Bookmark and Share

هنا النمسا

 

 

 

 

 

 

 

 

الرحالة

أحمد الشهاوي

.........................................

ابن بطوطة المصري

.........................................

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

تعبر عن رأى كاتبها..

ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

من نحن

 

 

 

 

 

 

اصمت يا رحالة..

وليتكلم المهندس؟!

 

لا تتكلم يارحالة كفى كلاماً.. لا نريد أن نتعلم منك شيئاً.. لا نريد منك خبرات الحياة التى جمعتها على مدى 23 عاماً من الترحال في كل بلاد المعمورة.. اليوم لابد أن نترك هذا الرجل الرحالة جانباً ليس لأن صوته خافتاً.. ولكن ماذا يفيدنا أن يؤذن هذا الرجل في مالطه؟.. وما فائدة أن يغنى في وسط الطرشان؟..

 غني وتكلم يارحالة كما تريد.. فلن نسمع لك كلاماً.. لأنك تتكلم لغة غريبة علينا.. أنت تكلمنا عن بلاد تقدمت وتغيرت وتجعلنا نتحسر على وجع القلب الذي نعيش فيه.. اصمت يارحالة بارك الله فيك.. وسيبنا في حالنا ياشيخ.. فأنت تكلمنا عن الحد الأدنى للأجور في استراليا (21 دولار في الساعة).. ليس في اليوم ولكن في الساعة.. ونحن نأكل خضروات سقوها بماء مجارى ولحم حمير.. و"مش عارفين ناكل لقمة نضيفة ولا عارفين ندفع تمن العلاج لأولادنا".. أنت تكلمنا يارحالة عن الحياة الكريمة ونحن نخاف من أن نتكلم حتى لا ندخل السجن بتهمة تهديد الأمن العام.. اسكت ياشيخ ربنا يسترك ويخليلك ولادك.. طب ياعم يا رحالة لوعندك خبرات كتيرة كده.. طيب قول لنا نعمل ايه في البلد دي؟.. ولعلمك مهما تقول برضه مش حنسمع الكلام لأن احنا احسن من ننفذ فلسفة (اضحك وابتسم وانظر للجبل) يعنى احنا حنتسلى معاك في الكلام وبس .. ولما يخلص الكلام ولاكأننا سمعنا حاجة .. ماهو عشان كده بنقولك (اصمت يارحالة) وريح دماغك .. بس لو تعرف تقول لنا نعمل ايه في البلد دي يبقى كتر خيرك أو تقول لنا (كيف تبنى الدول؟) .. أيوة (كيف تبنى الدول؟)..

وهنا رد الرحالة غاضبا وقال: والله العظيم أنتم معكم حق.. وسأجيب على سؤالكم.. ولكنى اليوم سأكلمكم بلغة مختلفة تماماً.. لغة الأرقام والمعلومات المؤكدة.. يمكن ربنا ييسر الأمور ونوصل لنتيجة.. سنتكلم بلغة المهندسين.. نعم سنترك الرحالة جانباً وسأجعل المهندس يتكلم.. وبرغم أن الرحالة هو نفسه المهندس.. لكن أمرنا لله.. تكلم أيها المهندس واصمت ايها الرحالة.

المهندس يتكلم ويقول: كنت بالأمس في أعرق جامعة هندسية في أوربا وهى التى تخرج صفوة علماء الهندسة في أوربا منذ أمد طويل وكان لي الشرف أن أكون واحدا منهم.. ولن أتكلم هنا كثيراً عن نفسي وعما أنجزته في حياتى الهندسية، ولكن يكفي هذه الجامعة أنها تعلم بها شخص واحد يعد هو أفضل العقول البشرية المعروفه في العصر الحديث وهو الذي فك أسرار الكهرباء وجعلك تستمتع بنتائجها كل يوم في بيتك وهو (نيكولا تسلا).. ولن أتحدث عن (البروفسور لست) وشركته التى كان ومازال لها فضل تطوير مواتير السيارات التى تركبها.. يجب أن أتوقف هنا عن تعداد باقي الأشخاص وإلا لن ننتهى اليوم من الكلام.. لأن تقريبا كل من درس هنا ترك بصمة في مجال تصميم الماكينات.. كلهم هنا في مثل هذه المستويات.. وقد جمعونا مرة أخرى بعد 25 سنة منذ تركنا هذه الجامعة.. ليكرمونا ويمنحونا الدرجات العلمية الشرفية مرة أخرى.. وحتى يستفيدوا من خبراتنا في هذا المجال لتصب خبراتنا في الجامعة وحتى يبقى الاتصال بيننا دائما بالجامعة التى تخرجنا منها.. وبدأ الاحتفال بموسيقى الساكسفون وبعدها بدأ يتكلم رئيس الجامعة عن كل شخص من هذه القمم العلمية الموجودين في الصورة وماذا أنجز في خلال الخمسة والعشرون سنة الماضية في مجال الهندسة.. ووجد رئيس الجامعة نفسه في مأزق كبير جدا.. فلو عددنا ما أنجزه شخص واحد فقط فسيحتاج الى وقت طويل.. فقد كان حجم الإنجازات مرعباً.. فاتفقنا أن يختصر ذلك في ثلاث دقائق فقط عن كل شخص.. وهنا المهمة كانت صعبة جداً.. فقد كان بيننا من حقق إنجازات مبهرة وكبيرة.. فالتطوير الهندسى الذي صنعه هؤلاء الرجال في بلادهم كاف لرفع مستوى دول بأكملها.. فلن أعدد لكم هنا الابتكارات والاختراعات الهندسية لأنها صعبة الفهم قليلاً، وتحتاج الى وقت طويل وسأذكر لكم ثلاثة أمثلة فقط.. أحد زملاءنا الذين معي في الصورة وصل بحجم شركته المادي الى أن دخلها في هذا العام وصل 300 مليون يورو.. تخيل كم بيت يعيش من هذا الدخل وكم نصيب الدولة من هذا الرجل فقط على مدى خمسة وعشرون عاما ً.. وزميل آخر أبحاثه كلها حول كيف نبدأ وضع أساسيات المصانع الحديثة التى ستنتشر بعد 30 عاماً من الآن ووضع البنية الأساسية لما يسمى (Smart Company) وكيف نؤسس لطرق التواصل بين الماكينات بعضها ببعض وبين الماكينات والبشر.. موضوع يحتاج الكثير من الشرح ولكن ما يهمنا منه هو أنهم يخططون من الآن لما سيأتى بعد 30 سنة.. وواصل رئيس الجامعة حديثه عن الآخرين فكان عندما يتكلم عن هذا.. فيقول أن له اختراع أو اختراعين أو ثلاثة اختراعات أو تطوير لماكينات كذا وكذا.. والمثال الثالث بكل تواضع هي كانت الماكينات التى طورها المهندس أحمد الشهاوي في مجال أنصاف الموصلات وإنتاج الوحدات الأساسية للالكترونيات (Wafer) ووجد رئيس الجامعة أمامه معلومات عن 16 اختراع وابتكار في إنتاج ماكينات أنصاف الموصلات.. فبعد أن تكلم عن التاريخ الهندسى للشهاوي قال جملته التى ستسمعونها في الفيديو: (وسأكتفى بأن أقول أن له العديد من الاختراعات والابتكارات الهندسية).. واأثارت هذه الجملة شغف زملائي مما جعلوهم يقبلوا علي بعد المحاضرة ليناقشوا إنجازاتى في هذا المجال.. وكنت أنا الوحيد بينهم الذي عملت بهذا المجال الذي يكتنفه الكثير من الغموض والسرية الهندسية.. وطبعا كان سر الإقبال أيضا أننى لم أكن فقط المصري الوحيد بينهم.. ولست فقط العربي الوحيد.. بل الأجنبي الوحيد من خارج قارة أوربا.. وشعري الأسود والعيون البنية كان لها جاذبية الشرق وجماله.

تعالوا نكمل حديثنا واعتبروا كل هذا فقط هو تمهيدا لكى اجيب على سؤالكم.. وهو (نعمل ايه في بلدنا ياباشمهندس؟).. لا تتسرعوا ستصلكم إجابة صريحة بدون أي دبلوماسية.. وإن كنت واثق أنكم بعد أن تقرؤوا السطور التالية ستصلون الى الإجابة بأنفسكم ولن تحتاجوا أن تسألونى عنها.

تعالوا نتكلم قليلاً بلغة الأرقام وبموضوعية بحتة وسأترك لكم أنتم الإجابة بشرط واحد أن لا تهاجموني في شخصي حتى لو اختلفنا في تشخيص المرض.. فأنا لست محسوباً على أي فئة ما ولا مجموعة ولا أحزاب ولا سياسة إطلاقاً.. وإنما محسوب فقط على حب مصر الذي يسيطر على قلبي طوال سنين الغربة وليس لي خيار في ذلك.. لأن حب هذه البلد هو جزء من كياني الذي لا يمكن استبداله بأي حال من الأحوال.. أذاً تعالوا نتكلم بلغة المهندسين.

