Bookmark and Share

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

تركتني زوجتي

علي الغباشي

 

 

صرفت طلَّابي وطالباتي ليلحقوا بقدَّاس في إحدى الكنائس، فقد مات أبو زميل لهم، وقرَّرت ألَّا أشاركهم فقد.. تركتني زوجتي وعليَّ أن أدبِّر أمري!

جلست وحيدًا في قاعة الدرس أضرب أخماسًا في أسداس. غادرت المدرسة ووصلت قلب المدينة وولجت مقهًى لا أعرفه ولا يعرفني. أسرعت النادلة إليَّ وطلبت قهوةً؛ احتسيتها وأنا أفكِّر وأقسم أخماسًا على أسداسٍ وأسمع لغات أروبَّا الشرقيَّة والغربيَّة حولي.

دلفت إلى محلَّ بيع الكتب الذي يديره صديقي، أسرَّ لي همومه وكتمت عنه سريِّ وجلست أتفحَّص وأقرأ ما كُتب على أغلفة الإصدارات الجديدة. اقترب منِّي وأسمعني مأساته مع جنوح النسوان عن الحقِّ الأبلج. كبحت جماح لساني حتَّى لا أزيده همًّا على همِّه. دخلت كاتبة شهيرة تحتفظ برشاقتها منذ ثلاث وثمانين سنةً، بادلتني الابتسامات والكلمات وخرجتْ، وخرجتُ حاملًا كتابًا لـ فريدرش نيتشه (هكذا تحدَّث زرادتش)، فقد عقدت العزم أن أفهم هذا الفيلسوف بلُغة أمِّه!

عدت إلى مأساتي وفتحت باب الدار وعُلبة تونة وألقيت على لحم السمكة كلَّ بُهارات الهند والسند والبلاد التي تركب الأفيال ودعوت اللَّه أن يجنِّبني أكل لحم الدلفين فقد أخبرتني صحيفة الأمس أنَّهم يصطادونه مع سمك التونة وربَّما أكل الشعب منه وشبِع ونحن لا ندري!

حمدت اللَّه واتَّصلت بي ابنتي من مدينة بعيدة تدرس بجامعتها:

ـ ما رأيك لو زرتني وسأطبخ لك ما تفضِّله وسأغسل ملابسك؟

كلُّ شيء على ما يرام؛ مِحنة وسنتغلَّب عليها جميعًا إن شاء اللَّه!

نمت واستيقظت وصلَّيت وحاولت ترتيب الفراش كما كانت زوجتي تفعل كلَّ صباح ولم أفلح. كيف كانت تفعل ذلك في دقيقتين وأنا أعاني عشر دقائق كاملة؛ أجذب الملاءة من هنا مرَّةً ومن هناك مرَّات ولا يستقيم أمره؟

فطور وقهوة لا طعم لهما و.. الأطباق القديمة والحديثة تنظر إليَّ، نهضت وتركتها كما.. تركتني زوجتي، وعدت إلى مركز المدينة وجلست إلى صديقي بائع الكتب والهموم وبعينيه أكمل لي أحزانه وتركته مع زُبنه وانطلقت بالدَّراجة إلى الغابة والنهر وعدت عازمًا على قهر أدوات المطبخ المُتَّسخة ومسح آثار الإخفاق المنزلي و.. الطبخ!

انفتحت شهيَّتي على البيض المسلوق وبعدها تَحميره بالزبد كما كانت تفعل أمِّي؛ رحم اللَّه الجميع.

سلقت البيض وانفجرت اثنتين ولحقت بهما الثالثة وأسرعت الرابعة والتصقت بهم!

فصلت بينهما وقشَّرت الأولى ووضعت زيت الزيتون عوضًا عن الزبد وبحرصٍ أسقطتُها فيه وهَممت أن أنزع قشرة الثانية وهَمهمت ببعض الغضب وإذا بي أسمع انفجارًا هائلًا ينطلق من الطنجرة الصغيرة خلفي وألقيت بالثانية وإذا بالانفجار يعود بقوَّة ويخلف رذاذًا ملتهبًا فوقي وعلى عدسَتي النظَّارة ولم أر شيئًا وأظلمت الدنيا حولي.

هدَّأت من روعي وأخفضتُ حرارة الموقِد.. وانتظرت ونحَّيت الأجزاء المحترقة جانبًا وسمَّيت اللَّه وأكلت والأطباق والطناجر القديمة والحديثة تنظر إليَّ من المطبخ.. وأنا أنظر إلى الحائط:

لماذا تركتني زوجتي؟

لماذا تزور ابننا وزوجته في العاصمة وتتركني؟

فأنا رجل مسكين لا أعرف كيف تعمل مِغسلة الأطباقِ ولا مِغسلة الملابسِ ولا أتقن سوى الشكشوكة والجعجعة في كلِّ المحافل بأنَّنا؛ نحن؛ معشر الرجال علينا مُساعدة الجنس اللطيف في أعمال المنزل ومساندته في قضيَّته العادلة ضدَّ الرجال الكسالى.

هل أستقبلها بـ.. البركوكس؟ المحشي؟ الحريرة؟ الفتوش؟

لأثبت لها أنَّني لم أكابد  أثناء غيابها وانتصرت؟

نعم، سأفعل ذلك.

نهضت متكاسلًا من فوق سرير مُهلهل ودخلت مطبخًا تهلهل حاله:

أين الشاي الأخضر وأين النعناع وأين.. وأين السكَّر.. أين الشوفان؟

...أين زوجتي؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الغرنوق الأزرق

لعلي الغباشي

يمكن طلبها من موقع أمازون

عبر الرابط

 

 

https://www.amazon.de/blaue-Kranich-Aly-El-Ghoubashy/dp/3990641921

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

<head><script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js"></script>

<script>

  (adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({

    google_ad_client: "ca-pub-6628947656066943",

    enable_page_level_ads: true

  });

</script><head>