هنا النمسا

 

من نحن

 

 

معضلة "دعم" البحث العلمي

 

يشمل مصطلح "دعم" البحث العلمي مفهوم دعم المشروعات البحثية، سواء في مجال العلوم الطبيعية أو الاجتماعية. ويتم الحصول على هذا الدعم عن طريق عملية تنافسية تخضع للتحكيم بين المشروعات المقدمة حتى يصل الدعم إلى ما يستحق منها.

وللدعم مصدران رئيسيان، إما مؤسسات خاصة كبيرة أو مؤسسات حكومية. والحقيقة أن المؤسسات الحكومية هي عادةً الداعم الأكبر. وقد يأتي جزء صغير من الدعم في صورة تبرعات من منظمات خيرية، خاصةً فيما يتعلق بأبحاث تتعلق بعلاج بعض الأمراض مثل السرطان والإيدز. ولأنها أموال ممنوحة، يصبح من الضروري وجود آليات للتأكد من عدم إهدارها وضمان الاستفادة القصوى منها.. فهل يحدث هذا في مصر؟

إذا تحدثنا عن وسائل دعم البحث العلمي في مصر فسنجد مصدرين رئيسيين: الأول، صندوق دعم العلوم والتكنولوچيا التابع لوزارة البحث العلمي، والثاني أكاديمية البحث العلمي والتكنولوچيا. وتبدأ العملية بأن تُعلِن تلك الجهات عن مواعيد التقدم وشروطه. ثم يتقدم الباحثون من الجامعات الحكومية والخاصة ومراكز البحوث بمشروعاتهم حتى تخضع للتحكيم. وهنا يبدأ تداخل مجموعة الخيوط التي تكوِّن نسيجًا غير محدد اللون أو التصميم.

أول تلك الخيوط هو اختيار المُحكمين، فمع محدودية عددهم في مجتمع علمي صغير نوعًا ما يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً، تصبح عملية التحكيم قائمةً على معرفة المُحكَّم الشخصية بالمتقدِّم أكثر منها على قيمة البحث نفسه. ثم يأتي ثاني الخيوط وهو الوقت الذي تستغرقه تلك العملية، ففي أغلب بلاد العالم تستغرق عملية التحكيم ستة أشهر على الأكثر، وأحيانًا ما يكون موعد إعلان النتيجة محددًا في الإعلان عن المنحة.

أما في مصر، فقد تستمر عملية التحكيم لعامين أو ثلاثة دون إبداء رفض أو قبول أو حتى تواصل. مما يضطر الباحث إلى الشروع في العمل باستخدام مصادر أخرى تُعرِّض الجهد المبذول للإهدار وتعظِّم من خسائر المشروع، لأنه في حال قبول المشروع بعد تلك المدة الطويلة، ففي الغالب سيتم توجيه الدعم إلى شيء مختلف تمامًا عما كان مخططًا له في الأساس.

ويأخذنا هذا للخيط الثالث، وهو المتابعة من قِبل الجهات المانحة، فالوسيلة الوحيدة للمتابعة دائمًا هي المطالبة بإرسال تقارير دورية ربع سنوية على أقصى تقدير، وهي مدة قصيرة نوعًا وليس من المتوقع الحصول خلالها على نتائج حقيقية، بينما الحد الأدنى للحصول على نتيجة مقبولة لا يقل عن ستة أشهر على أي الأحوال. وفيها تتم كتابة التقارير وإرسالها وإخضاعها للتحكيم ثم إرسال النتائج، وهي عملية تستهلك الكثير من الوقت والجهد، وأهميتها تكمُن في التأكد من توظيف أموال المشروع بشكل صحيح.. فإذا كان هذا هو السبب، فلماذا لا تُوضع جداول زمنية منطقية للمتابعة؟

وترتبط عملية المتابعة مباشرة بآليات صرف الدعم، إذ لا يتم منح مبلغ الدعم كاملاً  دفعةً واحدة، بل يجري تقسيمه على أربع مراحل أو أكثر، مما يؤثر بشدة على معايير الكفاءة البحثية وبالتالي النتائج، وهذا هو الخيط الرابع في السلسلة، فالمفترض أن تلك المشروعات تقوم في الأساس على عمل باحثين صغار يجري اختيارهم بواسطة صاحب المشروع، وهم مكلفون من الهيئة المعاونة للتدريس، أي المعيدين والمدرسين المساعدين، وبعضهم غير معيَّن لدى أي جهة، فيصبح عملهم هذا هو مصدر الدخل الوحيد، وبالتالي فإن الطريقة التي يجري بها صرف الدعم على شرائح متعددة، ربما يتعطل معها توفير السيولة المالية اللازمة نتيجة لإجراءات روتينية. وقد يؤدي ذلك إلى توقف مرتبات هؤلاء الباحثين الصغار، فتكون النتيجة توقفهم عن العمل لتراجع حماسهم وإحساسهم بعدم جدواه، أو للظروف المادية التي تضطرهم إلى البحث عن عمل آخر، والنتيجة هي تعثر المشروع وعدم تحقيقه للنتائج المرجوة، وبالتالي إهدار قيمة الدعم المالي وفقدان طاقة عملية هائلة يتمتع بها هؤلاء الباحثون.

تتشابك تلك الخيوط الأربعة بشكل كبير، وتشكيلها للنسيج الحالي ينتج عنه العديد من المعضلات التي يمكن التغلب عليها إذا ما تمت إعادة النظر في أول تلك الخيوط وآخرها وإعادة ترتيبها. فتلك الخيوط لن ينسجم بعضها مع بعض دون وضع آلية محددة من قِبل تلك الجهات بهدف التغلب على البيروقراطية العنيفة. ربما بزيادة عدد الموظفين الأكْفاء ذوي الخلفية العلمية الذين يستطيعون تصنيف المشروعات وإرسالها إلى المختصين بسرعة وكفاءة، وفرز ما تم دعمه في السابق بحيث لا يتكرر دعمه في نفس الأماكن، والكف عن التغيير السريع للقيادات، الذي لا يتيح تطبيق سياسة محددة ومتكاملة لمدة معقولة. كما يجب أن تقوم تلك الجهات بعمل إحصاءات دورية لاتجاهات تلك المشروعات حتى تحدد أيها أحقُّ بالدعم.

كذلك فإن دائرة التحكيم يجب أن تتسع لتشمل عددًا أكبر من الباحثين في مصر (أو حتى من خارج مصر إذا تطلب الأمر)؛ حتى ننأى بالتحكيم عن شبهة المجاملات، ولضمان إدخال آراء متعددة تأخذ في الاعتبار الخبرات المختلفة، وذلك لإنهاء حالة الجمود الحالي في الوسط العلمي. أما بالنسبة لضمان استمرارية المشروع والقائمين عليه، فلن يُحل ذلك إلا بالتنسيق المكثف مع الإدارات المالية في الجهات الممنوحة، وضمان سرعة شراء مستلزمات المشروعات وعدم توقف صرف مستحقات الباحثين الصغار ورواتبهم أو تعطيلها.

ومن الواضح أن فك عقد هذا النسيج ليس بالأمر الصعب، بل هو ضرورة حتمية لضمان الكف عن إهدار الملايين من أموال المنح كل عام تحت مُسمى دعم البحث العلمي!

........

عن موقع للعلم

 

      

  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

د. آمل قصري

....................................

كاتبة 

تقيم في مصر

....................................

موقعها

 

 

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

 تعبر عن رأى كاتبها..

ولا تعبر بالضرورة عن رأى

هيئة تحرير جسور

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي