رانيا للمدخل في تثعلب متحاشياً أن يراه الآخرون فيكدرون عليه رغبته؛ وأغلق الشيخ موسى مصحفه ومسح بكفه على وجه ابن عدوي الراقد تحت الحرام الصوف مستنزلاً له الشفاء من السماء ومتسولاً له البركة من الملائكة.
وجذبت أم محمد عقدة حطب من خلف البيت ووضعتها أمام الكانون تمهيداً لتقمير العيش إيذاناً بالعشاء ووقفت صبية على عتبة بيت الشيخ محمود علي شناوي طالبة قطعة خميرة يضيفونها على العجين واستمر قصّاص شعر الحمير منهمكاً في عمله وسط الميدان، ونادى الشيخ إِبراهيم على الشيخ غزلي طالباً منه النزول للذهاب معاً إلى مجلس صلح سيقام بحري البلد ووضع ضبع أبو سامي فص الأفيون أسفل لسانه وهرع إلى المقهى ليحتسي فنجان بن سادة وظل صلاح إبراهيم واقفاً أمام منزله (الذي باعه لمحمد عبد المنعم ويقيم فيه بالإيجار) مرتدياً جلبابه المكوي النظيف مستمتعاً باحترام العابرين له، ووقفت بديعة أم صابر باكية منتحبة بين يدي الشيخ غالب شاكية ابنها الوحيد (ذاك الذي يدخل إلى زوجته من باب آخر بعيداً عن طريق أمه وفي جيبه الحلاوة والطعمية) وتحرك عبد اللاه من عتبة البيت وصعد السلم للرواق فوجد امرأته جالسة على الأرض عارية الساقين تغربل ذرة رفيعة فبدأ يحتك بها وعيناه تبرقان، ووقفت شفيقة على السطح لتنشر الملابس دون اهتمام بإقبال الليل وجلس صالح ياسين وأحمد عبد العزيز على الدكة ينهشان في عرض إحدى الأسر ويرتشفان الشاي.
ومر الخواجة يني عائداً من الطاحون مضمخاً باللون الأبيض وقال للجالسين في الشوارع : السلام عليكم، وشال محمد عبد التواب أحد صغاره فوق رقبته وخرج به من البيت متوجهاً للدكان ليشتري للطفل حلاوة.
ازداد اختناق الشمس فاسود بطن الغمامتين. ظل الثعلب في المجرى مستأنساً الأمن متدحلباً كي يقفز على الضفدع المشرئبة رأسه فوق صفحة الماء، أغلق الذئب العين المفتوحة وفتح العين المغلقة، حلق غراب ولف في الجو ناعباً، رفع (الحاج) وجه طفله بكف يده ليريه الغراب؛ كركع الطفل ضاحكاً، مست قدم النمس أرضاً مروية فخشى الوحل وتراجع، قلد (الحاج) صوت الغراب ليزيد من إمتاع وحيده؛ ثم رفع الولد وأوقفه أمامه على ظهر الحمارة وعضه في خده فاستمر الولد يضحك، أحست الحمارة بما يجري فوقها فأبطأت كثيراً لكن (الحاج) هشها بساقيه، والبقرة هادئة تسحب عجلها في الخلف، أدخلت عمتي نفيسة أولى صحاف السمك في الفرن وانتهرت الكلب ليبتعد فنهض وتراجع خطوتين وعاد فأقعى مرة أخرى، وألقت يامنة بحزمة برسيم للأرانب، وكّبر الشيخ حسني مفتتحاً صلاة المغرب .
وحمل عبد اللاه زوجته بين أحضانه وأرقدها فوق السرير فاهتزت الفرشة، وقفز الذئب داخل القصب، وترك الثعلب رأس الضفدع وانسل وسط الساسابان، ثم غمر الدنيا السكون.
بقايا ضوء في آخر غرب الدنيا، السكون، تلاشت كل أصوات القرية، قالت عمتي نفيسة : اللهم اجعله خيراً، وارتجف الشيخ حسني وارتبك في الفاتحة فاندهش المصلون، وعوى الكلب وظل واقفاً، وانفلتت الأرانب إلى جحورها تاركة حزمة البرسيم، وانخبطت الغمامتان كلٌ في الأخرى فتساقط السواد فوق النخيل والقصب والذرة وصحاف السمك وصحون الملوخية والقلقاس وصفوف المصلين والعيش المقمر، وكاكت الفراخ منزعجة، وعوى الكلب مرة أخرى، وتراجع عبد اللاه للخلف وأنزل ملابسه فظلت زوجته متمعنة في وجهه. وترك عبد الحميد المِزين رأس صادق ونظر إلى الأفق، واهتز بدن الحاجة شفاء وأحست بوخز في عنقها، وأسقط محمد عبد التواب طفله من فوق رقبته، وتوقف محمود عبد الجابر عن دهان مؤخرة جمله، ووضع ضيوف محمود عبد الرجال اللقمة في أفواههم وأنصتوا، وسقطت زجاجة الجاز من يد طفلة وانكسرت البيضة في يد الطفلة الثانية.
سكن جسد القرية كله وانتصبت آذانها متنسمة أي صوت في آفاق السكون. وهمست أم محمد : اللهم اجعله خيراً .. استر يا رب ... ودوى عيار ناري، وخبطت عمتي نفيسة على صدرها وصرخت منزعجة منتفضة : هذا العيار قاتل ...!!
بعدها بثوان انداح صراخ القرية ملتاعاً :
- الحاج وطفله انضربا بالرصاص.

