هنا النمسا

 Bookmark and Share

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حسن بارود

.........................................

كاتب مقيم في النمسا

 

hassanbaroud@hotmail.com

 

صفحته

 

 

المقالات الواردة في (أكثر من رأى) تعبر عن رأى كاتبها.. ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

 

من نحن

 

ثقافة الطمس

والمحو والتشويه!

 

من منا لم يندهش لكثرة ما يشاهده في المواقع الأثرية المصرية لعصور مصر الفرعونية المتعاقبة من أنوف مكسورة وتماثيل لأجسام من الحجر الصلد لا تعتليها رؤوس أصحابها، وكتابات على الجدران مكشوطة أو مطموسة، قيل في تبرير تلك الظاهرة أنها تعبر عن سخط الشعب وربما ثورته على حكامه تارة، أو لرغبة حاكم "فرعون" ما في طمس إنجازات وتاريخ من سبقه من فراعين مصر القديمة، وقيل أيضا أن الكنيسة المصرية في مهدها سعت إلى كشط وإزالة أو طمس كل ما كان يمت للوثنية بصلة.

لقد قيل أيضا أن المسلمين الأوائل اعتدوا على التماثيل الحجرية التي ربطوا بين استمرار بقائها شامخة وعبادة الأصنام قبل فتح مكة وبدء انتشار الدين الجديد في بقاع المعمورة. ثم قيل أيضا أن المسيحيين والمسلمين المصريين شيدوا كنائسهم ومساجدهم وحصونهم في أرجاء مصر بحجارة وأعمدة المعابد المصرية القديمة، وقيل كذلك أن جيش نابليون بونابرت أقدم على كسر أنف أبي الهول ليكسر مع أنفه إرادة المصريين في صد الحملة الفرنسية على مصر.

ورغم كثرة القيل والقال في هذا الشأن، إلا أن الواقع يؤكد لنا أن آلافا من التماثيل والمعابد المصرية القديمة قد تعرضت لعمليات تخريب وتدمير على امتداد العصور لنجد أنفسنا في مواقع عديدة أمام أطلال لم يحرص الخلف على الحفاظ أو الإبقاء على ما تركه لهم السلف. وتلك ظاهرة تستوجب الوقوف أمامها واستيعاب مغزاها ودروسها؛ فتاريخ الشعوب والأمم ليس سوى تراكم لإنجازات وإخفاقات تلك الأجيال في مختلف مجالات الحياة من فنون وعمارة وزراعة وصناعة وأدب وملابس وأزياء وأطعمة وكل ما يتصل بنشاط الإنسان على الأرض التي عاش على ترابها واؤتمن عليها.

وقبل نحو مائتي عام جاء محمد علي مؤسس مصر الحديثة بابتكار جديد؛ فبدلا من أن يطمس أو يمحو ما بناه المماليك قرر التخلص منهم بتصفيتهم جسديا بما عرف بمذبحة القلعة، ليمحو بذلك فكرهم وتفكيرهم ويسكت أصواتهم إلى الأبد.

فإذا جئنا أو جاء بعضنا ليطمس أو يمحو أو يشوه جزءا من ذلك الموروث التاريخي تأرجحت كفتا الميزان، وصارت صورة التاريخ منقوصة ومشوهة ولا تعكس التدرج التراكمي لفعاليات التاريخ ومدلولاته. لكنها طبيعة النفس البشرية فيما يبدو، إذ تغلبت الذاتية الفردية على مصلحة الجماعة، خاصة إذا امتلك الفرد الحاكم السلطة والسطوة والنفوذ، ووجد من حوله يزيّنون له أفعاله ويحقّرون كل أو جل ما صنعه من سبقوه. وما حادث تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان على أيدي المتأسلمين من حركة طالبان إلا دليل آخر على ثقافة الانغلاق والسعي لإزالة الغير وتحقير تراثه!

لماذا هذه المقدمة الطويلة؟

ترتفع الآن في مصر أصوات كثيرة تطالب بمحو كل أثر لحكم الرئيس السابق حسني مبارك، وقد ترجمت بعض الأفكار إلى أفعال تمثلت حتى الآن في رفع أسماء المنشآت العامة التي سميناها نحن باسمه، وتنافسنا كثيرا وطويلا على تسمية كل ما نرى أنه كبير وعظيم أو حيوي باسم الرئيس السابق أو زوجته، كما حدث مع جمال عبد الناصر ومن بعده أنور السادات ومن قبلهما الملك فؤاد الذي غيرنا اسم جامعته إلى جامعة القاهرة وكذلك ما حدث لاسم آخر ملوك مصر فاروق الأول حين بلغت بنا الجرأة مدى عبثيا حين شوهت صورة الملك فاروق في أفلامنا التي أنتجت إبان ولايته عرش البلاد، وكأن تغيير أسماء بعض المؤسسات وإزالة الصور سيمحوان تاريخ حكام مصر ويزيلان آثارهم من الوعي المصري.

الواقع أنني شخصيا أرفض فكرة إطلاق أسماء الحكام أو الفنانين وغيرهم من الشخصيات البارزة على مؤسسات أو أبنية أو أماكن أثناء حياتهم، إذ أن النفاق والمداهنة يلعبان دورا كبيرا في عملية اتخاذ القرارات في هذا الشأن.

لا أعتقد أن الرئيس السابق وغيره من حكام مصر طلب إطلاق اسمه على أي من مؤسسات الدولة، لكني على يقين أن كبار وصغار المسئولين في عهد أي حاكم مصري هم الذين بادروا بذلك، إظهارا لولائهم لجلالته أو فخامته، وإمعانا في سياسة النفاق والمداهنة.

فلو أننا انتظرنا خروج الحاكم من السلطة وقيمنا دوره في حكم البلاد وارتأينا "تخليد" اسمه عن طريق استفتاء شعبي لسكان الحي مثلا، إن كان الأمر يتعلق بتسمية شارع أو مبنى أو مؤسسة في نطاق الحيز الجغرافي للمنطقة، أو إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسة قومية أجري استفتاء في المدينة على هذا الأمر - سواء بعد الخروج من المنصب أو من عالم الأحياء - لاكتسبت العملية مصداقية، ولتعذر تغيير التسمية بدون استفتاء مماثل.

والواقع أيضا أن ثقافة المحو والطمس والتشويه صارت فيما يبدو مكونا أساسيا لسياسات بعض الفرق والنحل المصرية من مدعي التدين المعاصرين الذين خرجوا إلى ساحة العمل السياسي العام من جحور مظلمة، سواء في سجون الطغاة أو حصون الفكر المنغلق، وإلا بماذا نفسر ما حدث لبعض التماثيل في ميادين بعض المدن المصرية من اعتداءات لبعض التيارات الإسلامية الصاعدة في مصر بعد ثورة يناير 2011 التي أصرت على تغطية تلك التماثيل أو كسوتها لحجبها عن أعين الناظرين؟ ألا يعد هذا الأمر مؤشرا لا تخطئه العين لاحتمال إقدام أولئك المنغلقين على تحطيمها أو إزالتها حين يتمكنون من السلطة في مصر؟!

هل يعتقد أولئك أن من المصريين من يسجد اليوم لتمثال من دون الله؟! وهل يحق لهم أن يغلقوا نوافذ الفكر والخيال والإبداع، لا لشيء سوى أنهم منغلقون على ما يتناقلوه ويجتروه من أفكار وآراء، جعلوها أحكاما قاطعة لا تقبل الجدل أو النقاش؟

إذا كان هناك من يعبد أصناما، فهم أولئك الذين يدينون بالولاء والطاعة لأمير الجماعة، أو شيخ الطريقة، أو إمام المذهب الذين نصبوهم خلفاء لله على الأرض، يقررون مصائر البشر، هذا إلى الجنة وذاك إلى جهنم!

ثم أو ليس حرص وإصرار تلك الفئة على "تغليف المرأة" بتنقيب جسدها وإسكات صوتها صورة أخرى مهينة من صور ثقافة الطمس والمحو والتشويه؟ إنهم يسعون إلى مسخ هوية المرأة لتصبح كالأشباح السوداء، هزيلة الكيان، مسلوبة الإرادة، جل وظيفتها إمتاع الرجل والتنفيس عن غرائزه والإنجاب.

إلى متى ستظل ثقافة التفسير الجنسي للدين مهيمنة على عقول أتباع تلك الفرق، فلا يرون في المرأة إلا عوراتها، ولا يتدبرون في عورات أنفسهم الفكرية؟

لذلك يجب على اللجنة التي ستصوغ دستورا جديدا لمصر أن تضمن الدستور مادة أو أكثر تعلي قيمة التراث الإنساني للمصريين بغض النظر عن منتجيه، لأنه إرث للأجيال لا يحق ولا يجوز أن يستأثر به جيل دون غيره.

على التيارات الدينية المتشددة التي تعطي أتباعها رخص الحديث باسم الله والعقيدة أن تدرك أن المصريين قد بلغوا سن الرشد منذ قرون عدة، فلن تجد مصريا سويا يدعو إلى عبادة الأوثان والأصنام والتماثيل من دون الله. عليهم كذلك أن يدعوا شأن العقيدة لله وحده فهو سبحانه وتعالى الذي سيفصل بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، وهو الذي يقرر العفو أو العقوبة ويحدد مكانها ومدتها، وليس فضيلة المرشد أو الإمام أو الأمير أو القس أو الحبر الجليل.

علينا أن نستفيد من تجارب ودروس الماضي، فلا نؤله حاكما ونعصّمُه عن الخطأ، ولا نبالغ في التزلف إليه، فهو كغيره إلى زوال، ولن تبقى سوى محاسن الأفعال والأعمال للوطن والمواطن، فإذا ارتأينا ضرورة تكريم أحدهم بإطلاق اسمه على مؤسسة ما، فلنفعل هذا بحكمة وتعقل لا بعواطف ولا أهواء.

إن التاريخ سيحاكم الرئيس السابق وغيره من أولي الأمر في مصر، ولكي يكون حكم التاريخ منصفا وعادلا يجب علينا أن نتناول أعمال وأفعال أولئك الناس بالتروي والموضوعية، وأن نؤجل إعلان أحكامنا حتى تهدأ مشاعر الغضب، ويتلاشى إحساسنا بالظلم والقهر، ولنترك للقضاء مهمة الفصل في تلك الأمور دون ضغوط وتهديدات.

ولتكن رغبتنا في القصاص قائمة على العدل والعدالة وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فلن يضار شعبنا إن منح المتهمين حقهم في محاكمة قضائية عادلة، ولنعلم جميعا أننا أيضا شاركنا في جرائمهم بصمتنا وتخاذلنا وتهليلنا بالطبل والزمر، وأننا ساهمنا ـ كل بقدر ما أراد أو استطاع في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ـ في مصر - ومن كان منا بلا خطيئة فليرم جاره بالحجر الأول!

علينا أن ننطلق لإعادة بناء مجتمعنا، وإصلاح ما أفسده المفسدون منا، ومراجعة أنفسنا، فنطرد الخوف واليأس من نفوسنا، وننشر الأمل في مستقبل أفضل في مجتمع يقوم على مؤسسات مستقلة وشفافية في كل مناحي حياتنا.

................................

فيينا في 2 مارس 2012

 

        

 

 

 

 

 

 

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

Bookmark and Share

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي