Bookmark and Share

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

Google
 

حليب التين.. وسامية عيسى

نائل بلعاوي

 (1)

عادية هي الحكاية التي تقصها علينا سامية عيسى في روايتها الاولى هذه: "حليب التين".. عادية الى حدود التماهي مع مكونات الذاكرة الفلسطينية برمتها: اللجوء، الرحيل، والرحيل الذي يليه غياب الحبيب/ الشهيد. البآس واليآس وشروط الامل،إلى آخر الشريط الشهير، المقدس البعد والوقع عند تلك الذاكرة، وسطحي التناول والتداول، وإلى حدود السذاجة، غالباَ، عند اصحابها. تلك السذاجة التي قادت بلا انقطاع إلى إنتاج الضحل والرديء من انواع القص والشعر واللوحة التشكيلية والاغنية السياسية الممهورة "جميعها".

باختام ومرجعيات بائسة:- شعر وأدب المقاومة - قصائد الحجر - والسجون، وغير ذلك من صكوك غفران أدبي، أوقعت، مع الوقت والتكرار، المبدع الفلسطيني وإبداعه في مطب اللاإبداع، الذي أنتج بدوره شخصية نمطية المواصفات والسلوك: شخصية البطل الفلسطيني العصي على الكسر، والبعيد، أبداَ، عن أبجديات التكوين الطبيعي للبشر؟.

صار الفلسطيني، انسجاماَ مع الرؤية الساذجة تلك، هو الشهيد والسجين والعاشق المتيم بثنائية الحبيبة/ الأرض، أو العكس، إنه بعبارة أخرى وباختصار شديد: - سوبرمان -  الرواية والقصيدة والنشيد، ولعله، انسجاماَ مع الرؤية الثورية هذه المرة، سوبر مقاوم، أليس هو ـ الجبل ـ العتيد الذي ـ لا تهزه الريح؟.

(2)

تبتعد سامية عيسى بشخوصها في حليب التين عن نمطية التصوير  الراسخة للبطل الفلسطيني تلك، لتدخل أكثر في صلب النسيج العادي للكائن البشري وتناقضاته الخالدة: المكر والبراءة، الفساد والصدق، الكره والحب، وأشباح التواصل الجنسي مع الجسد، والجسد الآخر، المرغوب والمفقود في آن. ولعل الميدان الأخير هذا هو مركز الجذب الفعلي في الرواية بأسرها. فهنا، تحديداَ، تذهب الكاتبة إلى المناطق الوعرة في النفس البشرية، وهي مناطق وعرة في الكتابة العربية بشكل عام، لتحكي بصدق، وبلا تحفظ مزعوم، عن فانتازيا الجنس، في عالم بعيد كل البعد عن دوافع الجنس وعوالمه الخاصة: المخيم المزدحم والغرف الضيقة، المراحيض العامة، والعيون والآذان المشغولة ليل نهار بالرصد والتسجيل وحياكة الشائعات.

في العالم غير الجنسي ذاك تبحث (فاطمة)، البطلة الثانية للرواية، عن نفسها التائهة، عما فاتها من هوس طبيعي بالجسد، وعن متع لم تكن حاضرة أو ممكنة، فتلقي، فجآة كما يقدمها النص، بجسدها دفعة واحدة، هي التي غادرت عقدها الرابع بسنوات، لتبدأ على الفور، في مرحاض النسوة العمومي للمخيم، باخراج المخفي من شبق وهوى، وعبر وسيلة واحدة، هي المداعبة الحميمية لذلك الجسد المُستعاد.

عبر شخصية فاطمة، الشخصية الأهم في الرواية/ بالنسبة لي/، تطيح الكاتبة بالمفهوم الصنمي، المُشار سابقاَ إليه، للشخصية الفلسطينية وتبعدها عن إطارها السطحي، فهي، أي فاطمة، أرملة فلسطينيية في مخيم مهمل ومنبوذ. وهي أمُ لأربعة شهداء، وهي التي تخدم في بيوت الاثرياء (قادة الثورة) لتعيل أحفادها. إنها، دون طاقة استحضار كبيرة: الممثلة المعتادة للمرأة الفلسطينية/ أم الشهيد، أخت الأسير (زوجة المفقود) في الأدب الفلسطيني عامة، والمقاوم منه بشكل خاص. ولكن أم الشهيد تأخذ بعدا مختلفاَ بين يدي سامية عيسى هذه المرة؛ فهي سيدة عادية الأحلام والرغبات، واحدة من نساء الارض، بلا هالة مقدسة ورتوش زائفة، صحيح إن فاطمة هي المُنتج الفعلي للمأساة الفلسطينية:/ لاجئة، أرملة لاجيء، وثكلى بأربعة من الشهداء/، وصحيح أن فعلها الجنسي الجريء هو، رمزياَ، فعل مقاوم:/ رفع حاجات الجسد في محيط غارق برفضها/، ولكن الصحيح أيضا وأيضا هو أن علاقة البوح المتبادل بين تلك المرأة وجسدها، هي علاقة ذاتية تماماَ، فردانية خالصة، تُحسب معانيها لصالح النص وليس ضده. وهو الأمر الذي يتكرر مع (صديقة) حيث ترتفع الأنا، عندها، الى حدودها القصوى وتكشف ما لديها.

صديقة، هي البطلة المُفترضة للرواية، هي التي كُتب النص ليقص حكايتها علينا، وهي حكاية عادية أيضاَ ومألوفة: زوجة شهيد (أحمد بن فاطمة)، يحملها البؤس وانعدام وسائل العيش في المخيم، كما الرغبة الشخصية بحياة أفضل، إلى دبي، للعمل، كما انتظرت، في صالون للتجميل، في حين ستجد نفسها متورطة وبسرعة في فخاخ عصابة للدعارة، لتصبح (صديقة) مع مرور الوقت والاحداث وكثرة الدوافع، مومساَ محترفة.

يتواصل، مع صديقة، حضور الجنس وطغيانه في حليب التين، ويغادر حيزه التوظيفي والرمزي/ السياسي والاقتصادي والثقافي/ إلى تخوم فردية بجدارة، جميلة وعميقة في أن، فصديقة العاملة بحرفية عالية في حقل الجنس، هي سيدة من هذا الكوكب في نهاية المطاف، تحلم، وتحاور جسدها، وتبتعد كلما اختلت بذلك الجسد عن وظيفته/ وظيفتها: إشباع الرغبات الجنسية للآخر وليس الأنا.

مع صديقة (زوجة الشهيد)، كما هو الحال مع فاطمة (أم الشهداء) تبتعد سامية عيسى عن الوقوع في فخ التناول التقليدي للشخصية الفلسطينية، فلا شيء مقدس هنا غير الحياة وما تخلقه من شخصياتها المتنوعة ولا حدود طاقتها على التخييل، ولعل الجنس، في الرواية كما هو في الواقع، من أوسع ميادين التخييل وأكثرها إثارة أيضا.

انسجاما مع هذه الرؤيا الإنسانية العالية للنفس البشرية القلقة وغير السوية عادة، لا تدين الكاتبة بطلاتها/ فاطمة وصديقة/ ولا تبحث كذلك عن صكوك غفران لهن، بل تقدم ما لديهن من هموم وتناقضات دون إسقاطات فجة ومربكة، تاركة للقارىء حرية التواصل مع النص بعفوية مطلقة، لا تقودها الأحكام والحجج المسبقة.

حكاية عادية هي تلك التي تقصها سامية عيسى في حليب التين، وغير عادية أيضاَ، فقد نجحت الكاتبة الفلسطينية عبر روايتها الأولى هذه بدخول المناطق الوعرة، الخطرة والغامضة:/ الجنس وانساقه المختلفة/و /هالة التقديس السطحية للبطل الفلسطيني/، لتبدع بين هذا وذاك نصاَ، أقل ما يقال عنه الآن، أنه مختلف، ويستحق بلا أدنى شك أن يُقرأ ويُراجع أيضاَ.

..............................

صدرت رواية حليب التين عن دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.

الطبعة الاولى 2010

..............................

نائل بلعاوي--- فيينا

naelbalawi@hotmail.com

 

مختبر

 لاليش المسرحي

مركز للبحث المسرحي والثقافة البرفورمانسية

 

 

مفهوم الآخر لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط

دعوة لفتح الحوار

(2)

 

النظرة إلى المرأة من الجانبين وعلى الجانبين تتأثر بهذا الذي ذكرناه وتؤثر فيه، فلا يجوز توصيف وضعها دون أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار الشديد.

هنا، نتوقف عند ما ينطوي عليه التعميم من أخطاء:

ففي الغرب، تسود القناعة بأن شرف المرأة في مفهوم العربي أو المسلم مرتبط بحفاظها على عذريتها الجنسية. هذه النظرة وإن انطوت على ما هو صحيح قد أغفلت العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تحدد النظرة للمرأة وترسم مكانتها، وهي عوامل تفعل فعلها في كل شعب ويتطور تأثيرها في سياق الكفاح الطويل والمستمر والمتشابك ضد من عارضوا في كل مكان مساواة المرأة بالرجل. كما أن هذه النظرة التعميمية تغفل ما أنجزه كفاح التقدميين من مكاسب على طريق المساواة.

