Bookmark and Share 

 

 

 

علي فرغلي

.........................................

كاتب مصري

يقيم في النمسا

 

صفحته

 

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

تعبر عن رأى كاتبها

ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي

 

الوجه الآخر للحياة 

 

رغم كل القصائد، والكتابات والأحاديث التي تناولت الحب، إلا أن المسافة بين الناس تزداد، ويزداد معها الكراهية والقتل والحرب! 

أثناء العودة إلى منزلي في فيينا "المدينة التي نالت هذا العام الترتيب الثامن كأجمل مدينة على مستوى العالم من حيث جودة الحياة"، دخل من الباب الخلفي لـ "الترام" ثلاث بنات صغيرات تتراوح أعمارهن مابين العاشرة والخامسة عشر، إحساسهن بالحرية والأمان جعلهن يتسمن بالثقة، يضحكن بصوت عالٍ، قلوبهن الصغيرة تغمرها الفرحة والحب، يتكلمن بتلقائية فائقة دون خوف من متحرش أو نظرة ذكورية مريبة، ترتدين ملابس نظيفة و"إكسسوارات" أنيقة، تعلو البسمة وجوههن وتحملن في قلوبهن آمال المستقبل.

جلست إحداهن على الكرسي المقابل لي، تحمل ملامحهن أصولا عربية لكن لا أعرف من أي دولة، فالنمسا بلد جميل يبدو كطوق نجاة لكثير من الهاربين من جحيم الحكومات المستبدة.

وقعت عيناي على يد إحداهن، فرأيت على أظافرها لوحة فنية جميلة من "المانيكير". لا يبدو على الفتاة أنها ذاهبة إلى حفلة أو عائدة من سهرة، ما لفت انتباهي شكل وكمية الألوان والنقوش المستخدمة ما جعلني أتساءل: كم استغرقت هذه الفتاة من الوقت والمال لعمل كل هذا؟ الذين يقومون به في أوروبا مختصين يحتاجون إلى مدارس وتدريبات عملية، فهي مهنة ووظيفة لها شروط ومتطلبات لذا أظنها مكلفة حتى على المستوى المادي. وبالرغم من أنني على المستوى الشخصي، لا أحب تركيب الأظافر والرموش الصناعية بل أحب أكثر ما هو طبيعي دون مبالغة أو تشويه، لكن في النهاية كل إنسان حر طالما أنه يستمتع بحياته دون أن يتعدى على حرية الآخرين.

لكن وجدتني أفكر في موت الأطفال في مجتمعاتنا من الفقر. هنا دول ومجتمعات وفرت الأمن والأمان والتقدم والحرية والرفاهية وسبقتنا بمئات السنين. مازالنا نعيش في غيبوبة لم نفق منها، قد يغضب مني البعض مردداً بفخر: "إننا نمتلك حضارة آلاف السنين، نحن من صدّرنا للغرب التقدم والعلم.. الخ"، لكن علينا أن نعترف أن حاضرنا مخزي ومحزن.. الحضارة هي أن نواكب العصر.. أن نقدم للبشرية الجديد والمفيد.. أن تحمي نفسك بسلاح العلم والمعرفة.. أن نستمتع بالحياة دون خوف.

اقتربت محطة وصولي للبيت، نزلت من "الترام" وتركت الفتيات يضحكن ويتحدثن بلغة غير لغة بلادهن الأصلية وهوية غير الهوية. في طريقي قابلت إحدى الصديقات، ألمانية تسكن معي في العمارة نفسها، كلما رأيتها تنتابني مشاعر متناقضة، قالت لي ذات مرة: أقصى أمانيّ أن أحصل على عمل جيد وراتب أستطيع به شراء طعام جيد من سوبر ماركت فاخر يقع بجوارنا في الحي الذي نسكن فيه". من حق كل إنسان أن يعيش ويحلم كما يريد مهما كان الحلم تافها في نظر الآخرين، لكن حين أتذكر هذه الآمنيات تحاصرني بعض المشاهد لأشخاص رأيتهم يأكلون من صناديق القمامة فقط ليخففوا ألم الجوع.. للحياة أوجه كثيرة مختلفة ومتناقضة أحياناً!

وصلت البيت وجلست لمتابعة الأخبار على "الفيس بوك" الذي أصبح نافذة هامة لكثير من البشر وفي كل المجالات، بل أصبح مرآة فاضحة لكل المزيفين ومساحة شاسعة لـ"الحرية"، نكتب، نتعارف، نتحدث عن الحب والحرب وبرغم كل القصائد وأحاديث الحب، إلا أن المسافة بين الناس تزداد ويزداد معها الكراهية والقتل والحرب! مجازر تضعنا كـ جنس بشري في موضع الإدانة. إننا أمام لغز كبير مهما حاولنا لن نستطيع فهمه، الحياة تحولت إلى دماء سائلة في كل مكان، صراع أتمنى أن ينتهي قريبا لا أعرف كيف!

 

 

 

 

 

postmaster@jusur.net

للتعليق على الموضوع