........................................

(4) موقعة الجمل

 

القيالة سحبت الناس والبهائم من الشوارع والجسور، ألقت بهم على المصاطب وداخل الزرائب والبيوت. وصف الشيخ عبد العزيز خليل (92 عاماً) طقس ذلك اليوم بأنه جهنم، وقالت زوجته الوحيدة الباقية على قيد الحياة (وهي مقعدة) : اللطيف هو الله .

وأغلق الحاج نادر الدكان وهرع إلى باحة المسجد، حيث استرخى – أقصد استلقى – وهو يلهث دون أن يلقي السلام على جثث محمد عبد المجيد وعبد النظير إبراهيم، وأبي زيد، وقاعود، حتى الذباب والكلاب والغجر همدوا وكمنوا .. القرية كلها – هجعت دون نوم تحت الحوائط وبجوار الأزيار وفي الظلال، ولم يكن في الجو نسمة واحدة يمكنها أن تزيح الجبل من فوق الصدر . ثم مرق في مسالك القرية أحد الرجال واندفع إلى الأبواب يدقها بعنف صارخاً : صاحبكم وصل فانفتحت الأبواب والطاقات .. الذين كانوا في الباحات المفتوحة : باحة الجامع والسويقة تحركوا لا : رغم أنهم لم يكونوا أول من سمع النبأ، أخذتهم الرجفة في أول الأمر، لكنهم تداركوا شتاتهم واهتزت أبدانهم، ثم انفلتوا غلى الطرق، يتبعهم بقية الخلق، فصاحبهم وصل ..

كان مقصدهم : منزلاً قصيراً في أعلاه نافذة حديدية، وبابه مرقع بكمر حديد (من الكمر الذي استولت عليه القرية عندما اشتركت في تحطيم مركز شرطة البندر أيام ثورة 1919 ونهبت ما فيه).

وفي ثوان معدودة تحلق الخلق حول المنزل؛ لم يبق كائن وراء الجدران، الكل هنا، تجمعوا في هذا المنخفض الرطب، ووجوههم تلف المنزل، وأصواتهم تعربد في الجو، والحرارة تشوي الجلود – افتح الباب يا جمل، لكن "الجمل" لم يفتح الباب أو النافذة، فتحركت تموجات القوم في كل اتجاه ...

-  اخرج يا جمل ...

لكن "جمل" لم يخرج، فدق الأقوياء الباب بانضغاط عنيف، والباب كتلة فولاذ .

-  افتح يا جمل!

وانهال الطوب على الباب والنافذة وصكت النساء المسامع بصراخ منفر خشن، وظل الباب مغلقاً والنافذة مغلقة .

-  نَهد البيت فوق دماغه.

واندفعت الحجارة الضخمة من الجبانة وبطن المنخفض تهز الجدران والباب، وتحولت البقعة إلى سحابة غليظة من الغبار، واكتشف بعض رجال الميمنة جذع نخلة مقطوعة فرفعوه في عنف ودون إعياء، وبدأوا يدقون الباب، وبين كل دقة وأخرى ينهمر التراب من الحوائط وأصداغ الباب ... وبدأ الباب يتلخلخ .

ثم انفتحت النافذة، فتحها الجمل بنفسه، وظهر وجهه الأبيض المرتعب من بين القضبان، وحينما انهمرت عليه الحجارة والطوب أغلق النافذه .

-  اخرج يا جمل ...

وفتح الجمل النافذة مرة أخرى، وامتدت يده بقماشة بيضاء، فإذا بالعيون تتسمر على النافذة، امتصت الراية البيضاء الزعيق والصراخ والحركة ... وصرخ صوت الجمل متوسلاً :-

-  أنا خارج، على شرط ...

واستمر الصمت فأكمل الجمل : ما فيش حد يقرب من الأولاد ...

المعاوضة والحدايدة والفيران على اليمين، الشنّاوية والعمايشة وأولاد الجَربان على الشمال، في القلب وأسفل جدران البيت مباشرة باقي الناس ... تراجع الجميع إلى الخلف وصنعوا ربع دائرة أمام الباب.

انفتح الباب .

خرج طفل صغير يلبس قميصاً زاهياً مشجراً وبنطلوناً أبيض، كان وجهه مزعوراً، ولم يكن يدري بعد خروجه بسنتيمترات إلى أين يتجه .. تبعته طفلة نحيلة تكبره بعام أو عامين، ترتدي فستاناً ذا خطوط عريضة خضراء، وكفها الصغيرة تلف في الهواء محاولة التشبث بأخيها ... آخر أصوات القوم تلاشت، وغمر الصمت الجميع.

بعد ثوان خرجت الأم صفراء ... كالرهقان.

 - اخرج يا جمل .

وماجت أصوات مفزعة، وكاد الطفلان يعودان رعباً إلى الداخل، حينئذ تحركت بلطة سوداء، تحركت بلطة سوداء صدئة ومارت في الجو واندفعت في سرعة إلى رأس الطفل، ثم بلطة أخرى شرسة، وانشرخ رأس الطفل، انشرخ رأس الطفل، وسقطت قراعتها، وبلطة ثالثة تلمع، لتتمزق رقبة الطفلة، وارتمت – الرقبة – إلى الخلف، بلطة إلى أعلى وبها قماشة الفستان .. امتدت يد غليظة منفردة إلى الأم وجذبتها خارجاً ربع متر، وانزرق واحد إلى الداخل فسحب الجمل من رقبته وألقاه أرضاً، وانهالت البلط والفئوس وتلاحمت .. واستمرت تمزق .
 

 

ولد محمد مستجاب عام 1938 في محافظة أسيوط ، وعمل في الستينات في مشروع بناء "السد العالي" في أسوان، وثقف نفسه بنفسه رغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية . عمل لفترة في العراق وبعد عودته عـــمل في مجمع اللغة العربية حتى أحيل إلى التقاعد عام 1998.

الأعمال الأدبية:

نشر أول قصة قصيرة وكانت بعنوان "الوصية الحادية عشرة" في مجلة الهلال في أغسطس 1969، وقد جذب إليه الأنظار بقوة، وأخذ بعد ذلك ينشر قصصه المتميزة في مجلات عدة.

صدرت روايته الأولى "من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ" عام 1983 التي حصل عنها على جائزة الدولة التشجيعية عام 1984 وترجمت إلى أكثر من لغة . تلتها مجموعته القصصية الأولى "ديروط الشريف" عام 1984. ثم أصدر عدة مجموعات قصصية منها "القصص الأخرى" عام 1995 ثم "قصص قصيرة" عام 1999، ثم "قيام وانهيار آل مستجاب" عام 1999 التي أعيد طبعها ثلاث مرات بعد ذلك. ثم "الحزن يميل للممازحة" عام 1998 وأعيد طبعها أيضاً عدة مرات. ثم أصدر روايتين هما "إنه الرابع من آل مستجاب" عام 2002 و "اللهو الخفي" التي صدرت قبل شهرين من وفاته. وحولت إحدى قصصه إلى فيلم سينمائي عنوانه (الفاس في الراس).

الكتابات الصحفية:

كانت له كتابات صحفية ثابتة في عدد من المجلات والجرائد العربية أشهرها زاويته "نبش الغراب" في مجلة العربي الكويتية وقد جمعها في كتاب حمل نفس الاسم صدر سنة 1999 ، زواية "بوابة جبر الخاطر" في جريدة أخبار الأدب وجمعها أيضا في كتاب من جزأين حمل نفس الاسم وصدر عام 1999.

كتاباته الثابتة في عدد من الصحف والمجلات أبرزها "الأسبوع" المصرية و"الشرق الأوسط " و"سيدتي" و"المصور" وقد جمع هذه المقالات في كتب عدة منها "حرق الدم"، و"زهر الغول"، و"أبو رجل مسلوخة"، و"أمير الانتقام الحديث"، و"بعض الونس"، و"الحزينة تفرح".

وفاته:

توفي عن 67 عاما يوم السادس والعشرين من يونيو 2005 بعد أن أمضى عشرة أيام في العناية المركزة لعلاجه من فشل كبدي.

...................

مواقع مرتبطة:

http://ar.wikipedia.org

http://www.elaph.com

http://www.al-araby.com

http://www.ofouq.com

 

عودة إلى جسور

عودة إلى بالقلم

«ويكون لك ولد ذكر من صلبك تضيع عينه اليمني جهلاً واليسري ثقافة، يهلك أطناناً من التبغ والورق وأبيات الشعر والشاي ومكعبات الثلج وآيات التكوين والمبادئ والملوك والخفراء والثرثرة والشعارات والوزراء، يكون رءوماً قلقاً جامحاً جامعاً لصفات الكلاب والعصافير والحنظل والحشرات والأنبياء والأبقار، يداهمكم بقصصه القصيرة حتى يقضي نحبه مجللاً بآيات الفخار في العراء علي قارعة الوطن»

من رواية قيام وانهيار آل مستجاب