وفي البلاد العربية والإسلامية، يسود تعميم من نوع آخر: الغرب لا يهتم بشرف المرأة (بالمفهوم الذي ذكرناه سابقاً). وهذه نظرة تغفل الفهم الصحيح لشرف المرأة ولمفهوم الشرف النسبي ومدلولاته لدى المجتمعات الغربية الملازمة لحقوق الإنسان.

الحاجة، إذاً، ماسة لتوفير رؤية واقعية لوضع المرأة، وفهم إن تعدد العوامل المؤثرة في وضع المرأة يؤدي إلى تعدد النتائج. وهذه الحاجة ماسة للفهم المتبادل ولبناء الثقة بالنسبة للجانبين كليهما، وليس لجانب واحد فقط.

هنا، تجدر الإشارة إلى أننا نرى خطورة ما تم تجاهله بنسب متفاوتة. فالصورة التي يجري تعميمها عن المرأة العربية أو المسلمة ورسمها في أذهان الغربيين ليست صحيحة غالباً، وهذا بالقطع لا يؤدي إلى فهم قضاياها على الوجه الصحيح. فالعمل في المجتمعات العربية والإسلامية، كما في المجتمعات الأخرى، جار ومستمر منذ زمن طويل، من أجل تطوير وضع المرأة وتوسيع دورها وتحسين مكانتها، ينجح ويخفق، ولكنه لا يتوقف. ونتائج هذا العمل مرتبطة بثلاثة أمور:

أولاً:       جهود القوى الرجعية السياسية والدينية التي تصر على إبقاء المرأة رهينة المفاهيم المتخلفة ومنعها من الظفر بالمساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات، يقابل هذا جهود التقدميين، إناثاً وذكوراً، في سعيهم لعصرنة المجتمع كله ورفض الوصاية على المرأة من أي طرف كان.

ثانياً: جهود المرأة ذاتها، والحركات النسائية العديدة والمتنوعة في كل بلد إضافة إلى مؤيدي حركات تمكين المرأة وتعزيز التوجه نحو المساواة.

ثالثاً: غياب القرار السياسي في العمل على تعديل الدساتير والقوانين التي تعوق تحقيق المساواة وحصول المرأة على حقوقها.

نستنتج مما سبق طرحه أن هناك عوامل عدة ساهمت وما زالت في تعميق الهوة بين العالمين:

أولاً: نقص شديد بالمعلومات التي تساعد على معرفة الآخر، إذ أن صورة العربي في ذهن الغربي مازالت واقفة عند صورة الغازي الذي يريد أن يفرض شريعته بحد السيف، عنيف، غير رحيم. أما صورة الغربي عند العربي فما زالت مرادفة لصورة المحتل والمستغل الذي يريد نهب ثروات البلاد. كذلك توقفت صورة المرأة العربية والمسلمة عند المرأة المسلوبة الإرادة والمضطهدة والمرغمة على وضع الحواجز بينها وبين العالم الخارجي، عبر الحجاب مثلاً الذي يراه الغربي رمزاً مرادفاً للقهر والعبودية، متناسين أن المظاهر الخارجية ما هي إلا نتيجة وليست الأساس مقارنة لما تتعرض له المرأة من تحديات على كل الأصعدة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. الخ.

ثانياً: غياب الحوار، رغم وجود بعض المحاولات الخجولة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي. وإن حصل الحوار يبق حكراً على القيادات بعيداً كل البعد عن القاعدة الشعبية وممثليها من منظمات المجتمع المدني مثلاً.

ثالثاً: الخوف من ضغوط الرافضين لمناقشة قضايا المرأة مما يؤدي إلى عدم طرح القضايا الخلافية ومناقشتها بصراحة كاملة، أو التحسس من التحدث بها. ومن القضايا الخلافية في العالم العربي، كما يراه الغرب، التركيز على قضية مساواة المرأة، وتسليط الضوء على النقاط السلبية التي تعوق تمكين المرأة بالاستناد إلى النص الموروث والقوانين الوضعية، وذلك دون إغفال الترابط بين ما هو مطلوب على صعيد المرأة وعلى الصعد الأخرى المتصلة بالمجتمع كله. ومن القضايا الخلافية في العالم الغربي، كما يرى العرب، هو التركيز على التعامل مع المرأة وجسدها كسلعة مما يتنافى مع ما يدعيه الغرب من احترامه للمرأة ولكيانها. والأهم مساحة الحرية التي تتمتع بها المرأة وعلى رأسها الحرية الجسدية/الجنسية والتي يصنفها العرب ضمن مفهوم الإباحية.

(يتبـــع...)

 

kiriaky@jusur.net