فقد حاولت أن أعرف سر قوة هذه الجامعة التى يتخرج منها علماء بهذا المستوى يحملون لواء الهندسة الأوروبية فأنا أعرف تاريخ الجامعة وأصالتها وصعوبتها أيضاً.. ولكني سألت عن الميزانية والأموال التى ترصدها الدولة النمساوية لهذه الجامعة الهندسية فقط، ولتصميم الماكينات بالتحديد.. فليس لنا هنا علاقة بكليات الطب والكيمياء والتجارة ولكننا نتكلم هنا عن تصميم الماكينات.. وهنا ظهرت المفاجئة.. الدولة ترصد للأبحاث العلمية في هذه الجامعة مبلغ 235 مليون يورو سنوياً.. مبلغ رهيب.. تعالوا نسهل العملية الحسابية تقريباً ونفترض أنها فقط ربع مليار يورو سنوياً.. ولو حولنا هذا المبلغ الى الجنيه المصري يعادل 5 مليار جنيه مصري.. ايه ده كله.. فقط لجامعة جراتس الهندسية كل سنة خمسة مليار جنيه.. خليك معايا يا صديقي ولا تنزعج ولا تقول (واحنا حنجيبوا الفلوس دى منين؟).. سنواصل العملية الحسابية.. أي أن هؤلاء الذين معى في الصورة كلفوا الدولة النمساوية خمسة مليارات في السنة؟.. نعم هذا صحيح.. ولكن لا تنسى أننا نتكلم عن بشر مميزين ومخترعين ومبتكرين ومصممين ماكينات على أعلى مستوى علمى في أوروبا.. مش خسارة فيهم لأنهم سيفيدون الاقتصاد بأكثر من ذلك..

نواصل العملية الحسابية.. في مثل هذه التخصص في هذه الجامعة يحتاج الشخص في المتوسط الى تسع أو عشر سنوات من الدراسة الشاقة.. يعنى أن إنتاج مثل هذا العدد من المهندسين يحتاج الى عشر سنوات وكل سنة تكلف خمسة مليارات بالجنيه المصري.. أي كى نحصل على هذه المجموعة المميزة من المهندسين علينا أن نعرف أنهم قد كلفوا الدولة النمساوية 50 مليار جنيه مصري.. أكرر الرقم للتذكرة (50 مليار جنيه مصري).. وقف يا باشمهندس... واحدة واحدة.. الرقم ده مش غريب على ودنى.. أو رقم مشابه له.. افتكرت.. مش الفلوس اللى جمعوها لحفر قناة السويس الجديدة كان برضه (60 مليار جنيه).. نعم صحيح.. يعنى تقريباً نفس المبلغ.. ايوه صحيح.. عايز تقول إيه يا باشمهندس؟.... عايز تقول إيه يا باشمهندس؟. يرد المهندس قائلاً: مش عايز أقول حاجة ولا أناقش وأقارن العائد الاقتصادي للقناة الجديدة مع العائد الاقتصادي لهؤلاء البشر الذين معي في الصورة.. أنا سأطرح سؤال واحد فقط وأنت تجيب بنفسك كما تريد.. وإن أجبت على السؤال بصدق وموضوعية وبدون شتائم ولا انفعالات ولا تحيز لأحد.. لو أجبت على السؤال الذي سأطرحه الآن بصدق ستعرف (كيف تبنى الدول).

عندنا هنا مثالين فقط لا ثالث لهما.. دولة استثمرت خمسين مليار لتخرج هؤلاء العلماء الذين في الصورة.. ودولة أخرى استثمرت نفس المبلغ في حفر قناة جديدة.. أيهما أفضل؟ الذي استثمر في العلماء؟ أم الذي استثمر في القناة؟

ببساطة شديدة جداً... أيهما أفضل هؤلاء العلماء؟ أم القناة؟

هكذا يا صديقي (تبنى الدول)..

سؤال يطرحه عليكم المهندس أحمد الشهاوي، وهو نفسه الرحالة المعروف باسم (ابن بطوطة المصري).. بعد تكريمه من جامعة جراتس الهندسية بالنمسا.

السؤال هو:... أيهما أفضل هؤلاء العلماء؟ أم القناة؟

 

 

 

زوروا صفحة الكاتب

للتعليق على الموضوع

 

postmaster@jusur.net

 

 

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي